مع انتهاء شهر تشرين الأول من عام 2026، واستعادة ذكرى انتفاضة تشرين 2019، يبرز سؤال جوهري بشأن حصيلة ما تحقق للعمال والكادحين الذين كانوا جزءاً من الحراك الاحتجاجي، ورفعوا أصواتهم مطالبين بالعدالة الاجتماعية والعيش الكريم والعمل اللائق. فبعد سبع سنوات، هل تحولت التضحيات والشعارات التي صدحت بها ساحات الاحتجاج إلى مكاسب ملموسة في حياة الشغيلة، أم ما زالت المطالب الأساسية تصطدم بسياسات المحاصصة والفساد وتراجع الحماية الاجتماعية؟
لم تكن انتفاضة تشرين مجرد احتجاج على الفقر والبطالة وسوء الخدمات، بل عبّرت عن رفض منظومة اقتصادية وسياسية عجزت عن توظيف ثروات البلاد لخدمة غالبية أبنائها. وكان العمال والعاطلون عن العمل وأصحاب الأجور المحدودة في قلب هذه المعاناة، وهم الذين دفعوا أثماناً باهظة نتيجة غياب فرص العمل المستقرة، وتدني الأجور، واتساع رقعة العمل غير المنظم، وغياب ضمانات الحماية الاجتماعية.
مطالب كبيرة ومكاسب محدودة
بعد سنوات على الانتفاضة، لا يمكن إنكار أن تشرين أعادت قضايا العمل والعدالة الاجتماعية إلى واجهة النقاش العام، ووسّعت مساحة المطالبة بمحاسبة الفاسدين، وتوفير فرص العمل، وتحسين الخدمات، وإنهاء الامتيازات غير المستحقة. كما عززت الوعي بأهمية المشاركة الشعبية والتنظيم المستقل، وربطت بين المطالب المعيشية اليومية وطبيعة النظام السياسي والاقتصادي الذي ينتج البطالة والتفاوت الاجتماعي.
لكن هذا التحول في الوعي لم يرافقه تغيير جوهري في واقع العمال. فما زالت أعداد واسعة منهم تعمل بعقود مؤقتة أو بأجور يومية، من دون ضمان الاستقرار الوظيفي، فيما يواصل عمال قطاعات مختلفة المطالبة بالتثبيت وتحسين الأجور وصرف المستحقات. وتكشف هذه المطالب المستمرة أن الوعود الحكومية لم تتحول، بالنسبة إلى قطاعات واسعة من الشغيلة، إلى حقوق ثابتة ومضمونة.
وفي القطاع الخاص، تتواصل مشكلات تدني الأجور، وعدم انتظام الضمان الاجتماعي، وضعف الرقابة على شروط العمل، فضلا عن تشغيل عمال في بيئات تفتقر إلى متطلبات السلامة المهنية. أما العاملون في الأعمال غير المنظمة، ومن بينهم كثير من عمال البناء والنقل والخدمات، فيبقون أكثر عرضة للاستغلال وفقدان الدخل عند المرض أو الإصابة أو فقدان العمل.
وتزداد المفارقة وضوحا حين ننظر إلى بلد يمتلك ثروات نفطية كبيرة، لكنه لا يزال عاجزاً عن توفير فرص عمل لائقة لجميع الباحثين عنها، أو ضمان مستوى معيشي كريم للعاملين الذين يسهمون في إنتاج ثروته. فالمشكلة ليست في نقص الموارد وحده، بل في أولويات توزيعها، وطبيعة السياسات الاقتصادية، واستمرار الاعتماد على التوظيف الحكومي بوصفه الحل الأساسي للبطالة، من دون بناء قاعدة إنتاجية متنوعة توفر فرص عمل مستقرة ومستدامة.
الحركة النقابية بين التحديات والاستحقاقات
ومن أبرز ما يكشف محدودية التغيير استمرار معاناة العمال من ضعف التمثيل النقابي المستقل، والقيود المفروضة على التنظيم والاحتجاج. فقد شهدت السنوات الماضية احتجاجات متكررة لعمال العقود والأجور اليومية، بينهم عاملون في القطاع النفطي، للمطالبة بالتثبيت وصرف المستحقات وتحسين ظروف العمل. وفي آب 2026، خرج عاملون ومتعاقدون في بغداد ومحافظات أخرى للمطالبة بحقوق وظيفية ومالية تأخرت تسويتها لسنوات.
إن استمرار هذه المطالب بعد سبع سنوات يطرح تساؤلات بشأن جدوى السياسات التي لا تعالج جذور الأزمة، بل تكتفي أحياناً بالاستجابة الجزئية للاحتجاجات، من دون ضمانات تحول دون تكرار الانتهاكات.
تشرين لم تنتهِ.. والمطالب ما زالت قائمة
إن ما تحقق للعمال منذ انتفاضة تشرين يتمثل، في جانب مهم منه، في اتساع الوعي بأن الحقوق لا تُمنح طوعاً، وأن الاحتجاج والتنظيم والمطالبة بالمحاسبة أدوات ضرورية لانتزاعها. لكن هذا المكسب المعنوي والسياسي لا يعوض غياب التحسن الجذري في الأجور وظروف العمل والاستقرار الوظيفي والحماية الاجتماعية.
وتفرض ذكرى تشرين على الاتحادات والنقابات العمالية مسؤولية مضاعفة في توحيد صفوف الشغيلة، وتجاوز الانقسامات، وبناء حركة نقابية مستقلة وقادرة على الضغط، وربط مطالب العمال اليومية بمشروع أوسع للتغيير الاقتصادي والاجتماعي. كما تتطلب من القوى اليسارية والتقدمية مساندة نضالات العمال، والدفاع عن حقهم في التنظيم والإضراب والاحتجاج السلمي، ومواجهة كل محاولة لإخضاع النقابات للسلطة أو تحويلها إلى أدوات تابعة لها.
بعد سبع سنوات، لا يكفي أن نستذكر تشرين وشهداءها وشعاراتها، بل ينبغي أن نسأل عما بقي من مطالبها في حياة العامل الذي لا يكفيه أجره، والعامل اليومي الذي ينتظر التثبيت، والعاطل الذي يبحث عن فرصة عمل، والعامل الذي يواجه الخطر من دون حماية.
إن الوفاء الحقيقي لانتفاضة تشرين لا يكون باستعادة شعاراتها مرة كل عام، بل بتحويلها إلى حقوق فعلية ومكاسب ملموسة. فما دامت مطالب العمال معلّقة، وما دامت الثروة لا تنعكس عدالة اجتماعية وكرامة إنسانية، فإن معركة تشرين من أجل العمل والحرية والعدالة الاجتماعية لم تنته بعد.