صدر مؤخراً باللغة الإنكليزية ترجمة كتاب أستاذ الفلسفة الياباني كويهي سايتو عن فكر ماركس البيئي، والذي يعد استكمالاً لأطروحته "الاشتراكية البيئية عند كارل ماركس"، وكتابه التكميلي "ماركس في عصر الأنثروبوسين". وكانت الطبعة الأولى للكتاب باللغة اليابانية قد لاقت رواجاً كبيراً، إذ بيع منها نصف مليون نسخة.
واعتمدت مساهمات سايتو النظرية هذه على قراءة معاصرة للدفاتر غير المنشورة التي كتبها ماركس بعد نشر المجلد الأول من رأس المال، وهي نصوص تكشف بوضوح عن اهتمامه المتزايد بالعواقب المدمرة للرأسمالية على الطبيعة، وتعمقه في دراسة العلوم الفيزيائية المعاصرة، للحد الذي دفعه إلى إعادة تقييم أجزاء أساسية من فكره.
ولعل من أبرز تجليات هذا التعمق، وفقاً لسايتو، استعارة ماركس لمفهوم الأيض (Metabolism) من عالم الكيمياء العضوية الألماني جوستوس ليبيغ، واستخدامه في تفسير العلاقة بين الرأسمالية والبيئة. فكما يمثل "الأيض الطبيعي" انتقال المواد والطاقة بين الكائنات الحية وبيئتها، مثل امتصاص النباتات للعناصر من التربة، ثم عودة المواد إلى التربة بعد تحلل الكائنات الحية، يمثل "الأيض الاجتماعي" عملية التبادل المادي بين الإنسان والطبيعة (استخراج الموارد الطبيعية واستخدامها في الإنتاج والاستهلاك ثم إعادة المواد إلى البيئة)، وهي العملية التي تتعرض لاضطراب جوهري يفضي لاستنزاف البيئة من خلال الاستغلال الرأسمالي المفرط لها.
غير أن قراءة سايتو هذه لماركس ليست جديدة، فقد ظل مفهوم الأيض، منذ فترة طويلة، مفهوماً أساسياً لدى الماركسيين البيئيين، مثل جون بيلامي فوستر وبول بوركيت، اللذين استخدما مصطلح "التمزق الأيضي Metabolic Rift" لوصف الكيفية التي يؤدي بها اختلال عملية التبادل المادي في ظل الرأسمالية إلى تقويض شروط الوجود البشري على الأرض. فما الجديد إذن، الذي أتى به سايتو؟!
مساهمات مهمة
قدم سايتو في كتبه ثلاث مساهمات مهمة فيما بات يُعرف بالماركسية البيئية. تتلخص الأولى بزعمه أن ماركس تبنى في أواخر حياته فكرة خفض النمو، وإن فكرته حول التاريخ البشري، بوصفه حركة نحو مراحل أعلى من التطور من خلال تنمية قوى الإنتاج، اكتسبت عمقاً أكبر مع اهتمامه بدراسة أشكال المجتمعات ما قبل الحداثة، والتي جمعت بين المساواة الاجتماعية والعلاقة المتوازنة بين المجتمع والطبيعة، وتميزت بالثبات الاقتصادي، أي إنها لم تكن قائمة على النمو الاقتصادي المستمر. وتوصل ماركس على ضوء ذلك إلى فهم العلاقة بين لهاث الرأسمالية وراء النمو الاقتصادي اللامحدود من جهة، والاضطراب المتزايد في عملية الأيض الاجتماعي من جهة أخرى، معيداً تعريف نظرته إلى التطور الاجتماعي الذي سيبلغ اكتماله في المجتمع الشيوعي.
أما المساهمة الثانية التي قدمها سايتو، فكانت في إعادة قراءة مجمل أعمال ماركس من منظور بيئي، مشيراً إلى أن العواقب المدمرة التي سببتها الرأسمالية للطبيعة كانت موضوعاً متكرراً في أعمال ماركس، بدءاً من المخطوطات الاقتصادية والفلسفية وصولاً إلى رأس المال. وبهذا، يرسخ سايتو الماركسية البيئية في كتابات ماركس بطريقة أكثر منهجية مقارنة بما تم القيام به سابقًا في إطار الماركسية البيئية، التي اعتمدت في المقام الأول على شذرات متفرقة من منشورات ماركس اللاحقة. وهكذا، يضع سايتو في أطروحته جميع مفاهيم ماركس الأساسية ضمن إطار بيئي، مما يسمح له بالقول إن النقد البيئي يشكل عنصراً أساسياً في تصور ماركس للرأسمالية.
ولكن، كيف أمكن أن يغفل عددٌ كبير من الماركسيين هذا الأمرَ؟ في الإجابة على هذا السؤال، تكمن المساهمة الثالثة لسايتو، حيث حمّل أنجلز المسؤولية عن ذلك، حينما تبنى نظرة إلى العلاقة بين الرأسمالية والمجتمع والطبيعة، مختلفة جذرياً عن نظرة ماركس، وهو ما بقي سائداً، وأدى إلى ما يمكن تسميته بالعمى البيئي في الماركسية الكلاسيكية.
دور الماركسية الغربية
وجه سايتو انتقاداته هذه، في المقام الأول، إلى بعض أجزاء التقاليد الماركسية التي تفتقر إلى منظور بيئي، ولاسيما الماركسية الغربية، التي يرى أنها أغفلت تمامًا أفكار ماركس المتعلقة بالأيض الاجتماعي، واعتمدت بدرجة كبيرة على تفسير إنجلز لنصوص ماركس بعد وفاته. ووفقا لسايتو، فأن النهج النقدي الذي اتبعه إنجلز تجاه ليبيغ ونظريته في الأيض هو الذي دفعه إلى التقليل من أهمية هذا المفهوم عندما قام بتحرير نصوص ماركس. ويستشهد على ذلك بعجز الشخصيات الرئيسية في الماركسية البيئية، مثل فوستر وبوركيت، عن إدراك الاختلافات الأساسية بين النقد البيئي لدى ماركس والنقد البيئي لدى رفيقه إنجلز.
ديالكتيك الطبيعة
انخرط إنجلز، شأنه شأن رفيقه ماركس، في دراسة العلوم الطبيعية المعاصرة، والتي شكّلت الأساس لنظريته حول جدلية الطبيعة، ونشرت في عام 1925 أي بعد وفاته، تحت عنوان "ديالكتيك الطبيعة". وقد حاول إنجلز من خلال هذه النظرية دمج العلوم الطبيعية في النظرية المادية التاريخية، انطلاقاً من فكرة أساسية مفادها أن المجتمع والطبيعة يخضعان، في جوهرهما، لنفس القوانين الجدلية. وخلص إنجلز إلى أن المنهج الجدلي يجب أن ينطلق من دراسة العلوم الطبيعية، وأن تطبيقه على المجتمع لا يكون ممكناً إلا بعد صياغته على هذا الأساس.
واستنادًا إلى نقده لفلسفة هيجل المثالية، التي نسبت إلى الطبيعة قوانين جدلية، رأى إنجلز، أن هذه القوانين موجودة بصورة موضوعية في الطبيعة، وبالتالي يجب اكتشافها من خلال الدراسات العلمية، وهي الفكرة التي تم رفعها إلى مستوى أيديولوجية الدولة في الاتحاد السوفييتي، فيما انتقدتها الماركسية الغربية بقوة ونأت بنفسها عنها، معتبرة إياها أسلوباً ميكانيكياً لتحليل المجتمع.
ورأى سايتو أن رفض الماركسية الغربية لجدلية الطبيعة، وعدم إدراكها لوجود اختلاف أساسي بين إنجلز وماركس في نظرتهما إلى العلاقة بين المجتمع والطبيعة، إلى جانب قيام إنجلز بحذف أجزاء مهمة من نصوص ماركس المتعلقة بالنقد البيئي، كانت وراء "تخلف" الماركسية البيئية.
قراءة إنجلز
يستند سايتو في حجته إلى الطريقة التي قام بها إنجلز بتحرير جملة ماركس الشهيرة حول "التمزق الأيضي" في المجلد الثالث من رأس المال. ففي المخطوطة الأصلية، يميز ماركس بين الأيض الاجتماعي والأيض الطبيعي، لكن إنجلز حذف المفهوم الأخير، مما لم يعد ممكناً معه التمييز بين "الأيض الطبيعي" بوصفه فعلاً كونياً، تحرر الكائنات الحية الطاقة خلاله لتستخدمها في نشاطاتها، و "الأيض الاجتماعي" بوصفه قيام الرأسمالية لإخضاع الطبيعة لمنطق الربح وتراكم رأس المال، مما تنتج عنه قطيعة في عملية الأيض بين المجتمع والطبيعة.
ويمثل هذا النهج، وفقا لسايتو، اختلافاً منهجياً بين ماركس وإنجلز في طريقة تناولهما للعلاقة بين المجتمع والطبيعة في المجتمع الرأسمالي. فعلى عكس إنجلز، اعتقد ماركس أن الطبيعة والمجتمع يجب أن تتم دراستهما باستخدام مناهج مختلفة، لأن كلاً منهما يخضع لمنطق مختلف، وإن كانا مرتبطين من خلال الأيض الاجتماعي.
وكان لذلك أيضًا تأثير في الطريقة التي درس بها كل منهما العلوم الطبيعية. فبينما كان نهج إنجلز نظرياً، ويهدف إلى تحديد قوانين الحركة التي تحكم جدلية الطبيعة، كان ماركس، وفقًا لسايتو، مهتماً قبل كل شيء بالعثور على أدلة تجريبية توضح الاختلال الذي أحدثته الرأسمالية في عملية الأيض مع الطبيعة. وبحسب سايتو، فإن عدم إدراك إنجلز لأهمية دراسات ماركس يفسر سبب تجاهله دفاتر الملاحظات التي كتبها ماركس بعد نشر المجلد الأول من رأس المال. ويعتقد سايتو أنه لو وصلت هذه الدفاتر إلى العالم حينها، لتغير فهمنا لأفكار ماركس حول الرأسمالية والشيوعية تغييراً جذرياً، ولاسيما أفكاره المتعلقة بأهمية خفض النمو.
خاتمة
تعرضت أراء سايتو للعديد من الانتقادات، منها سعيه إلى إثبات وجود اختلاف جوهري بين ماركس وإنجلز في طريقة صياغتهما للعلاقة بين المجتمع والطبيعة في المجتمع الرأسمالي، من خلال تركيزه على تحرير إنجلز لجمل بعينها في المجلد الثالث من رأس المال، وهو تركيز يتناقض مع النهج الأكثر انفتاحاً الذي دعا اليه سايتو في تفسير أعمال ماركس. ودفع ذلك المفكر الماركسي البيئي فوستر إلى القول إن حجة سايتو بأكملها حول اختلاف جوهري بين النقد البيئي لدى الرجلين لا أساس لها من الصحة، ولاسيما إذا ما قرأنا بعمق ما تضمنه كتاب إنجلز (جدلية الطبيعة) من تحليل ونقد عميقين لعواقب الرأسمالية على الطبيعة، وهو ما يبدو مكملاً لوجهة نظر ماركس أكثر مما يبدو معارضاً لها.
ورداً على سايتو، الذي زعم أن مساهماته وفرت الأساس الفكري للتغلب على أحد أهم الخطوط الإيديولوجية الفاصلة بين الحركتين الحمراء (الماركسية) والخضراء (حماة البيئة)، يرى فوستر أن انتقادات سايتو، التي لا أساس لها، لإنجلز، لها عواقب سياسية على اليسار، لأنها تديم التناقضات بدلاً من إتاحة الفرصة لدمج النقد البيئي المهم الذي طوره ماركس وإنجلز، كلّ على حدة.
وعموماً، وعلى الرغم من هذه الانتقادات، لا شك في أن سايتو، من خلال كتبه الثلاثة، قدم مساهمات أصيلة ومثيرة للتفكير في الماركسية البيئية، التي تمثل أحد أكثر مسارات تطور الماركسية إثارة للاهتمام في القرن الحادي والعشرين. كما أنه نجح، أكثر من كثيرين غيره، في إثارة اهتمام متجدد بتحليل ماركس للرأسمالية خارج الأوساط الأكاديمية.