اخر الاخبار

لماذا نقرأ اطروحات التوسير باستمرار، ونتقصى علاقتها عبر التمثيل الثقافي  للمؤسسات، أو عبر علاقة الثقافة بالأيديولوجيا؟

أحسب أن هذه القراءة ستكون حافزا فاعلا، في تمثيل فلسفته النقدية، وفي الكشف عن نظرته لعلاقة الفلسفة بالحياة والدولة، وبالمجتمع الذي تجعل منه المؤسسات مجال اختبار، في تمثيل المعرفة، وفي التعرّف على مدى فاعلية الاجهزة الاجتماعية والسياسية التي توظفها الدولة.

ما يبدو بديهيا هي الحدود التي ترسمها الدولة للنظام الاجتماعي، ولفاعلية وعي الأفراد والتزامهم بالنظام، لكن سطوة الدولة وتصلّب مؤسساتها يجعل من النظام أكثر قمعا، وأكثر خضوعا لممارسات وتطبيقات، تعكس مدى أزمتها في تنظيم شؤون العامة، وفي تمثيل مصالحهم السياسية والاقتصادية والثقافية..

تتجسد العلاقة الآمنة بين الدولة والمجتمع من خلال عمل المؤسسات والقوانين، وهو ما جعله التوسير موضوعا في قياس نجاح تلك الدولة أو فشلها، لأن الثقة بالنظام لا يعني الخضوع الأعمى، ولا يعني العجز عن النقد عبر الأطر الديمقراطية، وعبر المنابر الثقافية، لأن ما يخشاه التوسير هو اجهزة "الخفاء" وتحول النظام الى مجال تمثيل سياسي ضاغط، عبر جماعات أو محددات مركزية أو عنصرية، أو مؤسسات مسلحة، وبالتالي فإن "التكوين الاجتماعي" للدولة سيواجه كثيرا من الضغوط، ومن الأزمات التي تعني عجز الدولة عن حماية النظام السياسي والنظام الاجتماعي، والمصالح الاقتصادية، وللسياقات التي تحكم عمل المؤسسات الوطنية، وبالتالي فإن المجتمع سيواجه ازمات معقدة، وسيجد الافراد انفسهم امام تحيزات طبقية وسياسية، وأمام تضخم طفيلي لاقتصادات وسياسات تعمل على تقويض ثنائية الدولة والمجتمع، وتقلل من منسوب التنمية والأمن الثقافيين، مثلما ستكون سببا في تعطيل كثير من المهارات والخبرات، وعلى نحوٍ تتضخم معه مظاهر البطالة والعنف الاجتماعي، مثلما ستجعل من الاقتصاد الانتاجي امام رثاثة فادحة، تتعطل معها فاعليات القوى المُنتِجة، على مستوى مجتمع العمل، أو على مستوى مؤسسات العمل..  

اطروحات ألتوسير حول اجهزة الدولة تعني فاعليتها في ضمان وديمومة العمل، ونجاعتها في ربط الانسان بالتنمية، وبقيم الحرية والعدالة الاجتماعية وبالسلم الأهلي، وبحقوقه المدنية في العمل الوجود، وفي التمثيل الثقافي والاجتماعي، وباتجاهٍ يجعل من ترسيم عمل تلك الاجهزة، مرهونا بتمثيل مسؤولياتها في ادارة الشؤون العامة، وفي حماية الأمن العام، من المكاره والعنف والكراهية والعنصرية، ومن الظلم والاستبداد، قبالة ما تُقدمه اجهزة ثقافية ومؤسساتية ناعمة، حيث التعليم العام والصحة والخدمات، وحيث الاشباع الرمزي، عبر التنظيمات السياسية والاعلام والعمل النقابي الحر، وعبر الفنون والآداب، والرياضة، وعبر حمايات التنوع الثقافي والأثني واللغوي، وكذلك عبر دعم الثقافات المحلية والهويات الدينية وغيرها..

النقد الالتوسيري للعقل الرأسمالي ليس نقدا مجردا، بقدر ما هو نقد اجرائي، وفاعل في أن يكون مراجعة ثقافية، تنطلق من مسؤولية نقد الهيمنة، حيث نقد مؤسسة الدولة، ومساءلة اجراءاتها وسياساتها، فبقدر ما يجعل من نقده محكوما بتمثيل ايديولوجي، فإنه يوّسع من توظيفاته في مجالات متعددة، عبر الارتقاء بالممارسات الثقافية، وعبر الارتقاء بعمل مؤسسات المدرسة والنقابة والدائرة والمعمل، وعلى نحوٍ يهدف إلى أن تكون عناصر مهمة وفاعلة في مجال التحديث والعمران والنماء الاجتماعي، فضلا عن اهميتها في توسيع مساحات الفكر الاجتماعي، وتأطير عمله من خلال اجراءات واليات تحترم الخيارات الوطنية، من خلال احترام المكونات الوطنية، ورعاية حقوقهم في التعبير عن طقوسهم وعن قيمهم، وعلى نحوٍ يسهم في اثراء مفهوم "الذات الثقافية" بوصفها ذاتا فاعلة وحرة، وتتمتع بحق اعتراف الدولة والمجتمع لحقوقها، على أساس أنها تتمثل "ذات المواطنة" التي يحميها الدستور والقانون والنظام، بعيدا عن أي مظاهر للقمع والمنع والكراهية والاستبداد.

إن اهمية مراجعة اطروحات التوسير الفلسفية والمعرفية، تضعنا ازاء اهمية "الدرس الفلسفي" وضرورته في ادامة فاعليات العقل النقدي، لمواجهة كثير من الأزمات التي نعيشها، اقتصاديا واجتماعيا، بما فيها نقد "الدولة" ومراجعة اسباب عجزها عن التصدي لكثير من المشكلات التي باتت أكثر تعقيدا في مواجهة تحولات الواقع، ومظاهر الصراع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي..