اخر الاخبار

يتبجح كثير من المسؤولين العراقيين، ولا سيما العاملين في وزارة التجارة وملف تجارة الحبوب، بامتلاك العراق خزيناً استراتيجياً من الحنطة يكفي حاجة البلاد لمدة عام كامل، خصوصاً في ظل الأزمة الاقتصادية العالمية والتداعيات المحتملة لإغلاق مضيق هرمز.

لكن السؤال الذي يبدو أن هؤلاء المسؤولين لم يطرحوه على أنفسهم هو: كيف تحقق هذا الخزين؟ ومن الذي وفره للعراق؟

إن هذا الاحتياطي لم يأت من فراغ، ولم يكن نتيجة سياسات ناجحة وحدها، بل هو حصيلة جهود كبيرة بذلها الفلاح والمزارع العراقي، إلى جانب المهندسين والفنيين والمتخصصين في القطاع الزراعي، رغم سلسلة طويلة من العقبات والسياسات التي أثقلت كاهل المنتج الزراعي.

فالفلاح العراقي واجه خلال السنوات الماضية تأخر تسديد مستحقاته، وتراجع إنتاجية الدونم، وخفض أسعار شراء الحنطة، وفرض أجور للسقي لم تكن معروفة في العراق لعقود طويلة، فضلاً عن رفع الدعم عن الأسمدة والمبيدات والبذور، وفتح الأسواق أمام المستورد الزراعي من دون توفير حماية حقيقية للمنتج المحلي.

ومع ذلك، تمكن القطاع الزراعي من تحقيق إنتاج وفر للعراق خزيناً استراتيجياً من الحنطة.

لكن يبدو أن كل هذه التحديات لم تكن كافية، إذ جاءت الضربة الجديدة من خلال التعميم الصادر في 2 أيلول 2026، والمتعلق برفع أسعار الوقود المخصص للأغراض الزراعية، ليصل سعر برميل الكاز المستخدم في المضخات الزراعية والجرارات والحاصدات إلى نحو 190 ألف دينار للبرميل الواحد.

ولفهم حجم الزيادة، يكفي أن نقارنها بسعر عام 2003، عندما كان سعر البرميل بحدود 6 آلاف دينار، أي أن السعر الحالي ارتفع بنحو 32 ضعفاً.

هذه الزيادة لا تعني مجرد ارتفاع سعر مادة واحدة، بل تعني ارتفاعاً مباشراً في كلفة الإنتاج الزراعي بأكمله؛ فالحراثة والسقي والحصاد ونقل المحاصيل كلها تعتمد بدرجات مختلفة على الوقود.

وهنا يبرز السؤال الأهم: لماذا يتحمل الفلاح هذه الكلفة في بلد منتج للنفط؟

العراق ليس بلداً مستورداً للنفط حتى يبرر رفع أسعار الوقود الزراعي بهذه المستويات. كما أن لديه مصافي نفطية وإنتاجاً يمكن أن يوفر جزءاً كبيراً من احتياجات السوق المحلية.

وفي الوقت الذي تتحدث فيه الحكومة عن زيادة الإنتاج النفطي، بل ويطالب رئيس الوزراء برفع إنتاج العراق إلى 10 ملايين برميل يومياً، يصبح من المشروع أن نسأل: ما جدوى زيادة إنتاج النفط إذا لم تنعكس على دعم القطاعات الإنتاجية الأخرى، وفي مقدمتها الزراعة؟

هل يعقل أن يكون العراق بلداً نفطياً، ثم يرفع كلفة الوقود على الفلاح الذي ينتج الغذاء للعراقيين؟

إن استمرار هذه السياسة سيضع الفلاح أمام خيارين صعبين: إما رفع أسعار منتجاته لتعويض ارتفاع تكاليف الإنتاج، وهو ما سيدفع المواطن إلى تحمل فاتورة الغلاء، أو تقليص الإنتاج وترك الأرض، وهو ما يعني زيادة اعتماد العراق على الاستيراد.

وفي الحالتين، ستكون النتيجة واحدة: إضعاف الأمن الغذائي وزيادة الضغط على الاقتصاد العراقي.

الأمن الغذائي لا يتحقق بالشعارات ولا بمجرد الإعلان عن امتلاك خزين استراتيجي من الحنطة. الأمن الغذائي يبدأ من حماية المنتج الذي وفر هذا الخزين، ومنحه البيئة التي تمكنه من الاستمرار في الإنتاج.

لذلك، فإن المطلوب من الحكومة إعادة النظر بصورة عاجلة في سياساتها الزراعية، بدءاً من زيادة موازنة القطاع الزراعي، وتسديد مستحقات الفلاحين، وإعادة النظر في أسعار شراء الحنطة، وإعادة الدعم إلى الأسمدة والبذور والمبيدات، وتشجيع المكننة وتقنيات الري الحديثة، وإلغاء أجور السقي، وصولاً إلى إعادة النظر في أسعار الوقود المخصص للأغراض الزراعية.

فإذا كان العراق يريد فعلاً تحقيق الأمن الغذائي، فعليه أن ينظر إلى الفلاح باعتباره جزءاً من أمن الدولة الاقتصادي والغذائي، لا مجرد مستهلك للوقود المدعوم.

والسؤال الذي يجب أن يجيب عنه أصحاب القرار اليوم ليس فقط: كم برميل نفط ننتج؟

بل: كم فلاحاً نستطيع أن نبقيه في أرضه، وكم طناً من الغذاء نستطيع أن ننتجه بأيدينا؟

ـــــــــــــــــــــــــــ

* مهندس زراعي استشاري