اخر الاخبار

اقتحم إبراهيم صالح شكر ميدان الصحافة عام 1909 وعمره سبعة عشر سنة، كانت أولى تلك الميادين جريدة (ما بين النهرين)، ثم جريدة (النوادر) وجريدة (النور)، وبعد إن اكتملت تجربته الصحفية، أصدر عام 1913 م مجلة أسبوعيه باسم (شمس المعارف)، ثم اشترك مع الشاعر منيب الباجه جي في إصدار مجلة (الرياحين) في 27 آذار 1914 م، والتي احتجبت عن الصدور بسبب اندلاع الحرب العالمية الأولى.

دعا إبراهيم صالح شكر إلى اللامركزية في الحكم، في مقالاته التي خاطب فيها الحزب الحاكم، (الاتحاد والترقي ) الذي سيطر على مقاليد الحكم في الدولة العثمانية منذ عام 1908، ودعا إلى المحافظة على العلاقات الحسنة بين المسلمين العرب والأتراك، لكن العثمانيين أحسوا في دعوته تلك تهديداً لكيان دولتهم، حين وجدوا قبولاً لآرائه وأفكاره، بين طبقات الشعب العراقي فأصدرت السلطات العثمانية أمرا بنفيه عام 1915، ثم شفع له من قبل بعض ذوي النفوذ لدى العثمانيين، فاستبدل النفي بإيداعه السجن في الموصل قرابة أربعة اشهر.

ومن المآسي التي مر بها إبراهيم صالح شكر بعد تلك المرحلة هي ما ذكره في أحدى رسائله التي وجهها فيما بعد إلى صديقه أحمد عارف قفطان يوم 17حزيران 1934م، والتي وصف فيها نفسه بأنه: ((ليس شقياً يكتب عن آلام الشقاء ولا دجالاً ولا طائشا، وأنه قطعة من الألم الصامت والحزن الأخرس يقابل الناس بالمرح والابتسام، وإنما تلك من انتفاضة الذبيح وبسمة المحتضر... ثم يقول: ((في عام 1915 داهم الطاعون الجارف البيت الذي درجتُ فيه، فاجتاح في يومين اثنين والدي ووالدتي، في الأربعاء قضى على أمي، وفي الخميس على أبي، وفي السبت الحق بهما جدتي، فخلت الدار إلا من طفلة عمرها سبع سنين هي أختي، وهي الميراث الحزين المقدس، وأنا جندي يمتلكني البؤس وليس معي ما يكفي لأكفان الموتى وحفر القبور، ثم أعقبت هذه النازلة شهور ثلاثة، فإذا الاتحاديون يحكمون عليّ بالنفي إلى ديرسم الاناضول نفياً سياسياً يحمل عار الخيانة الكبرى لدولة الخلافة، فمضيتُ إلى منفاي، والعيون الحمراء تنظر إلى عمامتي البيضاء بالنظر الساخط البغيض)).   

 وبعد زوال الحكم العثماني واحتلال البريطانيين للعراق عاد إبراهيم صالح شكر إلى بغداد منصرفاً لإدارة شؤون محلة قهوة شكر بوصفه مختاراً لها، وتفرغ لحياته الخاصة، وابتعد عن السياسة التي اكتوى بلهيبها، وقاسى بسببها على يد الاتحاديين، وأخذ ينصرف إلى مطالعة كتب الأدب والتاريخ، مما كان له ابلغ الأثر في نبوغه وشحذ ذكائه وإرهاف حسه.

عاد إبراهيم صالح شكر إلى كتابة المقالات الصحفية، هذه المرة كاسراً طوق عزلته بعدما أخذ البريطانيون يمارسون أساليب البطش والتنكيل بأبناء الشعب العراقي، فقام بكتابة المقالات الصحفية التي دعا فيها إلى تماسك أبناء الشعب العراقي ضد الاعتداءات، وأساليب البطش، والتنكيل التي مارستها السلطات البريطانية المحتلة في العراق ومجابهة تلك الأساليب بالمثل.

وبعد قيام الحكم الوطني في العراق وإعلان فيصل ملكاً على عرش العراق يوم 23 آب 1921م، أصدر إبراهيم صالح شكر في العام نفسه مجلة باسم (الناشئة) وقد بينت المجلة المذكورة الفكرة الباعثة إلى إنشائها وفي مرحلة كانت البلاد فيها تحتاج إلى ما يربي العقول، ويغذي النفوس، وينمي العواطف، وانتقدت المجلة الوعود التي اعتاد الصحفيون أن يكثروا من ذكرها في صحفهم، ثم أصدر بعدها جريدة (الناشئة الجديدة) عام 1922م. وقد امتازت مقالاته فيها بالجرأة والنقد اللاذع.

واتجه إبراهيم صالح شكر إلى كتابة المقالات التي تدعو إلى بناء المجتمع الجديد وتركيز أسس الدولة الناشئة، وبث روح التضحية والكفاح لبناء المجتمع الجديد، لكن ما كان يميز مقالاته الصحفية في تلك الفترة، هي مقالاته الانتقادية والتي كتبها بأسماء مستعارة في جريدة (الناشئة الجديدة)، والتي انتقد فيها المسؤولين السياسيين الذين عدهم " منغمسين بالملذات تحت ظل الانتداب البريطاني " مما أحرج بعض السياسيين، وبخاصة أن مقالاته الصحفية قد لاقت قبولاً لدى الكثير من المثقفين وقراء الصحف، مما دفع بعض الكتل السياسية لمحاولة كسبه لصفها والسعي لضمه إليها، لغرض الاستعانة بمواهبه الصحفية، وذلك إثر قيام الكتلة السياسية الملتفة حول نوري السعيد لكسب إبراهيم صالح شكر إلى جانبها، مما جعل إبراهيم صالح شكر يندفع وبحماس أكبر نحو الدعوة إلى الانضمام إلى تلك الكتلة.

وكانت أغلب المقالات الصحفية لإبراهيم صالح شكر تصب ضمن توجهاته التي انتهجتها لنقد الأوضاع السياسية في البلد، وانتقاد الصحفيين وأصحاب الجرائد الذين لم يحركوا ساكناً لنقد الأوضاع العامة والسياسية منها على وجه التحديد.

وتتضح توجهاته تلك من خلال إحدى مقالاته في جريدة (الناشئة الجديدة) وعنوانها:   (الجريدة الهوجاء – جريدة الاستقلال)، والتي تهجم فيها على عبد الغفور البدري صاحب جريدة الاستقلال قائلاً: ((رحم الله كل من عرف قدر نفسه ولم يتعد طوره، كلمة تصح أن تجابه بها الجريدة الهوجاء المسماة بالاستقلال الصادرة في بغداد... ثم يقول: لا نعلم ما علاقة الاستقلال بالأدب والأدباء ولديها من المواضيع الخطيرة ما يشغلها عنا، ومن خلق الزعماء الوطنيين، والتهويش على الأذهان بالمخترعات والملفقات، وادعاء الوطنية... وأضاف يقول: يا عبد الغفور أفندي صاحب الاستقلال، إذا كانت الصحف السياسية جامدة في إظهار حقيقة ادعاء الوطنية الكاذبة وطلاب الاستقلال بالاسم والمصالح الذاتية بالفعل، فدعنا نفضح من يغشى على عيون البسطاء وينصب على الناس في الأدب والفن))

وبسبب الخط الوطني والنقدي الذي انتهجه الكاتب والسياسي إبراهيم صالح شكر فقد تعرض يوم 19 حزيران 1923م إلى محاولة للنيل من حياته، من قبل شخصين، وبسبب عدم نجاح تلك المحاولة فقد اقتصر الجناة على الضرب والسب والإهانة في نهاية الأمر.

وهنالك روايتان حول محاولة اغتياله، الرواية الأولى أفادت أنَّ أصابع الاتهام تشير إلى قيام الصحفي ثابت عبد النور بالتحريض على استهداف الكاتب والسياسي  إبراهيم صالح شكر، لأنه ضاق ذرعاً بوخزاته ولذعاته من خلال مقالاته، ومنها مقال عنوانه (سوق عكاظ المقبلة، هل تتكر السيئات الأولى)، فاستدعى عليه أحد الأشقياء ويدعى خضير، وعمد الأخير للاعتداء على حياة إبراهيم صالح شكر، إذ قام بضربه وتوجيه الإهانة له، ثم مضى لسبيله دون ان يعرفه أحد.

اما الرواية الثانية، فقد أفادت أنّ عملية الاعتداء تلك قد حصلت نتيجة تحريض كل من ياسين الهاشمي،  والذي هاجمه إبراهيم صالح شكر بمقال عنوانه: (إلى ياسين باشا الهاشمي)، وعبد الغفور البدري وهاجمه بمقال عنوانه: (الجريدة الهوجاء – الاستقلال) وثابت عبد النور، وان الاعتداء على حياة إبراهيم صالح شكر قد نفذ من قبل خضير وشخص آخر.

كان لتلك الحادثة أثر كبير على نفس الكاتب والسياسي إبراهيم صالح شكر إذ أعلن بعد يومين من عملية الاعتداء عليه عن عزمه الاعتكاف عن إصدار جريدة (الناشئة الجديدة)، وقد كتب مقالاً في جريدة العاصمة بعنوان: (إلى أنظار الشعب) قائلاً فيه: ((قد عزمت على تأجيل إصدار صحيفة (الناشئة الجديدة)، بسبب الاعتداء الذي وقع علي من قبل شخصين من المتشردين، بل قد أصمم على كسر القلم وتوديع الأدب والكتابة بصورة نهائية، لأن لدي أدلة مقنعة على أن هذا الاعتداء قد وقع بإيعاز من أشخاص يدعون الأدب والوطنية والفكرة الاستقلالية))

علقت جريدة العاصمة على تلك الحادثة بقولها: ((يسوؤنا أن يعبث المتشردون في رابعة النهار بالأمن العام، ويعتدون على كاتب فاضل كإبراهيم صالح شكر، بل ويسوؤنا أكثر من ذلك أن يقع هذا الاعتداء بإيعاز من أناس يلهجون بالانتساب إلى الأدب والأخلاق الفاضلة، ونستاء أكثر من كل شيء آخر إذا بقيت الأمة مخدوعة بأولئك الذي تحنقهم النهضة الأدبية، ويسوُقهم انهزامهم الأدبي إلى وسائل الإجرام وتشجيع المجرمين))

عاد إبراهيم صالح شكر إلى ممارسة الكتابة والعمل الصحفي وأعاد إصدار جريدة  (الناشئة الجديدة) في 26 تشرين الأول 1923م، وقد نشرت الجريدة المذكورة مقالاً وضحت فيه أسباب عودتها إلى الصدور، بعد الحادث الذي استهدف النيل من حياة صاحبها، وجاء في المقال:((أما الآن فقد أبى الجمهور العاقل من عليةّ أبناء البلاد وخيرة أدبائها إلا أن تعود إلى الصدور، فرأت من الأدب إجابة ذلك الطلب، وهذه عشرات الرسائل والبرقيات التي انهالت علينا من أنحاء القطر، منذ أن اعتدى الأنذال على صاحبها حتى كتابة هذه السطور، وكلها قوية الاستياء وكلها وصدرها العاطفة النبيلة وكلها كثيرة الإلحاق في تحقيق الرغبة في صدورها)).

انتقدت جريدة (الناشئة الجديدة) الحادث الذي استهدف النيل من حياة صاحبها الكاتب والسياسي إبراهيم صالح شكر قائلةً:((أجل تصدر الآن وماء البشر يترقرق في وجهها، بعد أن حجبت طلاقته مدة مؤامرة الأنذال وفعلة الأدنياء، تلك الفعلة الشنعاء التي فاضت صحف القطر والسنة الناس باستهجانها والنقمة على مدبريها))

يتبين ان محاولة النيل من حياة إبراهيم صالح شكر كانت نتيجة كتاباته ومقالاته السياسية، التي تهجم فيها على عدد من السياسيين والكتاب والصحفيين بأسلوب امتاز بالنقد اللاذع والجرأة والتجريح، مما أوغل صدور الكثيرين ضده فجاءت محاولة قتلهِ، أو محاولة تحطيم شخصيتهِ عن طريق التهديد والتخويف للحد من كتاباته تلك.

ــــــــــــــــ

*دكتوراه تاريخ حديث ومعاصر