ستظلُّ أيُّها الطلسميُّ المُدجّجُ بالزلازلِ
زاهداً بكلِّ التماثيل،
فأنتَ الضاربُ بصولجانكَ معابرَ الكونِ
أنتَ النابضُ بأرقِ ما عندكَ من الرموز،
وحدكَ تفيضُ بنواحي أمسنا المقدّس،
كي تصقلَنا بناركَ مُذ نثرتَ حروفكَ على الشعابِ
لتحلّقَ عالياً فوق رابيةِ الألفِ
خفّاقاً على القافِ كأنّكَ العمقُ في السؤال.
قلْ للذينَ يعرفونَ معنى الخساراتِ بعد الرهان،
كيف مررنا بالمضائقِ بكلِّ هيبةٍ
حتّى كبرنا في البياضِ قبل الكهولةِ في التأمّل؟
قلْ لهم كيف حملنا قرابيننا إلى أعالي المجدِ
ولم نقفْ في الصعودِ على شفيرِ الهاوية...
فنحنُ نمضي بكلِّ إرثِنا
كي نشحذَ التعاليمَ بالعنادِ المهذّبِ،
لن نخشى القنصَ إذا تمادى على الترف،
فنحنُ نحلمُ بفضاءٍ أوسعَ من معارجِ الوحي،
لسوف ندافعُ عن ألواحنا التي كتبناها في حقبةِ العصف،
ندافعُ عن أخطائِنا أيضاً وبلا ندمٍ،
هكذا نحنُ لا ننيخُ تحت أحمالِنا،
لا نتخبّطُ في العراكِ حينما يكون زجراً
بل ندخلُ إلى الحلباتِ بكلِّ شكيمةٍ،
لذلك ترانا نوزّع أوهامَنا كالفاكهةِ في الساحات،
ترانا مثل السيلِ اللاهثِ
أو مثل الوعولِ حين تركضُ مُسرعةً نحو الهضاب،
كالقلوبِ الجريحةِ التي تذرفُ النصوصَ بعد الحنين،
فقد تعلّمنا منكَ كيف نكبحُ الغضبَ،
لكنّنا نمسكُ المقابضَ بكلِّ حزمٍ
حتّى يتفصّد الحديدُ على الحديد.
فيا أيُّها البلدُ السخيُّ خذنا إلى نفائسِ الوقتِ
لندرّبَ أحوالنَا على الفرح،
دعنا نترك العصيانَ ولو مرّةً
عسى أن ترتفعَ أعلامُنا وسط هذا الفراغ،
نحنُ انتدبنا ليقظةِ الانساقِ في المجهول،
نريدكَ الأوّل في الرّايات،
نريدكَ واضحاً في ترتيبِ الطقوس،
نريدك أبعدَ من المساراتِ وخلف المدى الأرحب
حتّى نُعيدكَ مرّةً أخرى إلى مدارِ فكرتِنا،
فلا فكاكَ من حلمِنا الذي ظلّلنا بثرياتٍ من القصدير،
فمذ تعلّمنا كيف نحملُ الفجرَ برقّةٍ
ونحنُ ننتظرُ العلامةَ في الأُفق،
لم نفزعْ من الصوتِ الخلبِ بل
تشابكتْ علينا الطرقاتُ بعد نضوجِ التجربة،
وإذا نادينا – أيّتها البلادُ – تراكضنا على عجلٍ،
فهذي قمصانُنا لم تجفْ بعد على رغمٍ من النكبات،
لذلك جئنا نوقظ الخلقَ من هذا السُّبات،
نعدّ أنفسنا لجولةٍ في ممرّاتِ الفتحِ الباسلِ،
لسوف نخوضُ البطولاتِ حتّى مطلعَ الأخبارِ في الصحف،
هكذا نحنُ عندما نروّضُ الجهات بلمسةٍ من أنامِلنا
نرسمُ لوحةً للبراعمِ بين سلسلةٍ من الصقيع،
ندوّنُ فوق المرتفعاتِ معنى الفحولةِ بكلِّ العناوين.
فيا أيُّها البلدُ الذي يؤرّخُ لدمِنا المُراقِ
على دكّةِ العشقِ عن قصدٍ،
يا أيُّها الرهيفُ بكلِّ ما يحملُ المرتجى من الذهول،
خذنا إلى الفراديسِ التي رسمناها بإصرارٍ أكيد،
خذنا إلى تلك الحوادثِ التي ملأناها من ذروةِ النزف،
فقد تركنا أكداساً من الأماني على الطريقِ
ثمّ رمينا أعمارَنا على مقصلةِ الوقت،
وها نحنُ نصطفُّ أمام المصدّاتِ لكي نؤدّي النشيدَ،
فقد بلغنا شروطَ النضجِ بعد آفةٍ من الأهوال،
فمَنْ غيركَ يلملمُ هذا الحطامَ؟
ليكن خلاصنا فيكَ من هذا السفر الطويل،
دعنا نشرب نخبكَ أيُّها البلدُ قطرة قطرة
ولا نصحو حتّى تهبطَ علينا الملائكةُ،
حيثُ يرقدُ الجمالُ كلّهُ بحضنِ الطبيعةِ هادئاً
ونحنُ ننام أيضاً على فروةِ ذلك العشب،
فما مِن رائحةٍ أزكى من رائحةِ الأرضِ
إذ تفتحُ مغاليقها لخيوطِ الشمسِ في أوّلِ الصبح.