بعد انتظار طويل كاد خيط الرجاء أن ينقطع خلاله، عاد جيوفاني إلى أهله أخيرًا؛ أطلّ فجأةً عند عتبة الدار، في يوم مغبر من أيام آذار حلّقت في سمائه الغربان. لم تكن الساعة قد بلغت الثانية بعد الظهر، كانت أمه ترتب المائدة، فلمّا رأته صاحت: «آه، ولدي، حمدًا لله على عودتك!» وأسرعت لتعانقه. حتى أخته آنا وأخوه بيترو توقفا عن اللعب وتصايحا من شدة الفرح. ها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، اللحظة التي كثيرًا ما أشرقت في أحلامهم الهادئة عند الفجر، والتي لا بد أن تحمل إليهم أخيرًا فرحة اللقاء. وضع جيوفاني سلاحه على الكرسي حابسًا دموعه. لم يتفوه بكلمة واحدة، ولم يخلع بيريته. قالت الأم، والدموع في عينيها، وهي تتراجع قليلًا كي تراه جيدًا: «دعني أراك… دعني أرى كم أصبحت جميلًا! لكنك شاحب… نعم، شاحب فعلًا.»
كان جيوفاني شاحبًا حقًا، وبدا منهكًا لا يستطيع الابتسام إلا بصعوبة. خلع بيريته، وتقدّم ليجلس وسط الغرفة. «اخلع معطفك يا عزيزي!» قالت الأم وهي تراقبه بدهشة، كأنه معجزة هبطت عليها من السماء. كم بدا لها وسيمًا مهيبًا بقامته الفارعة، رغم شحوبه! «اخلع المعطف، وأعطني إياه. ألا تشعر بالحر؟». لكنه جفل بحركة غريزية، متشبثًا بمعطفه خشية أن يُنتزع منه عنوة، وأجابها متملصًا: "لا، لا، اتركيني. أفضل ألا أخلعه، لأنني سأخرج بعد قليل…»
«تخرج؟! تعود بعد عامين، ثم تريد أن تخرج هكذا، بكل بساطة؟» قالت الأم بأسى، وشعرت، بعد كل تلك الفرحة، بعذاب الأمهات الأبدي.
«أتريد أن تخرج حقًّا؟ ألا تأكل شيئًا؟»
«أكلنا في حانة على الطريق»، أجابها بابتسامة طيبة، وهو يتأمل بيته مستمتعًا بظلاله الهادئة.
«آه، ها أنت إذن لم تأتِ وحدك! مَن معك؟ أهو رفيق لك في الفوج؟ أم لعلّه ابن جارتنا مينا؟»
«لا، لا، إنّما هو شخص آخر التقيتُه في الطريق، وهو ينتظرني الآن.»
«ينتظرك في الخارج.. لِمَ لا تستضيفه.. كيف تتركه في الشارع؟!»
أسرعت نحو النافذة لترى، عبر الحديقة، مَن يكون رفيقه. وخلف البوابة الخشبية الصغيرة لمحت شخصًا يسير ببطء على الرصيف جيئة وذهابًا، كان برداءٍ أسود يبعث الكآبة في النفس. عندها فقط أدركت الأم، وهي في غمرة فرحتها، أن حزنًا غامضًا قد خيّم على قلبها.
«من الأفضل ألّا يدخل، فالأمر سيزعجه؛ هكذا هو طبعه»، أجابها بنبرة حاسمة
«لكن علينا، على أقل تقدير، أن ندعوه ليتناول شيئًا، أليس كذلك؟ كأسًا من النبيذ مثلًا؟»
«من الأفضل ألّا نفعل ذلك يا أمي؛ إنه شخص غريب الأطوار، وقد يزعجه مثل هذا الأمر.»
«مَن هو إذن؟ ولماذا ترافقه.. وماذا يريد منك؟»
«في الحقيقة، أنا لا أعرفه حقّ المعرفة» قال بهدوء جاد «التقينا ورافقني أثناء الرحلة، هذا كل شيء.»
بدا الابن راغبًا في تغيير الموضوع، كأنه يخجل من الحديث فيه. وحين أدركت الأم ذلك، غيّرت مجرى الحديث على الفور تجنّبًا لإزعاجه، لكن الإشراقة التي كانت تملأ وجهها المحب بدأت تخفت شيئًا فشيئًا، وقالت:
«اسمع! أتتصور مدى فرحة ماريتا عندما تعلم أنك عدت.. أتتصور ذلك؟ وهل كنت تنوي الخروج لتراها؟»
ابتسم خافضًا بصره، وكأنه يتمنى لو يستطيع الفرح، لكنه لم يكن قادرًا عليه، كأن سرًّا يمنعه. ولم تفهم أمه لماذا يجلس هكذا، منطويًا على نفسه، كما كان يوم استدعائه إلى الجبهة.
لكنه عاد، عاد أخيرًا، وأمامه حياة جديدة وأفراح تحلّق فوق ربى الجبال على أجنحة السنين القادمة. ستنتهي ليالي القلق من المدافع التي تومض نيرانها وتعربد في الآفاق. كم تخيلته الأم مستلقيًا على وجهه هناك، سابحًا في دمائه على أرض خراب، وقد نخر الرصاص جسده. حمدًا لله أنه عاد إليها أخيرًا، فتى وسيمًا، ما أروع عودته! ستفرح به ماريتا، وسرعان ما يحل الربيع ويعقدان القران ذات صباح تُقرع فيه أجراس الكنيسة، وتُنثر الزهور. لِمَ إذن يجلس شاحب الوجه، شارد الذهن؟ لِمَ لا يضحك ويحكي لنا عن المعارك التي خاضها.. وهذا المعطف.. ما سرّ تمسّكه به رغم حرارة الجو.. أتراه يخجل من أن يرينا بدلته الممزقة المتّسخة بالطين، وممّن يخجل، من أمه؟
كأن معاناتها قد انتهت بعودته أخيرًا، لكنها ها هي تبدأ من جديد في صورة قلق آخر. أخذت تنظر إليه بحنان وقلق، حذرةً من أن تضايقه، ساعيةً إلى معرفة ما يخفيه عنها وما يخشاه. أتراه عاد مريضًا؟ أم أنه منهك فحسب من هول ما مرّ به؟ أم ثمة سبب آخر؟ لِمَ لا يتكلم؟ ولِمَ تبدو عيناه شاردتين؟ في الواقع، لم يكن ينظر إليها، بل بدا كأنه يتعمّد تجنّب نظراتها، كما لو كان يخشى شيئًا.
في هذه الأثناء، كان الصغيران يحدّقان فيه، في صمت يشوبه شيء من الحرج الغريب.
«جيوفاني…» همست الأم، ولم تعد قادرة على كتمان مشاعرها، «أنت هنا أخيرًا، أنت هنا أخيرًا! سأعدّ لك القهوة الآن.»
أسرعت إلى المطبخ، وبقي جيوفاني مع الصغيرين اللذين، لولا البيت الذي جمعهم، لما عرفاه لو صادفاه في الطريق. أخذ الثلاثة يتبادلون النظرات بصمت بعد سنتين من الغياب، لكن ابتسامة كانت تعلو وجوههم بين حين وآخر، كأن رباطًا قديمًا من الذكريات ما يزال يجمعهم. عادت الأم، ومعها القهوة الساخنة وقطعة كبيرة من الفطيرة. شرب قهوته دفعة واحدة، ومضغ لقمته بصعوبة.
«لماذا؟ ألم تعد فطيرتي تعجبك؟ كم كنت تحبها فيما مضى!» كادت أن تسأله، لكنها آثرت الصمت كي لا تثقل عليه، وقالت بدلًا من ذلك:
«جيوفاني، ألا تريد أن ترى غرفتك وسريرك الجديد؟ لقد طليت الجدران واشتريت مصباحًا. تعال وانظر… لكن هذا المعطف… ألا تريد أن تخلعه، ألا تشعر بالحر؟»
لم يقل الجندي شيئًا، لكنه نهض وتوجّه معها نحو الغرفة بخطى ثقيلة، كأنه عجوز. سبقته الأم لتفتح النوافذ، فلم يدخل منها سوى ضوء رمادي خالٍ من أي بهجة.
«غرفة جميلة!» قالها على مضض، وهو يقف عند الباب وينظر إلى الأثاث الجديد، والستائر الناصعة البياض، والجدران المطلية. كان كل شيء نظيفًا ومنعشًا، ولكن عندما انحنت الأم لترتّب الغطاء، ألقى على كتفيها النحيلتين نظرةً لا توصف من شدة الأسى، ولم يكن بوسع أحد أن يراها. وكان الصغيران، آنا وبيترو، يقفان خلفه، آملين أن يمرح معهما، لكن شيئًا من ذلك لم يحدث.
«غرفة جميلة! شكرًا لكِ يا أمي»، كررها، وراحت عيناه تجولان بقلق، كمن يريد إنهاء حديث ثقيل. وكان يتجه بين حين وآخر إلى النافذة المطلة على البوابة الخشبية لسياج الحديقة، ويلقي منها نظرة قلقة نحو الشخص الذي جاء برفقته، وكان ما يزال ينتظره، متمشيًا بملل على الرصيف المقابل.
«جيوفاني! أسعيد أنت يا ولدي؟» سألته بلهفة، محاولةً أن تعيد البهجة إليه.
«آه، نعم، أثاث جميل حقًّا»، أجابها بابتسامة متكلّفة.
«جيوفاني…» توسّلت إليه، «ما بك.. ما بك يا جيوفاني، أتخفي عني شيئًا.. لِمَ لا تخبرني؟»
عضّ شفته كأن شيئًا يسدّ حنجرته.
«أمي…» أجاب بعد برهة بصوت خافت، «أماه، لا بدّ لي من الذهاب الآن.»
«تذهب وستعود بعد قليل، أليس كذلك.. ستذهب إلى ماريتا، أليس كذلك.. قل لي الحقيقة، أتريد الذهاب إليها؟»
حاولت أن تمازحه رغم ما كانت تشعر به من ألم.
«لا أدري يا أمي»، أجاب بالمرارة المكبوتة نفسها، بينما كان يتجه نحو الباب ويلتقط بيريته. «لا أدري، لكن يجب أن أذهب الآن؛ الرجل ينتظرني.»
«لكنك ستعود لاحقًا.. ستعود، بعد ساعتين ستكون هنا، أليس كذلك؟ سأدعو العم جوليو والعمة أيضًا، تخيّل كم سيفرحان! حاول أن تعود قبل الغداء بقليل…»
«أماه…» رددها، وكأنه يتوسل إليها، بحق الله، أن تلزم الصمت وألّا تقول شيئًا من هذا الكلام، وألّا تزيد من ألمه.
«يجب أن أذهب الآن… الرجل ينتظرني.» ثم رمقها بنظرة تنفذ إلى الروح، واقترب من الباب. وكان الصغيران، وهما لا يزالان فرحين، متشبثين بمعطفه. رفع بيترو أحد طرفيه ليرى ما كان أخوه الكبير يرتدي تحته.
«بيترو، بيترو! ما الذي تفعله؟ اترك المعطف يا بيترو!» صاحت الأم، خشية أن يغضب جيوفاني.
«لا، لا تفعل ذلك!» صرخ الجندي بدوره، وقد انتبه إلى حركة الصبي، لكن بعد فوات الأوان؛ فقد انفرج جانبا المعطف الأزرق للحظة خاطفة.
«آه، جيوفاني، يا فلذة كبدي… ما الذي فعلوه بك؟!» صاحت الأم وهي تغطي وجهها بكلتا يديها. «جيوفاني، ولدي، هذا دم!»
«يجب أن أذهب يا أماه»، قال بحزم يائس، «لقد جعلت الرجل ينتظر طويلًا بما يكفي. وداعًا يا آنا، وداعًا يا بيترو… وداعًا يا أمي.»
خرج كأن الريح تحمله. اجتاز الحديقة الصغيرة مهرولًا، وما إن فتح البوابة الخشبية حتى انطلق جوادان يعدوان بسرعة تحت سماء رمادية، لا نحو القرية، بل عبر البراري، متجهين شمالًا، صعودًا نحو الجبال.
كانا يعدوان… يعدوان… وعندئذ فقط أدركت الأم الحقيقة، وانفتح في قلبها فراغ هائل لا يمكن للزمن أن يملأه. فهمت سرّ معطف ابنها وسرّ انطوائه، وقبل كل شيء، عرفت مَن يكون ذلك الرجل الغامض المتشح بالسواد، الذي كان يسير في الشارع المغبر جيئة وذهابًا بانتظار ابنها، ذلك الكائن الرحيم الذي عاد بجيوفاني إلى بيته القديم لكي يتمكن من توديعها، قبل أن يأخذه بعيدًا إلى دار الأبدية.
ــــــــــــــــــ
*دينو بوزاتي (1906- 1972) روائي ايطالي من ابرز اعماله "صحراء التتار" المترجمة الى العربية، الى جانب قصص منشورة ضمن مجموعة "قصص بوزاتي".
القصة من مجموعته
The Seven Messengers