ينطلق العرض المسرحي من انموذج فكري متغلغل في ثنايا الشكل المسرحي ، يقوده ويحدد مساره ، فلا عشوائية في عمله ولا اعتباطية ، بل انضباط جمالي متوازن بين الشكل والانموذج الفكري او ما يعرف بـ "البراديم" المسرحي.
ولان هذا الانموذج ضروري لإيجاد تنوع المعروض المسرحي في سوق التلقي ، لذا نجد من الضرورة ان يتنبى المخرج والعاملين معه فهماً عميقاً ودقيقاً لهذا الأنموذج الفكري الذي يتبناه المخرج ، بغية تحقق الوصول الى شكل مسرحي يمثل معالجة يسيرة التكوين عميقة الدلالة ، واذ نتصفح المدونات الفكرية السابقة التي كانت بمثابة خارطة طريق فكرية وانمودخ يمثل اساس الانطلاق نحو المعالجة المسرحية ، نتبين ان ما نعرفه من كتاب "فن الشعر" لارسطو ، انعكس على النتاج المسرحي مستقبلا ، من حيث الزمن والمكان؛ كيف تكون العلاقات متحققة بمنطق السببية كيف بمكن للشكل ان يكون قابلاً للإدراك والفهم ؟ فلا هو بالطويل المترهل العصي على الاستيعاب، ولا هو بالقصير الذي يفتقر الاشباع الكافي لإيمان التلقي وتفاعله ! لقد استمر تأثير هذا الانموذج الفكري الارسطي لقرون على الرغم من تعدد الاساليب والمذاهب ، حتى جاء انموذج فكري ثوري عكس انموذج ارسطو. يذكرنا بمعاكسة ماركس لهيجل في نموذجه الفكري المتمثل بالجدل! هذا الشاب الثوري المعاكس ، هو (( برتولت برشت )) الذي بدأ بمخالفة مبدأ التطهير العاطفي او التخلص من الشفقة والخوف ، واستبدله بالتطهير الفكري الذي ينطلق من فكرة لا يوجد ايمان كامل ، بل جدل مستمر وحوار مع الحقائق الاولية والبديهيات وصولاً الى حقائق الوجود الكبرى! فالزمن مفتوح والامكنة متعددة والتغريب متحقق من خلال فرضية التأجيل والمغايرة ، نحن نؤجل فهمنا الجاهز، وندخل في تجربة مغايرة لفهمنا ، فيتحقق الجدل الفكري الداخلي، حتى نصل الى قناعات واجابات جديدة ، مثل ما تحقق في مسرحية ( دائرة الطباشير القوقازية ) لبريشت وذاك الصراع بين الام البايلوجية والمربية ، في مسألة لمن بقاء ورعاية الابن للام الذي تركته ام المربية التي احتضنته وكبرته حتى اصبح شاباً؟
هنا ينتقل السؤال الى الجمهور بواسطة الاتصال المباشر مع الجمهور، ما رأيكم ؟ ولمن ستكون الرعاية والحضانة للام البايلوجية ام للمربية ؟ تأتي الاجابات من الجمهور ، هذا النزول الى الجمهور ، عد في حينها ثورة على الانموذج الفكري للمسرح الايهامي الذي من مبادئه ذلك البردايم الارسطي او الانمرذج الفكري الذي حققه في كتاب "فن الشعر". كسر الجدار الرابع ، ليس بالامر الهين ، بل تطلب شجاعة فكرية اولاً واستعداداً لتحطيم ذلك الجدار الفاصل بين بيئة العرض وبين الجمهور .
هكذا مضى (( برشت )) نحو كسر وتحطيم الانموذج الفكري الارسطي الذي عاش قروناً !
يأتي حكم القاضي متناغما مع من رجح بقاء الابن مع الام المربية ، فقد اعلنت المسرحية المقولة الفكرية المتحكمة بالعرض المسرحي ان (الابن لمن يربيه ، والارض لمن يزرعها).
بين الانموذجين الارسطي والبريشتي نجد (الانموذج الفكري) لانطوان ارتو، الذي سعى قدر الامكان الى تجريد العرض المسرحي من الحوار ، واكتفى بأصل النص الدرامي والجانب البنائي او الخطوط الراسمة للحدث من دون اللجوء الى المبنى الحواري ، هذا الاتجاه في الفهم الفكري للعرض المسرحي اوجد انموذجاً جديداً في ايجاد الشكل المسرحي معتمداً على طاقات الجسد التعبيرية المتناغم مع الموسيقى تلك الروح الجامعة للعرض ، وكأن العرض المسرحي الذي سعى اليه انطوان آرتو اشبه باحتفال طقوسي للحركة والصوت والروائح ، هكذا ظهر الفهم الحر القائم على طاقة التأويل الحر، في ايجاد معالجات اخراجية مغايرة تستند على التجريب وتختبر هذا المصنوع الجديد في سوق التلقي المسرحي .
ان النماذج الفكرية الثلاث الرئيسة ، اوجدت رؤى ونماذج فرعية معاصرة حاولت تقديم فهم جديد للعرض المسرحي ، مثل تنتظيرات كروتوفيسكي وبيتر بروك ويوجينو باربا ، اسهمت في ايجاد عروض مسرحية ، تنوعت في رؤاها ومعالجاتها ، تنافست وحققت تأثيراً ملحوظاً في عروض المسرح المعاصر ، ليبق (الانموذج الفكري) في جدل دائم مع الرؤى الاخراجية محققاً تنوعاً في المنتوج الفني الجمالي.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
*استاذ المسرح في كلية الفنون الجميلة- بغداد