اخر الاخبار

لم يعِ يوما ما العبث ولا كيف سيكون عند قلعة الخابري*، تلك التي اختزن فيها عمره.

لم يعِ العبث انما فعله بدقة اللاجدوى الحمقاء حين دنا من النخلة النشوة لقلعة الخابري.. العبث بدأ قبله، فنشوة النخيل هذه، صارت عِرضة للتجريد من سعفها كله ، بلا أمل أو وعد في زرع او تشجير لسد فضاء كتف النهر، الذي تتوسد تربته وعمقه ومياهه.

عروسة البستان هذه ، النشوة الفتية، كأنها تتهيأ لحُبِيْبات الفحل الأكبر، الأضخم ، الأعجف ، من بين النخيلات كلهن..

الفحل كأنه يفاخر منتشياً بكربه وسعفه وعثوقه ثنائية الجنس الخائبة عن اي ثمر مفيد..

عروسة القلعة ، نشوة النخيلات، حفّزت الغراب الأبيض الوحيد في البستان ، ليتصدر فعل العبث بتمراتها، فقد لَمَّ أصابعَهُ ومخالبه ومنقاره، وراح يبحث بين الحطب والكرب عن ثمار غذائه ، ثم بفقزة طيران واحدة اعتلى قلب النشوة ، القلب بسعفته الخضراء الواحدة وسعفتيه الصفراوتين؛ يستقبل مخالب الغراب بلا وجل ولا ملل.. تلمع سعفاته كشعر فتاة شقراء في السنتين!

الغراب ذي الأربعة والعشرين شهراً يحط عند قلب النخلة النشوى ذات العامين من مواسم إثمارها.. تضامنا ليصنعا أملاً؛ فقد احتضنت النشوة تمرات بقدر (ما)، تمرات تناسب لهوه العبثي! تخزنها برحاب فجوات الكرب لجذعها اليافع القصير، وأذ يحط الغراب الابيض رجليه عند فجوات القلب يخيب ظنه فينتقل الى فجوات الجذع، يمسك حبة التمر، ينقرها، يفلتها ، فتسقط على سطيحة كتف النهر، يطير نحوها ، يلاعبها بأصابعه، بلا اشتهاء ولا ارتواء. يتركها ليطير من جديد الى قلب النشوة ..

الغراب الابيض بفعله العبثي هذا يديم بعثرة تمرات النشوة كمنتشٍ بعمل خارق؛ يمارس فعل الالتقاط والبعثرة بتلقائية وانتظام حيوي الرتابة، يقيم فراشا من التمر على كتف النهر..

حيوانات البرية.. عبثت بالنخيل وتمورها..

فيما كان قلب النخلة النشوى  ينبض.. ترك القلب والجذع متجها صوب ضفة جديدة للنهر؛ رصد عندها اسراب نمل وفير!.. حط عندها .. صعد النمل الى ساقيه عبر مخالبه وريشه .. احتار الغراب .. وجد نفسه مغطى بالنمل الاسود حتى صدره ... طار بسرعة خارقة وانتفض ليرمي النمل فلم ينفع حتى داهم دخانا صاعدا من القلعة ؛ اندس فيه فانهزم النمل مثل من أخذ غفلة!

حلق من جديد مستعيدا لونه الابيض!.. حلق ولم يغادر لهوه مجدداً عند نهر يجري فوق كتفه نشوة تتهيأ لموسم تخصيب!.

ــــــــــــــــــــــــــــ

(*) قلعة الخابري : الاسم الحقيقي هو قلعة صالح، قلعة أثرية.. مقر وسكن عسكري عثماني تم اشغاله عام 1860 ، تأسس على اسمها قضاء قلعة صالح بميسان جنوب العراق على ضفاف نهر دجلة على بعد 40 كم جنوب مدينة العمارة. وقد سميت قلعة صالح بهذا الاسم نسبة الى الضابط صالح النجدي من عشيرة آل السعدون العراقية الذي اتى به العثمانيون للسيطرة على عشائر المنطقة.