اخر الاخبار

(ألف)/ سوق السّاعاتيينَ ((السّاعَجيَّهْ)) لا نهي للزّمن فيه ولا أمرٌ، فلكلّ ساعةٍ وقتٌ هنا في سوق الزمن. هذا ما علّق به مرّةً ساعاتيٌّ قديمٌ وهو يضبطُ لي ساعة يدويّةً، وأردفَ: يمكن أن تُسمّيهِ سوقَ مُصَلِّحِي الزّمن.

(باء)/ السَّرجْخانَةُ سوق من طبيعة أُنوثيّة طاغيةٍ: ملابس داخليّةٌ، قمصان نومٍ شفّافةٌ، مشدّات أثداء وأوراكَ، تنّوراتٌ، سراويل جينز وكتّانٍ، عطورٌ من كلّ شكل ولون ونكهةٍ تكاد تخلب للطّبيعةِ لُبَّها، اِكسِسواراتٌ وعلبُ تجميلٍ كأنّها حدائقُ مصغَّرةٌ في زيّ سوقٍ تتقافز فيها النّساءُ كما فراشات. أمّا بعد السّادس من حزيرانَ 2014 فجُبّاتٌ إلى جانب الخِمارِ والحجابِ: يُذكِّرانِ بالحرَملَكِ وقتلِ العقل الأُنوثيِّ/ والنّقابِ: يُذكّرُ بحَجب الشّمس عن الطّبيعة، والضّوءِ عن العين.

(تاء)/ غالباً ما كانت النّساءُ وهنّ يخرجنَ من سوق العُتْمةِ، (العَتَمِيْ) هكذا يُمَوْصِلُهُ أقحاحُ المدينة، وكأنّهنّ ينفُذنَ من ثـقب في قلب الظّلام.

(ثاء)/ لا يبدو سوق الفحّامينَ إلّا كما بُهلول يلعِّبُ بين يديه جمراً، تلفُّه غيمةُ غبار أسودَ،                                                                        وجارُه سوقُ الحِدادةِ كأنّه مايسترو جحيمٍ، والأوركسترا مطارقُ الحدّادين.

(جيم)/ سوقُ الصّاغةِ ((الصِّيّاغْ)) أبداً مغرورٌ: وجههُ رخيٌّ متورّد ينزّ نِعَماً ودُهناً تظلّ تخطب ودَّه النّساءُ بينما تروزُهُ وتغبطه سائرُ الأسواق. يكاد من ثرائه وخُيلائهِ لا يبتسم وإذا ما تكلّم فبالحَبّاتِ والمثاقيل. كلّما مررتُ به أرى من المُلِحّ جداً أن تكون جنبَها أو قُبالتها سوقٌ للكُتّاب والشّعراء إذ أليست الكتابة صياغةً هي الأخرى؟

(حاء)/ ما بدا لي سوقُ السَّماكينَ يوماً إلّا وكأنّه من معارض جهنّمَ، فالمعروضُ ما بينَ مسلوخٍ ليُشوى أو ليُقلى، وبين آخرَ في أحواض يلبطُ.. وينتظر.

ما كلُّ سَمّاك وشَوّاءٍ إلّا وكـأنّه زابِـنٌ من زبانية النّار.                                                  

(خاء)/ في باب السّراي (رُكن العطورِ)، كنت غالباً ما أتصوّرُ حرباً ناشِبةً ما بين عِطْرَي القَدامة والحداثةِ، وللملابس في هذه السّوقِ حربُ تصاميم وأَشكالٍ أيضاً.

(دال)/ في سوق شارعِ الملك غازي أمرُّ ولا أُحيي كؤوساً وفناجينَ وصحوناً تحاول لفْتَ انتباهي بهندامها. بينما في سوق الفخّارين أقف متأمِّلاً أقداح فخّارٍ قامشليّةً (نسبةً إلى مدينة القامشلي السوريّة)، وموصليّةً تُباهي مُتحدِّيةً الزّجاج الصّينيَّ بنَضْحها واخضلالِها.

(ذال)/ أبداً ما مررتُ يوماً بسوق الأربعاء (ركن الطيورِ) باعة وروّاداً ومُربّينَ، إلّا وخُيِّل إليّ سوقَ نِخاسةٍ ونخّاسين.

(راء)/ مرّةً في واحد من أصياف المدينة أيامَ داعشَ مشت وإيّايَ كتفاً إلى كتفٍ امرأةٌ رطبةٌ خصيبة كما غيمة وحيدةٍ في سماء قيظ هائلٍ لسوق معمّم ومُجلبَب ومقفطَنٍ ومُدشدَش، مبخَّرٍ، ومُبَسْمَل ومُحوقَلٍ عليه، ومعوَّذٍ من بِدَع النّساءِ وغواياتِهنّ، مع هذا لمحتُ كيف تشربها في سوق العِطارة نظراتُ المارّة والعطّارين. قيلَ: جُلِدت المرأة فيما بعد عشرين جلدةً غير أنّ جسدها ظلّ كانِزاً تلكمُ النّظرات.

(زاي)/ ما دخلتُ سوق الحَبّالِينَ يوماً إلّا وتصوّرتُ كلَّ حَبّالٍ مُلقِّحَ أرحام قبل أن يكون صانع حبالٍ وبائعَها. ربّما مَردُّ تصوُّري هذا إلى معجمُ المعاني حيثُ: ((حَبَّلَها، الحَبَلُ، حُبَالٌ، المَحْبَلُ، حَبْلانَةٌ، أحْبَلَ فُلانةً أو النّخلةَ أي لقّحَها)). أمّا الحِبالُ فمن أسلوب تعليقها وعَرضِها دائماً ما كانت تترآى أنشوطاتِ مشانِق.

(سين)/ ربّما بعد أن ضاقت عليها المدينةُ فرّت الخيول إلى البريّة، أو قد تكون شاخت فأُطلق عليها كالعادة رصاصُ الرحمة، فلم يبق لسوق الرَّباطين والسّراجينَ أيُّ أثر.

(شين)/ عن ماذا تبحثُ في هذا الضّجةِ سألني مُتعجِّباً صديقٌ لقِينيَ مرّةً في سوق الصّفارين؟!                                          ربّما لأُحـيِّي كلَّ أُذن ويدٍ وهما تُعلّمان المعادنَ الرّقصَ والموسيقى.

(صاد)/ كان يمكن لشارع النُّجيفِيّ، وشطرٍ من شارع الدّواسة أن يُسمَّيا سُوقَي الثقافة والمثقّفين.                                         أليست الكتابة بضاعة، والقراءةُ تسوُّقاً، والقُرّاءُ مُتَبـَضِّعين؟

(ضاد)/ لمقهى سوق السَّمّاكِينَ نكهةُ شايٍ كأنّها هوادجُ مُقبِلَةً تتهادى على مَهَـلٍ من سَمَاوَرِ التّاريخ.