يبين لنا تاريخ المديونية أن البلدان المتقدمة كالولايات المتحدة الأمريكية وكندا واليابان وغيرها من البلدان المتقدمة قد سبقت البلدان النامية الفقيرة في التوجه نحو الاقتراض الخارجي منذ القرن التاسع عشر.
وقد خططت البلدان الرأسمالية بذكاء لإغراء البلدان الفقيرة وتشجيعها على طلب القروض الخارجية، بفوائد بسيطة وتسهيل عملية الاقتراض في بداية الامر من اجل استدراجها الى مستنقع المديونية. وقد دفع التفاقم الحاد في الأزمة المالية والاقتصادية التي اجتاحت النظام الرأسمالي العالمي في السبعينات، وتدهور قيمة الدولار وهبوط معدل الربح وانفجار التضخم في البلدان الرأسمالية الى تشغيل اموالها النقدية الضخمة المتراكمة في خزائنها في البلدان النامية الفقيرة في سبيل الحصول على الارباح والفوائد الخيالية التي لا تستطيع تحقيقها في بلدانها. ولتحقيق هذا الغرض استخدمت البلدان الرأسمالية الصناعية صندوق النقد الدولي باعتباره أحد أذرعها في تنفيذ مشاريعها الربوية في بلدان العالم الثالث.
ان الاموال التي تراكمت في البنوك الدولية الغربية في فترة السبعينات جعلها تتساهل في شروط الاقراض من حيث سعر الفائدة واجال السداد وغير ذلك من الشروط. وفي ظل هذا التساهل انخدعت البلدان النامية ووقعت في شرك المديونية، وقد انتهى هذا التساهل في شروط الاقراض الخارجي دون رجعة، وازداد تشدد الجهات الدولية المانحة بعد ما اعلنت بعض البلدان في أمريكا اللاتينية الامتناع عن الوفاء بالتزاماتها المالية في عام 1982, وما صاحب ذلك من تشجيع لدول مدينة اخرى للتوقف عن سداد ديونها الخارجية، وهو ما شكل بداية لإعادة النظر في شروط الاستدانة الخارجية واتجاه الدائنين نحو المزيد من التشدد على هذه الشروط.
ومن المعلن أن القروض المتنوعة التي قدمتها الدول الصناعية لبلدان العالم الثالث كانت بحجة المساعدة على تخطي مشاكلها الاقتصادية وتحقيق تنميتها الاقتصادية، غير ان الهدف الحقيقي من اغداق البلدان الرأسمالية القروض تلو القروض على البلدان النامية هو لاستغلال هذه القروض كمدخل للتسلل إلى البلدان النامية والضغط عليها ونهب ثرواتها والتدخل في شؤونها.
وقد اندفعت البلدان النامية بعد استقلالها نحو الاقتراض الخارجي بدافع تحقيق التنمية الاقتصادية ورفع مستوى معيشة شعوبها. اذ ان حل مشكلة التراكم وتمويل التنمية وتغيير الهيكل الاقتصادي المشوه ورفع مستوي انتاجية العمل شروط اساسية للتطور الاقتصادي.
في عام 1982 اعلنت دولة المكسيك عجزها عن تسديد ديونها الخارجية، وانضمت اليها بلدان أخرى، كالأرجنتين والبرازيل التي اعلنت توقفها عن تسديد ديونها الخارجية. حيث بلغ اجمالي الديون الخارجية لهذه البلدان أكثر من 223 مليار دولار. بلغت منها ديون المكسيك 93 مليار دولار وديون البرازيل 87 وديون الارجنتين 43 مليارا. وارتباطاَ بهذا النمو الحاد في المديونية، ارتفعت خدمات ديون هذه البلدان الى 92,3 مليار دولار. فبلغت اعباء ديون المكسيك 43,1 مليار دولار، والبرازيل 30,8 مليار والارجنتين 18,4. وتشكل الديون الخارجية لهذه البلدان الثلاثة نسبة 153 بالمئة من صادرات الارجنتين و120 بالمئة و117 بالمئة من صادرات كل من المكسيك والبرازيل.
وبإعلان المكسيك امتناعها عن تسديد ديونها الخارجية دخلت الديون الخارجية في النفق المظلم، واتخذت ابعاداَ دولية خطيرة بتدخل صندوق النقد الدولي واجبار البلدان المدينة على تطبيق ما يعرف بالإصلاح الاقتصادي والتكيف الهيكلي.
ووفقاَ لمنظمة التجارة العالمية فان الديون الخارجية التي يجب على البلدان النامية تسديدها في عام 2020 و2021 أكثر من 3,9 تريليون دولار، تبلغ منها ديون البلدان المرتفعة الدخل 2,3 تريليون دولار وديون البلدان المتوسطة الدخل والمنخفضة الدخل 1,6 ترليون دولار.
ان تضخم المديونية الخارجية وزيادة اعبائها جعلت البلدان النامية غير قادرة على سداد قروضها، وأجبرت على طلب قروض جديدة، لدفع فوائد القروض القديمة. ففي عام 1980 بلغ مجموع ديون البلدان النامية 567 مليار دولار. وبين عام 1980 و1992 دفعت الدول النامية 1662 مليار دولار. ومع ذلك، وبسبب ارتفاع أسعار الفائدة، ارتفعت الديون الخارجية إلى 1419 مليار دولار في عام 1992.
وفي الفترة ما بين عام 1972 - 1992 اقترضت دول العالم الثالث ما يقرب من 1935 مليار دولار، ولكن ما سددته من اقساط وفوائد عن هذا الدين أكثر من 2237 مليار دولار، لنفس الفترة.
ولتجنب الوقوع في دائرة الافلاس المالي اضطرت البلدان النامية الى الاقتراض بأسعار فائدة عالية وأدى ذلك الى استنزاف نحو 160 مليار دولار سنويا منذ عقد الثمانينات، وأصبح تسديد الديون هو الآلية الرئيسية لنقل الثروة من البلدان النامية الفقيرة الى دول أوروبا الغربية الغنية.
وعلى الصعيد نفسه، ادى ارتفاع معدل الفائدة على الديون بين 15 بالمئة و16 بالمئة، الى نمو خدمات الديون السنوية من 12 مليار دولار في العام 1975، الى 66 مليار دولار في عام 1982. وهكذا بدأت في الافق تظهر ملامح ازمة شائكة لم يشهد العالم مثلها منذ الحرب العالمية الثانية.
وعلى خلاف كافة تأكيدات صندوق النقد الدولي المعلنة عن مساعدة المكسيك والبرازيل على تخطي أزمتهما المالية والاقتصادية والتعافي من وبائهما. فقد استغل الصندوق الازمة التي تعصف بالبلدين لتحقيق المزيد من المكاسب المالية، وركز جل اهتمامه على استعادة قدرة البلدين على تسديد الالتزامات المترتبة على ديونهما والاستفادة من شروط الاستثمار لجني المزيد من الارباح والفوائد.
ولكون اسباب الازمة ذات طبيعة عالمية فقد ازدادت تفاقماَ على نحو مطرد. فحتى اكتوبر من العام 1983 اضطرت 16 دولة من دول امريكا اللاتينية الى اعادة هيكلة ديونها. ومن بينها الدول الكبيرة في امريكا اللاتينية، المكسيك والبرازيل وفنزويلا والارجنتين التي وصلت ديونها الخارجية الى 176 مليار دولار لقطاع المصارف التجارية. وبلغت منها حصة المصارف الامريكية 37 مليار دولار. وواصلت الديون ارتفاعها، فوصلت الى 2000 مليار دولار في عام 1996 وهو ما يعادل 32 مرة مما كان عليه في عام 1970.
ووفقاَ لتقارير البنك الدولي فان البلدان المدينة في العالم الثالث، قد سددت بين عام 1980 و2001 نحو 4500 مليار دولار، الا ان الديون الخارجية لهذه البلدان تضاعفت أربع مرات فارتفعت من 600 مليار دولار في عام 1980 الى 2500 مليار دولار في عام 2001.
ويظهر لنا التحليل الاقتصادي للديون الخارجية لبلدان العالم الثالث أن الأزمة تبدو أكثر وضوحاً عند أداء خدمة الدين. فمبالغ خدمة الدين التي دفعتها البلدان المدينة قد فاقت ما يتدفق اليها من قروض. ويعني ذلك ان الموارد تحول بشكل صاف من الدول الفقيرة الى الدول الدائنة.
وتوضح لنا معطيات المقارنة بين الديون والفوائد الوضع الخطير الذي تعيشه البلدان النامية بسبب تسرب مبالغ هائلة كفوائد إلى الجهات الدائنة وهذه الفوائد تفوق الزيادة السنوية في الديون. والديون نفسها لم تصل بأكملها إلى البلدان المقترضة وانما محملة بفوائد مستقطعة منها.
وخلال الفترة 1987 - 1994 ارتفع إجمالي الدين الخارجي إلى الصادرات من 88,4 بالمئة إلى 176,4 بالمئة، وارتفعت خدمة الدين إلى الصادرات من 13,13 بالمئة إلى 23,1 بالمئة لنفس الفترة.
ومنذ انفجار أزمة الديون الخارجية في عام 1982 أصبحت المصارف التجارية حذرة في تعاملها مع البلدان المقترضة، لتفادي المواقف التي تعجز فيها الدول المدينة عن دفع خدمات ديونها، وبذلك اصبحت البلدان النامية أمام خيارين؛ إما أن تدفع خدمات الديون في أوقاتها المحددة على حساب خطط التنمية ومستوى المعيشة فيها، أو أن ترفض دفع خدمات ديونها، وبالتالي تكون مستعدة لتحمل الاجراءات الخطرة التي تتخذها بحقها الدول والمؤسسات الدولية الدائنة.
وبحسب تقرير البنك الدولي فان البلدان النامية تدفع الى الجهات الدولية الدائنة 700 مليون دولار في اليوم الواحد، بما يعادل 500 ألف دولار في الدقيقة الواحدة. وبحسب ما أعلنه الرئيس الكوبي فيدل كاسترو في مؤتمر رؤساء وحكومات المؤتمر الافريقي في عام 1987 في اديس ابابا، فان البلدان النامية الفقيرة حتى عام 1980 دفعت 7,5 دولار عن الدولار الواحد، وما زالت مطالبة بدفع 4 دولارات عن كل دولار.
وهكذا تضخمت الديون الخارجية وتحولت الى ورم يهدد مستقبل البلدان النامية. وغدا من شبه المستحيل باستطاعة هذ البلدان الوفاء بالتزاماتها المالية، فهي تعيش اوضاعا اقتصادية ومالية واجتماعية متردية.
فالمديونية لا تمثل عبئاَ اقتصادياَ على النمو، فحسب، وانما اصبحت اداة قوية بيد البلدان الدائنة للتدخل في شؤون البلدان المدينة ونهب مواردها.
وعلى الرغم من أن معظم البلدان النامية المقترضة أظهرت عجزاً واضحاً في سداد القروض والفوائد المستحقة عليها، إلا أن الدول الصناعية الدائنة واصلت سياساتها التسليفية في سبيل إغراق هذه البلدان بمزيد من القروض وايقاعها في نفق المديونية التي لا مفر منها.
وقد حققت سياسة الإقراض كافة الأهداف التي ترمي لتحقيقها البلدان الصناعية الغربية، فازدادت صادراتها من السلع والخدمات وارتفعت أسعارها، كما ازدادت أرباح مؤسساتها ومصارفها. وكمثال على ذلك حققت الشركات الأمريكية من أمريكا اللاتينية في الفترة 1945 - 1980 ارباحاَ بلغت أكثر من 120 مليار دولار، بينما الحجم الحقيقي للرأسمال الموظف من قبل هذه الشركات في الفترة نفسها لم يزد على ربع الارباح.
ولم تكن القروض أداة لجني الأرباح الفاحشة فحسب وإنما أصبحت ركناً أساسياً في استراتيجية الاستعمار الجديد الرامية إلى فرض النظام الرأسمالي على العالم الثالث، غير إن نجاح سياسة الإقراض ستكون مرهونة بالنجاح الذي تحققه البلدان المقترضة على صعيد التنمية الصناعية والزراعية، وستكون مرهونة ايضاَ بكفاءة الاقتصاد القومي في تحقيق فائض اقتصادي يوفر القدرة على الإيفاء بسداد الأقساط والفوائد في جدولها الزمني. إلا أن خطط التنمية لم تنجح في البلدان المقترضة، ولم يتحقق النمو الاقتصادي إلا في حالات نادرة.
فخطط التنمية مرهونة بالتدفقات الخارجية، وهي تحتاج باستمرار إلى ضخ القروض لاستمرار عملياتها. فتوقف القروض يؤدي إلى توقف التنمية وخراب برامجها. وأدت هذه الحالة إلى طلب المزيد من القروض حتى أخذت تتزايد بسرعة.
إن عجز البلدان المدينة على سداد الأقساط وفوائدها في آجالها المحددة، أدت إلى تحويلها إلى قروض أضيفت إلى القروض القديمة، وهكذا دخلت البلدان المدينة في حلقة مفرغة وهي طلب قروض جديدة لسداد أقساط وفوائد القروض القديمة.
ومنذ أوائل الثمانينات أصبحت المديونية الخارجية من أكبر التحديات التي تواجه البلدان النامية، وقد تفاقمت بشكل خطير، وأصبحت تهدد البلدان المدينة بتداعيات اقتصادية وسياسية مدمرة. وتشير المعطيات الإحصائية والأبحاث الاقتصادية الى أن الديون الخارجية أصبحت الأداة الأكثر قدرة على استنزاف الموارد المالية للبلدان النامية وتدفقها الى البنوك والشركات متعددة الجنسية.
وقد اتبعت البلدان الرأسمالية الدائنة في تعاملها مع البلدان النامية المدينة سياسة ما يسمى بمقص الاسعار، حيث يجري تخفيض أسعار المواد الأولية وغيرها من السلع المصدرة من بلدان آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية الى البلدان الدائنة، وبالمقابل يجري رفع أسعار السلع الاستهلاكية المصنعة في البلدان الرأسمالية المصدرة إلى أسواق البلدان النامية المدينة. وجراء هذه السياسة خسرت أسواق العالم الثالث خلال الفترة 1983-1987 ما يقرب من 42 مليار دولار، بالإضافة إلى التلاعب بأسعار النفط وتهريب الأموال عن طريق الأرباح الناجمة عن تشغيل رأس المال الأجنبي، ما يجعل هذه البلدان تفقد الكثير من ثرواتها ومواردها لصالح الدول الصناعية.
وتظهر المبالغ الضخمة التي دفعتها البلدان المدينة الى الجهات الدولية الدائنة مفارقة غريبة تتمثل في انه سددت ما بين عام 1985 و1997 ما يساوي ضعف مديونيتها الخارجية الاصلية، فقد كانت المديونية الخارجية لهذا البلدان حوالي 80 مليار دولار في عام 1980. وبعد مرور ثلاثة عقود من محاولة التصدي لمشكلة المديونية الخارجية نجد البلدان النامية قد تضاعفت ديونها عدة مرات.
عوامل تضخم المديونية الخارجية
الخطأ الفادح الذي وقعت فيه معظم البلدان النامية في استعانتها بالموارد الأجنبية لتمويل برامج تنميتها هو إنها لم تنظر إلي هذه الموارد على أنها عنصر ثانوي ومكمل للموارد الداخلية، بل اعتبرته العنصر الحاسم في مسار عميلة التنمية؛ فقد اندفعت نحو الاقتراض الخارجي بعدم وجود رؤية واضحة حول حدود المدى الزمني للتمويل الخارجي واستخدام القروض الخارجية لتمويل الواردات الاستهلاكية التي لا تسهم في زيادة الطاقة الانتاجية للبلد ولا تخلق مورداً مالياَ، لتسديد أعباء القروض واستخدام قروض خارجية قصيرة الأجل ذات تكلفة عالية لتمويل استثمارات طويلة الأجل، وعدم مراعاة التزامن بين سداد القروض وتشغيل الطاقات الانتاجية الممولة بواسطة هذه القروض، وحدوث أخطاء جسيمة في تقييم الجدوى الاقتصادية للمشاريع التي موّلت بالقروض الأجنبية.
وإلى جانب العوامل المحلية، فقد ساهمت مجموعة العوامل الخارجية في اشتعال ازمة الديون الخارجية، فقد طبقت البلدان الرأسمالية منذ بداية الثمانينات سياسات اقتصادية متشددة من اجل تحميل البلدان النامية الفقيرة اوزار الازمة المالية وتبعات ازمة الكساد الكبير الذي ضرب العالم الرأسمالي، فلجأت الى اغراق البلدان النامية بالديون الخارجية من اجل امتصاص الفوائض البترولية وتوظيفها على شكل استثمارات في البنوك والمؤسسات المالية في بلدان غرب اوربا وامريكا؛ حيث تراكمت مبالغ ضخمة في بنوك لندن ونيويورك وباريس والمانيا الاتحادية. وفتحت هذه البنوك فروعاَ لها في مختلف المناطق لجلب الودائع المالية واعادة اقراضها الى البلدان النامية بأسعار مرتفعة ورفع اسعار الفائدة الى نسب غير مسبوقة، ما ادى الى ارتفاع تكلفة الاقتراض الخارجي على البلدان النامية.
ونتيجة لتفاعل هذه العوامل وارتفاع العجز في موازين مدفوعاتها، زاد توجه البلدان المدينة نحو الاقتراض الخارجي. وأدت الزيادة في اسعار الاستيراد الى ارتفاع التكلفة في الاسعار المحلية واصبحت البلدان الرأسمالية مصدرا لتصدير التضخم الى البلدان النامية، ما شكل ظاهرة خطيرة على اقتصاديات البلدان المدينة، وخاصة البلدان التي تعتمد على الواردات من السلع الاستهلاكية والانتاجية الضرورية لسد احتياجاتها الضرورية.
ان تصاعد المديونية الخارجية للبلدان النامية بهذا الشكل المرعب هو نتيجة لعدم ملائمة السياسات الاقتصادية التي يفرضها صندوق النقد الدولي مع خصوصيات هذه البلدان. ولهذا فالتوجهات الاقتصادية لأي بلد يجب ان تكون نابعة من فلسفته الاقتصادية.
ونستنتج من ذلك ان الديون الخارجية هي الفخ الذي نصبته البلدان الاستعمارية للبلدان النامية من اجل ايقاعها في شباكها واجبارها على تنفيذ سياسات رأسمالية تم وضعها، وأشرف على تطبيقها صندوق النقد الدولي.