اخر الاخبار

في الأول من تشرين الأول، انطلقت جماهير العراق وهي تريد وطناً، تريد كرامة، وتريد حياة. تريد أن تعيش كما تعيش بقية شعوب العالم.

تردد البعض، وتخوف آخرون، لأن الدعوات والدوافع جاءت في يومها الأول من مجهول. لكن ما إن انقضى ذلك اليوم حتى توحدت الاتجاهات، واضمحلت الأقاويل، وتلاشت الشكوك، وذابت الشبهات، وبرزت إرادة واحدة تريد وطناً وتريد حياة؛ إرادة تسامت مع أحلام الأغلبية، وتوحدت مع أصوات كانت قد انطلقت قبل أعوام. استمرت الجماهير، وتحشدت بقوة يوماً بعد يوم، وتساقطت الدعوات العابرة، وذابت الأهداف الصغيرة، وولدت تشرين.

تمثلت هذه الثورة في طلبة المدارس والجامعات، وفي سائقي التكتك، وعمال المساطر، وجياع الشعب، والعاطلين عن العمل، والباحثين عن مستقبل، والحالمين بوطن يحتضن أحلامهم... بدأت بدعوات قد تكون وراء بعضها مصالح آنية، لكن الجماهير استلمتها وحولتها إلى صوتها... جماهير تريد أن تعيش واقعاً غير هذا الذي تعيشه، وسط التهميش والجوع والظلام والتخلف. استلمتها شبيبة مهمشة، فاقدة لكثير من أحلامها، تبحث عن عالم آخر، عن حياة حرة كريمة، كبقية خلق الله.

انسحب المتخيلون بعد أول زخة رصاص، واختفوا مهزومين كأسيادهم، وبقي المحرومون، أولئك الذين لم يكن لديهم ما يخسرونه سوى جوعهم وتشردهم وعوزهم وعيشهم على الهامش... استمر هؤلاء في ثورتهم، واستمر رفضهم للظلم والجوع، وازدادوا عدداً... ازدادوا إصراراً، وازدادوا إيماناً بأنهم لن يخسروا سوى جوعهم وذلهم ودموع أمهاتهم... استمرت تشرين لأن الذين استلموا رايتها كانوا أهلها وأصحابها الحقيقيين، شعب يعيش على الهامش، يملك كل شيء ولا يتمتع بشيء، يساهم في إنتاج خيرات وطنه ولا يجد من تلك الخيرات إلا فتاتها، يملك قوت وطنه ولم يتذوق من ثماره غير القهر والذل والعوز والمرض.

بعد سنوات، تبقى تشرين في الذاكرة لا بوصفها أياماً مضت، بل بوصفها صوتاً خرج من أعماق العراق وقال:

نريد وطناً، نريد كرامة، ونريد حياة.

تشرين ليست يوماً في التقويم... إنها ذاكرة شعب، وحلم وطن لم ينته بعد.