اخر الاخبار

في البدء يجب التمييز بين الدين والفكر الديني، الدين هو النصوص المقدسة التي احتوتها الأديان السماوية والتي لا يجوز الاجتهاد فيها ولا تأويلها ولا التقديم أو التأخير في كلماتها، أما الفكر الديني فهو الأيديولوجيات الدينية التي خلقها البشر وتبنتها المؤسسات الدينية والأحزاب والجمعيات والهيئات وهي من قامت بتطويع النصوص الدينية المقدسة لمصالحها الفئوية والحزبية والعنصرية وأنجبت الفقهاء وعلماء الدين وأولي الامر ورجال السياسة منذ نشأت الأديان قبل آلاف السنين وحتى يومنا هذا..لا توجد مفردة وطن في قاموس الفكر الديني وأحزابه السياسية لان هذه المفردة بالذات لم تذكر في النصوص الدينية المقدسة للأديان السماوية وإن ذكرت الديار فإنها مفهوم بسيط لا يعني الوطن بل وحدة من وحداته الكثيرة. الوطن ليس ديارا فقط بل هو حدود معترف بها دوليا ومنظومة من القوانين السياسية والاجتماعية والاقتصادية، والوطن السليم نظام سياسي وسلطة ودولة وحكومة تعمل على خدمة المواطنين الساكنين فيه وتوفر كل ما يحتاجوه من خدمات صحية وبلدية وتعليمية وعدالة اجتماعية والسكن الصالح والمدن النظيفة المنسقة الجميلة وتعمل على تنمية الشعور بالمواطنة بحيث يصبح الفرد أكثر التصاقا بوطنه وبحاضره يعمل ليلَ نهار على تطويره نحو الأحسن ويفتديه بروحه إن تعرض الى المهالك والحروب والمخاطر. الوطن له حدود مؤشرة ومثبتة في الخرائط الدولية وتحيط به أوطان من الجيران التي قد تختلف عنه في الأصل والتاريخ واللغة والدين والعادات وقد يرتبط الوطن بعلاقة طيبة مع هذه الأوطان المجاورة أو يدخل في خصومات وحروب إن اختلفوا على الحدود أو تضاربت المصالح الاقتصادية والسياسية فيما بينهم ..الوطن ككيان لم يظهر مع ظهور الانسان على الأرض وظهر مع ظهور الملكية الخاصة سواء في الأراضي والممتلكات وتشعبها وتنوعها وما اقتضت الظروف السياسية من الحفاظ على هذه الملكية من حدود كي لا تسمح لأيادي الآخرين من الامتداد اليها. ما ظهر في السابق في الأديان من مفهوم هو الأمة وكان يقصد به اعتناق الشعوب لأحد هذه الأديان السماوية اليهودية والمسيحية والاسلام كي تصبح أمة. هذا ما اشتغل عليه الفكر الديني فالغى الحدود الطبيعية بين البلدان واعتبر الوطن الى حيث تمتد العقيدة الدينية فإن كان هناك عند أقصى العالم من ينتمي الى دينه ومذهبه فإنه يعتبر جزءا من وطنه الذي يقف عليه وهذا ما قام به الملوك والخلفاء والسلاطين، أولياء الله في الأرض، بعد وفاة الرسول الكريم وحتى يومنا هذا، حيث تم احتلال البلدان وفرض دين الملك أو الخليفة أو السلطان على الشعب المُحتل وبحد السيف وفرض الجزية على الأديان الأخرى إن رفضت الدخول في دين البلد المستعمِر أو طردها من ديارها ومصادرة أراضيها، وتشكلت الامبراطوريات الاسلامية منذ زمن الخلفاء الراشدين واستمرت الى سقوط الامبراطورية العثمانية وكذلك الحال بالنسبة الى الامبراطورية الرومانية المسيحية، أما الديانة اليهودية فلم تتشكل منها امبراطورية لأنها ترفض التبشير بديانتها وجعلتها حكرا للطائفة اليهودية ولكن فكرها الديني استطاع أن يهيمن على العالم من خلال سياساته الاقتصادية والسياسية وجعلت العالم يدور في فلكه وفرض على الجميع عقيدته الدينية بأنهم شعب الله المختار وإلآههم يهوه، الذي سيظهر على جبل صهيون، من ستؤمن به كل الشعوب في النهاية وتخر راكعة له وهو من سيقودهم الى الخلاص والتحرر من نير العبودية والظلم، وكذا الحال مع الامبراطورية الفارسية المجوسية التي احتلت معظم مدن الشرق وبشرت بدينها والاهها اهورا مزدا والنبي (زرادشت)، اهورا مزدا خالق الحياة بفرعيها الخير والشر (الروح القدس والشيطان )  وستتحقق العدالة من خلال المنتظر الذي سيملأ الارض عدلا بعد أن ملأت بالجور والشر والظلم..لم يكن توسع تلك الامبراطوريات الدينية هدفه دينيا بحتا بل كان يضمر داخله الرغبة في استعباد الشعوب وتركيعها وسلب خيراتها وتحقيق أحلام ملوكها وقادتها بالتفرد والسطوة والقوة والعظمة واغتصاب نسائها وجلبهن جواريا ورقيقا تباع وتوهب الى المقاتلين لاشباع غرائزهم النهمة وجعل شبابها ورجالها خدما في بيوت السلاطين والاستيلاء على الأراضي والممتلكات وفرض الخراج على الأراضي الذي لم تعرفه الأديان السماوية، وحين ظهرت المذاهب في الأديان قام الصراع فيما بينها ودخلت في حروب مذهبية طائفية منذ قرون وحتى يومنا هذا. التاريخ يذكر معاهدة أرض روم الأولى عام 1823 ومعاهدة أرض روم الثانية عام 1947 بين الدولة القاجارية الشيعية في ايران والامبراطورية العثمانية السنية وكيف تم تقسيم الأراضي والمدن فيما بينهما وكيف رفع الايرانيون ايديهم عن السليمانية وأعطوها الى الحكومة العثمانية مقابل تخلي العثمانيون عن المحمرة وميناءها وجزيرة خضر والمرسى والضفة اليسرى من شط العرب وحق الملاحة لايران في شط العرب بملىء الحرية وذلك في محل مصب شط العرب في البحر..كل هذه الاتفاقيات حصلت لأسباب طائفية مذهبية دون مراعاة للأوطان التي تقع تحت سيطرتها وخاصة العراق الذي ما زال يعاني من هذه الحروب الدينية ومن هذا الفكر الديني الذي لا يقيم وزنا للأوطان ولا يعترف بها، وكل ما يهمه أن تمتد سطوته الفكرية أو المذهبية الى أبعد الحدود، بعد أن يلغي حدود الأوطان المستعمَرة، ودمجها مع حدوده لاشباع رغباته التسلطية التدميرية ضاربا عرض الحائط كل النصوص الدينية التي لم تتضمن مفهوم الوطن من اجل اقامة أمته وامبراطوريته باسم الدين، والدين منه براء، وإن سأله سائل يوما ما عن جرائمه فأنه يعمل على تأويل النصوص الدينية بما تنسجم مع رغباته المريضة وتتوافق مع مصالح طائفته وفكره الديني السياسي وهذا ما نلمسه اليوم من قادة أحزاب الاسلام السياسي الدينية في العراق السنية والشيعية فهم لا مانع لديهم بالتفريط بأي منطقة في البلد، لا يقدرون على اخضاعها بالقوة، ولا تدين بما يحملوه من انتماء مذهبي فلتذهب هذه المحافظة أو المدينة او القصبة الى أي جهة ترغب حتى وإن استولى عليها الأعداء، فالوطن بنظرهم الطائفة التي ينتمون اليها أما الآخرون المختلفون مذهبيا أو دينيا أو عرقيا فجميعهم أعداء لأنهم لا ينتمون الى ( وطنهم ) الذي هو طائفتهم ومذهبهم، وهذا ما نراه منذ عام 2003 بعد الاحتلال الامريكي للعراق وتفريطهم بالمدن العراقية واستيلاء الغرباء عليها من قوميات صغيرة طارئة تعيش في الوطن وتمددت في كل المدن وادعت تبعيتها لها بعد أن أشارت الى أتباعها في شتات الارض بالمجيء اليها والسكن فيها، ولا مانع لدى هذه الاحزاب إن امتدت يد بلدان الجوار واقتطعت أراض من البلد وضمتها الى حدودها.. الاسلام السياسي العراقي لا وطن له ، وأوطانهم الحقيقية هي البلدان التي على شاكلة طائفتهم وهذا ما نراه من ميول مفضحوة وليست سرية في انتسابهم لتلك البلدان والتبجح بالتبعية اليها وتقليد مرجعياتها الدينية، يحملون عداء لبلدهم العراق، الذي ينتسبون اليه بالظاهر، لأنه يضم هذه التشكيلة المتعددة من الأديان والمذاهب والأعراق.. يقاتلون العراق ويحاربون وطنهم الأصلي بإسم المذهب وهذا ما يصرحون به دائما، ويسرقونه لشعورهم بأنهم طارئون فيه.. الفكر الديني قاتل للأوطان..