يأخذنا الحديث عن عالم الحاج زاير الى فضاءات يشتبك فيها الشعر بالسرد، والحكي بالمواويل، حيث تتبدىمن خلال هذه الثنائيات ارواح الأمكنة والشخصيات، وعلى ما تحمله من ترميزات واحالات نفسية واجتماعية ودينية، وربما سياسية في تمثيلها للحزن الشخصي والطبقي والرثائي. كتاب الباحث مزاحم الجزائري الموسوم “ السرد والشعرية في مواويل الحاج زاير- مقاربة نقدية” يضعنا ازاء عالم متحشد بقيم الادب الشعبي، وتمثلاته الثقافية والانسانية، على مستوى خصوصية التجربة الشعرية، بوصفها تجربة فطرية، وعلى مستوى تنوع اشتغالاتها بين الواقعي والتخيلي، أو النقدي والرثائي، وهي مستويات دالة على عمق فني، وعلى بساطة ثرية تكشف عن موهبة الحاج زاير، وعن طبيعة علاقته المعقدة بالبيئة التي عاش تحولاتها وصراعاتها.
تؤطر القراءة الفاعلة للباحث الجزائري مسارها عبر منهجية زاوج فيها بين المشغل البنيوي، حيث كشف البني العميقة التي تُشكل شعريته، وبين احالاته الاجتماعية والسياسية والنفسية، حيث جعلت من لغة الشعر هي الاقرب الى “تمثيل البنيوية التكوينية” كما يقول المؤلف، بوصف هذه البنيوية فاعلا منهجيا يقوم على الربط بين النص وسياقه الاجتماعي والتاريخي، وعلى نحو يجعل من بنى النص مجالا توليديا محركا ونقديا يعكس الواقع الاجتماعي، مثلما يكون كاشفا عن مضامين اجتماعية وسياسية، ليس في صيغتها الشكلية كما تقتضي البنية، بل في تفسيرها للافكار، وفي تقويض البنى المغلقة للنص..
ضم الكتاب مقدمة وفصلين وسبعة مباحث، مع مختارات من مواويل الحاج زاير، حاول من خلالهاالباحث اضاءة عوالم الحاج الشعرية، عبر تمثيلها للحياة الاجتماعية ولمظاهر البؤس الاجتماعي والطبقي، وعبر تمثيلها للذات الشعرية وهي تستغرق قلقها، ومراثيها، إذ بدت موهبته الشعرية وكأنها خزّان نفسي يكشف عن حمولته من خلال ثراء لغته، وتوتر رموزه، وتوظيفها للمثيولوجيا الشعبية والحكايات والاحاسيس، عبر استعارات صورية تمور بالسخرية والمفارقة، والنقد اللاذع، وكأنه يدرك أن خطابه الشعرية لا يكتفي بنزعته الذاتية، بل بنقد “الحال العام” وما يحوطه من ازمات وتناقضات وصراعات فاجعة..
لقد شكلت دراسة الجانب الفني لتجربة الحاج زاير ابرز سمات هذا الكتاب، فجعل من “المواويل” مجالا اجرائيا للتعرف عن مساحة الشعرية، ومجالا موازيا لتمثيل ما هو حكائي بوصفه مساحة سردية،حيث تشترك في الجمع بين حيوات ويوميات ومراث حسينية، ومراث شخصية، فضلا عن عنايته بالجانب الشكلاني الذي اعطى لتجربة الحاج زاير خصوصية من خلال جدّة وحيوية الصور الشعرية واستعاراتها ومجازاتها واحالاتها، وعبر اعتماد شعرية الاقنعة، ليس للتواري، بل لمواجهة رمزية لأزمة الذات وعجزها، وتمثيل الرغبة بوصفها دافعا نفسيا لتغذية تلك المواجهة..
جدّة التركيب الشعري في تجربة الحاج زاير، جعل منها الباحث الجزائري مدخلا لمقاربة الدوائر الشعرية، في تمثيل الزمن، وفي تمثيل ابنيتها التأليفية، فهو يجد في هذه التجربة غنىً شعريا وانسانيا، مثلما يجد فيها ثراء بنائيا يقوم على تشكل الصور، وعلى تكثيف ورشاقة اللغة، وعلى نحو تكون فيه دلالتها أكثر تنوعا، وأكثر قدرة على كشف “ الفجوة بين النظام السياسي والمنظومة الاجتماعية” وهذا الكشف يتطلب اجراءً يعنى ببناء الجملة الشعرية، بوصفها وحدة التأسيس، فضلا عم يتطلبه من وظائفية فاعلية في اشباع الرموز، عبر احالاتها النفسية والسياسية والطبقية والاجتماعية، وأحسب أن انحناء الباحث على ابراز شعرية السخرية في تجربة الشاعر تأتي في سياق تحويل “نص الموال” الى رسالة يومية، والى موقف، فالموال بطبيعته يتسم بالكثافة والرمزية، لكن الحاج اعطى له مساحة موازية، جعلت منه أكثر اثارة في ايقاظ مشاعر الاحتجاج، وفي الكشف عن ازمة الشاعر ككنايةٍ عن ازمة المجتمع والبلاد، وباتجاه كان فيه للمعنى الساخر “ تأثيره ووقعه الموخز على المتلقي، وأن عناصره الايحائية ومحمولاته التأويلية انطوت على التنبيه والتحذير” اعتماد مقاربة نثروب فراي في تحليل النص، جعلت من اجراءات الباحث أكثر انحياز للموضوعية، فرغم أن تجربة الحاج زاير محلية، لكن المعالجة البنيوية بوصفها الجرائية هي التي جعلت من فحص الباحث للتجربة اجراء نقديا وتشريحيا، للكشف عما يستبطنه النص من صور شعرية واحالات وانزياحات جعلت من كتاب الجزائري مصدرا مهم لدراسة اركيولوجية لذاكرة ادبنا الشعبي وسيرته في الزمن العراقي..