اخر الاخبار

لا تنزلق قراءة قصيدة مظفر النواب "الوقوف بين السماوات ورأس الحسين" إلى فخ التأريخ الشعري لمعركة الطف، إذ يتجاوز الشاعر العراقي رثاء المصاب إلى إعادة إنتاج الواقعة كرمز مركزي في الوعي الإنساني المعاصر، ذلك أن كربلاء في منظومته ليست حدثًا تاريخيًا منقضيًا بقدر ما هي لحظة كونية تتكرر بآليات مختلفة كلما استحكم الجور وغابت المساءلة. يتشكل النص بوصفه موقفًا شعريًا يقوم على التوتر الخلاق بين الرمزية الدينية والهم الوطني، بين القداسة التراجيدية والوعي السياسي، بحيث يتحول الضريح من بقعة جغرافية إلى فضاء قياسي تُعرض عليه وقائع التاريخ، ويصبح الرأس المرفوع على الرماح مفارقة بصرية تختزل انتصار الفكرة على فنائه الجسدي. تحضر السماوات في العنوان بوصفها متعالياً ميتافيزيقياً يحاصر هشاشة الجسد البشري المقطوع، ويخلق مسافة شعرية موتره يجهد فيها الشاعر وعيه بين النور الإلهي الذي يفيض من المشهد والظلام الدموي الذي يغمر تفاصيله الأرضية، حيث يذكرنا هذا المشهد بمكان الذبح الموجود في مرقد الإمام الحسين (ع) حيث يقشعر البدن حزناً ويصاب المرء بالذهول! ولماذا الذهول ألست الحسين ابن علي وفاطمة لماذا الذهول؟ ومن هذه الصور الرمزية تولد قصيدة لا تغادر الفجيعة ولكنها تكتب سؤال وجودي يرسم معالم الإنسان في مواجهة الطغيان.

تستند القصيدة إلى رؤية حقيقية تجعل من الحسين بن علي ع رمزاً للحق، حيث يقدمه النواب بصفته الكائن الأخلاقي النموذجي الذي يتجسد فيه عراقة النبوة وعنفوان المواجهة، وهذا التقديم يبعد النص عن الرثاء التقليدي ويدفعه نحو استدعاء الحسين كمعيار كوني تقاس به انكسارات الحاضر، فالتراب الذي رقد عليه الشهيد، يتحول في لغة القصيدة إلى مادة شبه قدسية تحتفظ بوشيجة الوجود الرسالي، والماء المسلوب عن الخيام ليس تفصيلاً تاريخياً بقدر ما هو استعارة الجوع الإنساني إلى العدل في زمن السقوط السياسي  والأخلاقي. يضمر النواب في صياغته الفنية انتقالاً مدهشاً من المشهد الجزئي إلى الكل التاريخي، فهو لا يبكي دمعة عابرة على مصرع حمزة أو علي الأكبر، بل يستنطق الرمل والبيداء ليسمعها أسئلة عن سبب تمكن السيف من قطع هامة تحمل مشروعاً قيمياً، وجوابه الضمني يكمن في ماهية السلطة التي لا ترى في الجسد الفردي إلا عقبة تُزال، حتى يتكالبون عليه، ولكن سر المفارقة عند النواب هو أن الرأس المرفوع على القنا يصبح أكثر حضوراً بعد القطع، لأنه تحول من عضو بيولوجي إلى أيقونة ثابتة في التخييل الجماعي، حتى توارثته الأجيال، وهنا يتشكل العمق الفلسفي للقصيدة إذ تطرح معضلة النصر والهزيمة بمعزل عن النتائج الميدانية، فالحسين في لحظة وقوفه وحيدة يكتب انتصاره الأبدي بمداد الإرادة، بينما يظل الظافرون محكومين بالسقوط في ثقب النسيان التاريخي ما لم يمتلكوا مشروعاً مماثلاً يربطهم بجوهر العدالة الإنسانية.

يفتتح النواب نصه بمناخ ضوئي مكثف يوحي بأن المكان الطفّي منغمس في نورانية سرمدية، وهذه الإحالة البصرية ليست محض زخرف بل وسيلة لخلق تنافر درامي مع المتن التاريخي الفاجع، لأن الضوء هنا لا ينفي الظلمة بل يكشف حدودها، فهو نور كربلائي خاص تنشقه الذاكرة العراقية كحضور ملائكي يضفي على الموت معنى التضحية الكبرى، وإذ يقف الشاعر بين هذا النور السماوي ورأس الحسين الأرضي فإنه يمارس وقوفاً فوقياً يشبه الوقوف بين الشهادة والمشاهدة، فلا هو مشارك في الفعل التاريخي، ولا هو متفرج حيادي، بل يصبح مؤرخاً للوجدان يعيد تشكيل النص بأحقية متأثراً بحمولاته الأيديولوجية بما ينسجم مع هموم العراق المعاصرة. ذلك الوطن الذي يكتنز في جعبته أكثر من واقعة كربلائية يستمد منها النواب شرعية احتجاجه على الأوضاع المأساوية في عصره، فالعراق في القصيدة ليس مجرد مسرح جغرافي يضم مرقد الحسين، بل ذات ممتدة من الألم والنهوض، تحمل جينات الصمود ذاتها التي ميزت موقف الحسين يوم الطف، وكأن النواب يكتب تاريخ العراق المعاصر بلغة الطفولة السومرية والبطولة الحسينية معاً، فينتج خطاباً يربط الموقف التاريخي بالرهان الإنساني دون إسقاطات  تحول النص إلى منشور سياسي مبتذل، بل يظل الأداء الشعري محتفظاً بتشكيله الاستعاري المتقن الذي يجعل من الحدث الكربلائي فسحة لمساءلة الواقع لا منصة للخطابة الجوفاء.

لا تغفل القصيدة البعد الآخر في ثنائية المشهد، وهو استدعاء يزيد بن معاوية كمركز للاستبداد المؤسساتي، لكن النواب يعيد تكوين هذه الشخصية بوصفها وظيفة لا فرداً، أي أنها تمثل أي سلطة تفصل بين الجسد ومبادئه، وهي سلطة تخلق فراغاً جيوسياسياً يمتص فيه صوت الحق ولا يبقى سوى صوت السيف والنار، ومع ذلك فالذكاء الشعري عند النواب يجعله لا يقدّم هذا الطرف في صورة وحشية أسطورية، بل يجعل منه نتاجاً لمشروع سياسي يعجز في النهاية عن إلغاء المشروع الحسيني، لأن الأخير لا يقوم على آليات القمع ذاتها بقدر ما يقوم على الاستشهاد المفتوح الذي يظل مفتوحاً على الاحتمالات في كل زمن، وهنا تصبح قصيدة النواب وثيقة انثروبولوجية تسجل كيف تتحول الواقعة الدينية إلى رصيد جمالي وأخلاقي في ثقافة المقاومة، دون أن تفقد هويتها التاريخية أو تتوارى خلف مسحة من العاطفة المفرطة. ينتقل الشاعر بين مقامات عدة في بنية النص، فتارة يكتب بحميمية المتأمل الذي يتلمس خشبة الضريح، وتارة بلوعة الثائر الذي يرى في رمل كربلاء انعكاساً لدماء عصره، وتارة بروح المأساة اليونانية إذ يقيم الحوار الضمني مع القدر، وهذا التنقل الإيقاعي يمنح القصيدة أفقاً معرفياً يتجاوز حدود الزيارة التعبدية إلى أبعاد إبداعية تجعل القارئ شريكاً في توليد المعنى.

يمتلك النواب حساً درامياً رفيعاً في معالجة الصور، فهو لا يقدم لنا رأس الحسين كوحشية مشهدية حسب، بل كاستفهام بلاغي يظل معلقاً على بوابة الدهر، يتساءل من خلاله عن قدرة الجسد الفاني على احتضان فكرة خالدة، ولا يكتفي بتصوير العطش الجسدي بل يحوله إلى مقولب نصي يرسم حدود التوتر بين المادة والروح، وعبر هذه المعالجة الشعرية يتحقق الانتقال السلس من الخاص إلى العام، فلا تبقى القصيدة حبيسة تفاصيل يوم عاشوراء، وإنما تصبح عدسة نقدية للحظة العربية المعاصرة بكل إخفاقاتها وانكساراتها، فالبيت الشعري عند النواب يحمل تعاقداً سرياً مع قارئه مؤداه أن كل هرولة نحو السلطة ستقابل بثبات الحسين في جدار الذاكرة، وأن كل سيف يظن أنه يقطع رأساً إنما يكتب خلوداً لمن ضحى، ولهذا نجد قصيدة الوقوف بين السماوات ورأس الحسين تحافظ على قوتها الجمالية رغم مرور عقود على كتابتها، لأنها استطاعت أن تؤصل الحدث في وعي كوني لا يتبدل بتبدل الحكام ولا يختفي باختفاء الصراعات المباشرة. تتيح لنا هذه القراءة أن نلمس في عمل النواب مشروعاً تنويرياً غائياً يعيد صياغة التراث بوصفه طاقة مضادة لليأس، ويحوّل المأساة الكربلائية إلى بطاقة هوية للروح العراقية المكلومة والقادرة على الخروج من رماد المحن كلون جديد من ألوان النهضات الممكنة، وهكذا تغدو القصيدة ضرباً من الكتابة الملحمية التي لا تعرف السكون، حيث يقف الشاعر أبداً بين السماء والأرض يستنطق الرأس المرفوع بماضيه ويستشرف به مستقبله، صانعاً من هذا الموقف مشهداً استعارياً مفتوحاً على كل القراءات، باسطاً بين يدي التاريخ والأدب جسراً وثيقاً لا ينهار أمام رياح النسيان.