منذُ أن بدأتُ بدراسة المسرح الألماني الحديث، كان شغلي الشاغل هو الحركة المسرحية التي نظّر لها وأسسها الكاتب الألماني الكبير برتولت برشت. هذا الكاتب الذي أحدث ثورة على الموروث المسرحي الذي كسر النمطية في الأداء المسرحي بجرأةٍ لا يمكننا وصفها إلا على أنها ثورة بكلِ ما تحملهُ هذهِ المفردة من معاني. برتولت برشت ذلك الكاتبُ، والمُنظرُ والمخرج المسرحي والممثل، الذي جمعَ وألمَ بكلِ عناصر الحركة المسرحية، كان عارفاً تماماً ما ينوي الوصول إليهِ، وكان قد رسمَ طريقه برؤيةٍ علميةٍ واضحة. لم تكن عندهُ الألوان متداخلة أبداً، فكانت الحدودُ بين جزئيات وتفاصيل الأهداف واضحةً وجليةً بالنسبة لهُ. هذا الذي جعلَ من النقادِ والكُتابِ المسرحيين يقفون في العديد من المواقف على آراءٍ مختلفة، حين يرومون النقد والتحليل لِما يعرضه برتولت برشت على المسرح. لم يكن برشت مسرحياً فحسب، بل كان صاحب نظريةٍ يروم الوصول لها وإلى مبتغاه من خلالها. لقد وظفَّ المسرح كونه أداة التعبير الإنسانية الأولى أفضل توظيف، وأجاد في انتزاع الرغبة لدى المتلقي في المعرفةِ أكثر، وسبر مكنونات المشكلة والحل في آنٍ واحد. أراد برشت أن يخلق من المتلقي ناقداً واعياً فطناً غير مستسلم لِما يدور على الخشبةِ ولا مستسلماً للأحداث، وأن يخلق لدى المتلقي الوعي الكبير والقدرة على إدراك ما يدور حوله، ومن ثم القدرة على إبداء الرأي، أو النقد الإيجابي، الذي يتأتى من خلال رفض الواقع وعدم التأثر بهِ. وكان من أكثر الكُتّاب المسرحيين والشعراء الألمان تأثيراً في القرن العشرين. يعد برشت من احد، بل أبرزُ مؤسسي المسرح الملحمي. هذهِ الحركة المسرحية الناشئة والتي تهدفُ بالدرجة الأولى إلى كسر الجدار الوهمي القائم بين الممثل على خشبة المسرح، وبين المتلقي الذي يجلسُ متلقياً ما يتمُ عرضهُ، ومن ثم زج الجمهور في تلك الأحداث التي تدور على خشبة المسرح، ومن ثم جعله عنصراً من عناصر الحركة المسرحية، بل ومكملاً لها. ويرى برشت أنه يجب على الجمهور أنْ يراقبَ بوعي ما يحدث على خشبة المسرح. ويمكننا تصنيف برتولت برشت على أنه أحد رموز أدب عصر الموضوعية الجديدة، وأدب المنفى، وأدب الركام. قضى برشت طفولته في ظروف اجتماعية ومالية جيدة. وكان ذلك واضحاً على نشأتهِ الأولى أبان فترة الدراسة. وبينما كان والد برشت كاثوليكياً، قرر والديه تربية أبنهما باعتباره بروتستانتياً. منذ عام 1904 التحق بالمدرسة الابتدائية في أوكسبورك لمْ يواجه مشاكل في المدرسة، حيث كان تلميذاً ذكياً فطناً لديه روح القيادة والتأثير الكبير على زملائهِ الطلبة، لقد حقق برشت في المدرسةِ درجات جيدة جداً. كما تلقى دروساً في العزف على البيانو والكمان والغيتار. كلُ ذلك كان له تأثيراً واضحاً وجلياً على شخصيته. لم تكن صحة برشت جيدة منذُ شبابهِ، حيثُ أصيب بمشاكل في القلب وخضع للعلاج وذهب إلى المنتجعات الصحية مراراً وتكراراً طوال حياته. كان برشت قد أكمل شهادة الدراسة الثانوية خلال الحرب العالمية الأولى. ثم درس برشت الطب والعلوم الطبيعية في جامعة ميونيخ. وكان نادراً ما يحضر المحاضرات الطبية، بل يذهب بدلاً من ذلك إلى ندوات حول الأدب، والمسرح، والفنون الأخرى. كان يكتب الكثير من أعمالهِ وتشمل قصائد مثل (أسطورة الجندي الميت). وفي عام 1918 بدأ العمل كطبيب فاحص في المستشفى في أوكسبورك. هذا المستشفى المخصص للجنود الجرحى والمرضى. وبعد عام تمكن من إنهاء خدمته هناك. كتب برتولت برشت أول مسرحياتهِ (طبول الليل) والتي عرضها على المسرح. تم العرض الأول لهذهِ المسرحية في مدينة ميونيخ عام 1922. هناك التقى بالممثلة (هيلينا فايكل). وتمكن من إصدار أول مسرحياتهِ ورقياً في عام 1922 وهي (البعل). وفي برلين التقى بالعديد من الكتاب والممثلين، لكن حياته تغيرت أيضاً سياسياً خلال تلك الفترة. أصبح مهتماً بشكل متزايد بالفكر الماركسي. كان برشت يبحث عن نظرية يمكنه من خلالها فهم المجتمع بشكل أفضل. وقد مكنه ذلك من شرح الوضع المعيشي السيئ في ألمانيا، وعُرضت مقطوعته (أوبرا القروش الثلاثة) لأول مرة وحظيت بالكثير من الثناء والتقدير على العمل. وفي نفس العام التقى أيضاً بالملحن (هانز ايسلر) وقد نشأت بينهما صداقة وثيقة. في عام 1929 تعرف على الممثلة (هيلينا فايكل)، وتزوجها فيما بعد، وكانت له معها أعمال كثيرة ومهمة.