أجد في المادة (86) من مدونة الأحكام الشرعية مثالًا واضحًا على التناقض الذي تعاني منه المدونة بين النص الفقهي الأصلي والإضافات التي وضعها المشرّع. فقد اشترطت المادة في الحاضن أن يكون عاقلًا وأمينًا على سلامة الولد، وأن يكون مسلمًا إذا كان الولد محكومًا بالإسلام، ثم أضافت أحكامًا تتعلق بإمكانية رفع الدعوى على الحاضن إذا أهمل واجباته، أو مارس العنف، أو أساء التربية، ومنحت القاضي صلاحية إتاحة فرصة له لتصحيح سلوكه قبل نزع الحضانة منه.
فالجزء الأول من المادة منقول من الفقه الإمامي، في حين أن الجزء الثاني يُعد من إضافات مشرّع المدونة. وهنا تظهر المشكلة الأساسية؛ إذ إن هذه الإضافة لا تنسجم مع فتاوى فقهاء الإمامية أنفسهم. فقد اعتبر المشرّع أن الإهمال والعنف المتكرر من مصاديق فقدان الأمانة، في حين لا نجد هذا الفهم في الفقه المعتمد الذي استندت إليه المدونة.
فالضرب من قبل الأب أو الجد، بوصفهما وليَّين، لا يُعد سببًا لسقوط الحضانة، كما أن عدم الإنفاق أو التقصير في بعض الواجبات لم يذكره الفقهاء سببًا لإسقاطها. بل إن بعض الفتاوى لا تُسقط الحضانة حتى في حالات تعاطي المخدرات أو الزنا، ما لم يتحقق خوف مباشر على الطفل أو فقدان كامل لأهلية الحضانة. وهذا يكشف أن الحضانة في الفقه الإمامي لا تدور، في بعض تطبيقاتها، حول مصلحة الطفل، بل تُعد حقًا مقررًا للحاضن ضمن ضوابط محددة. كما جعلت المادة اللجوء إلى القضاء وسيلة لحسم النزاع، في حين أن الفقهاء الإمامية التقليديين لا يجيزون الترافع أمام غير المجتهد، وهو ما يخلق تناقضًا آخر داخل المدونة نفسها.إلى جانب ذلك، تعاني المادة من غموض واضح في بعض مفاهيمها. فما المقصود بالعقل؟ وهل يكفي مجرد انتفاء الجنون أو السفه ليكون الإنسان صالحًا لتربية طفل ورعايته؟ فالواقع يثبت أن كثيرًا من العقلاء ليسوا مؤهلين للحضانة. وكذلك مفهوم الأمانة؛ فإذا كانت بعض السلوكيات الخطيرة لا تُسقط الحضانة، فما المعيار الحقيقي للأمانة الذي يتحدث عنه المشرّع؟
أما شرط الدين، فيثير تساؤلات عديدة حول علاقته الفعلية بمصلحة الطفل. فهل الانتماء الديني وحده يجعل الإنسان أصلح للحضانة؟ او تمنحه القدرة على الرعاية والتربية وتوفير الأمان للطفل؟
ويزداد القلق عندما تمنح المادة الحاضن المقصّر فرصة جديدة بعد ثبوت تقصيره أمام القضاء. فماذا لو تسبب هذا التقصير في أضرار نفسية أو صحية أو تعليمية للطفل؟ وماذا لو تعرض المحضون للعنف الشديد أو الإهمال المستمر؟ إن منح الحاضن فرصة إضافية قد يكون على حساب مستقبل الطفل وسلامته.
لهذا، أرى أن المادة (86) حاولت أن تظهر بمظهر الحريص على مصلحة الطفل، لكنها كشفت، في الوقت نفسه، عن التناقضات الكامنة في الفتاوى التي تستند إليها المدونة. إن حماية الأطفال لا تتحقق من خلال نصوص متعارضة وغامضة، بل من خلال قوانين تقوم على مصلحة الطفل وحقوقه، وتنسجم مع الدستور والاتفاقيات الدولية. ومن ثم، تبدو الحاجة ملحّة إلى تشريعات حديثة تحمي الأطفال من العنف والإهمال، وتضع مصلحتهم فوق أي اعتبار آخر.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* الحلقة الثامنة من معالجات الباحث لقضايا الأحوال الشخصية
** مختص بفقه الإمامية وباحث في مشاريع تعديل قانون الأحوال الشخصية