ليس من الصعب أن تشيد المقرات عندما يكون المال العام مستباحا أو حين تتدفق الأموال السياسية من الخارج أو عندما تتحول مؤسسات الدولة إلى غنائم تتقاسمها القوى المتنفذة. الصعوبة الحقيقية أن تبني بيتا من عرق المؤمنين بفكرة ومن اشتراكات الأعضاء ومن تبرعات الأصدقاء ومن الثقة التي يمنحها الناس لمن حافظ على استقلاله ونظافة يده.
لهذا يكتسب مشروع بيت الشعب للحزب الشيوعي العراقي قيمته الأخلاقية قبل أن تكون له قيمته العمرانية.
فعلى امتداد تاريخه الطويل ورغم كل ما مر به العراق من انقلابات وحروب واحتلالات وتحولات سياسية لم يعرف عن الحزب الشيوعي العراقي أنه استولى على أملاك الدولة أو اتخذ من المال العام وسيلة لبناء مؤسساته أو جعل من الدعم الخارجي ركيزة لاستمراره.
لقد اختار الطريق الأصعب طريق الاعتماد على الذات وهو طريق قد يكون أكثر مشقة لكنه يمنح صاحبه استقلال القرار وكرامة الموقف.
ولم يكن هذا الخيار وليد الظروف بل امتدادا لمسيرة طويلة من النضال الوطني.
فمنذ تأسيسه كان الحزب حاضرا في أهم المحطات التي شهدها العراق الحديث حاملا شعاره الذي أصبح جزءا من الذاكرة الوطنية “وطن حر وشعب سعيد”. وفي سبيل هذا الشعار قدم آلاف المناضلين وارتقى شهداء وامتلأت السجون والمعتقلات بأعضائه وتعرض للمطاردة والحظر والتنكيل في عهود مختلفة لكنه لم يستبدل مبادئه بامتيازات ولم يحاول أن يعوض ما خسره بالاستحواذ على ما ليس له.
من هنا فإن بيت الشعب ليس مجرد مقر حزبي. إنه عنوان لفكرة ورمز لثقافة سياسية نادرة في عراق اليوم ثقافة تؤمن بأن المؤسسة التي تبنى بأموال أصحابها تبقى حرة وأن القرار الذي لا يشترى يبقى وطنيا.
وسيكون هذا البيت فضاء للنشاط الثقافي والفكري والاجتماعي ومنبرا للحوار ومكانا يلتقي فيه المؤمنون بالدولة المدنية وقيم المواطنة والعدالة الاجتماعية. إنه بيت لكل من يرى أن السياسة ليست تجارة وأن العمل الوطني ليس بابا للإثراء بل مسؤولية تجاه المجتمع.
إن المساهمة في بناء هذا الصرح ليست تبرعا لبناء جدران وسقوف بل هي مساهمة في ترسيخ منظومة من القيم التي يحتاجها العراق اليوم أكثر من أي وقت مضى، قيم النزاهة، الاستقلال، العمل الطوعي، والإيمان بأن التغيير يبدأ من المبادئ قبل الإمكانات. وهي أيضا مشاركة في تعزيز الحركة الوطنية العراقية ودعم أحد روافدها التاريخية التي أسهمت وما زالت تسهم في الدفاع عن الحرية والعدالة وحقوق الإنسان.
قد يختلف الناس مع الحزب الشيوعي العراقي في الرؤية أو البرنامج أو الموقف السياسي وهذا حق طبيعي في أي مجتمع ديمقراطي، لكن ما يصعب إنكاره هو أن بناء بيت الشعب بجهود أعضائه وأصدقائه يقدم نموذجا مختلفا في زمن أصبحت فيه السياسة في كثير من الأحيان مرادفا للنفوذ والمال والامتيازات.
ولهذا فإن كل حجر يوضع في هذا البناء يحمل معنى يتجاوز الإسمنت والحديد. إنه شهادة على أن المؤسسات الوطنية يمكن أن تنهض بإرادة أصحابها وأن النزاهة ليست شعارا يرفع بل ممارسة تترجم إلى أفعال.
وحين يبنى البيت بمال نظيف يبقى الباب مفتوحا لوطن أنظف ولمستقبل يستحقه العراقيون.