اخر الاخبار

 فكرة العدالة الاجتماعية لا تنفصل عن فكرة حقوق الإنسان  التي أكد عليها  الإعلان العالمي لحقوق  الإنسان.  ومفهوم العدالة الاجتماعية  مفهوم نسبي  ويحمل طابعاً طبقيا وايديولوجيا في أن واحد. ويتحدد مفهوم العدالة الاجتماعية  وفقاَ  لطبيعة النظام السياسي القائم، وطبيعة الملكية السائدة  في المجتمع  فيما إذا كانت ملكية خاصة أو ملكية عامة.   

والعدالة الاجتماعية تعني ان جميع الناس في المجتمع متساوون في الحقوق والواجبات سواء  في الحصول على فرص العمل والرعاية الصحية والتعليم والسكن والامتيازات التي تقدمها الدولة كالضمان الاجتماعي او الاعانات المالية  للعاطلين عن العمل ولذوي الاحتياجات الخاصة والمساواة مام القانون دون اي تمييز على أساس الدين او الطائفة او القومية او اللون او الجنس.

فالعدالة الاجتماعية في النظام الرأسمالي تعني أن الناس  متساوون امام القانون غير ان النظام الرأسمالي  يقسم المجتمع  الى طبقات برجوازية احتكارية وبرجوازية طفيلية تراكم ثروتها من الأرباح الفاحشة ويقابل ذلك طبقات  فقيرة  ومعدمة  والى جانبها  جيش من العاطلين والمشردين والمتسولين. ويعني ذلك عملياَ انعدام العدالة والمساواة.

 والسبب الرئيسي لانعدام العدالة الاجتماعية والاقتصادية  في المجتمع الرأسمالي هو الملكية الخاصة  لوسائل الانتاج المحتكرة من قبل  اقلية من الرأسماليين، وهذه  الأقلية  الاستغلالية  تستحوذ على نسبة تتراوح بين 1-3 بالمئة  من الثروة الوطنية ويتم تسخيرها  لخدمة مصالحها الخاصة وتعظيم ارباحها.

 أما  بقية المجتمع وهي الأكثرية المطلقة  وتشكل نحو 97 بالمئة فأنها لا تملك أية وسيلة للعيش سوى بيع  قوة عملها للرأسمالي من أجل توفير اوليات المعيشة  اليومية. وهو دليل لا يقبل الشك على انعدام العدالة والمساواة. وعند نشوب الأزمة  الاقتصادية او المالية التي يتعرض لها النظام الرأسمالي فأن أول اجراء يتخذه الرأسمالي  لمواجهة الأزمة تسريح العمال  كأجراء أولي  ومن هنا تظهر البطالة والفقر والبؤس والمجاعة  والجريمة وما شابه ذلك.  ونتيجة لانعدام  العدالة والمساواة  فان المجتمعات الرأسمالية المتطورة    تعج بملايين المشردين والمتسولين والعاطلين عن العمل اضافة إلى الانحرافات الاجتماعية كدور الدعارة   والسرقة والقتل وغير ذلك من الجرائم.

اما العدالة الاجتماعية في النظام  الماركسي فتعني تساوي جميع الافراد في الحقوق الاقتصادية  والاجتماعية وذلك بتحويل الملكية الخاصة لوسائل الانتاج إلى ملكية عامة للمجتمع وزوال الطبقات الاستغلالية وانهاء الاستغلال وبذلك تتحقق العدالة. ويقر الدستور  في البلدان الاشتراكية أن جميع المواطنين متساوون أمام القانون بغض النظر عن معتقداتهم الدينية والقومية. . ويؤكد  كارل ماركس في المخطوطات السياسية والاقتصادية في عام 1844 . (أن الصراع الطبقي  هو نتيجة حتمية لانعدام العدالة الاجتماعية). والماركسية تؤكد ان الطبقات والصراعات الطبقية وعدم المساواة لا تنتهي الا بتحويل الملكية الخاصة  لوسائل الانتاج إلى ملكية عامة وبناء المجتمع الاشتراكي .

اما  لينين  فيعتبر القضاء على الملكية الخاصة وتطبيق الاشتراكية هما الطريق الأنجح  لتحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة.

 إن البلدان التي طبقت الاشتراكية  قدمت نموذجا جيداَ عن تطبيق العدالة الاجتماعية من خلال  الضمان الاجتماعي لجميع المواطنين وتقديم  خدمات الصحة والتعليم بجميع مراحله مجاناَ واعتبار العمل  حقا للمواطنين وواجباَ وطنياَ  وبذلك انتفت البطالة إضافة إلى ضمان السكن ورعاية الاسرة  وتقديم خدمات النقل  بسعر شبه مجاني. وتعمل الدولة الاشتراكية على توفير الحاجات الغذائية اليومية بأسعار بسيطة وهامشية وفي متناول جميع الافراد. وبذلك تحققت العدالة الاجتماعية في المجتمع الاشتراكي.

واقع  العدالة الاجتماعية في العراق

بالرغم من تأكيد الدستور العراقي في المادة (30) و (32)  أن تكفل الدولة للفرد والأسر وخاصة الطفل والمرأة ـ الضمان الاجتماعي والصحي، والمقومات الأساسية للعيش في حياة حرة كريمة، وتأمين الدخل المناسب والسكن الملائم. إلا أن واقع الحياة يشير إلى عكس ذلك ويجمع  المحللون على انعدام العدالة الاجتماعية في العراق  بسبب طبيعة النظام القائم على التمييز الطائفي والديني والقومي في العمل والتعليم  والصحة والوظائف. بالإضافة إلى الفوارق الطبقية والفساد المالي والاداري والاخلاقي  مما ادى إلى انعدام العدالة الاجتماعية.

وقد ادى الفساد المتعدد الاشكال والنشاط الطفيلي إلى نشوء طبقات برجوازية وطفيلية نهابة  جنت في فترة وجيزة مليارات الدولارات والعقارات. ومقابل ذلك نشأت طبقات وفئات  فقيرة ومعدمة  وجيوش من العاطلين  والمتسولين غير القادرين على توفير اوليات الحياة المعيشية .

وحسب صندوق النقد الدولي بلغت نسبة الفقر 20 بالمئة والبطالة 25 بالمئة إضافة إلى المتسولين والمشردين، ووفقاَ لهذا الواقع  كيف تتحقق العدالة والمساواة  اذا كان المواطن لا يستطيع الحصول على العمل او الوظيفة  وأن الوظائف والاعمال غير متاحة  الا لفئات معينه تابعة لأحزاب السلطة، وكيف تتحقق العدالة والمواطن لا يملك  ثمن العلاج، وكيف يستطيع الانسان الحصول على التعليم وهو لا يستطيع دفع اقساط التعليم  وكيف تتحقق العدالة والانسان لا يستطيع تامين غذائه اليومي  بسبب البطالة وعدم حصوله على دخل يلبي حياته المعيشية وسكنه وتنقلاته.

   إن  مؤسسات الدولة توضح لنا  فيما اذا كانت تطبق معايير العدالة الاجتماعية ويحصل الناس على حقوقهم  الاقتصادية والسياسية والاجتماعية أم  أنهم يتعرضون إلى التمييز والتهميش وعدم المساواة . 

 إن  من  معوقات العدالة الاجتماعية وعدم تطبيقها  في العراق طبيعة النظام السياسي القائم على الطائفية والمحاصصة  وعدم تكافؤ الفرص في الحصول على العمل والدراسة والعلاج والدخل إضافة إلى سوء إدارة الدولة والفساد  في وزارات الدولة ومؤسساتها والمافيات والميلشيات المتنوعة التي تقوم بعمليات نهب  المال العام والسيطرة على عقارات المواطنين وعقارات الدولة.

ونستنتج مما تقدم ان العدالة  الاجتماعية لن  تتحقق إلا  في دولة تطبق الدستور والقانون على اساس المواطنة ودون  أي تمييز ديني او مذهبي او قوميي او اللون او الجنس وهذا  لا يتحقق إلا  في النظام الاشتراكي  الذي تنعدم فيه  الطبقات الاستغلالية  والاستغلال  والجميع متساوون أمام القانون  وهو الهدف الرئيسي الذي يناضل الشيوعيون من اجل تحقيقه. 

مقومات  العدالة الاجتماعية

ان تحقيق العدالة الاجتماعية يتطلب توفر جملة من المقومات الأساسية منها :

1- تكافؤ الفرص: والمقصود بالتكافؤ في الفرص عدم التمييز بين المواطنين لأي سبب كان واتاحة  نفس الفرص لجميع الأفراد الذين  يملكون نفس المؤهلات التي تؤهلهم من تحقيق اهدافهم في المجتمع، ولهم نفس الدرجة عند الانتفاع بالخدمات التي توفرها الدولة، كالصحة والتعليم والعمل والتوظيف.

2- المساواة  أمام القانون: وتعني تطبيق مقولة القانون فوق الجميع ليصبح جميع الناس متساوون  أمام القانون بغض النظر عن معتقداتهم الدينية والقومية،  وتقترن المساواة  أمام القانون  بعدم التمييز بين المواطنين.

3- دعم الخدمات العامة، وهو توفير الرعاية الصحية والتعليمية لجميع المواطنين وخصوصاَ لذوي الاحتياجات الخاصة وتوفير مصدر دخل للفئات الأشد فقراً والعاطلين عن العمل باعتبار أن ذلك حقا من حقوقهم من إيرادات الموارد الطبيعية في بلدهم ومسؤولية اجتماعية على الدولة.

4- الضمان الاجتماعي : يعد الضمان الاجتماعي أحد الأركان الرئيسية للعدالة الاجتماعية . وتنص المادة 22 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، على أن لكل فرد من أفراد المجتمع الحق في الضمان الاجتماعي وواجب  على الدولة التي يقيم بها  توفير ما يحتاجه ويشمل ذلك رواتب التقاعد، والتأمين ضد العجز واعانات البطالة والتأمينات الصحية  والسكن  والدعم المالي كتعويضات إصابات العمل.

5- إصلاح هيكل الأجور: تشكل سياسات الأجور حجر الزاوية في تطبيق العدالة الاجتماعية.  ولهذا  تتطلب  هذه السياسة  إعادة النظر في هيكل الأجور  ووضع حد أقصى وأدنى للأجور واعتماد مفهوم الدخل بدلاً من الأجر او الراتب.

فالعدالة الاجتماعية في أي بلد تعبر عن المظهر الحضاري للنظام السياسي ومن المستحيل ان  تطبق  هذه المعايير في الانظمة الدكتاتورية التي  تصادر حقوق الانسان مثل ايران والسعودية على سبيل المثال وفي الانظمة التي تقوم على الطائفية والمحاصصة كما في العراق ولبنان على وجه الخصوص .