حوار فيصل الفؤادي
مع سهيل الزهاوي
شكّلت المرأة الشيوعية العراقية، على امتداد تاريخ الحزب الشيوعي العراقي، ركنًا أساسيًا من أركان النضال السياسي والجماهيري. ولم يكن حضورها مقتصرًا على النشاط النسائي أو العمل الاجتماعي، بل امتد إلى مختلف ميادين العمل الحزبي: إعادة بناء التنظيمات بعد تعرضها للضربات، وحماية الصلات الحزبية، ونقل الرسائل والمنشورات، وتوفير البيوت السرية، وجمع التبرعات والمساعدات، وتنظيم النساء والطلبة، وإسناد حركة الأنصار، فضلًا عن نقل السلاح والمعلومات في ظروف بالغة الخطورة. وقد برز هذا الدور بصورة خاصة في المراحل التي اشتدت فيها حملات القمع والملاحقة ضد الحزب. ففي تلك الظروف، كان اعتقال رفيق أو سقوط خط تنظيمي يهددان بانقطاع الصلة بين الحزب وجماهيره، فتتقدم المناضلات لإعادة الاتصال، وترميم التنظيم، والحفاظ على استمرارية العمل. وقد ساعدتهن، في حالات كثيرة، قدرتهن على التحرك داخل الأحياء والمدارس والأسواق والبيوت، وعلى بناء علاقات اجتماعية واسعة، غير أن هذا التحرك لم يكن آمنًا أو بعيدًا عن أعين الأجهزة القمعية، كما كانت السلطات تتصور أحيانًا أو كما قد يبدو من الخارج. لقد دفعت مناضلات كثيرات ثمن مشاركتهن في العمل السري؛ فتعرّضن للملاحقة والاعتقال والتعذيب الوحشي، وفقد بعضهن أفرادًا من عائلاتهن، فيما أُعدمت أخريات أو استشهدن خلال أداء مهماتهن. ومع ذلك، واصلن العمل بإرادة صلبة، وأسهمن في حماية التنظيم وإدامة صلته بالجماهير، ولا سيما في المدن التي كانت تخضع لرقابة أمنية مشددة.
وفي مدينة السليمانية، أدّت المناضلات الشيوعيات دورًا مهمًا في إعادة تنظيم الخطوط النسائية والطلابية والجماهيرية، وفي ربط العمل السري داخل المدينة بحركة الأنصار في الجبال. ولم تكن المرأة في هذه التجربة عنصرًا مساعدًا للرجل، بل مناضلة تتحمل المسؤولية الحزبية الكاملة، وتقود التنظيم، وتتخذ القرار، وتواجه المخاطر الناجمة عنه. في هذا الحوار، يستعيد الرفيق سهيل الزهاوي عضو اللجنة للحزب الشيوعي العراقي وعضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي الكردستاني جانبًا من تلك التجربة، متوقفًا بصورة خاصة عند مجموعة من المناضلات اللواتي عملن في مدينة السليمانية، وعند المسيرة النضالية للرفيقة جيران شيخ محمود، التي مثّلت نموذجًا بارزًا للمرأة الشيوعية في العملين السري والعلني.
عندما نتحدث عن العمل السري إبان الكفاح المسلح، كثيرًا ما يتركز الحديث على الأنصار والمفارز المسلحة. أين كانت المرأة الشيوعية من هذه التجربة؟
لم تكن المرأة الشيوعية بعيدة عن الكفاح المسلح أو عن التنظيمات السرية داخل المدن، بل كانت جزءًا أساسيًا من هذه التجربة. وإذا كان الأنصار يواجهون قوات النظام في الجبال والقرى، فإن رفيقاتنا في المدن كنّ يخضن شكلًا آخر من المواجهة، لا يقل خطورة وأهمية.
كان عليهن التحرك في ظل المراقبة الأمنية، وإعادة الاتصال بالمنظمات التي تتعرض للضربات، وتوزيع بيانات الحزب وشعاراته، وجمع المساعدات، وتأمين بعض احتياجات الرفاق، وربط العمل الجماهيري بالخطوط الحزبية الأخرى. كما أسهم عدد منهن في نقل الرسائل والمواد الحزبية، بل وفي نقل الأسلحة أحيانًا، وكنّ يدركن أن وقوعهن في أيدي الأجهزة الأمنية قد يعرّضهن للاعتقال والتعذيب وربما الإعدام.
لذلك لا يمكن النظر إلى مشاركتهن باعتبارها عملًا ثانويًا أو مساندًا فحسب؛ فقد كنّ شريكات فعليات في النضال، وأسهمن في استمرار التنظيم خلال أشد المراحل قسوة.
هل تحتفظ بذكرى مباشرة عن لقاء جمعك بعدد من هؤلاء المناضلات؟
في نهاية عام 1983 التقيت بثلاث رفيقات في قاعدة كرجال التابعة لقوات الأنصار البيشمركة في منطقة هورامان، وهن: جيران شيخ محمود، وخرمان محمد، ونشتمان أحمد. وقد جئن من مدينة السليمانية.
كان وصولهن إلى القاعدة حدثًا ترك أثرًا عميقًا في نفسي. فقد قطعن الطريق من المدينة إلى منطقة الأنصار في ظروف أمنية وجغرافية شديدة الصعوبة. ولم يكن مجرد الوصول إلى القاعدة أمرًا عاديًا؛ إذ كان يتطلب قدرًا كبيرًا من الشجاعة والانضباط والحذر، فضلًا عن الاستعداد لتحمل أخطار الطريق والملاحقة.
كانت الرفيقات الثلاث يتمتعن بمعنويات عالية جدًا. ولم أشعر، خلال لقائي بهن، بأن الخوف أو التعب قد نالا من عزيمتهن. كانت كلماتهن وتصرفاتهن تعكس روح التحدي والصمود، وقوة الإرادة والمثابرة، إلى جانب الجرأة المحسوبة التي يتطلبها العمل السري. كنّ يعرفن حجم المخاطر، لكنهن كنّ مقتنعات بأن مواصلة النضال ضرورة من أجل حرية الشعب وكرامته ومستقبله.
ما طبيعة المسؤولية التي كانت تتولاها الرفيقة جيران شيخ محمود في ذلك الوقت؟
كانت الرفيقة جيران شيخ محمود المسؤولة الحزبية عن الخط النسائي الرئيسي في مدينة السليمانية. وقد شكّلت، إلى جانب الرفيقتين خرمان محمد ونشتمان أحمد، وبمشاركة الرفيقة بسوس، المعروفة باسم منيرة، اللجنة النسائية الحزبية داخل المدينة.
كانت هذه المسؤولية بالغة الأهمية؛ لأن التنظيم النسائي لم يكن منعزلًا عن بقية التنظيمات، بل كان جزءًا من شبكة العمل الحزبي السري. وكانت الرفيقات يتولين إعادة الاتصال بالعضوات، وتنظيمهن على أساس فردي أو ضمن حلقات محدودة، ونقل توجيهات الحزب إليهن، ومتابعة النشاط الجماهيري، مع المحافظة الصارمة على قواعد السرية.
وإلى جانب المهمات التنظيمية، عملن على تحريك النساء وربط مشكلاتهن الاجتماعية والمعيشية بالقضايا السياسية العامة. كما نسّقن مع الخطوط الحزبية الأخرى، وأسهمن في توفير بعض احتياجات العمل السري وحركة الأنصار.
هل اقتصر النشاط النسائي على اللجنة التي كانت تقودها جيران شيخ محمود؟
كلا، فقد كان النشاط أوسع من ذلك، وامتد إلى خطوط تنظيمية وجماهيرية متعددة. كانت هناك مناضلات يعملن بين صفوف النساء والعائلات والأحياء الشعبية، وينقلن رسائل الحزب ومواقفه، ويقدمن مساعدات نوعية للتنظيم.
ومن بين الناشطات في هذا الميدان، على سبيل المثال: هيرو عبد الله كوران، وقمري خان، زوجة الرفيق الشهيد محمود الحلاق، ومنيرة صالح، وفاطمة عثمان سعيد المعروفة بأم شيردل، وناسكة، زوجة الرفيق جمال والي، وشلير عبد المجيد، عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الكردستاني حاليًا، إضافة إلى عائشة أم كيفي، وسوزة أمين، وئامانج أمين، ونجيبة محمود.
إن ذكر هذه الأسماء لا يعني حصر النشاط بهن؛ فقد شاركت مناضلات أخريات قد لا تسمح الذاكرة اليوم باستعادة أسمائهن جميعًا. وبعضهن عملن سنوات طويلة في صمت، ولم تُسجَّل تجاربهن بما تستحقه من اهتمام. ولهذا فإن استعادة أسمائهن ليست مسألة شخصية فقط، بل هي محاولة لحفظ جانب من الذاكرة الجماعية للحزب والحركة النسائية.
وماذا عن مشاركة الطالبات والشابات في ذلك النشاط؟
كان هناك خط تنظيمي آخر ضم عددًا من الناشطات في المجال الطلابي. وكانت مهماتهن تتطلب جرأة كبيرة، لأن المدارس والمؤسسات التعليمية كانت تخضع لرقابة الأجهزة الأمنية والتنظيمات التابعة للسلطة.
كانت الطالبات يوزعن بيانات الحزب، وينشرن شعاراته داخل المدارس أو في محيطها، ويساعدن في إيصال المواد الحزبية. كما شارك بعضهن في تقديم العون للرفاق ونقل الأسلحة، وهي مهمة شديدة الخطورة كان اكتشافها يؤدي إلى عواقب قاسية.
ومن بين الناشطات في هذا الخط: زريا عمر، المعروفة باسم زانا، وكويستان رحيم، وماردين إبراهيم، وبروين غريب، وآفان عارف، وشكرية سعيد، وكژال غريب، إلى جانب أخريات.
لقد أثبتت هؤلاء الشابات أن العمل السياسي لا يُقاس بالعمر، بل بالوعي والشجاعة والاستعداد لتحمل المسؤولية. كنّ يتحركن في بيئة تحاول السلطة فيها إخضاع الشباب وإبعادهم عن السياسة، ومع ذلك اخترن طريق المقاومة والانحياز إلى قضايا الشعب.
أود أن نتوقف بصورة أوسع عند الرفيقة جيران شيخ محمود. كيف تصف شخصيتها؟
عُرفت جيران شيخ محمود، منذ صغرها، بقوة شخصيتها وإصرارها على تحقيق طموحاتها. وقد جسدت في حياتها صلابة المرأة الشيوعية التي تدافع عن مصالح شعبها بنكران ذات، ولا تسمح للظروف القاسية بأن تهزم إرادتها.
كانت تجمع بين الحزم والدفء الإنساني. فقد امتلكت الصفات التي أهلتها لقيادة التنظيم النسائي في مدينة السليمانية، لكنها لم تكن قائدة تتعامل مع رفيقاتها من موقع الأوامر وحدها. كانت قريبة منهن، تستمع إليهن وتشاركهن همومهن، وتمنحهن الثقة والشعور بالأمان.
كانت ابتسامتها الدائمة وحيويتها مصدر قوة للرفيقات في ظروف يغلب عليها الخوف والقلق. وهذا الجانب الإنساني مهم في العمل السري؛ لأن المناضل لا يحتاج إلى التعليمات فقط، بل يحتاج أيضًا إلى من يرفع معنوياته ويشعره بأنه ليس وحيدًا أمام القمع والمخاطر.
هل كان لتاريخ عائلتها السياسي أثر في تكوين شخصيتها؟
بالتأكيد. فقد تعرضت عائلتها خلال سنوات العهد الملكي لمداهمات متكررة من الأجهزة الأمنية بسبب نشاط أفرادها السياسي والحزبي. وبعد انقلاب الثامن من شباط عام 1963، أقدمت السلطات الفاشية على إعدام اثنين من أخوالها، وهما المناضلان الشيوعيان شيخ معروف البرزنجي وشيخ حسين البرزنجي.
كان يمكن لمثل هذه التجربة المؤلمة أن تدفع الإنسان إلى التراجع أو الابتعاد عن السياسة خوفًا على نفسه وعائلته، لكن جيران سلكت طريقًا آخر. فقد عمّقت هذه التضحيات ارتباطها بقضية شعبها، وزادتها إصرارًا على مواصلة النضال ورفع راية الحزب.
كانت تدرك أن الطريق الذي اختارته ليس سهلًا، وأنها قد تواجه المصير نفسه الذي واجهه أفراد من عائلتها، لكنها لم تتخل عن قناعاتها أو مسؤوليتها.
هل تتذكر موقفًا يجسد قوتها النفسية واعتزازها بتضحيات عائلتها؟
من المواقف التي تكشف قوة شخصيتها ما حدث عندما جُرح ابنها ئاسو شيخ علي خلال انتفاضة آذار عام 1991. فقد شقت طريقها بين الحشود حتى وصلت إليه، وكان وجهها يفيض بالفخر والاعتزاز وهي تراه يضحي من أجل حرية شعبه وكرامته.
كانت أمًا تخشى على ابنها وتتألم لجراحه، لكنها كانت، في الوقت نفسه، مناضلة ترى في موقفه امتدادًا للقيم التي آمنت بها طوال حياتها. وفي هذه اللحظة اجتمع الشعور الإنساني للأم مع وعي المناضلة واعتزازها باختيار ابنها الوقوف إلى جانب شعبه.
متى بدأت مسيرتها النضالية المنظمة؟
بدأت جيران مسيرتها النضالية وهي في السادسة عشرة من عمرها، عندما انتمت إلى رابطة المرأة العراقية قبل ثورة الرابع عشر من تموز 1958.
وبعد الثورة، حين أُتيح للرابطة العمل العلني وفُتحت فروع لها في المحافظات العراقية، نشطت جيران بصورة لافتة بين نساء منطقتها. وكانت تلك المرحلة مهمة في تكوين خبرتها؛ إذ أتاحت لها الاحتكاك المباشر بالنساء والتعرف إلى مشكلاتهن، والعمل على تنظيمهن وتشجيعهن على المشاركة في الحياة العامة.
لم تكن قضية المرأة بالنسبة إليها منفصلة عن قضية المجتمع. فقد ربطت بين تحرر النساء والنضال من أجل الديمقراطية والعدالة الاجتماعية وحقوق القوميات وحرية الشعب.
كيف انعكس انقلاب شباط عام 1963 على حياتها ونشاطها؟
بعد انقلاب شباط الدموي، انتقلت الرفيقة جيران إلى العمل السري في مدينة كركوك، في الوقت الذي التحق فيه رفيق دربها، شيخ علي، بقوات الأنصار البيشمركة في منطقة بمو.
وعندما عاد زوجها، اضطرت جيران لأسباب أمنية إلى الانتقال إلى مدينة السليمانية، حيث واصلا العمل في ظروف سرية. وبعد ذلك، وبقرار من الحزب، انتقلا إلى أربيل، ثم إلى بغداد، وعاشت جيران وعملت في ظروف الاختفاء خلال المدة الممتدة من عام 1963 إلى عام 1972.
كانت تلك السنوات قاسية؛ فالعيش في الاختفاء لا يعني تغيير مكان السكن فقط، بل يعني البقاء في حالة يقظة متواصلة، وتقليل العلاقات الاجتماعية، والحذر في الحركة والكلام، والاستعداد للانتقال من مكان إلى آخر عند ظهور أي خطر. ومع ذلك، واصلت جيران نشاطها ولم تسمح لهذه الظروف بعزلها عن الحزب وقضايا الناس.
بعد انتهاء تلك المرحلة، عادت مع رفيق دربها إلى السليمانية لمواصلة العمل الحزبي.
ما أبرز المسؤوليات التنظيمية التي تولتها بعد عودتها؟
في نيسان عام 1972 عملت جيران ضمن لجنة حزبية نسائية على مستوى القضاء، عُرفت باسم «لجنة ئالا». وضمت اللجنة الرفيقات زكية بابان، ونازنين، وآفتاو عزيز، وصنوبر، ونجيبة صدقي، وقمري، ورابعة، إلى جانب جيران.
وكان تشكيل هذه اللجنة تعبيرًا عن اتساع النشاط النسائي وضرورة وجود هيئة تتولى تنظيمه وقيادته. وقد جمعت جيران في عملها داخل اللجنة بين خبرتها السابقة في رابطة المرأة العراقية وتجربتها الطويلة في العمل السري، وهو ما جعلها قادرة على التعامل مع ظروف النشاط العلني وشبه العلني، والاستعداد في الوقت نفسه لاحتمال عودة القمع والملاحقة.
ماذا حدث بعد اشتداد حملة سلطة البعث ضد الحزب الشيوعي العراقي؟
عندما شنت سلطة البعث حملتها الشرسة ضد الحزب الشيوعي العراقي، واضطر الحزب إلى الانسحاب من الجبهة، انتقلت الرفيقة جيران، بقرار حزبي، إلى العمل السري مرة أخرى.
وشُكّلت هيئة قيادية جديدة ضمت الرفيقات هيرو عبد الله كوران، وقمري، وعائشة حسين، ورابعة أم ئامانج، وجيران شيخ محمود. وبدأت الهيئة بإعادة الاتصال بالرفيقات على أساس فردي، ثم أعادت تنظيم النشاط النسائي وفق شروط السرية.
كانت إعادة بناء التنظيم بعد الضربات من أصعب المهمات؛ لأن الأجهزة الأمنية كانت تراقب العائلات والبيوت وأماكن العمل، وتحاول الوصول من خلال شخص واحد إلى شبكة كاملة من المناضلين. لذلك كان الاتصال الفردي وسيلة لحماية التنظيم وتقليل الخسائر إذا وقع أحد أفراده في قبضة الأجهزة القمعية.
وقد أدّت جيران ورفيقاتها دورًا بارزًا في حماية ما تبقى من التنظيم، واستعادة الصلات التي انقطعت، والمحافظة على حضور الحزب بين النساء والجماهير.
ماذا أضافت سنوات العمل السري والعلني إلى خبرتها الحزبية؟
أتاحت لها هذه السنوات فرصة واسعة للاحتكاك بالجماهير والتعرف إلى أوضاعها ومشكلاتها. فقد كانت قريبة من النساء والعائلات، وتعرف ما يعانينه من الفقر والحرمان والقمع السياسي والتمييز الاجتماعي.
ولذلك لم يكن نشاطها قائمًا على ترديد الشعارات المجردة، بل على الاستماع إلى الناس ومحاولة تنظيمهم والدفاع عن مصالحهم. وكانت تدرك أن بناء الحزب لا يتحقق بالقرارات التنظيمية وحدها، وإنما بقدرته على الوجود بين الجماهير وفهم حاجاتها وكسب ثقتها.
كما منحتها هذه التجربة قدرة كبيرة على تقدير المخاطر، واختيار الأشخاص المناسبين للمهمات، والمحافظة على سرية الاتصالات، والتمييز بين الجرأة الضرورية والمغامرة غير المحسوبة.
كيف تمكنت من مواصلة نشاطها رغم متابعة أجهزة النظام ومحاولاتها الإيقاع بها؟
كانت أجهزة النظام تتابعها خلال فترات مختلفة وتحاول الوصول إليها، لكنها كانت شديدة الحذر واليقظة، وتمتلك خبرة طويلة في أساليب العمل السري.
كانت تعرف كيف تتحرك، ومتى تقطع اتصالًا يمكن أن يعرّض الآخرين للخطر، وكيف تحافظ على أسرار التنظيم. وبفضل ذكائها وبراعتها تمكنت أكثر من مرة من الإفلات من الملاحقة، ومواصلة نشاطها الحزبي في الخفاء.
لكن الحذر عند جيران لم يكن خوفًا أو ترددًا؛ كان جزءًا من مسؤوليتها تجاه رفيقاتها ورفاقها. فالمناضل السري لا يحمي نفسه وحده، بل يحمي شبكة كاملة من الأشخاص والعائلات والصلات التنظيمية. وقد حافظت جيران على هذا التوازن الصعب بين الجرأة والانضباط، وبين المبادرة واليقظة.
ما الدلالة التي تحملها اليوم تجربة جيران شيخ محمود ورفيقاتها؟
تدل هذه التجربة على أن المرأة الشيوعية لم تكن على هامش التاريخ السياسي، بل كانت واحدة من صانعيه. لقد شاركت في بناء التنظيم وقيادته، وتحملت السجن والملاحقة والاختفاء، وربطت بين العمل الحزبي والعمل الجماهيري، وأسهمت في إسناد الكفاح المسلح من داخل المدن.
كما تكشف تجربة جيران ورفيقاتها أن البطولة لا تقتصر على المواجهة المسلحة المباشرة. فقد تكون البطولة في الحفاظ على اتصال حزبي تحت المراقبة، أو في إيصال بيان، أو إخفاء رفيق، أو نقل رسالة، أو سلاح، أو إعادة تنظيم مجموعة بعد اعتقال أفرادها. وقد تبدو هذه الأعمال صغيرة عندما تُروى منفردة، لكنها مجتمعة هي التي حافظت على استمرارية الحزب في أحلك الظروف.
إن الوفاء لهؤلاء المناضلات يقتضي ألا تبقى تجاربهن في حدود الذاكرة الشفوية. من واجبنا تسجيل أسمائهن وشهاداتهن، وجمع ما تبقى من وثائقهن، وتعريف الأجيال الجديدة بالدور الذي أدينه. فقد ناضلن من أجل الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية، وقدّمن تضحيات جسيمة من دون انتظار مكافأة أو شهرة.
إن سيرة جيران شيخ محمود ليست سيرة فردية فحسب؛ إنها جزء من تاريخ جيل كامل من النساء الشيوعيات اللواتي واجهن الدكتاتورية، وأسهمن في حماية الحزب وإدامة صلته بالجماهير، وأثبتن أن المرأة قادرة على القيادة والصمود واتخاذ القرار في أشد مراحل النضال قسوة.
*شكرا للرفيق سهيل الزهاوي على هذه المعلومات عن التنظيمات السرية للحزب الشيوعي العراقي في محافظة السليمانية، خاصة وان الرفيق كان مختفيا في بيت سري منذ عام 1984 حتى عام 1991في مدينة السليمانية.