اخر الاخبار

الكتابةُ صنوُ الشعرِ؛ صنعةٌ جليلة، أحلّها القدماء منزلةً رفيعة، وجعلوها في الصدر من شؤونهم؛ فلم يجترئ أحدٌ منهم على مزاولة التأليفِ ما لم يكن على عِرْقٍ منها ! وقد غَبَرت أجيالٌ على هذا المنحى القويم ؛ لا يمارِسُ التأليفَ إلّا من يُحسنُ الكتابةَ على شرائطِ البيانِ العربيّ ! وقد نهَجَ مهدي المخزوميّ ( 1910 – 1993 )، في تأليفه، ذلك النهجَ المحمودَ في تمامِ الإفصاحِ، والإبانةِ المُحْكَمَةِ؛ إذ أجرى مباحثَ النحوِ بعربيّةٍ فصيحةٍ مبينةٍ يلَذُّها القارئُ؛ على أنّي لا أريد، هنا، بيانَه ذلك، وإنّما أريد بيانَه في مقالاتٍ أدارها على أعلامِ الدرس النحويّ متّجهًا بها وجهةَ الأديبِ المنشئ، المُعربِ عن ألوانٍ من الفكر والعاطفة في صياغة مُبينةٍ مَتينة.

كانت مجلّةُ "المعلّم الجديد "، وقد صدرت في سنة 1935، لا تفتأ تجدّدُ نفسَها، وتتّسع بقرّائها وكتّابها، وتسعى أن تصل إلى هيئة التعليم، في البلد، كلّها، وإلى غيرهم من القرّاء، وأن تستوعبَ صفحاتُها ثمراتِ أقلام الكاتبين، وكان من سياقها أن تدعو أعلامَ البلد إلى المساهمة في تحرير أبوابها؛ فكان أن دعت مهدي المخزوميّ، وهو مدرّس النحوِ في كلّيّة الآداب، لكتابة مقالاتٍ في ما يشاء من مناحي المعرفة؛ فأخذ يكتب عن أعلام النحو العربيّ؛ يبسطُ أشياءَ من سيرهم، ويقفُ على قضايا من نحوهم، ويربط بينهم برباط وثيق من اتّصال المعرفة وتماسكِ مناحيها، مع توخّي حسنِ البيان في الكلمة ذاتِ الدلالة، والجملةِ المتينة، و الموارد المسبوكة. وحين أُنشئتْ مجلّةُ "الأديب العراقيّ "، في اتّحاد الأدباء، سنة 1959، جعل المخزوميّ يمدّها بمقالاته، وهو أحد مؤسسيه، القائمين عليه، وعلى مجلّته؛ فكان أن اتّسقت له طائفةٌ من المقالات ذوات المنحى الأدبيّ في الصياغة والبناء، وكان حقّها أن تأتلفَ في كتاب يضمُّها، ويهيئُها لقارئ جديدٍ لم يُدركها حين نُشرت أوّل مرّة؛ لكنّ صاحبَها أبطأ عليها في لمِّ أشتاتها، وأخذته شؤونُ الدرس النحويّ الصرف، وشؤونٌ أخرى؛ حتّى كانت "الموسوعة الصغيرة"، فدعاه رئيسُ تحريرها موسى كريدي أن يساهم في عددٍ من أعدادها فعاد إلى تلك المقالات القديمة يستعيدها، ويؤلّف بين أطرافِها لتكون كتابًا عنوانُه: "أعلام في النحو العربيّ "؛ وقد صدر في سنة 1980؛ وكان بودّه أن يكون على هيئةٍ أتمّ، خاليًا من خطأ المطبعة، غير أنّ الأيّام مضت، والسنين كرّت، ولم يتسنَّ له أن يُصدره على ما يروم. ثمّ قُدّرَ للكتاب أن تُصدره جامعةُ الكوفة بطبعةٍ جديدة، في سنة 2020، بعد ثلاثين سنةً من طبعته الأولى. وحين قامت دارُ الشؤون الثقافيّة على إصدار آثار المخزوميّ كلّها، في سنة 2025، جعلته في الجزء الرابع منها؛ فتمّت، بذلك، آثارُ المخزوميّ في النحو واللغة، وفي جانبِ الكتابة التي تتوخّى الفنَّ، وتحفِل بالصياغة والبناء.

وإذا كانت مقالاتُه هذه تقوم على موادّ من حَيَوات نحاةٍ أعلامٍ، وعلى قضايا من نحوهم؛ فإنّه كان يجعلها، وهو يبسطها، في ألوانٍ من الصياغة؛ فيتخيّر الكلمةَ، ويصطفي الجملةَ، ويُعنى بالمطلع، ويُحسن الانتقال من موردٍ إلى آخر، ويُشيعُ جوًّا من القَصص، حتّى ينتهي إلى الخاتمة فتكتمل المقالة، بين يديه، معنى ومغزى !

كان المخزوميّ يختار، وهو يكتب، الكلمةَ الفصيحةَ الجاريةَ على عُرف اللغة، ويستعملُها في ما وُضعتْ له، ودلّت عليه؛ فيستقر المعنى، ويتّضح، ولا يقع فيه لَبسٌ، أو إيهام. وقليلٌ ما ينحو إلى المجاز، وعنده أنّ الحقيقة أولى، وأقدر على البيان. وعندما تكون الكلمةُ في موضعها، وفي ثابت معناها تكونُ الجملةُ متينةَ البناء، واضحةَ الدلالة، بيّنة المعنى. وجملتُه، في الأغلب، قصيرةٌ محكمةٌ كافيةٌ في دلالتها، بعيدةٌ عن المعاظلة. ومع حسنِ الكلمة، ومتانةِ الجملة كان يتوخّى براعةَ المطلع، وإحكامه؛ فيُجريه على عِرْق من القَصص؛ يقول، وهو يفتتح كلامَه عن سيبويه: "ركِب الصبيُّ مع أبيه، وهو يستمع إلى حديثه الذي لا يعرفُ كنهَه، ولكنّه كان يحملُه على التفكير في أيّام باسمةٍ سيكون محسّدًا من أجلها."وحين أخذ بالحديث عن أبي الحسن الأخفش مال إلى القصّ يصوّر به علوَّ مكانة سيبويه عند الخليل، وهونَ الأخفش في مجلسه؛ يقول: "جلس الخليل وحوله أصحابُه؛ يسألونه فيجيب، أو يُملي عليهم فيكتبون... وبينما هم كذلك إذ رأوا شابًّا يتخطّى هذا الجمع الحاشد، ويستلفت إليه العيون التي كانت مشدودةً إلى حيث يجلسُ الخليلُ؛ فيتهلّل وجه الخليل وتنبسط أساريره، ويقول: مرحبًا بزائر لا يُملّ، ويتّخذ سيبويه مكانًا لا يبعد عن مكان الخليل، ويسأله عن مشكلات علميّة كانت قد اعترضته، فيُجيبه، ثمّ يترك المجلسَ، ويبتعد عن المسجدِ الجامع، فإذا بأبي الحسن يتصدّى له، ويعترضُ طريقه ويستفهم عمّا دار بينه وبين الخليل من كلام لم يفهمْه."فإذا استوفى غايته من القصّ قرّر ما يريد بنحو جليٍّ: "لم يكن للأخفش في حياة الخليل، ولا في حياة سيبويه شأنٌ يضعه في صفّ التلاميذ الذين فازوا بالتلمذة للخليل، ولم يكن من رؤساء الحلقات الذين تصدّروها للدرس."لقد آزر القصُّ التقريرَ على بيان موضعِ الأخفش من الدرس النحويّ ! وحين أخذ بالكتابة عن أبي العبّاس المُبرِّد قال في مستهلّ كلامه: "فرَغ الناسُ من صلاةِ الجمعة في أحدِ مساجدِ بغدادَ، وأخذ المصلّون ينفضُّون إلّا جماعةً من أصحابِ الحِرَف والصُّنّاع، ومن الغرباءِ الذين وفَدوا على بغداد وليس لهم مأوى غيرُ المساجدِ الكثيرة المبثوثة في أحيائها. واشرأبّتْ أعناقُ الجالسين في صفوفهم إلى طارئ غريبٍ وقد رفع صوتَه، وطفِق يفسّر مُوهمًا بذلك أنّه قد سئل، ودنا بعضُ هؤلاءِ من مجلس الرجل حتّى صارت حوله حلْقةٌ، وأخذ أبو العبّاس يصلُ في ذلك كلامَه."وكلُّ هذا القصِّ، مع براعته وحسنِ تأتّيه وأخذهِ بلُبِّ القارئ، إنّما يُبينُ عن جوهر من يكتب عنهم، وعن خفيّات أنفسهم، وعن أشياء لا يراها فيهم إلّا البصيرُ النافذُ البصيرة. ومثلُ ذلك ما بدأ به كلامَه على ابن جنّي: "عجِب الناسُ من أمر هذا الصبي الذي لا يختلف إلى صبيان الرَّحَبة في غدّوهم ورواحهم، ولا يشاركهم في ما هم مقبلون عليه في براءة وانطلاقة، ولكنّه ما يكاد يخرج من بيته إلى الرَّحَبة حتّى يرجع إليه، تلوح الغمّةُ على قسمات وجهه، والكآبةُ على بريق إحدى عينيه. وتحتضنُه أمُّه؛ تُلاطفه، والحسرةُ تعصر قلبها الحنونَ عصرًا، والألمُ يعصف بنفسها عصفًا وهي تمنّيه بمستقبل باسم تقرُّ له عيون أبويه."

وإذ يتمّ له الاستهلالُ الشائق، ويطمئنّ إلى أنّ قارئه معه؛ يمضي إلى عنصرٍ آخرَ من عناصر حياة من يكتب عنه؛ فيقول عن الخليل، بعد أن بسطَ البيانَ في النشأة والتكوين: "ولمّا التقتْ في ذهنه الواعي كلُّ تلك الثقافات؛ تدارسَها وتمثّلها، وأعاد صوغَها، وأحكم بناءَها، وأمَدَّها بفيضِ ما لديه من نبوغٍ وإبداعٍ، ثمّ أملاها على الدارسين؛ فإذا هي عطاءٌ إنسانيٌّ ضخمٌ طفر بالعقل من طورِ الفجاجة إلى طور النضج."وهو قول واضحُ الدلالةِ، محكمُ الإبانةِ؛ يضع الخليلَ حيثُ وضعَه علمُه من العربيّة. وحين يتحدّث عن سيبويه يُتمّ الكلامَ على علمه بالكلام على حاله: "لم يُجالد سيبويه بهذا أو بذاك، ولكنّه كان يُجالد بخُلُقه وعلمه وأمانته. ومات الخليل ولا يملك سيبويه إلّا هذا الإرثَ العظيمَ الذي خلّفه له أستاذه."ويصف منزلةَ المبرِّد في بغداد فيقول: "ولم تعرفْ بغداد شيخًا مثلَ أبي العبّاس منذ أن توفي أبو زكريا الفرّاء، ولا شهِدت مجلسًا كمجلسه يزحم الطلبةُ بعضُهم بعضًا فيه بعد مجلسِ الثلاثاء الذي كان الفرّاءُ يُملي فيه على الناس دروسًا في النحو واللغة ومعاني القرآن."

ومثلما أحسن الاستهلالَ، والانتقالَ، فإنّه يُحسن الختام؛ فقد ختم كلامه على الفرّاء بقوله: "وفي سنة سبع ومئتين للهجرة، انطفأت هذه الشعلةُ، وسكن هذا الجدُّ الدائب في خدمة اللغة، ومات أبو زكريّا وفي نفسه شيء من حتّى."ويقول في إتمام رواية حياة سيبويه: "ورجع سيبويه خائبًا [يريد ما كان ببغداد من مناظرةٍ بينه وبين الكسائيّ]، فلم يُطِق الإقامةَ في البصرة التي كانت تتطلّع إلى أخبار الفوز، وغادر البصرةَ إلى الأهواز، وتوفّي هناك بعد مُدّةٍ قصيرة، وبعد إصابته بداءٍ عُضال، ودفن الأهوازيّون معه الأمانةَ والعلم الجمّ."ويستوفي كلامَه على ابن جنّي فيقول: "وبعد جهودٍ مضنيةٍ، وتلمذةٍ مُجهِدةٍ، وتدريس متواصل؛ طوى تاريخُ الدرس اللغويّ صفحةً لامعةً من صفحاته اللامعات، وأضاف التاريخُ الإسلاميّ إلى أعلامه الخالدين عَلَمًا خالدًا جديدًا، وما زال يُشير في كثير من الاعتزاز إلى آثارٍ قيّمةٍ خالدة مقرونةٍ باسم أبي الفتح عثمان ابن جنّي."

وهو في مقالاته كلّها يضعُ قلمَه في مواضعِ النُبل والسموّ، عند من يكتب عنهم، وينوّه بها، ويُتمُّ تصويرَها، كالذي كان منه وهو يتحدّث عن الخليل؛ إذ وقف عند صدقه وإخلاصه، وزهادته في المال والجاه، والنأي عن ذوي السلطان، واجتزائه باليسير من أسباب الدنيا. أمّا مواضعُ الضعف، وغَلَبَة الشهوات فلا يُعفي قلمَه من الإلمام بها، حين تصرّح بها الأخبارُ، كالذي كان من الأخفش في تطلّبِ المَثَالةِ في ما ليس له، وما كان من المبرِّد في حبّه المال، وقربِ السلطان.

إنّ المخزوميّ في كتابته غزيرُ المعاني، واضحُ المقاصد، شريفُ المرامي؛ يُحسنُ الوقوفَ على طيّاتِ أنفسِ من يكتب عنهم، ويُحسن البيانَ عنها؛ قد ألانَ النحوَ وقضاياه ورجالَه؛ فجعل من ذلك كلّه أدبًا سائغًا يجري في مقالةٍ محْكَمةٍ مترابطة، لا تشكو نقصًا ولا فضولا...