عقدت "مؤسسة ايشان" للدراسات الشعبية، الجمعة الماضية، جلسة حوارية موسعة احتفاء بسيرة وموروث العلامة اللغوي الراحل الأب انستاس ماري الكرملي (1866 – 1947).
الجلسة التي احتضنتها إحدى قاعات المركز الثقافي البغدادي في شارع المتنبي، أدارها د. أحمد الحصناوي. بينما تحدث فيها كل من رئيس المؤسسة د. علي حداد ود. باسم الياسري، وسط جمع من المثقفين والأكاديميين والباحثين والمهتمين بتاريخ بغداد وأعلامها.
د. الحصناوي استهل الجلسة بالحديث عن القيمة التاريخية للأب الكرملي، مبيّنا أن "الفقيد كان صاحب النظرة التأسيسية لإنشاء المجمع العلمي العراقي، لكن قُدر له أن يتوفى في أواخر عام 1947، وهو العام نفسه الذي أُسس فيه المجمع رسمياً".
ثم سلط الضوء على ذخائر الكرملي المخطوطة والمحفوظة في خزائن دار المخطوطات العراقية والمجمع العلمي، وأبرزها مخطوطة الأمثال الشعبية والمخطوطة الفرنسية التي يشرح فيها خطته ومحاولاته في تأليف معجمه اللغوي "المساعد".
من جانبه، قدم د. حداد ورقةً تناول فيها سيرة الكرملي وعلاقته العضوية ببغداد وتراثها، مؤكداً أن الكرملي يمثل نموذجاً تراثياً حقيقياً، وان صفته الدينية كرئيس لكنيسة الآباء الكرمليين في بغداد، لم تقف حائلاً بينه وبين النزول إلى أعماق الشارع العراقي وتوثيق تفاصيل حياته.
ولفت إلى أن "الكرملي كان يجيد أكثر من سبع لغات عالمية، وكان عضواً في مجامع علمية عديدة، بما فيها المجمع اللغوي الفرنسي. كما كان يمتلك وعياً متقدماً جعل مجلته الشهيرة (لغة العرب) تضم كتابات لكبار كتّاب عصره، مثل معروف الرصافي ومحمد رضا الشبيبي ومصطفى جواد وعبد المولى الطريحي ورزوق عيسى".
وأشار د. حداد إلى أن "الكرملي لم يكتفِ بكتابة مقالات عن بغداد وتاريخها، بل وقف في معجمه الكبير عند مفردات بغدادية مغرقة في عامّيتها ليفند أصولها". فيما أبدى أساه الشديد على الوضع الحالي لدير الأب الكرملي وكنيسته القريبة من السوق العربي في بغداد، مشيرا إلى أنه زار الكنيسة قبل سنوات ليجدها في حالة إهمال وخراب، وليجد قبر الكرملي فيها مهملا متساويا مع الأرض".
وتساءل بمرارة: "كم للكرملي علينا من ديون؟ لِمَ لمْ نسمّ شارعاً باسمه؟ ولِمَ لم نقم مؤسسة تحمل اسمه؟"، داعياً إلى الوفاء لهذا الرمز الثقافي الذي ورثته مؤسسات ثقافية عالمية.
أما د. الياسري، فقد تحدث عن رحلته التحقيقية في مخطوطة "مزارات بغداد" للكرملي، والتي بقيت حبيسة الرفوف عقودا طويلة، موضحا انه عثر على المخطوطة في "مكتبة كاشف الغطاء" العامة في النجف وانها تضم 133 صفحة، تشغل المزارات منها 64 صفحة، بينما قُطعت الصفحات الأخيرة الخاصة بأحداث وفيضانات بغداد.
وأشار إلى أن الكرملي لم يتناول الأضرحة والمزارات في المخطوطة من زاوية دينية أو مذهبية، إنما كجزء من التراث الروحي والذاكرة الشعبية.
وتطرق د. الياسري أيضا إلى الجهود اللغوية للكرملي، وإلى مخطوطاته في هذا المجال.