هذا الكتاب النحيف (130 صفحة) من قصص الكاتب الهندي (راڤي شنكار إيتيث) ينجز لنا ما وعدنا عنوانه، فهو فعلا مجموعة التفاتات الى الماضي مفعمة بالحنين يحفر المؤلف بها عميقا في مخبأ ذكرياته، وينقب بحثا عن كل ما يأسر الوجدان والعاطفة. يأخذنا الى مدينة صغيرة جنوب مالابار ثم ينتقل الى مدن أكبر نلتقي فيها بثلة من الشخصيات ونراقبها وهي تنهض، وتنجح، وتسقط، ثم تنهض من جديد، وأحيانا، تبقى صريعة.
نقرأ قصة تدور في مدينة كيرالا عن جد المؤلف الذي قاد كتيبة من شرطة مالابار الخاصة مكلفة بإخماد تمرد موبلاه (حدث التمرد سنة 1921 ولكنه انتهى بعنف جماعي بين الهندوس والمسلمين)، وعن كلبه فانك. ونقرأ عن راماسوامي، الرجل الذي عرف كيف ينقذ عجلا وليدا خرج من جهة قائمتيه الخلفيتين، ويعرف كيف يقرأ ما في السماء بالنظر الى النجوم، واتضح أخيرا أن له ماضيا مثيرا للدهشة. نلتقي كاره الأطفال الضالع في الكذب الذي يدعي أن "صديقته القديمة" آني بيسانت (ناشطة بريطانية) شرعت مرة في خطاب لكنها صمتت لأنها نسيت كيف تتكلم بالإنكليزية. نرى شجرة يسوع تلتقي بالدخان الأبيض الساحر الذي خلب لب زوجة الإرسالي البريطاني، كما نرى جدة المؤلف التي سمعت القطيع ينوح من داخل التلة، ونصادف رجلا ثائرا من أفراد العائلة كسر التابو الذي يحرم أن لا يذهب أي فرد من الطبقات الدنيا الى أي مكان قرب المعابد، ونرى سَلَفاً آخر أرعب رأسه المقطوع السكان المحليين. هنالك إشارة الى عم إيتيث الروائي أو. ﭪ. ڤيجايان وعلاقته بخاساك. ندرك مما سبق أن ما نقرأه ليس خيالا قصصيا ولا واقعا سِيَريا بل عالما بين الإثنين يضيف فيه إيتيث طبقة من الأسطورة دون أن يمكننا الجزم، ﻓـ(خاساك) هو الاطار الملحمي لرواية أو. ﭪ. ڤيجايان الخالدة، وينحدر إيتيث من نفس الاصول غير أنه يذكرها إشارةً ضمنية، هي كذلك إشارة الى المادة التي ينهل منها. نرى في القصة الأولى كلب جده فانك يتسلل الى تحت المنضدة الجراحية حيث تجرى عملية جراحية له وفيما بعد ينقذه من عملية اغتيال ولكن الكلب نفسه يُقتل طعنا بالسكاكين. إنها قصة نشأ معها المؤلف جعلته راغبا بأن يكون له كلبه الخاص، وذات يوم وهو يتمشى، تنقذه كلبته من الدهس بسيارة بينما أصيبت هي، وعندما حلق الطبيب البيطري الشعر من مكان ليجري لها عملية رأوا على جسدها " أثر جرح أسود طويل أثر ضربة سكين". يكتب إيتيث قائلا " غالبا ما أتساءل متعجبا هل عاد فانك لإنقاذي من الموت المتوحد على رصيف مضاء بضوء القمر"، وماتت كلبته أيضا.
يحكي لنا في قصة أخرى عن الصندوق الذي كان لدى جده وجارهما ويعود لجندي من جنودهما، سيخي، قاتل معهما في معركة العلمين. حافظا على الصندوق أمانة عندهما، ولكنه لم يعد ليسترده. طلب الجار من الكاتب، الصبي آنذاك، أن يدفنه تحت شجرة، ففعل بمساعدة صديقه راغو. رجع بعد عقود وهو راغب في معرفة إن كان الصندوق لا يزال هناك. حاول راغو أن يثنيه ولكنه ألح، وعندما استخرجه وجده فارغا فقد سرق راغو ما فيه. لا أحد يلام على هذا غير الزمن.
بعض القصص، وهي تلفها مسحة من الكآبة بالقدر الكافي لتؤثر في القارئ ولكنها لا تودي به الى الحزن، تكشف لنا براعة الكاتب المحترف مع الكلمات. الجمل مفعمة بالنزوة، بأفكار تتفجر مثل الألعاب النارية في ڤيشو (عيد السنة الجديدة في كارالا)، وحقول الرز الغارقة وهي تلتمع ذهبية بشمس المساء المتأخر، والسماوات تغير لونها الى مغنيسيوم مصهور، وقرية لاندور( قرية على الطراز البريطاني من الفترة الكولونالية) وهي تغفو في ظل أشجار الديودار دائمة الخضرة، والمساكين عبدة الإله شيڤا الذي لا يستطيع أن يقدم لهم مع ذلك سوى المباركة. ونظرا لميل المؤلف الى السحري توجد قصص عن البيوت المسكونة، والسحرة المتحولين، وكذلك الالتقاءات والفراقات، والناس الذين يبقيهم منفصلين حزن العلم ولا مبالاة الجهل.
إن التداعيات في ذهن القارئ مكملات جميلة للقصص تسبغ عليها لمسات مثيرة للذكريات والعواطف. مثال على هذا الصورة المرافقة للعنوان: المرأة جالسة باستقامة في مقعد الراكب في السيارة، عيناها الواسعتان مليئتان بالظلال، سكونها نفسه يحكي لنا قصة قائمة بذاتها. هل هي هاربة من شيء ما؟ أم هي ذاهبة لتقابل آخَرها المعني؟ هذا متروك للقارئ ليقرره، أو يتخيله، أو يختلقه.
الحب والفقدان والندم
يصدمنا المؤلف بالحب والفقدان والندم بدءاً من المقدمة حيث يتحدث عن فقدانه لأمه بعد معركة طويلة " مع نقل الدم، وأكياس البلازما والتضرعات للآلهة والأطباء". ثم يخبرنا كيف مات أبوه بعيدا في كيرالا عندما سد الوباء الطرقات ولم يستطع إيتيث الذهاب لحضور حرق جثته بوصفه الإبن الأكبر. يقول سيبقى ذلك الأسف مرافقا له دائما. يتبع هذا بتصريح مرير بأنه ودع الزوجة والأطفال والعشيقات والشركاء والمدللين موضحا بأن ما يجب أن يذهب يذهب. نراقبه في موضع آخر يودع جدةً حبيبةً ذهبت لتقابل غاندي حاملة له خططا وضعتها هي، وكان يوما غاية في الأهمية.
يقول لا يمكنك أن تعالج الحزن بل أن تعيشه بيومه حتى يفقد الفراغ حدته ويصبح جزء من كل شيء تفعله، وفي قصة درسدن يظهر له شيء غريب، شبح أو هذيان، يخبره بأن لديه هدوء شخص قال جميع ما لديه من الوداعات. أما الفكاهة فهي غالبا كئيبة حيثما ظهرت. إن ما يبقى مع القارئ في النهاية تأكيد مهيب على الأشياء التي تهم حقا: الصداقات الوثيقة، الحب والولاء، الكثير من الضحك، قليل من الدموع لذرفها، وقليل منها لكتمانها، وبعض الانفعالات ليُفلت لها العنان.... كل الذي يعني ممارسة الحياة.
إن راڤي شنكار إيتيث، لمن لا يعلم، ذو مواهب عديدة، فهو كاتب ومحرر ومصمم تصويري ورسام كاريكاتير سياسي وقضى في مهنته هذه سنوات كثيرة في عدد من كبريات وسائل الإعلام في البلد يكتب فيها عن مشهدنا السياسي والاجتماعي دائما. من كتبه روايات (قرية الأرامل) و(النمر عند النهر) و(ذهبُ ندمِهم) و(كتاب شيڤا) وهذه المجموعة القصصية الصادرة حديثا.
المصدر:
Open magazineالمجلة الهندية