لا يليق بمؤسسة صاغت وعي الدولة العراقية، وحملت أسماء صنعت مجدها- من أمثال الشيخ محمد رضا الشبيبي، ومحمد فاضل الجمالي، والدكتور هاشم الوتري، والعلامة مصطفى جواد، وغيرهم من الأعلام- أن تتحول إلى ساحة تثقلها ملاحظات الجهات الرقابية. لكن حين تتكلم تقارير هيأة النزاهة الاتحادية وديوان الرقابة المالية الاتحادي، يسقط وهم الهيبة المصونة، وتنكشف الفجوة بين إرث يليق بالصدارة وواقع يرزح تحت اختلالات لا تبرر.
لسنا هنا أمام زلة عابرة، بل أمام تآكل مؤسسي كشفت ملامحه وثائق الدولة نفسها، إذ صنف تقرير دائرة شؤون مجلس الوزراء واللجان أداء المجمع لعام (2024) عند مستوى الـ (ضعيف)، وهي شهادة رسمية لا يكتبها خصوم المؤسسة، بل مؤسساتها الرقابية والإدارية. وكان الأجدر أن يستقبل هذا التقييم بوصفه جرس إنذار يدعو إلى مراجعة شاملة، غير أن إدارة المجمع مضت في النهج ذاته، حتى اتسعت فجوة الأداء وتعاظمت مؤشرات ضعف الشفافية، على وفق تقييمات ديوان الرقابة المالية.
لقد أشارت تقارير الجهات الرقابية عن المجمع في أكثر من مناسبة، إلى اختلالات إدارية ومالية خطرة جداً، وإجرائية تستدعي المعالجة؛ من ضعف في الانضباط المؤسسي، إلى غياب آليات شفافة في مفاصل القرار. لكن الأخطر من كل ذلك هو ما يحدث بعد التقرير.. هل تتحول الملاحظات إلى إصلاحات؟ أم تدفن في الأدراج، لتعود بصيغة أخرى في تقرير لاحق؟ هنا تتحدد قيمة الرقابة، ليست في كتابة التقارير، بل في قدرتها على فرض الأثر.
غير أن أخطر ما كشفت عنه التقارير الرقابية لم يكن حجم الأموال بقدر ما كان ضياع الشفافية في إدارتها؛ فهنا تغادر التقارير دائرة الملاحظات الإدارية، لتفتح أخطر ملفات المجمع: ملف الهبات والأموال التي أحاط بها الغموض، حتى غدا السؤال عن مصيرها أشد وقعاً من السؤال عن قيمتها. فقد سجلت التقارير، بعبارة لا تحتمل التأويل، أنها لم تتأكد (ما يؤيد صحة إجمالي المبالغ المستلمة)، على الرغم من أن تلك الهبات قدمت من مؤسسة حكومية ومؤسسات دينية وجهات أخرى لدعم المؤتمرات والأنشطة العلمية في المجمع. وحين تعجز السجلات عن إثبات مقدار الأموال المستلمة وأوجه التصرف بها، فإن القضية لا تعود مجرد خلل إداري، بل أزمة شفافية تمس جوهر الإدارة ومبدأ المساءلة.
ولم تقف الملاحظات الرقابية عند ملف الهبات، بل امتدت إلى أموال الموازنة العامة، حيث رصدت التقارير مظاهر هدر مالي ومخالفات في أوجه الصرف، إلى جانب خروقاتٍ إدارية طالت بنية المجمع وهيكله التنظيمي، بما يكشف أن الإشكال لم يكن هفوة عابرة، بل خللاً متجذراً في منظومة اتخاذ القرار. وقد بلغ الأمر من الخطورة حداً استدعى تشكيل لجنةٍ رقابية عليا بأمر من مجلس الوزراء، ضمت ممثلين عن جهات رقابية مركزية (مهمة)، للتحقيق في تلك المخالفات والوقوف على أسبابها وآثارها.
غير أن ما انتهت إليه اللجنة لم يطفئ نار الأسئلة، بل زادها اشتعالاً. فبدل أن تمتد المساءلة إلى حيث يُصنع القرار، انحسر أثرها عند الحلقة الأضعف، وكأن المقولة القديمة عادت لتفرض نفسها: يُعلَّق الجرس في عنق الأضعف، ويُترك صانع القرار خلف الستار. لقد بدا المشهد وكأن الأخطاء الكبرى أُلقيت على أكتاف موظفين بسطاء، فيما ظل أصل الخلل بعيداً عن المساءلة. غير أن الجهات الرقابية العليا لم تقتنع بما انتهت إليه تلك اللجنة، فأعادت تقويم جانب من نتائجها، وسجلت ملاحظاتها عليها، ليبقى الملف مفتوحاً حتى اليوم، وكأن الحقيقة ما زالت تبحث عمن يمتلك شجاعة إعلانها كاملة، بعيداً عن أن يكون أكباش الفداء هم وحدهم من يدفع ثمن أخطاء الرعاة.
ولم يكن الخلل الإداري والمالي مجرد أرقام تتناثر في تقارير الرقابة، بل تحول إلى ثقافة إدارية أرهقت المؤسسة وأفقدتها بوصلتها. وكأن عقل الإدارة قد أصابها الخرف، فلم تعد القرارات تُبنى على القانون، بل على المزاج، ولم تعد توزن بميزان العدالة، بل بميزان المنفعة الشخصية. وهكذا تسللت قرارات تعسفية وإجراءات قسرية لا تمت إلى أبسط مبادئ الإنسانية ولا إلى الضوابط الإدارية الرصينة بصلة، حتى غدت موضع استغراب داخل المؤسسة، ثم تحولت إلى مادة للسخرية خارجها. وحين تبلغ الإدارة هذا الحد، فإن الخطر لا يعود في قرار خاطئ، بل في منظومة باتت تُنتج الخطأ بوصفه نهجاً، وتتعامل مع العدالة وكأنها استثناء، لا أصلاً من أصول الحكم الرشيد. وحين تستبد القيادة برأيها، وتقصي أهل الكفاءة، وتستبدلهم بأصحاب الوشاية والولاءات الضيقة، فإنها لا تبني مؤسسة، بل تشيّد سفينة من الواشين، وتصنع مركبةً من الخائفين؛ وسفينة كهذه لن تبلغ مرافئ العلم، لأنها ستغرق عند أول موجة من الحقيقة.
ولم يبقِ ملف انعدام الشفافية داخل المجمع العلمي العراقي محصوراً في تقارير الأجهزة الرقابية، بل تجاوزها إلى قبة مجلس النواب العراقي، حيث طرحت تساؤلات جدية عن أسباب تباطؤ الجهات المختصة في حسم ملف المجمع وإعادة الاعتبار لمؤسسة كان يفترض أن تكون مرجعاً للعلم لا ساحةً للشبهات الإدارية. ففي مثل هذا النوع من القضايا، لا يكون الزمن عنصراً محايداً؛ إذ إن كل تأخير يفتح نافذة جديدة لطمس الوقائع، وإعادة ترتيب المشهد، وإخفاء ما كان ينبغي أن يكون ظاهراً. وتشير الوقائع إلى أن هذا التباطؤ أتاح للإدارة مساحةً واسعة لإعادة تشكيل الرواية المؤسسية، وتسخير بعض المفاصل الإدارية في المجمع لحجب المعلومات وتشتيت مسار الحقائق، بما حال دون تكوين صورة مكتملة أمام الجهات الرقابية الخارجية. وهكذا لم تعد المعركة مع مخالفة إدارية فحسب، بل معركة بين الحقيقة ومحاولات حجبها؛ فكلما اقتربت الوثائق من كشف الواقع، ازداد السعي إلى إغراقه بضباب الإجراءات، وكأن الحقيقة أصبحت المتهم الوحيد الذي يُراد له ألا يصل إلى منصة العدالة.
غير أن كل تلك التقارير، على أهميتها، بقيت أسيرة الأرقام والجداول والمخالفات المالية والإدارية؛ فتتبعت الهبات، وراجعت القيود، وساءلت اللجان، لكنها أغفلت السؤال الأكبر.. سؤال العلم نفسه. فمن يسأل عن الباحث الذي أُطفئت في قلبه جذوة الإبداع؟ ومن يلتفت إلى المشروع العلمي الذي وئد قبل أن يرى النور؟ ومن يحاسب سنوات ضاعت من عمر المعرفة تحت وطأة عقل تكلست بصيرته، حتى غدا يرى في كل فكرة جديدة تهديداً، وفي كل مشروعٍ إصلاحي خصماً، فآثر ركود المؤسسة على نهضتها، وآمن باستمرار الجمود أكثر من إيمانه بولادة المستقبل؟ وأين أثر المجمع في نهضة العراق الفكرية؟ وأين إسهام أعضائه في صناعة الوعي، وإحياء اللغة، وبناء المشروع الحضاري الذي أُنشئ المجمع من أجله؟ وأين المؤلفات التي تهز العقول، والمشروعات التي تُشد إليها الرحال، والمبادرات التي تعيد إلى بغداد مكانتها بوصفها عاصمة للعلم والمعرفة؟ إن خسارة المال تُجبر، أما خسارة العقول فلا تعوض، وإن هدر الميزانيات مؤلم، لكن أفدح منه هدر الإنسان، وإطفاء الباحث، وإسكات الفكرة، ووأد الحلم العلمي في مؤسسة شُيِّدت لتكون بيتاً للحكمة… فإذا بها تخشى أن تتحول إلى شاهد على أفولها.
واليوم ونحن نستحضر ما أعلنه رئيسِ الوزراء السيد علي الزيدي، من أن تقارير الجهات الرقابية لن تبقى حبراً على ورق، وأن أوكار الفساد ستُدك أينما كانت، فإن المجمع العلمي العراقي لا يزال ينتظر صولة كـ (صولة الفجر)، لا تستعيد الأموال وحدها، بل تستعيد هيبة العلم بـ (صولة المعرفة)، وتصون تاريخ مؤسسة حملت اسم العراق إلى المحافل العربية والدولية. فالمجمع العلمي ليس دائرة حكومية، بل ذاكرة العراق العلمية. وحين تتكلم التقارير الرقابية لا يعود الصمت حياداً.. بل يصبح شراكة في التستر.
أتَعْلَمُ أمْ أنتَ لا تَعْلَمُ ..
بأنَّ جِراحَ الضحايا فمُ.