اخر الاخبار

الآن أيها المسافر.. الحاجة التي لا توصف والتي لم تُمنح قط من الحياة والأرض.. الآن أيها المسافر أبحر لتبحث وتجد بهذه الروح التي بثها والت ويتمان في ديوانه "أوراق العشب" يمكن الاقتراب من العالم الداخلي للفنان جوزيف كورنيل ذلك العالم الذي لم يتشكل عبر السفر بقدر ما تشكل عبر الحلم. في مذكراته يلتقط جوزيف كورنيل لحظة عابرة لكنها مشحونة بالدلالة حين يرى مارلين ديتريش في الشارع خارج إطار الشاشة لحظة عادية ظاهريًا لكنها تتحول في داخله إلى طاقة تخييلية تعود لتنبض في أعماله لاحقًا حيث تتداخل الصورة مع الذاكرة ويتحول العابر إلى أثر دائم. لم يكن كورنيل مجرد فنان بل كان صانع عوالم خفية يرى نفسه مسافرًا من وراء كرسيه قريبًا في ذلك من شارل بودلير حيث تتجسد الرغبة في السفر دون مغادرة والحب دون تحقق.

 لقد عاش في نيويورك لكنه عبر الكون بخياله وجمع من متاجر الخردة عناصر مهملة ليعيد تشكيلها داخل صناديق صغيرة تبدو محدودة لكنها تنفتح على اتساع لا نهائي من المعاني. تتجاور في هذه الصناديق مفردات متباينة من هوليوود ونجومها إلى راقصات الباليه والطيور والفنادق وعناصر من عصر النهضة لتشكل معًا كونًا بصريًا يقوم على التوازي بين الحلم والذاكرة بين الواقع والاحتمال حيث يتحول الشيء العادي إلى حامل لدهشة غير متوقعة. في هذا السياق يمكن قراءة تجربة جوزيف كورنيل بوصفها صدى عميقًا لأفكار والت ويتمان حول الرغبة الدفينة تلك الرغبة التي لا تجد تحققها الكامل داخل شروط الحياة لكنها تستمر في التوهج بوصفها دافعًا داخليًا نحو الاكتشاف ويتقاطع هذا المعنى مع فيلم Now Voyager الذي جسدته بيت ديفيس حيث يتحقق الحب بوصفه إمكانية ناقصة لكنه يظل محتفظًا بعمقه الإنساني. هنا لا تكون السريالية هروبًا من الواقع بل إعادة تشكيل له عبر تصادم الحقائق داخل فضاء تخييلي مكثف حيث تتجاور العناصر دون أن تفقد خصوصيتها بل تكتسب دلالات جديدة عبر هذا التلاقي لقد استخدم كورنيل مواد بسيطة لكنه منحها بعدًا زمنيًا وروحيًا جعلها قادرة على الاستمرار في التأثير متجاوزة لحظة إنتاجها. إن صناديقه ليست مجرد أعمال فنية بل هي عوالم مصغرة تحتضن فكرة الكون ذاته.. الداخل فيها أوسع من الخارج والزمن فيها متداخل والذاكرة فيها حية تتحرك بين الأشياء وكأنها تنبض من جديد، لذلك تبقى تجربته مفتوحة على التأويل لأنها لا تقدم معنى واحدًا بل تتيح للمتلقي أن يعيد اكتشاف ذاته داخلها.

بهذا المعنى يمكن القول إن جوزيف كورنيل لم يكن يوثق العالم بل كان يعيد اختراعه ولم يكن يسافر في الجغرافيا بل في الداخل، ولم يكن يبحث عن الحب في الواقع بل يصوغه في الخيال لذلك تبدو أعماله حتى اليوم وكأنها دعوة خفية للعبور نحو ما لم يتحقق بعد.. نحو تلك الرغبة التي أشار إليها والت ويتمان بوصفها الطريق الأصدق إلى المعنى.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

* ناقدة وفنانة تشكيلية