اخر الاخبار

في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تعصف بمنطقة الشرق الأوسط، لم يعد المشهد يقتصر على الصراعات التقليدية المباشرة، بل تجاوزها نحو إعادة رسم كاملة لخرائط النفوذ والردع، حيث ظهرت قبل أيام قلائل تحركات استراتيجية لا يمكن وصفها إلا بالخطيرة تشير إلى أن المعركة القادمة ضد إيران لن تدار من القواعد الشمالية المعتادة فحسب، بل يجهز لها من "الخاصرة الجنوبية" الرخوة، وتحديداً عبر محور جديد يمتد من "أرض الصومال" في القرن الأفريقي، مروراً بجزر اليمن الاستراتيجية، وصولاً إلى عمق المحيط الهندي.

ويرى محللون أن هذه الهندسة الجديدة لمسرح العمليات، والتي تقودها إسرائيل بدعم وتمويل إماراتي، لم تمر دون أن تفجر صراعاً دموياً مكتوماً بين الحلفاء المفترضين، حيث وجدت الرياض نفسها مضطرة لاستخدام "القوة الخشنة" ضد شريكتها أبوظبي في اليمن، في سابقة تنذر بانهيار التحالفات القديمة وتشكل واقع جديد ومعقد.

ومما يقال في الدهاليز ولا يُعلن علناً إن نقطة الارتكاز في هذا المخطط الجديد تتمثل في الصفقة التي طفت على السطح عام 2024، والقاضية بالاعتراف بـ "أرض الصومال" كدولة مستقلة، في خطوة تتجاوز الأعراف الدبلوماسية لتصب في خانة التموضع العسكري المباشر.

وتشير المعلومات الاستخبارية إلى أن الثمن المقابل لهذا الاعتراف هو منح إسرائيل قاعدة جوية متقدمة ونفوذاً استخباراتياً واسعاً في المنطقة بدعم إماراتي مباشر. 

ويقول محللون إن الهدف الأساسي من وراء إنشاء قاعدة "بربرة" التي ستشغلها الإمارات وتستخدمها إسرائيل، يتجاوز فكرة التواجد الرمزي، ليكون منصة وثب عملياتية تتيح للمقاتلات الإسرائيلية الانطلاق لضرب أهداف في "وسط وجنوب إيران" بمرونة أكبر ومسافة أقصر، متجاوزة بذلك التعقيدات الجغرافية والدفاعات الجوية الكثيفة في المسارات الشمالية، وموفرة في الوقت ذاته ميزة لوجستية هائلة تقلل من الحاجة المعقدة للتزود بالوقود في الجو، وهو ما يعني عملياً أن تل أبيب باتت تمتلك "مخلباً جنوبياً" قادراً على الوصول إلى العمق الإيراني وحتى العراقي من زوايا غير متوقعة.

ولا يتوقف الطموح الإسرائيلي-الإماراتي عند حدود توجيه الضربات لإيران، بل يتمدد ليشمل السيطرة المحكمة على ممرات الملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب، عبر خلق "كماشة" استراتيجية تحاصر جماعة "أنصار الله" (الحوثيين) في اليمن؛ فبينما يسيطر الحوثيون على شمال اليمن وسواحله الغربية المطلة على البحر الأحمر، تأتي القاعدة الجوية في "أرض الصومال" لتشكل الضلع الجنوبي المقابل، مما يضع الحوثيين بين فكي قوة نارية وبحرية متكاملة تهدف إلى تحييدهم وضمان عدم قدرتهم على إغلاق المضائق، إضافة إلى تشكيل قوة ردع بحرية في مواجهة مصر من بوابتها الجنوبية، لضمان الهيمنة على حركة التجارة والطاقة العالمية. هذا التمدد لم يكن ليمر بسلام، فقد أشعل فتيل أزمة وجودية مع المملكة العربية السعودية التي رأت في هذا التوغل الإماراتي-الإسرائيلي في محيطها الحيوي تهديداً لأمنها القومي لا يقل خطورة عن التهديد الإيراني، خصوصاً مع محاولات التوغل نحو محافظات حضرموت والمهرة اليمنية المحاذية لحدودها.