اخر الاخبار

يُعد الاحتجاج السلمي إحدى الوسائل الحضارية التي يلجأ إليها المواطنون للتعبير عن رفضهم لقرار حكومي أو للمطالبة بحقوق يرون أنها لم تنل القدر الكافي من الاهتمام أو الحماية، وفي النظم الديمقراطية لا يُنظر إلى الاحتجاج بوصفه تحدياً لسلطة الدولة، بل بوصفه صورة من صور المشاركة العامة وإيصال الرأي إلى الجهات المختصة، غير أن نجاح الاحتجاج لا يتوقف على مشروعية أهدافه حسب، وإنما يعتمد أيضاً على طبيعة الوسائل المستخدمة في التعبير عنه، الأمر الذي يوجب الاهتمام بمفهوم بالغ الأهمية يتمثل في (ثقافة الاحتجاج السلمي)، ويقصد به مجموعة القيم والمعارف والضوابط القانونية والأخلاقية التي تحكم سلوك المحتجين وتوجه خطابهم وأفعالهم نحو تحقيق أهدافهم المشروعة دون التجاوز على حقوق الآخرين أو الإضرار بالنظام العام، فهي ثقافة تقوم على الوعي بالحقوق كما تقوم على الوعي بالواجبات، وتجمع بين حرية التعبير والمسؤولية الاجتماعية، وبين المطالبة بالإصلاح واحترام القانون،

أما من الناحية الفلسفية، فإن ثقافة الاحتجاج تنطلق من فكرة مفادها أن الحرية لا تمارس في الفراغ، وإنما ضمن إطار قانوني يضمن التوازن بين الحقوق المتعارضة، فالاحتجاج لم يكن مجرد فعل يعبر عن غضب جماعي، بل هو خطاب اجتماعي منظم يهدف إلى التأثير في القرار الرسمي او الحكومي او أي قرار يصدر عن سلطات الدولة وإحداث التغيير بالوسائل السلمية، لذلك فإن الاحتجاج الحضاري لا يقاس بحدة الشعارات ولا بعلو الأصوات، وإنما بقدرته على تحويل المطالب الشعبية إلى رسالة واضحة ومشروعة ومؤثرة،

في العراق تكتسب ثقافة الاحتجاج السلمي أهمية مضاعفة بسبب الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي مرت بها البلاد خلال العقود الماضية، وما رافقها من تحديات تتعلق بالخدمات العامة وفرص العمل ومكافحة الفساد وتحقيق العدالة الاجتماعية، حتى أصبحت الاحتجاجات في مراحل مختلفة من تاريخ العراق الحديث وسيلة للتعبير عن المطالب الشعبية ورغبة المواطنين في تحسين أداء مؤسسات الدولة، لذلك فان ترسيخ ثقافة احتجاج سلمية واعية يمثل ضرورة وطنية تسهم في تحويل الاحتجاج من حالة انفعال مؤقت إلى أداة إصلاح مدني فاعلة،

وقد كفل الدستور العراقي هذا الحق حين نصت المادة (38) منه على أن الدولة تكفل، بما لا يخل بالنظام العام والآداب، حرية التعبير عن الرأي بكل الوسائل، وضمان حرية الاجتماع والتظاهر السلمي، ويكشف هذا النص عن حقيقة دستورية مهمة مفادها أن المشرع الدستوري اعترف بالاحتجاج والتظاهر السلمي بوصفهما حقاً أساسياً، لكنه في الوقت ذاته ربط ممارستهما باحترام النظام العام والآداب العامة وعدم الخروج على القانون.

ومن هذا الحق الدستوري تتجلى أهمية ثقافة الاحتجاج، حيث إن بعض الاحتجاجات الجماعية قد تشهد صدور هتافات أو عبارات من أفراد أو مجموعات محدودة تتضمن سباً أو قذفاً أو ألفاظاً نابية أو خادشة للحياء، او ارتكاب أفعال العتداء على المال العام او الخاص، واحياناً عنف مثلما حصل من بعض المحتجين في أيام تشرين عام 2019، ومثل هذه الأفعال لا تدخل ضمن نطاق حرية التعبير المحمية دستورياً، بل قد تندرج ضمن أفعال يعاقب عليها القانون، لان حرية الرأي لا تمنح صاحبها حق الاعتداء على كرامة الآخرين أو سمعتهم أو حقوقهم الشخصية او املاكهم وحياتهم، لذلك فان الفرق كبير بين المطالبة بالإصلاح أو انتقاد الأداء الحكومي، وبين توجيه الإهانات أو الاتهامات غير المشروعة للأفراد أو المؤسسات والاعتداء على حياة المواطنين واملاكهم،

كما تقتضي ثقافة الاحتجاج وضوح الهدف لدى جميع المشاركين، فالاحتجاج الذي تكثر فيه المطالب المتعارضة أو الشعارات المتناقضة يفقد قدرته على التأثير والإقناع، مما يتعين الاتفاق مسبقاً على المطالب الأساسية التي من أجلها انطلق الاحتجاج، وأن يكون هناك تصور واضح للرسائل المراد إيصالها إلى الرأي العام والسلطات المختصة، وفي هذا السياق يقول احد المفكرين العرب (الدكتور نديم البيطار)، بان الأفكار والمبادئ تبقى مثل الانسان العاري، فانه يتوارى عن الأنظار، حتى اذا لبس ثيابا تستره ظهر للناس، والأفكار كذلك تبقى في خفاء عن الجماهير حتى تلبس لباساً من الشعارات التي يهتف بها الجمهور ومنهم المحتجين، فتظهر عند ذاك للعلن معبرة عن غاياتها ومطالب المنادين بها، نقلا بتصرف عن المفكر الدكتور نديم البيطار في كنابه الموسوم (الايدلوجية الانقلابية، منشورات المؤسسة الاهلية للطباعة والنشر في بيروت، طبعة عام 1964، ص 361)

والمجتمع العراقي، بما يتميز به من تنوع ديني وقومي ومذهبي واجتماعي، فانه بحاجة ماسة إلى خطاب احتجاجي وطني جامع يركز على المصالح العامة المشتركة، ويبتعد عن كل ما من شأنه إثارة الانقسامات أو تغليب الانتماءات الفرعية على حساب الهوية الوطنية، فالاحتجاج السلمي كلما انطلق من مفهوم المواطنة الجامعة، ازداد تأثيره ومشروعيته، وأسهم في تعزيز السلم الأهلي وتقوية أواصر الوحدة الوطنية،

لذلك فان من مقتضيات ثقافة الاحتجاج السلمي، هو اختيار ممثلين أو ناطقين باسم المحتجين يتولون صياغة بيان موحد يتضمن المطالب والأسباب والحلول المقترحة، فالتعبير المؤسسي المنظم يمنح الاحتجاج مصداقية أكبر ويمنع استحواذ الأصوات المتطرفة أو الانفعالية على المشهد، كما يساعد الجهات الحكومية على فهم المطالب والتعامل معها بصورة أكثر جدية وفاعلية،

ولا تقتصر ثقافة الاحتجاج على الخطاب وحده، بل تمتد إلى السلوك، فاحترام الممتلكات العامة والخاصة، والحفاظ على المؤسسات، وتجنب العنف اللفظي والمادي، والالتزام بالتعليمات القانونية المنظمة للتجمعات العامة، كلها عناصر تعكس نضج الحركة الاحتجاجية وتحولها من حالة انفعال مؤقت إلى ممارسة مدنية راقية، كذلك فان نشر الوعي القانوني بين الشباب، الذين يشكلون النسبة الأكبر من المشاركين في الاحتجاجات، سوف يسهم في ترسيخ القيم السلمية والانضباط، ويحول دون استغلال المطالب المشروعة من قبل الجهات الساعية إلى الفوضى أو التصعيد غير المشروع،

إاما عن نشر وترسيخ ثقافة احتجاج سلمية راسخة، فانه لا يعد مسؤولية المحتجين وحدهم، بل هو مسؤولية مشتركة بين الدولة والمؤسسات التعليمية ووسائل الإعلام ومنظمات المجتمع المدني، والأحزاب العريقة المتجذرة وطنيتها في المجتمع، فانها جميعاً مطالبة بتعزيز قيم الحوار والتسامح واحترام الرأي الآخر ونشر الثقافة الدستورية والقانونية، بما يرسخ الثقة المتبادلة بين المواطن ومؤسسات الدولة ويجعل الاحتجاج وسيلة للإصلاح والتقويم لا سبباً للتوتر والانقسام،

لذلك نقول بأن الاحتجاج الناجح ليس ذلك الذي يثير أكبر قدر من الضجيج، وإنما ذلك الذي يحقق أكبر قدر من الإقناع، فكلما ارتفع مستوى الوعي القانوني والأخلاقي لدى المحتجين، واتسقت شعاراتهم مع أهدافهم، وابتعدوا عن التجاوزات اللفظية والسلوكية، ازدادت فرص نجاح مطالبهم وكسبهم لتعاطف المجتمع والرأي العام، ولهذا يمكن القول إن ثقافة الاحتجاج تمثل الركن المكمل للحق في الاحتجاج، فالحق يمنح المشروعية، أما الثقافة فتوفر الفاعلية وتحول المطالبة بالحقوق من مجرد هتافات عابرة إلى مشروع إصلاح مجتمعي منظم ومسؤول،

وفي العراق على وجه الخصوص، لا تمثل ثقافة الاحتجاج السلمي مجرد وسيلة للمطالبة بالحقوق، بل تمثل إحدى ركائز بناء الدولة الدستورية الحديثة، لأنها تحول المطالب الشعبية من ردود أفعال آنية إلى مشاركة مدنية واعية تسهم في الإصلاح وترسيخ قيم المواطنة وسيادة القانون، وبذلك يصبح الاحتجاج السلمي أداة للبناء الوطني وتعزيز الاستقرار والتنمية، لا مجرد وسيلة للاعتراض أو التعبير عن الرفض.

ــــــــــــــــــ

*قاضٍ متقاعد