التعاونيات الزراعية تنظيمات ريفية طوعية تعمل في الإنتاج والتسويق والتصنيع والخدمات الاجتماعية، وقد عرفها الريف وانسجمت مع تقاليده وأعرافه، فتمسك بها أهله وأسهموا بمدخراتهم وخبراتهم العلمية والعملية. وهي حاضنة دافئة تستقطب الشباب الريفي من الجنسين، ومعهم الفنيون المختصون، وتمدّ الصناعة الوطنية بموادها الأولية، وتشكّل عموداً فقرياً للتجارة وجسراً لتبادل السلع الغذائية مع البلدان المحتاجة. وفيها يجد العاملون مجالاً للإبداع والبحث وتطوير المنتج، وهي تقف بوجه الاحتكار والاستغلال والكساد، وتوازن بين العرض والطلب، وتشجع المنافسة على الجودة وزيادة الإنتاج وخفض الكلف.
ولهذه الأسباب تمسكت بهذا التنظيم دول العالم كافة، المتقدمة منها والنامية، واتخذت له صيغاً تناسب واقعها الزراعي وعلاقات الإنتاج فيها، لحل المسألة الزراعية في الريف، ولا سيما لدى الطبقات الهشة من صغار المنتجين ومتوسطيهم، بينما تبقى المشاريع الكبرى بيد الدولة إنتاجاً وتسويقاً وإيراداً. والشعوب التي اعتمدته قطعت شوطاً بعيداً نحو الاكتفاء الذاتي والأمن الغذائي، ونافست في الغلة والجودة في الأسواق العالمية. أما في العراق، فإن الواقع الزراعي يفرض علينا الوقوف عند هذا التنظيم وتطويره بدعم الدولة وعبر الدائرة الزراعية، مستفيدين من الثقافة المتأصلة لدى المزارع العراقي، ومقيمين تنظيماً مؤسسياً يقوم على الانتماء والإدارة الطوعية والتحالفات بين التعاونيات بحسب حاجاتها الإنتاجية والتسويقية والصناعية. وتنحصر مسؤولية الجهة الحكومية في التنظيم وإصدار التعليمات وتقديم الدعم والتسهيلات الإدارية والمالية، على أن يكون الهدف الأسمى هو الإنتاج والتسويق والتصنيع والتبادل السلعي. وهذا هو الطريق إلى بيت إنتاجي يشغّل الأيدي العاملة وينمّي قدراتها، ويطوّر الريف ويستقر سكانه، ويُنوّع مصادر دخل المنتجين.
وقد نشأ العمل التعاوني في القرن التاسع عشر بعد الثورة الصناعية، ردّاً على الاتجاه الاستغلالي لتلك الثورة، من تشغيل للأطفال والنساء في أعمال شاقة، وارتفاع في كلف السلع واحتكارها، مما أضعف القدرة الشرائية للمستهلك. وفي خضم ذلك الصراع برز رعيل من الرواد الأوائل أسسوا التعاونيات على سبعة مبادئ: ديمقراطية الإدارة، وصوت واحد لكل عضو مهما تعددت أسهمه، والحياد الديني والسياسي، وتوزيع العائد الصافي بحسب حجم التعامل، والالتزام بالمساهمة في رأس المال، والبيع بسعر الكلفة، ومقاومة الاحتكار والاستغلال وتقليص الفجوة بين العرض والطلب. ثم تفرعت التعاونيات إلى زراعية وصناعية وتجارية وخدمية وثقافية وإنسانية وإسكانية وغذائية وعقارية وتعاونيات نقل وتمويل، والزراعية أحد فروعها، وهي وسيلة من وسائل التنظيم الزراعي في الريف تهدف إلى التنمية الزراعية، ويديرها أعضاؤها ممن ترتبط مهنهم بالزراعة.
وللتعاون الزراعي في ريفنا إرث متصل توارثته الأجيال تحت أسماء شتى: العونة والنخوة والوديعة والجماعية والمقايضة والشراكة. وبه شقّ الناس القنوات والسواقي وأقاموا مشاريع المياه وشغّلوا المضخات، وتشاركوا في تربية الحيوان والمراعي الطبيعية، وتعاونوا في بناء المساكن ونسج الخيام وفي تسويق المنتجات. وبعد ثورة 14 تموز 1958 خرجت هذه الممارسات إلى العلن بشكل منتظم باسم التعاونيات الزراعية، ينضم إليها المنتجون طوعاً ليحتموا بها من الوسطاء والمرابين والمحتكرين والكساد السلعي. وقد تنوعت بين تعاونيات إنتاجية وتسويقية واستهلاكية وتسليفية، وأخرى للصناعات التحويلية وتجهيز المستلزمات والخزن والنقل، وثالثة متخصصة في الحبوب والفواكه والخضر واللحوم والأسماك والكروم والنخيل والتمور والنحل والعسل، فضلاً عن تعاونيات الخدمات الزراعية كالمكافحة وإنتاج البذور والتقنيات الحديثة. وتمثلت مهامها في تنظيم الإنتاج والتسويق وتشغيل الأيدي العاملة، وإعداد الخطط الزراعية والمائية، وتوفير مستلزمات الإنتاج، واستخدام التقنيات في ترشيد المياه والمكننة، وتملك العقارات واستئجارها، والتمويل والتسليف العيني والنقدي، واستصلاح الأراضي وصيانتها.
وقد صارت ضرورة حتمية بعد صدور قانون الإصلاح الزراعي رقم 30 لسنة 1958 وإلغاء النظام الإقطاعي الذي كان يدير الأراضي الزراعية، فأُسند تنظيمها إلى قانون التعاون بإشراف وزارة العمل والشؤون الاجتماعية آنذاك، وكُلّفت بإدارة الأراضي في الإنتاج والتسويق وتوفير المستلزمات، سنداً للدولة في تنفيذ القانون. واستمر الحال حتى صدر القانون رقم 117 لسنة 1970 الذي نصّت مادته الثامنة والثلاثون على "تعاونيات الإصلاح الزراعي"، وربطها بوزارة الإصلاح الزراعي عبر مديرية التعاون الزراعي.
غير أن نظام البعث المنحل لم يمضِ طويلاً في برامج متوازنة، بل أنشأ في الريف تنظيماً يخدم سياسته باسم "الجمعيات الفلاحية"، فنشأ التناقض والصراع بينها وبين التعاونيات الإنتاجية، وسهّل ذلك على النظام دمج التعاونيات بتلك الجمعيات المسيّسة تحت اسم "الجمعيات الفلاحية التعاونية" بموجب القانون رقم 43 لسنة 1977. ولم يكتفِ بذلك، فباع أصولها ومشاريعها الإنتاجية وعقاراتها الخدمية من مقرات ومخازن، وصرف أموالها في معاركه الخاسرة، فجرّدها من وسائل الإنتاج والبنى التحتية وعطّل تحقيق أهدافها. ثم فكّ ارتباطها بمديرية التعاون الزراعي وحوّلها إلى منظمة إرشادية اجتماعية تدير تنظيماته في الأرياف. واستمر الحال حتى صدر القانون رقم 56 لسنة 2002 الذي ألغى القانون السابق، وهو نافذ إلى يومنا هذا، وقد ضيّع على هذه المنظمة العريقة دورها وحصرها بين حالين، فلا هي إنتاجية تؤدي خدمات الإنتاج والتسويق والتطوير الزراعي، ولا هي منظمة نقابية تشارك القطاع العام في المطالبة بالحقوق المشروعة للمنتجين، بالتشاور مع ممثلي الشعب في البرلمان، فبقيت حلقة زائدة في الواقع الزراعي.
ولتخليص هذا التنظيم من التشتت وكثرة المطالبات، ولتتفرغ السلطة التنفيذية لاتخاذ القرارات المنتجة، نرى تفكيكه وفصل أدواره. فتقتصر الجمعيات الفلاحية على تبني حقوق المنتجين ومطالبهم، من مزارعين وفلاحين ومتفرغين وشركات زراعية وغيرهم، بشكل طوعي ولا مركزي على مستوى المحافظة، وينظَّم ذلك بقانون أو تعليمات وبالتنسيق مع ممثلي الشعب في كل محافظة. وتُعتمد التعاونيات الزراعية بصيغتها العالمية، ينتمي إليها المنتجون من الطبقات الريفية الهشة ويديرونها، وتُنظَّم بقانون على غرار الشركات، لكنها تخالفها في الجوهر لأنها لا تستهدف الربح، بل الجودة وانخفاض كلف السلع الغذائية المنتجة.
والأصل في اعتماد هذا التنظيم تجريده من المركزية، وإقرار صيغ التحالف في تنظيم الإنتاج وتطويره، وإتاحة الحرية لكل تعاونية في أن تعمل منفردة أو ضمن ائتلافات طوعية مع تعاونيات أخرى، مع مرونة في التخصص الإنتاجي والتسويقي والتصنيعي، وحرية في اختيار مستوى العمل، من القرية إلى الناحية فالقضاء فالمحافظة. ويحسن كذلك أن نفيد من الأنظمة العالمية في اختيار الصيغة الأنسب لتعاونيات العراق، بما ينسجم مع واقع البلاد.
وخلاصة القول إن التعاونيات تنظيم مقبول في الريف العراقي وله جذور تاريخية ممتدة عبر القرون، وهو صيغة مناسبة لتطوير الإنتاج والتسويق الزراعي وتخفيف الأعباء عن الدولة. وإعادة بنائه على أسس طوعية ولا مركزية هي الطريق إلى ريف منتج ومستقر وأمن غذائي مستدام.
ــــــــــــــــــــــــــ
* مهندس زراعي استشاري