1
يكاد أن يكون الاطّلاع – وهنا أتحدّث عن اطّلاعي - على حياة وشعر الشاعرة/ إميلي ديكنسون/ مقتصراً على مانطالعه ُ على فترات متباعدة في الصحافة والمجلّات من خلال بعض الكتابات التي تُعرّف بها وتُشير إلى أهمّيتها الشعريّة، وكذلك من خلال بعض القصائد المترجمة. وقد كثُرت الإشارات إلى تأثُّر/ بدر شاكر السياب/ بشعرها وبخاصة في قصيدة ( أنشودة المطر )..، والسيّاب هو الآخر يُشير إليها في بعض هوامش قصائده أو في مقدماتها . وما كانت مثل الإشارات لتحصل لولا أهميّة/ إميلي ديكنسون/ الشعريّة .
2
جاء كتاب الأستاذ رضا الظاهر الذي حمل عنواناً تعريفيّاً دالّاً:"إميلي ديكنسون.. أميرة العزلة، رائدة الحداثة".. ليكشف لنا سرّيّة العزلة، وطليعيّة الريادة الحداثيّة . ويمكن وصف هذا الكتاب بأنّه كتاب البحث والاستقصاء المعرفي، إذ أن المصادر الواسعة المعتمدة- وهي مصادر باللغة الانكَليزيّة – تُدلل على الإنصات الطويل، وطبيعة التقّصي المعرفي، والمتابعة الدؤوبة لخطّ التحوّلات الحياتيّة / الشعرية للشاعرة.
إن تقصّيّاً بمثل هذه السعة التعريفيّة الكاشفة والذي لم يترك : قولاً قيل عن الشاعرة، أو مقالاً كُتب عنها ، أو كتاباً صدر عن مسيرتها وشعرها أو الأعمال الشعرية الكاملة .. إنما يكشف عن مقدار الصبر الدراسي / المعرفي الذي يملكه الكاتب / الباحث كي يصل إلى ما نحن بحاجة له وكنّا ننتظره . فله الشارة والإشارة .
3
ضم الكتاب فصولاً أحاطت بالشاعرة ، حياة وإبداعاً ، وبتسلسل يُفضي إلى مسك الحاجة من دون مطاردة :
* .. سيرة وإبداع
* .. أميرة العزلة
* .. رائدة الحداثة
* .. تفسير نسوي
* .. إميلي ديكنسون والطبقة
* .. الرسائل
* .. إميلي ديكنسون معاصرتنا
* .. قصائد مترجمة
وفي كل فصل من هذه الفصول ، نجد الإشارة إلى قول ( الآخر ) المُترجَم ، تجيء منسجمة أو متوازيّة مع الكشف الذي يطمح الكاتب / الباحث أن يوصله إلى مستقرّ التلقّي . وبذلك لا يوجد ما يُضير الدراسة / البحث حين تكثر الاستعارات والنقل ، لأنّها عناصر توثيقّيّة تمنح البحث صفة التأصيل ، تأصيل الأصل .
إن كتاب ( إميلي ديكنسون – أميرة العزلة .. رائدة الحداثة ) يمتلك ممكنتين فنيّتيَن عاليتيَن ، هما : ممكنة الترجمة سواء كانت ترجمة الأقوال والاستعارات أو ترجمة الشعر، وممكنة القول المعرفي الذاتي ، ومثل هذه الثنائيّة نادرة الحصول في كُتب من هذا النوع.
4
لا أُريد هنا أن أكتب شرحاً لفصول الكتاب كما هو حال كثير من القراءات التي نطالعها ، لأن الفصول قالت وهي المعتمدَة ، ولأن الشرح سيكون هامشاً للمتون ولا يُفضي إلى إضافة يُعتد بها ؛ إن الأهم هو الإنصات إلى ما جاء في الكتاب من كشف عن الحياة الوجودية / الشعريّة / الفنيّة لشاعرة تمتلك الحضور والأهميّة في مشهد الشعر العالمي حتى الآن ، وما أجمل القول ! ، قول الكاتب / الباحث : إميلي ديكنسون معاصرتنا ، لأن هذا القول يمتلك تشخيصاً فنيّاً يُشير ضمناً إلى أن المعاصرة بمعناها الحداثوي لا ترتبط بتأريخ انوجادها فحسب ، وإنّما بحضورها وقدرتها على الاستمرار ومدى فاعليتها في التأثير ، وبذلك يكون الزمن ، زمن حصول الحداثة ، لايُمحى بالتراكم كما هو الحال مع شعريّة / إميلي ديكنسون/ .
إن كتاب ( إميلي ديكنسون – أميرة العزلة.. رائدة الحداثة ) قد عزف موسيقى حضور الحداثة ، حداثة إميلي ديكنسون ...
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*صدر عن اتحاد الادباء والكتاب في العراق 2026.