عقد "مركز بغداد" للتنمية القانونية والاقتصادية، أخيرا، ورشة بعنوان "توقعات الأزمة الاقتصادية في العراق بعد ظهور مؤشرات لانخفاض أسعار النفط"، قدّم خلالها الباحث الاقتصادي إبراهيم المشهداني ورقة تحليلية تناولت واقع السياسة المالية ومخاطر المرحلة المقبلة.
وخلال الورشة التي شارك فيها عدد من الاختصاصيين، ذكر المشهداني في ورقته أن "السياسة المالية الحالية تقتصر على إعادة توزيع الإنفاق وفق الإيرادات النفطية، من دون اعتماد استراتيجية تنموية شاملة، ما جعل الموازنة أداة إدارية لا أداة للنمو الاقتصادي".
وأشار إلى أن "غياب تحديد الأولويات، وضعف الرقابة، واختلال هيكل الاقتصاد، ساهمت جميعها في تعميق الاختلالات المالية والاجتماعية"، مضيفا أنه "مع افتراض بقاء سعر برميل النفط عند حدود 62 دولاراً مقابل 70 دولاراً معتمدة في الموازنة الثلاثية، فإن العجز المالي مرشح للاتساع، ما يدفع الحكومة إلى المزيد من الاقتراض الداخلي والخارجي، والذي بلغ نحو 150 مليار دولار. كما أن تأخر تقديم الجداول المالية لعام 2025 يعكس هشاشة الوضع المالي ويهدد بتعطيل المشاريع الحكومية".
وقدم المشهداني أرقاما "مُقلقة" حول الواقع الاقتصادي في البلاد خلال 2025، مبينا أن "الإيرادات المخمنة تبلغ 136 تريليون دينار، والنفقات الكلية تبلغ 199 تريليون دينار، والعجز المخطط يصل إلى 64 تريليون دينار. بينما وصل العجز الفعلي حتى أيلول 2025 إلى 17.6 تريليون دينار. وهي نسبة تتجاوز السقف القانوني المحدد".
وخلال الورشة، جرت الإشارة إلى وجود "هدر واسع في بنود تشغيلية فضفاضة (صيانة، نثريات، إيفادات وإعانات) تُقدّر بنحو 21 تريليون دينار سنوياً دون أثر إنتاجي". كما تم تبيان أن "حجم الأموال المسروقة والمهربة منذ 2003 حتى آب 2025 بلغ نحو 1.46 تريليون دولار، أُعيد منها فقط 2 في المائة".
وأظهرت البيانات التي تم تداولها في الورشة، أن "الإيرادات غير النفطية لا تزال محدودة مقارنة بالإيرادات النفطية، في ظل أعباء كبيرة تتمثل في رواتب الموظفين والمتقاعدين وإعانات الرعاية الاجتماعية، ما يزيد من هشاشة الموازنات العامة".
وأوصت الورشة بتنويع مصادر الدخل وتعزيز الإيرادات غير النفطية، وضبط الاقتصاد الموازي وإخضاعه للرقابة والضرائب، واسترداد الأموال المهربة وتفعيل قوانين مكافحة غسل الأموال، وحصر ومتابعة ممتلكات الدولة داخل البلاد وخارجها، ومراجعة النفقات التشغيلية وإلغاء البنود الضبابية غير الخاضعة للرقابة.
وخلصت الورشة إلى أن العراق يتجه نحو أزمة مالية حقيقية إذا استمرت السياسة المالية الحالية المعتمدة على النفط، ما يستدعي مراجعة شاملة وعاجلة للسياسات الاقتصادية على أساس بيانات واقعية وعدالة اجتماعية وتنمية مستدامة.