قيل ان التأريخ صانع للهوية، فمن يجهل تأريخه يعد عالة على غيره
وقال فردريك هيجل" التأريخ هو تحقيق الحق والضرورة"
وقد استشهدت بهذه الأقوال لأنني سأتحدث هنا عن متابعتي للمسلسل العراقي "اسمي حسن" ولو انني متأخرة. المسلسل كتبه الاستاذ المبدع حامد المالكي وأخرجه الأستاذ المبدع سامر حكمت، بطولة المبدع القدير محمود ابو العباس الذي كان قائداً للمسلسل بكل ابطاله وقد أثر بنا دوره الأبوي العظيم وحمله الثقيل للأمانة فكان مثالا رائعا للانسان العراقي الشهم، اما الفنان الشاب تحسين داحس فقد إتقن دوره الذي لبسهُ وتشربه بطريقة مؤثرة جدا حتى صرت أراه شبيها لبعض رفاقنا في ذلك الزمن حين كنا طلاباً وكأن الممثل تحسين داحس معنا وأبحث في ذاكرتي عمن كان شبيههُ حقاً، وكذا زميلته سامية الرحماني التي أدت بتلقائية مذهلة وقد نجحت بشكل مبهر، اما الممثلة المبدعة بتول كاظم فقد ابكتنا حيث تماهت مع دور الأم العراقية المقهورة بكل مابه من وجع، وكذا بقية الممثلين الذين اعطونا صورة للحقيقة المؤلمة..
لقد تابعت المسلسل بشغف على مدى خمس عشرة حلقة وكم أوجعني حيث سحبني من موضع القلب والذاكرة الى حيث تلك الأيام الصعبة التي عشناها برعب مهول والتي لا يمكن أن نخلعها من أرواحنا أبدا، فهي تأريخ شعب كامل، وهموم وطن لا تُنسى ابدا.
لقد كان مسلسل "اسمي حسن" أجرأ وأصدق مسلسل عراقي تابعته في حياتي، تحدث عن قهر شعب مسكوت عنه، بل مشطوب على أوجاعه وصرخاته على مدى عقود طويلة من حكم البعث الفاشي. كان المسلسل عادلاً كما الطغاة بعذاباتنا، فهم لم يميزوا بين عربي وكردي ولا بين سني وشيعي او مسلم ومسيحي ولا بين الاحزاب اليسارية واليمينية، كلنا تحت حد السكين و الذبح طالما اننا من هذا الوطن الذي حكموه واستباحوه فكان حسن بالمسلسل أكثر من خمسين حسن أحدهم شيوعي وآخر من حزب الدعوة وآخر كردي ومسيحي وكردي فيلي وهكذا كل مكونات العراق وانتماءاته المضطهدة تحت حكم البعث، كل المكونات كانت مسجونة تتعذب، وهذه الفكرة الفذة اختصرت على المشاهد فهم من كان البعث وكيف تعامل مع كل أبناء العراق الحبيب.
لقد عاد بي مسلسل "اسمي حسن" الى تلك الأحداث التي عشتها عام ١٩٧٨ بين الإختفاء من عسس النظام ومطاردتهم لنا وبين لوعتنا بعدم وجود ملجأ آمن لنا على كبر الوطن العريق الكبير الممتد بين دجلة والفرات بكل امتدادهما الفارع حيث يشقان العراق من شماله حتى جنوبه وحيث تنتشر المدن والقرى والقصبات على ضفافهما، لكن الخوف في ذلك الوقت العصيب لم يترك أي مكان إلا وملأه بطرقه المخيفة السوداء.
كل شي كان عدوا، مشكوكا به، وكل مسافة كانت خانقة، كل حركة أو سير بالشارع كان مشروع قتل معلن، كنا نعيش تحت طائلة الموت ليل نهار، فقط لأننا حملنا أفكاراً وطنية يسارية مثلنا مثل غيرنا من البشر بكل بلدان الدنيا، فنحن مثلهم، قرأنا واكتشفنا وتعلمنا وتأثرنا، ولم نجرم، إنما حلمنا فقط، لكن رؤوسنا كعراقيين لابد وان تطير مع كل فكرة حملناها عن العدالة، والحرية، والتطور، والحب، والانسانية الواسعة ومثل (تحسين داحس) تغنينا بوطن حر وشعب سعيد..
كل شئ كان ضدنا، حيث طوردتُ ولم أبلغ الرشد بعد، وتناهبنا الخوف والذعر من وطننا وأهلنا الذين أحببناهم وناضلنا من أجلهم فكانت الحيطان لها آذان، وعيون، وأرواح شريرة، لست وحدي في ذلك الجحيم الذي خلقه طغاة البعث لنا، كان الشعب كله وبكل انتماءاته معرضا للموت الذي يترصده في كلمة عفوية يقولها رجل بمقهى أو بين أقرانه، أو يفكر بها طالب بجامعة او مدرسة، أو في صحيفة مثلا قد يجدونها بيد قارئ برئ، صحيفة تجيزها الدولة لكنها تجعلها فخاً لكل من يقرأها وقد تؤدي به الى المشنقة أخيراً، وما أكثر مشانق العراق، وما أكثر العيون المتلصصة التي تلاحقنا بكل مكان، و ما أكثر الأزقة المغلقة فيه، ما أكثرها حيث تنتهي بك الى مواجهة مع من يطاردك فتكون له فريسة مثل اي طير يذبح بحفلة حزن..
هكذا وبكل بساطة كان موتنا مباحا
المسلسل صرخ بأوجاع كل من عاش زمن البعث المجرم، وكل من فقد وتعذب ودفن أحبته بصمت ورعب حيث منع عليه حتى الصراخ على الضحايا.. وقد ذكرتُ في روايتي (هروب الموناليزا، بوح قيثارة) الكثير من أساليب التعذيب للنساء والرجال في السجون وأعطيتُ صورةً للرعب الذي عشناه، كما تذكرتُ حينما كنت ممنوعة من السفر بالحدود وانا لم أبلغ العشرين بعد كيف انني رأيت أسماء الكثير من الممنوعين من السفر وعرفت عندها أن العراق كان سجنا كبيراً، لكن وبصراحة أعترف أن فعل الكتاب ليس كفعل المسلسل، فالكتاب لايدخل كل بيت للأسف كما يدخل المسلسل الذي تراه جميع فئات المجتمع وطبقاته بسيطة ومتعلمة، وأن يرى الناس بأعينهم ماحصل من وجع بما يشبه الحقيقة ليس كمن يقرأ الوجع على الورق فقط..
لقد نجح حامد المالكي بكتابة سيناريو عراقي بحت، حيث تفرد العراق بذلك الوجع الذي لم يمر على كل الشعوب لتعرفه انما رأوه بالمسلسل فانبهروا فهم لم يكونوا ليصدقوا أن من أسموه فارسهم وحامي الجبهة الشرقية للعرب، كان يحكم الناس بالرعب والموت والجريمة التي يتستر عليها كما لم يتصوره خيال الانسان في الزمن الحديث.
لقد نجح المسلسل بأهدافه فعلا، ولكن رغم نجاحه تمنيت أن تكون الامكانية المادية المخصصة له أكبر من ذلك، لقد كانت البيوت والملابس والديكورات حتى في بيت رجل تاجر غني بائسة جدا وكأنها تعود للثلاثينات وليس الثمانينات حتى موديلات وألبسة البنات لم تكن كما طرحها المسلسل، ففي الحقيقة كنا نرتدي ملابس أكثر رقيّاً (وقد غادرت العراق مجبرة عام ١٩٧٩، حيث المودة العالمية تغزو الاسواق ولم تكن هناك بعض المظاهر التي طرحها المسلسل شائعة في بغداد كالحجاب داخل الجامعة مثلا الذي كان ممنوعا الدخول به للحرم الجامعي في ذلك الزمن، كما انني تمنيت لو لم تكن فترة تعذيب السجناء طويلة وتتكرر بهذه الطريقة القاسية على قلوبنا، كنت أدير برأسي لجهة أخرى كي لا أرى مشاهد التعذيب الكثيرة جدا بالمسلسل، صحيح ان الواقع كان أقسى مما يعقل لكن قدرات الانسان على رؤية هذه المشاهد محدودة ولا يحتملها كل الناس وكان ممكن للمخرج تخفيفها عنا بتعبيرات الظل مثلا لتقوم ظلال الممثلين بهذا الدور المريع والبشع بدلا من التمثيل لحما ودما في كل المشاهد القاسية، ولنستطيع ان نستمر بالمشاهدة ولا ندير وجوهنا عن الشاشة في فترات التعذيب الطويلة.
وعلى الرغم من الهنات البسيطة في المسلسل فقد نجح المخرج في تقديم عمل جرئ لم تعتده الشاشة العراقية الصغيرةز
أخيراً، أحيي كاتب المسلسل ومخرجه وجميع طاقم العمل الذي جعل الناس تعرف ماكان يمر به شعب العراق وسكت عنه الجميع، وليس هذا غريب على الاستاذ حامد المالكي فاعماله السابقة ك(أبو طبر، والدهانة، والحرب والسلام )وغيرها كانت أعمالا رائعة عميقة دخلت بواطن المجتمع العراقي وفضحت كل انتهاك للإنسان مر ويمر على الشعب وكشفت المستور عنه لتكتب التاريخ بالعدل والانسانية الحقة ولا تترك للأقوياء المتجبرين كتابته الا كما تشتهي أهواؤهم..