اخر الاخبار

مع فشل ثورات الربيع العربي بدا فشل "المثقف العربي" أكثر تعبيرا عن فشله الوجودي، وعن هروبه من الواقع الى الوهم، وربما اندفاعه للدخول في مساومات سياسية مع الأنظمة الحاكمة، ومع مؤسساتها، عير خيمة "العمل الصحافي" أو خيمة الجوائز والمسابقات ولجان التحكيم، وهي خيارات أو اغواءات تدخل في حدود ما هو أخلاقي، وليس ما هو ثقافي، إذ كشف تلك الثورات الغرائبية عن أزمات عميقة، وعن فشل عمومي، دفع البعض الى النكوص، والى الغربة واليأسي، مثلما دفع بعضٌ آخر الى ما يشبه "المازوخيا" عبر تعذيب الذات، ودفعها عنة الى مطابخ لا تطبخ سوى الحصى..

الحديث عن المثقف الحقيقي والمثقف الزائف، وحتى المثقف الفاشل لا يعني توصيفا موضوعيا، ولا دقيقا بالتوصيف النقدي، لأن هوية المثقف أو غيره لها علاقة بوجوده ومنجزه وأثره، وبفاعليته في تمثيل مسؤولياته ومواقفه، وفي أن يكون فاعلا في صناعة الأسئلة الكبرى التي تلامس قضايا المجتمع، وفي تأطير وجوده النقدي إزاء التاريخ والسلطة والمجتمع، بعيدا عن لعبة الأوهام التي سرعان ما تغيب مع غياب المثقف ذاته..

فشل الثورات هو فشل القوى الرجعية التي استغلت ازمة الواقع العربي، ومحنة السلطة العربية، والعنف الاجتماعي والطائفي، مثلما هو فشل الأنظمة السياسية العاجزة عن اجراء أي تغيير حقيقي في واقعها الاجتماعي والاقتصادي والثقافي، مما جعلها بؤرا للفساد والخراب والرجعية، واستشراء امراض الاستبداد والطفيلية والشعبوية، وصعود الاصوليات، ومظاهر التطرف الديني والاجتماعي، فضلا عن علاقة ذلك ب"الرعب الدولي" بأنموجه الليبرالي الجديد الذي كرس سياسات العنف، والاحتلال، وتغذية مظاهر الاستبداد السياسي، وافقار الشعوب عبر الهيمنة، وعبر توريط الحكومات بمديونيات ضاغطة، جعلها أسيرة إرادة "البنوك الدولية" والسياسات الامبريالية..

ما تمخض من فشل ثقافي بدا أكثر وضوحا في تمثيل صورة "المثقف الخائف" و"المثقف اليائس" وهي صور ليست بعيدة عن علاقة المثقف بالسلطة، ومدى تمثيله للوعي بسؤال الحرية والعدالة، فهذه العلاقات تحولت تحت الضغط والاكراه الى رهانات على إعادة انتاج المثقف العاطل عن النقد، المثقف الذي يمكن تدجينه، واشباعه بإفراط النسيان والمتعة، وبالصور الاستعراضية في وسائل الإعلام، وعبر منابر المهرجانات والمؤتمرات التي لا تناقش الأزمة، بل تناقش التاريخ العالق بذاكرة المتحف، وليس بالشارع.

عودة المثقف "نصف الثوري" الى المتحف هو خيار الحكومات العربية، حيث يتم احتواءه، عبر سياسات غلق الشارع، وإعادة صياغة الرأي العام ليكون بعيدا عن وعي الثورة، وعن حساسية التغيير، وفاعلية الأسئلة، وكذلك بعيدا عن قضايا الفكر الجوهرية، وعن مدى فاعليتها في اثراء الوعي النقدي، وفي تمثيل مسؤولية الانتلجنسيا العربية، على مستوى حاجتها للتمثيل الستراتيجي، في مواجهة التحديات، أو في تسويغ الحاجة الى التغيير، والى صياغة رؤى جديدة، تتلمس الحاجة الحقيقية الى ربط الثقافة ب"التنمية" والى إعادة هندسة أنموذج "المثقف العضوي" ليس بصيغته النمطية، بل باجراءاته في تمثيل تلك النخب الثقافية، وفي تعزيز فاعليتها في المواجهة،  وفي تحريك وعي "الشارع العربي" ليكون منطلقا لحرك اجتماعي وسياسي، يتسع للنضال الثقافي، وتبني الحراك الديمقراطي والحقوقي، من منطلق أهميته في الدفاع عن قيم العدالة والحرية والحقوق، وفي مواجهة مظاهر الاستبداد والقمع والكراهية والإرهاب والفاشية الجديدة، وباتجاه يُسهم في مواجهة الانتهاكات السياسية، والقمع الثقافي والهوياتي، وحتى في مواجهة تجريد بعض المثقفين من حقوقهم الإنسانية والاجتماعية، لأن ما تبدى واضحا بعد فشل "حركات الربيع العربي" هو الزيف السياسي، ومظاهر المراثي الثقافية، قبالة صعود ثقافات "القطيع" التي تحولت الى مأزق وجودي وانساني، والى قوى رجعية تعمد الى قهر أي تطلع للتغيير..