اخر الاخبار

 تكتسب دراسة الشخصية أهمية استثنائية في تاريخ العراق الحديث الذي تعاقبت عليه الأحداث والأزمات، إذ لا يمكن فهم مسارات أية شخصية بمعزل عن واقع البلد الذي ظل يعيش على إيقاع التحولات السياسية الحادة. لا تسير حياة السياسي فيه على خط مستقيم، قد تبدأ من يقين فكري، ثم تعبر تجارب ومراجعات تعيد تشكيل علاقته بنفسه وبالعالم. وبين البدايات والنهايات تتداخل القناعة مع مقتضيات العمل العام.

من هذه المسافة بين الفكر والممارسة يمكن قراءة كتاب محمد حسن شبر "تحولات الفكر والانتماء: عبد الوهاب محمود من الشيوعية إلى الوسطية، قراءة في نشاطه الفكري والسياسي في العراق"، الصادر عن دار ومكتبة عدنان سنة 2026، وهو في أصله رسالة ماجستير تتخذ من سيرة الرجل مدخلاً إلى جانب من تاريخ العراق السياسي والمهني والدبلوماسي.

تأتي أهمية الموضوع من تعدد المواقع التي شغلها عبد الوهاب محمود، فقد جمع بين المحاماة والنيابة والوزارة والعمل الحزبي والدبلوماسية، وعاش تجربتي الحكم الملكي والجمهوري. هذا التنوع يمنح سيرته قيمة تتجاوز التعريف بصاحبها، إذ يتيح متابعة العلاقة بين المثقف والقانوني والسياسي، وبين استقلال الرأي والانخراط في مؤسسات الدولة.

يشير عنوان الدراسة، إلى انتقال محمود من الشيوعية إلى الوسطية، ما يدعو إلى التساؤل عن طبيعة هذا التحول وحدوده، وعن العلاقة بين الفكر والممارسة في حياة رجل اختبر أكثر من ميدان في ميادين العمل العام. فالمسافة بين الانتماء الأول والموقف اللاحق تحتاج إلى قراءة الوقائع والاختيارات، غير أن الحكم الدقيق على دوافع التحول ومضامينه يظل رهناً بما تقدمه فصول البحث من شواهد ووثائق ومواقف محددة، وهي ضرورة منهجية لا غنى عنها في كتابة التاريخ.

لهذا ينبغي أن تُقرأ تحولات عبد الوهاب محمود، كما يقدمها عنوان الدراسة، في إطار الأسئلة التي تثيرها التجربة العراقية نفسها: ما حدود تأثير الفكر في الممارسة السياسية؟ وكيف تتعامل الشخصيات العامة مع التغيرات في بنية الدولة؟ وما الذي يبقى من القناعات الأولى حين ينتقل صاحبها بين الحزب والبرلمان والوزارة والنقابة والدبلوماسية؟

إنها أسئلة لا تخص رجلاً واحداً، وإن كانت تجربته تمنحها ملامح محددة. وهي أيضاً أسئلة تتصل بتاريخ النخب السياسية العراقية وبالطرائق التي سعت من خلالها إلى المشاركة في إدارة الدولة أو التأثير في اتجاهاتها.

تنتظم الدراسة في أربعة فصول، وفق منهج تاريخي متسلسل. يتابع الفصل الأول بدايات عبد الوهاب محمود وتكوينه الفكري ومواقفه السياسية حتى سنة 1938. في هذه المرحلة تبرز مساهمته في النشاط الماركسي المبكر الذي كان من مقدمات تشكل الحركة الشيوعية العراقية. وفيها يظهر خلافه مع يوسف سلمان يوسف "فهد"، بشأن منهاج الحزب وتسميته وعلاقته بجماعة الأهالي، بما يكشف أن البدايات لم تكن متجانسة، وأن الاختلاف رافق محاولات بناء التنظيم وتحديد هويته.

في الفصل نفسه: موقفه من انقلاب سنة 1936 ومشاركته في الإطاحة بحكومة جميل المدفعي الثانية. وبذلك يقترن التكوين الفكري بالفعل السياسي، وتظهر شخصية تدخل مبكراً في صراعات عصرها. غير أن تفسير هذه المواقف يظل محتاجاً إلى سياقها، بعيداً عن قراءة البدايات في ضوء النهايات وحدها، أو افتراض أن كل خطوة مبكرة كانت تمهيداً واعياً لمسار لاحق.

يختص الفصل الثاني في تتبع دوره في مجلس النواب العراقي بين سنتي 1937 و1945، ممثلاً لواء العمارة، ثم لواء البصرة في دورتين. ويعرض مداخلاته في القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وهنا تتسع صورة الرجل من ناشط حزبي إلى نائب يواجه مسائل الدولة والمجتمع من داخل المؤسسة التشريعية.

في الفصل الثالث، يتناول الباحث دوره الوزاري والحزبي والنقابي في العهد الملكي بين 1946 و1954، إذ تتجاور وتتعدد وجوه تجربته. فقد تولى وزارة المالية في حكومة توفيق السويدي الثانية سنة 1946، ونشط في حزب الأحرار العراقي، وأسهم مع شخصيات من أحزاب أخرى في تكوين الجبهة الوطنية سنة 1954.

ويثير الانتقال إلى المسؤولية الوزارية سؤالاً يتصل بقدرة صاحب الخلفية الفكرية المعارضة على العمل داخل جهاز الدولة.

يبرز في هذا الفصل أيضاً عمله نقيباً للمحامين ثلاث دورات متتالية، وجهوده للنهوض بالنقابة وتطويرها، قبل أن تدفعه مراسيم نوري السعيد سنة 1954 إلى اعتزال العمل السياسي والتوجه إلى ممارسة المحاماة.

وفي الفصل الأخير من البحث، يتناول الباحث دور عبد الوهاب محمود النقابي والدبلوماسي والسياسي في العهد الجمهوري بين 1958 1971، إذ عاد نقيباً للمحامين للمرة الرابعة، وأسهم في عقد أول مؤتمر للمحامين في بغداد سنة 1958، ثم أصبح سفيراً للعراق في موسكو، وكان له دور في عقد الاتفاقيات الاقتصادية والعسكرية مع الاتحاد السوفيتي. وبذلك تنتقل السيرة من ميدان السياسة الداخلية إلى العلاقات الدولية، حيث تتصل المواقف الفكرية بمصالح الدولة وحاجاتها وخياراتها.

تأتي أهمية الكتاب في جمع أطراف سيرة شخصية سياسية، توزعت بين مؤسسات وأزمنة متباينة، لم تنل اهتمام الباحثين، وطرحها للمناقشة، بوصفها مثيرة للجدل والحوار، وهي جديرة بذلك: رجل تنقل عبر مواقع متعددة، وتبدلت صيغ مشاركته، فغدت سيرته مجالاً للتفكير في معنى المراجعة، وحدود الاستقلال، وما تتركه تقلبات التاريخ في قناعات الإنسان واختياراته.

فضلاً عن تنوع المادة التي رجع إليها الباحث، من وثائق غير منشورة ومحاضر نيابية وملف نقابي، ودراسات سابقة، إلى جانب مذكرات وصحف ومجلة القضاء. وتبرز في المقابل صعوبات واجهت الباحث، منها غياب المذكرات الشخصية لعبد الوهاب محمود، وفقدان مكتبته وأوراقه وبعض ملفاته.

 تتلخص أهمية البحث في المحاولة لجعل سيرة عبد الوهاب محمود مدخلاً إلى قراءة جانب من التاريخ العراقي، بما انطوى عليه من صراعات فكرية، وتنافس حزبي، وتبدلات في أنظمة الحكم. إلا أن فجوات عديدة تخللت الدراسة، يمكن تأشيرها بكثرة الأخطاء اللغوية والطباعية. وألفت انتباه الباحث إلى ضرورة تدقيق ومراجعة بعض الوقائع والشخصيات التاريخية، للتأكد من صحة المعلومات عنها. وثمة ملاحظة فنية تتعلق بإخراج غلاف الكتاب، الذي لم يكن موفقاً وناجحاً، عهدي بدار النشر أنها تهتم بهذا الجانب وتحرص عليه، لكنها أخفقت هذه المرة للأسف الشديد.