اخر الاخبار

علاقتي بالحزب الشيوعي العراقي لم تكن قصة انضباط نموذجي، ولا سيرة رفيق يرفع الشعارات بإيقاع ثابت، بل كانت سلسلة من المشاكسات الفكرية، أدخل بها النقاش وكأنني أبحث عن خطأ ما، حتى لو لم يكن موجودًا. كنت الرفيق الذي يربك الجلسة أحيانًا، يخلط الفكرة بنقيضها، دخلته كما يدخل المرء بابًا صغيرًا نحو مدينة فاضلة، ليكتشف لاحقًا أنه كان بوابة واسعة على أسئلة لا تنتهي، ولإعادة ترتيب الأشياء التي بدت لي دائمًا أكبر من أن تختصر بشعار، وأعقد من أن تحسم بنقاش واحد مع الرفاق.

كنت أجادل أكثر مما أوافق، وأشك أكثر مما أطمئن، وهذا ربما أجمل ما في التجربة، إذ ترك لي مساحة لأكون ذلك العقل المشاكس.

لم أنضم إليه لأصلح العالم، فالعالم عنيد أكثر مما ينبغي، بل لأن عقلي كان يحتاج إلى مشاغبة منظمة، ومساحة تعطيه حق الاعتراض. هناك اكتشفت أن الأسئلة لا تعاقب دائمًا، وأن التمرد له رفاق.

الحزب لم يجعلني ثوريًا خارقًا، بل حرضني على الشك في الأفكار نفسها. كنا نناقش العالم بثقة كبيرة، ربما أكبر من قدرتنا، لكنها كانت صادقة. واليوم، حين أستعيد تلك المرحلة، أعتز بها، لأنها كانت الطريق الوحيد الذي عرفت به نفسي.

رغم كل الأسئلة التي لم تهدأ، كنت مثل الرفاق أخفي في داخلي يقينًا صغيرًا، أن كل هذا الجدل، وكل هذا التعب، لم يكن عبثًا، بل كان محاولة صادقة للاقتراب خطوة خطوة من ذلك الغد الذي كنا نسميه بثقة جميلة: الغد السعيد.

اليوم، قد أبتسم وأنا أتذكر كم كنا نبالغ في الحلم، وكم كنا نظن أن الغد ينتظرنا على أول منعطف، لكني بصراحة أفضل تلك المبالغة على يقين بارد لا يحرك ساكنًا.