على الرغم من مرور أربعين سنة على صدور كتاب "في الدولة الطائفية" للمفكر مهدي عامل، لكنه ما زال يحتفظ براهنيته في تحليل الظاهرة الطائفية، باستخدامه المنهج المادي الجدلي التاريخي على الواقع اللبناني الملموس. وأستطيع القول ان مهدي عامل من اهم من تصدى لتفكيك هذه الظاهرة فكريا وسياسيا وايديولوجيا، وتكمن اهمية مساهمته واستثنائيتها على ما اعتقد في الأسباب الآتية:
انه عاش هذه الظاهرة الاستثنائية في لبنان حينها، وناضل ضدها عمليا اي سياسيا، وليس كمنظر لها فقط، ودفع ثمن ذلك حياته باغتياله على يد ظلاميي الطائفية في 18/5/1987.
تمكنه العلمي من المنهج الذي استخدمه وقدرته الخلاقة على استخدام المنهج بعلمية وابداع في تحليله الطائفية في لبنان.
ولتأكيد راهنية ما توصل اليه في كتابه أعلاه، سأضع اهم آرائه واستنتاجاته في هذا الكتاب بين مزدوجين، ومقارباتها مع الواقع الذي نعيشه، ليس في العراق وحسب، انما في المنطقة. وهل يمكن الافادة من اطروحاته وتطويرها في فهم ما يجري الان، بعد مرور ثلاثة وعشرين عاما على الاحتلال الامريكي وانهيار النظام الدكتاتوري؟
في مفهوم الطائفة
يبدأ عامل في نحت المفاهيم من خلال طروحات مفكري الطائفية ويستخلص مفاهيمه النقدية؛ حيث إن معركة المفاهيم ليست ترفا فكريا بقدر ما هي ضرورة معرفية وسياسية في آن. لذلك يبدأ بالمفهوم الرئيسي، أو يمكن القول المركزي للفكر البرجوازي "الطائفي" وهو الطائفة، وأوجه الاختلاف بينه وبين الفكر النقيض، أي الفكر الماركسي: "الطائفة كما يعرفها الفكر "الطائفي" البورجوازي. ان الطائفة كيان اجتماعي قائم بذاته، متماسك بلحمته الداخلية، عميق الجذور في وجوده، حتى يكاد يكون في حاضره ما كان، قبل، في ماضيه، متكرر بلا تغيير".
هذا هو ظاهر الاشياء او كما يراد لها ان تترسخ بظاهريتها، وتدوم، لذلك يعلن ومنذ البداية: "ضد الظاهر من الاشياء، وضد الوعي المتسطح في البدهي، وضد الفكر المسيطر في الشائع والمرئي، وضد التجريبي الخادع، ضد الفكر البرجوازي ينبني الفكر العلمي في محاولته او محاولاته انتاج معرفة مادية متسقة، من موقع نقيض لموقع الفكر المسيطر". ومن هذا التشخيص الدقيق لما يتصوره او يحاول ان يرسخه الفكر البرجوازي "الطائفي" للطائفة عبر مختلف انتماءاته، ينطلق عامل في نحت المفهوم النقيض حيث ان "الطائفة، اذن كما بيّنا، من هذا الموقع النقيض، ليست شيئا، بل علاقة سياسية محدودة بشكل تاريخي محدد من حركة الصراع الطبقي، في شروط البنية الاجتماعية الكولونيالية اللبنانية؟". ويضيف "من فهم بورجوازي للطوائف، يرى فيها كيانات مستقلة قائمة بذاتها، سابقة على كل شكل من اشكال التنظيم السياسي، وعلى كل شكل من اشكال الدولة. بل ان وجودها الكياني ذاك - أعنى الجوهري، او قل حتى الأنطولوجي، هو الذي يفرض على الدولة ان يكون لها الشكل الملائم لوجودها هذا فيفرض عليها، بالتالي، ان تكون طائفية، اي دولة طوائف.
ونقد هذا الفكر يبدأ بنقد مفهوم الطائفة. اكرر: ليست الطائفة كيانا، وليس لها وجود أنطولوجي. انها علاقة سياسية محددة بحركة معينة من الصراع الطبقي، في شكل منها محدد بشروط تاريخية خاصة ببنية اجتماعية معينة. ولأنها كذلك، فهي، إذن، قائمة بالدولة، لا بذاتها، في هذه البنية الاجتماعية، وفي شروطها التاريخية المحددة التي هي هي شروط حركة الصراع الطبقي فيها".
في مفهوم الطائفية
بعد تقديم مفهوم الطائفة عند الفكر البرجوازي والفكر النقيض اي الماركسي، ينتقل عامل لمفهوم الطائفية وكيف يصوغ كل فكر رؤيته عنه: "الطائفية في مفهومها البورجوازي هي نظام حكم الطوائف. والحكم هذا مشاركة بينها، في توازن دقيق، به تقوم الدولة، وبه تدوم. فاذا اختل، تفككت الدولة ـ او تهددها التفكك - فتعطل دورها في ادارة مصالح الطوائف، وتأمين ديمومة حكمها. إذاك، يدخل المجتمع في ازمة تشخصها البورجوازية بحسب مفهومها اذاك، كأزمة تعايش بين الطوائف: فأما عودة لكل طائفة بحكمها الذاتي، في إطار خارجي من التعدد الطائفي، ربما كان عند البعض إطار الكونفدرالية من الكانتونات، حجر الزاوية في هذا التحديد للطائفية هو تحديد الطائفة.
فالطائفة، في مفهومها البورجوازي، هي كيان مستقل قائم بذاته، متماسك بلحمته الداخلية. لذا كانت العلاقة بين الطوائف، بالضرورة، خارجية، لا وحدة بينها سوى ما تقيمه الدولة من اطر تعايشها السلمي".
"الطائفية في مفهومها النقيض، هي الشكل التاريخي المحدد للنظام السياسي الذي تمارس فيه البرجوازية اللبنانية سيطرتها الطبقية. معنى هذا بدقة، ان التلاؤم قائم بين هذا النظام السياسي (والايديولوجي والحقوقي) للسيطرة الطبقية، وبين شكله التاريخي الذي هو شكله الطائفي". ويضيف كذلك "ولئن سأل سائل: لماذا الشكل الطائفي لهذه الدولة هو اساسي لوجودها كدولة بورجوازية؟ فالجواب هو، باختصار، ان هذا الشكل يسمح للبورجوازية بالتحكم بمجرى الصراع الطبقي، بإبقاء الطبقات الكادحة فيه اسيرة علاقة من التبعية الطبقية بها هي، بالتحديد، علاقة تمثيل طائفي تربط الطبقات هذه بممثليها الطائفيين من البورجوازية ربطا تبعيا، تفقد فيه وجودها السياسي كقوة مستقلة، لتكتسب فيه، وبه، وجوداً اخر هو، بالضبط، وجودها الطائفي، اي وجودها كطوائف. فما دامت الطبقات الكادحة موجودة في مثل هذ العلاقة من التبعية الطبقية التي هي فيها موجودة كطوائف، فإنها لا تمثل اي قوة سياسية مستقلة هي قوتها الطبقية المناهضة للبورجوازية. ان هذا الشكل التاريخي المحدد من وجود الطبقات الكادحة كطوائف، في حركة الصراع الطبقي نفسه الذي تتحكم به البورجوازية المسيطرة عبر تمثيلها الطائفي لنقيضها الطبقي، هو الذي يؤمن للبورجوازية المسيطرة ديمومة السيطرة الطبقية، عبر تأمينه ديمومة التجديد لنظامها الطائفي الذي هو هو نظام سيطرتها الطبقية. من هنا أمكن القول، بدقة، ان الشكل الطائفي لدولة البورجوازية اللبنانية اساسي لوجودها كدولة طبقية بورجوازية".
ويمكن الاستنتاج ان الشروط التاريخية للطائفية في العراق بدأت بوادرها مع الاحتلال البريطاني للعراق سنة 1918. وان اختلفت حدة تمظهراها في سياسات الحكومات المتعاقبة منذ تأسس الدولة العراقية وانهيارها في 2003، وما بعدها، حيث تم ترسيخها من قبل الاحتلال الامريكي والقوى السياسية التي وجدت في الطائفية والإثنية الطريق الاقرب لتعزيز مصالحها كطبقات وفئات وشرائح اجتماعية في بنية الدولة الطائفية الجديدة. حيث هناك تشابه بما حصل في التجربة اللبنانية كما وضحها في كتابه "لئن كان الانتداب الفرنسي قد أرسى لهذا النظام، بدستور 1926، قاعدته (الطائفية) الاساسية، فان البورجوازية اللبنانية هي التي استكملت بناء هذا النظام وعززته، على امتداد ربع قرن من الاستقلال على الاقل من 1943 الى 1967". وهي بذلك اي البرجوازية بكافة اشكالها المختلفة والتي تبلورت على أنقاض الدولة السابقة تتماهى مع المشروع الأمريكي، مهما حاولت ايديولوجياً ان تثبت عكس ذلك، ونستطيع القول بعد اسقاط النظام وتدمير الدولة في 2003، حسب استراتيجية "الفوضى الخلاقة" التي تبنتها الادارة الامريكية وطبقتها كأحد "العقاقير الفعالة" في العراق؛ حيث مازلنا نعيش تداعياتها الى الان، وربما لفترات طويلة لاحقة! وفرض "اقتصاد السوق" بصيغته "الليبرالية الجديدة" من خلال الاجراءات التي اتخذها الحاكم المدني (بول برايمر) وطبّقه صقور الطوائف بإبداع قلّ نظيره. وكان من تداعياته تدمير مبرمج للصناعة والزراعة في القطاعيين العام والخاص، بالإضافة الى تدهور الصناعات الحرفية. ولم يسلم من هذا التدمير القطاعات الخدمية كالصحة والتعليم والكهرباء ...الخ، التابع للدولة، نتيجة الفساد والافساد وسوء الإدارة، لتفسح المجال للقطاع الخاص بالاستثمار بهما، وينتشر انتشار النار بالهشيم باستخدام طريقة "العلاج بالصدمة"، والتي تستخدم لفرض توجهات اقتصادية من الصعب قبولها او التكيف معها جماهيريا. وقد يقود ذلك الى مقاومتها ورفضها في الظروف الطبيعية، ولكن يمكن فرضها في ظروف استثنائية كالانقلابات العسكرية او الحروب الاهلية او الكوارث الطبيعية. وفي حالتنا فان ظروف الارهاب والاقتتال الطائفي تعتبر مناسبة جدا ومثالية بالنسبة لمنظري "العلاج بالصدمة". ونتيجة لهذه السياسات الاقتصادية التي قادت الى ترسيخ الاقتصاد الريعي الاحادي الجانب، والذي يقود بدوره من جهة الى تزايد نسب العاطلين عن العمل والتهميش والتفاوتات الطبقية. ومن جهة اخرى تركز النفوذ والثروة بيد (الاوليغاشية) التي تمثل مصالح التحالف الطبقي للبرجوازية الطفيلية والبيروقراطية والكوبمرادورية المسيطر. وهذا يعني في نهاية المطاف اعادة تشكل علاقات انتاج رأسمالية تابعة على انقاض تلك السابقة التي كانت في زمن النظام الدكتاتوري بواجهات سياسية وايديولوجية، تتناسب مع شكل الدولة الطائفية الجديد، والذي سيحتاج الى رجالات وخبرات الزمن السابق وشراكتهم؛ حيث يشير عامل في اكثر من مكان في كتابه الى انه "لا يمكن فهم الطائفية، بما هي النظام السياسي الذي فيه تمارس البورجوازية الكولونيالية سيطرتها الطبقية، إلا بردّها الى هذه البنية من علاقات الانتاج الكولونيالية، في ارتباطها التبعي البنيوي بالإمبريالية، وفي تميزها من علاقات الانتاج الامبريالية، في انتماء هذين النوعين من العلاقات الى نمط كوني واحد من الانتاج، وهو نمط الانتاج الرأسمالي". او كما عبّر عنها في مكان اخر "هكذا نجد اذن، ازمة التطور الامبريالي لنمط الانتاج الرأسمالي في اساس تكوّن النظام السياسي البورجوازي كنظام طائفي. هكذا تظهر، في التفسير المادي، علاقة الارتباط العضوي بين الطائفية والامبريالية، في تكوّن البنية الاجتماعية اللبنانية كبنية كولونيالية. ان تاريخ تكون الطائفية كما نفهمه في أفقه المبين اعلاه، يعود، اذن، في بداياته، الى اواسط القرن التاسع عشر. ولا اقول الى حدث ما، او الى مجموعة من الاحداث، كأحداث 1860، بل الى بنية تتكون - اي بالتحديد، الى بدايات تكوّن علاقات الانتاج الرأسمالية، في ظل تغلغل الرساميل الامبريالية، وتفكك العلاقات الاقطاعية، في شكل تاريخي نسبي محدد، وتصدع الدولة العثمانية. والرجوع بذاك التاريخ الى ما قبل تكوّن هذه العلاقات من الانتاج، دون تمييز لما بين الأزمنة الاجتماعية هذه كلها من اختلاف، لا يقود سوى الى مزيد من الغموض في معالجة المسألة الطائفية، لا سيما في طرح السؤال التاريخي الخاص بها".
ومن ضمن تشخيصاته الدقيقة لعلاقات الانتاج ما قبل الرأسمالية ودورها في ظل العلاقات الرأسمالية التابعة في بلدان الاطراف، والتي يعاد انتاجها كضرورة من ضرورات اعادة انتاج علاقات التبعية بين بلدان المراكز الرأسمالية واطرافها. ويتم ذلك بعدة طرق منها التدخلات العسكرية المباشرة او عبر الانقلابات العسكرية المدعومة او فرض عقوبات اقتصادية او عبر "معجزات" شروط ووصفات مؤسسات صندوق النقد والبنك الدوليين، والنتائج الكارثية التي ترتبت على تطبيق تلك الوصفات والشروط لتجارب العديد من البلدان. ويمكن الاشارة الى ما وصلنا اليه في العراق اليوم كنموذج يفقأ العين؛ حيث يشير عامل الى دور تلك العلاقات وتمييزها عما كانت تمثل سابقا واختلافه عما تمثله الان "ان علاقات الانتاج السابقة على الرأسمالية ليست، في البنية الاجتماعية الكولونيالية، هي نفسها في البنية السابقة، بل هي، بالعكس، حتى في تماثلها بذاتها، وبرغم من هذا التماثل، مختلفة باختلاف البنيتين اللتين ليست هي فيهما هي. فهي، في البنية السابقة على الرأسمالية، علاقات مسيطرة بسيطرة نمط الانتاج ما قبل الرأسمالية، سواء كان الاقطاعي ام الاسيوي. لكنها في البنية الكولونيالية خاضعة، بالعكس، لسيطرة علاقات من الانتاج الكولونيالي هي، بالضبط، شكل تاريخي محدد من العلاقات الرأسمالية". كما يشير ايضا الى "في القانون العام لنمط الانتاج الكولونيالي، الذي لمحت اليه في فصول سابقة، والذي هو قانون العجز النسبي لهذا النمط من الانتاج عن القضاء، في تطوره التبعي وبسبب من هذا التطور، على علاقات الانتاج السابقة على الرأسمالية، المتعايشة معه، في ظل سيطرته عليها في اشكال شتى". من التحليل اعلاه ليس غريبا ان تكون التخندقات الطائفية او العشائرية او الاثنية حاضرة بقوة، في الوعي السائد وتعاد تغذيتها بشكل مستمر. وخاصة في الازمات التي تصيب النظام إذا كانت سياسية او اقتصادية داخلية او خارجية او اثناء الحملات الانتخابية لتزييف وتشويه وعي المتضررين والمبعدين عن المشاركة في السلطة من الكادحين والمهمشين والعاطلين عن العمل. لكن بنفس الوقت لا يمكن ان تكون هذه التمظهرات قائمة بذاتها، فأنها مرتبطة بعدة اشكال بالقوى السياسية المتنفذة او "بالتحالف الطبقي المسيطر" والتي تغذيها باستمرار بفضل الريوع النفطية لتستثمرها لاحقا في صراعها فيما بينها على غنائم السلطة، ومع من يحاول كسر موازين القوى السائد كأحزاب سياسية وما يرافقها من تأثير لمنظمات مجتمع مدني او مهني او حركات احتجاجية او انتفاضات جماهيرية، حيث لا تتردد هذا القوى في استخدام العنف وتتخلى عن قناع الديمقراطية، كما استنتجه مهدي عامل بدقة "يدخل نظام التعايش ذاك ازمة، وتتعطل حركة تجدده، فتظهر، حينئذ، ضرورة تغييره كمهمة ملحة في جدول اعمال الصراع الطبقي، وتظهر بظهور هذه الضرورة امكانية ان تستحيل الديمقراطية الطائفية فاشية طائفية". وخير مثال على ذلك ما جرى في انتفاضة تشرين 2019 في العراق.
ويمكن الاشارة الى الطريقة المختلفة للنظر للماضي وعلاقته بالحاضر من وجهة النظر الماركسية والتي يمكن ان تساعد في فهم دور وتأثير علاقات ما قبل الرأسمالية في ظل رأسمالية تابعة، والقدرة على تكوين تصور علمي لدورها وتأثيرها في نمط انتاج سابق للرأسمالية؛ حيث يشير "هكذا يجد الحاضر تفسيره في الماضي،... ان المنهج الذي يقرأ الحاضر في ضوء الماضي، من حيث هو امتداد له، او حتى تكرار، بدلا من ان يقرأ، بالعكس، الماضي في ضوء الحاضر، في اختلافه نفسه عنه، هو منهج يقود، فعليا، الى الغاء هذا الاختلاف بين الاثنين، وبالتالي الى اصطدام معرفتهما بعائق استحالتها".
أوهام "الديمقراطية الطائفية"
كوننا جديدي عهد بالدولة الطائفية التي تم التخطيط لها، وبدقة، من قبل الولايات المتحدة قبل الاحتلال، وترسيخها بعده بتوافق مع اغلب القوى السياسية التي وجدت مصالحها مع هكذا توجه. واحتلت مواقع لم تحلم بها، سواء كانت على مستوى المناصب في الدولة الجديدة والنفوذ، ام بالمكاسب المالية والاقتصادية التي لم تكن تخطر حتى في بال شايلوك. على الرغم من مرور ثلاثة وعشرين سنة، حيث تم خوض على مدى هذه الفترة خمس دوارات انتخابية لمجلس النواب، وثلاثة لمجالس المحافظات. ينطرح سؤال هل يمكن ان يكون النظام ديمقراطيا وطائفيا في آن؟ يشخّص عامل من خلال تحليله العلمي وما يدل على صحة تحليله ليس ما يخص الواقع اللبناني، انما ما وصلنا اليه نحن في العراق الان وكما يقال: الوقائع عنيدة "ان نظام التعددية الطائفية، التي هي – كما سبق القول- بهذا النظام تعددية سياسية، ليس شرطاً للديمقراطية، بقدر ما هو شرط لنفيها او الغائها، من حيث هو، بالضبط، مولد للفاشية. فنظام الديمقراطية الطائفية هو الارض التي يقوم عليها نظام الفاشية الطائفية". كما يشير الى التناقض السياسي بين الديمقراطية والطائفية "يخطئ من يقيم التناقض السياسي في لبنان بين طائفية هي، في تعدديتها السياسية، الديمقراطية نفسها، وفاشية هي إلغاء لهذه التعددية الطائفية. فالتناقض الفعلي ليس قائما بين هذين الطرفين. انه بالعكس، قائم بين الطائفية والديموقراطية"... "لا وجود لطائفة ديمقراطية واخرى فاشية. لا وجود لوعي طائفي ديمقراطي، واخر فاش. الطائفية هي الطائفية - سواء كانت اسلامية او مسيحية. بل لا معنى اصلا لكلام على طائفية اسلامية وطائفية مسيحية. الوعي الطائفي هو الوعي الطائفي، سواء كان درزياً ام شيعياً ام مارونياً.. الخ، ولا فضل لهذا على ذاك الا بالموقع الفعلي الذي يحتله في حقل الممارسات السياسية الطبقية".
في مفهوم "التوافقية"
كثيرا ما صدع رؤوسنا سياسيونا الطائفيون "بالتوافقية" وان اي إخلال بها يعطل "الديمقراطية" التي بذلوا من أجلها الغالي والنفيس حيث اوصلونا واوصلوها لما نحن عليه الان من خراب. كيف يكشف مهدي عامل زيف هذا الادعاء "ان الوظيفة الأيديولوجية لمفهوم "التوافقية" تكمن في وجه منها، في اخفاء ان التوازن في النظام "التوافقي" توازن هيمني، وان حق النقض فيه ليس، في واقعه الفعلي، سوى "حق" هيمنة، لها، في هذا النظام الطائفي، بالضرورة، طابع طائفي. كما أن وظيفة ذلك المفهوم تكمن، في وجه آخر منها، في اظهار كل رفض لهذه الهيمنة ونظامها الطائفي كأنه "رغبة في استبدال النسبية التوافقية بنظام "اكثروي"، اي، في تعبير آخر، كأنه استبدال لهيمنة طائفية بهيمنة طائفية اخرى على قاعدة النظام الطائفي، بل ربما كان تكريسا له في شكل اشد قبحا من شكله السابق. لكن الفكر الطائفي وحده، كفكر ضيق محدود، هو الذي يرد كل تغيير ممكن للنظام السياسي الطائفي الى استبدال لشكل منه باخر". ويمكن الاشارة الى بعض التصورات الخيالية التي تعتقد ربما تكون "التوافقية" حالة مؤقتة، يمكن تجاوزها مستقبلا في ظل الدولة الطائفية. لا يهمل مهدي عامل هذا التصور في كتابه حيث عالجه بشكل دقيق "الطريف المدهش في خاتمة مسرة هو قوله فيها: "على مر الايام، سيمكن نجاح التوافقية من تجاوزها". ومعناه ان النجاح في تأمين استمرارية النظام السياسي الطائفي، اي في تأمين ديمومة اعادة انتاجه، هو الذي يقود الى تجاوزه، او قل، لمزيد من الوضوح: ان الغاء النظام السياسي يكون بتأبيده فعلى من يريد تغييره ان يعمل لتأبيده".
في التوازن الهيمني
1. من ضمن المفاهيم الايديولوجية التي يستخدمها ساستنا بمختلف انتماءاتهم هو مفهوم التوازن والذي لم يذكر في الدستور العراقي لسنة 2005. سوى في المادة (9) الفقرة (أ- تتكون القوات المسلحة العراقية والاجهزة الامنية من مكونات الشعب العراقي، بما يراعي توازنها وتماثلها دون تمييز أو اقصاء وتخضع لقيادة السلطة المدنية وتدافع عن العراق ولا تكون اداة لقمع الشعب العراقي ولا تتدخل في الشؤون السياسية، ولا دور لها في تداول السلطة). لكن طبيعة الدولة الطائفية تفرض عمليا توزيع السلطة بما يضمن الهيمنة. لذلك يكشف مهدي عامل الدور الايديولوجي للتوازن في ظل الدولة الطائفية: "للتوضيح نقول ان التوازن الطائفي الذي هو اساسي لوجود الدولة وديمومتها كدولة طائفية، لا يعني المساواة بين الطوائف، وان كان من وظيفته الايديولوجية ان يوحي بها، او ان يولد في الوعي وهما بها. انه بالعكس، توازن هيمني لا يقوم الا بهيمنة طائفية هي التي بها يتأمن وجوده كتوازن طائفي. لكن المشكلة الفعلية ليست في وجود هذه الهيمنة، او في عدم وجودها، بقدر ماهي في العلاقة القائمة، في الدولة نفسها، بين الهيمنة الطبقية والهيمنة الطائفية".
في مفهوم "المشاركة"
تحاول القوى السياسية ومن موقع هيمنتها الايديولوجية ان تصور المشاركة في السلطة التشريعية والقضائية والتنفيذية، عبر المحاصصة الطائفية، والإثنية بانها الشكل الامثل لتمثيل المكونات، وتعبيرا عن مدى حرصها على الاستقرار والحفاظ على "الديمقراطية".
"ان مفهوم "المشاركة" يتضمن تشخيصا للمشكلة هو ان المشكلة تكمن في وجود هيمنة طائفية على الدولة - (كأن الدولة في موقع محايد من "الطوائف" ومن الطبقات وصراعاتها، وفي علاقة خارجية بها، كأن الدولة غاية مستقلة عنها) وزوال هذه الهيمنة يكون في المشاركة فيها.
السلطة التنفيذية التي بها - دون السلطة التشريعية - تكون الهيمنة. فموقعها هو موقع الهيمنة، من يكون فيه، تكون له دون غيره".
يكمل تحليله العميق في اشكالية التوازن الهيمني وتداعياته على سلطة الدولة "ان التوازن الطائفي لا يكون بالمشاركة، بل بالهيمنة، ولا يكون الا بها. ولا تقوم دولة طائفية الا بمثل هذا التوازن الهيمني. لا لضرورة طائفية، بل لضرورة طبقية هي ضرورة الدولة في وجودها الطبقي كدولة. ذلك ان السلطة، بما هي سلطة الدولة، لها بالضرورة طابع هيمني. ولا وجود للسلطة الا في هذا الشكل الذي هي هي فيه الهيمنة. فالهيمنة هي لمن في السلطة. وكل الغاء للهيمنة هو بالضرورة الغاء للسلطة، اي لسلطة الدولة نفسها. فكيف تقوم الدولة بوظيفتها الطبقية وقد الغي فيها موقع الهيمنة، فالغيت سلطتها؟".
الخلط بين الديني والسياسي السلاح المفضل للفكر الطائفي
اعتقد من اهم الوسائل الايديولوجية للقوى السياسية المتنفذة، والمهيمنة منها في العراق تعتمد هذا الخلط مما له من قدرة على تزييف وعي الناس، وابعادهم عن المساءلة لما الت اليه الأوضاع: "السلاح المفضل للفكر الطائفي، في جميع الحالات، هو التمويه. يكون التمويه بطرق شتى، منها الخلط بين الاشياء: كأن يظهر الكلام كأنه يجري، مثلا، على السياسي، بينما هو، بالعكس، يجري على الديني، فيلتبس الامر، كأن هذا هو ذاك، وذاك هذا، بلا تمييز. والفكر الطائفي يلعب هذه اللعبة بمهارة في معظم نصوصه. مثلا في النص السابق، حين يرى إيليا حريق (كاتب مدافع عن الطائفية في لبنان) ان الغاء التعددية السياسية يقود الى "سلب جماعات عديدة من معتقداتهم الخاصة وطرق حياتهم المفضلة". مثل هذا القول الشائع في الفكر الطائفي لا يستقيم، من الناحية الشكلية البحت، الا إذا كان الديني جوهر السياسي - كما رأينا في الفصل السابق - وكان السياسي، بالتالي، مظهرا منه. ومثل هذا القول يعني ان الممارسة السياسية للطوائف هي هي ممارستها الدينية - والعكس بالعكس - وان الطوائف لا يمكن لها ان تقوم بممارستها هذه التي هي ممارسة طقوس وعبادات ومعتقدات، الا إذا كان النظام السياسي طائفيا، وكان، تعددها، متعدداً. فإلغاء ما اصطلح على تسميته "الطائفية السياسية" هو، اذن، بالنسبة الى هذا الفكر الغاء للطوائف نفسها، بالمعنى الديني للكلمة. هذا الخلط الفعلي بين الديني والسياسي، سواء كان مقصوداً أم غير مقصود، له وظيفة أيديولوجية محددة هي تسخير الاول، أعني الديني، لخدمة الثاني أعني السياسي، في هدف تأبيد النظام السياسي القائم". ويشير في مكان اخر الى الفرق بين الدولة الدينية والدولة الطائفية ما يساعد على ضرورة التمييز بينهما: "لكن الدولة الاسلامية شيء، والدولة الطائفية شيء آخر. الاولى تظهر كأنها دولة واحدة، تعتمد الدين، واحدا، في انبنائها واحكامها وممارساتها ولها، بالتالي، طابع قدسي تستمده من قدسية الشرع الذي به تتحدد كدولة اسلامية. انها، اذن، دولة دين واحد. او قل للدقة، انها الدين إياه، كدولة، من حيث الدين هذا هو الشرع. اما الثانية فمتعددة بتعدد الطوائف. ولئن ظهرت، برغم هذا، واحدة، فوحدتها خارجية، من حيث هي لذاتها، إطار تعايش طائفي. ليست الدولة الطائفية دولة دينية، ولا هي دولة دين واحد. فالطوائف، في علاقتها بالدولة، ليست ادياناً، برغم كون الانتماء الديني عاملا اساسيا في وجودها. ليس لدولة الطوائف طابع قدسي، ولا يمكن ان تكون لها مثل هذا الطابع، ولا يمكن لها ان تقوم بشرع لا بسبب من تعددها هذا وحسب بل لأنها في ظهورها لذاتها من موقع نظر البورجوازية المسيطرة نفسها، إطار او مجال للتعايش السياسي للطوائف، لا لتعايشها الديني.
بالطبع لا ينحصر الاختلاف بين الدولتين، الاسلامية والطائفية في مستوى السطح هذا من المعالجة. انه، بالعكس، يجد اساسه المادي في اختلاف نمط الانتاج المسيطر في كل من البنيتين الاجتماعيتين المختلفتين اللبنانية الكولونيالية، والعثمانية الاقطاعية، او الاستبدادية. لئن سنت الدولة العثمانية للطوائف نظاما هو نظام الملل، فهذا لا يعني بتاتا انها دولة طائفية - ولا فقد الكلام معناه، وفقدت المفاهيم وقتها وضرورتها - ولا يعني ذاك ايضا ان النظام السياسي الطائفي الذي فيه تمارس البورجوازية اللبنانية سيطرتها الطبقية، هو نفسه نظام الملل العثماني ذاك السابق على تكون البورجوازية كبورجوازية كولونيالية، او انه يجد تاريخه في هذا النظام، او في ما سبقه من انماط حياة، لا اعلم لماذا اوقفها بعلبكي عند الفاطميين، فلم يعد بها، مثلا، الامويين، او الخوارج او المرجئة".
كيف تتم تبرئة البرجوازية؟
تختفي البرجوازية بأشكالها المتنوعة في ظل الدولة الطائفية خلف جدران ايديولوجية سميكة من الوعي الطائفي، التي ساهمت في ترسيخه. وهي لا تبخل في عملية تغذيته باستمرار عن طريق كافة الوسائل الاعلامية بتنوعاتها، وعبر مؤسسات دينية، وثقافية وفنية، وكذلك استثمار الطقوس الدينية في التوجهات الطائفية، من اجل تحقيق مصالحها الطبقية من جهة، ومن اجل اعادة انتاج سيطرتها السياسية من جهة اخرى. وبالضرورة ان هذه المصالح ستكون على حساب الاغلبية ولصالح اقلية "طغموية" كما انها سترهن مصالح البلد لحساب تبعيتها للبلدان الاقليمية او الدولية. ونحن شهود على ما يجري في ظل ظروف العراق الملموسة. وهذا بدوره سيقود الى تعدد الازمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والاخفاق الاكيد في معالجتها من قبل نفس القوى التي هي هي نفسها سبب في هذه الازمات، فيتم ترحيلها بشكل الذي يكشفه مهدي عامل: "تتم تبرئة البرجوازية ونظامها من كل مسؤولية تاريخية سياسية عن تفتيت المجتمع وتمزيقه، وفيه تغيب مسألة عجزها الطبقي عن توحيد المجتمع والدولة. المجتمع، في هذا الفهم للمسألة الطائفية، هو المسؤول عن تفككه، بسبب من تعدد طوائفه، والمسؤول عن انهيار الكيان هو الكيان نفسه، بسبب ايضا، من تعدد طوائفه. فالمسؤولية تقع على الطوائف جميعا، لأنها لم تحسن اختيار وحدتها، او قل شكل هذه الوحدة. واذ تتعمم المسؤولية على الجميع، يصدر حكم ضمني ببراءة المسؤول الفعلي الذي لا وجود له الا في منهج اخر من التحليل محكوم بمنطق اخر من الفكر غير الفكر الطائفي". ونختتم بالميزة الاساسية للفكري البرجوازي الطائفي التي يشخصها مهدي عامل "ولئن أردنا ان نميز منطق الفكر الطائفي بكلمة لقلنا ان ميزته الاساسية، من حيث هو منطق الفكر البرجوازي، تكمن في تغيبه الاقتصادي، كأنه بحضور الاقتصادي يتهافت".