اخر الاخبار

ي ليلة مزدحمة على ضفاف شط العرب، كانت البصرة تتهيأ لاستقبال عام جديد، أضواء معلّقة، وموسيقى تختلط بأصوات المارة، وعائلات اختارت أن تهرب لبعض ساعات من ضيق الاقتصاد وقلق السياسة.

وسط هذا المشهد المضيء، خرجت إلى العلن صور مغايرة تماماً: فتاة محاصرة بين دوائر من الأجساد، خطواتها تتراجع إلى الخلف فيما الأيدي تحاول الاقتراب، والهواتف مرفوعة لتوثيق اللحظة لا لوقفها.

خلال ساعات قليلة، انتقلت تلك اللقطات من شاشات الهواتف إلى وعي مدينة كاملة، ثم إلى مدن أخرى شهدت حوادث متشابهة في احتفالات رأس السنة، لتبقى الفتاة المجهولة بمثابة وجه مكثف لأسئلة أكبر عن علاقة المجتمع بجسد المرأة، وعن حدود الأمان في الشارع العراقي عندما يتحول الزحام إلى غطاء لسلوكيات جارحة.

حادثة البصرة.. ليلة احتفال تتحول إلى إنذار

هذه التسجيلات، بما حملته من صور تحرش جماعي، لم تُقرأ داخل كثير من الأوساط بصفتها حوادث فردية مفصولة عن السياق، بل تم التعامل معها كعلامة على خلل أعمق يتجاوز المكان والزمان. فجزء من الرأي العام ذهب سريعاً إلى تفسير ما جرى عبر عيون متمسكة بمنظومة قيم تقليدية، لتُعاد صياغة المشهد تحت عنوان ملخص يقول إن المشكلة تبدأ من "الملابس الفاضحة" و"عدم مراعاة خصوصية المجتمع المحافظ". في هذا المنظور، تُحمّل المرأة جانباً كبيراً من المسؤولية عن الاعتداء الذي تتعرض له، ويُقدَّم خروجها بملبس معيّن في فضاء عام مكتظ كأنه دعوة مفتوحة للتجاوز، أو على الأقل كمغامرة غير محسوبة في بيئة توصف بأنها محافظة دينياً وعشائرياً، وأنها لا تتقبل أنماطاً جديدة من الحضور النسوي في الشارع. هذه القراءة تستند إلى إحساس عميق لدى أصحابها بأن تغير أنماط اللباس والسلوك في جيل الشباب يجري بسرعة أكبر من قدرة المجتمع على التكيّف، فتتحول كل حادثة من هذا النوع إلى فرصة إضافية للتأكيد على خطاب يربط بين الانحراف الأخلاقي وبين المظهر الخارجي للنساء.

بين من يحمّل المرأة المسؤولية ومن يرفض ذلك

في المقابل، برزت قراءة أخرى لا تقل حضوراً، ترى في هذا التفسير نوعاً من التواطؤ غير المعلن مع المتحرش، لأنه ينقل مركز الثقل من الفعل الجارح إلى الضحية نفسها، ويجعل الكلام يدور حول "ماذا كانت ترتدي؟" بدل أن ينطلق من سؤال بسيط وحاسم: من الذي اعتدى، وكيف يُحاسب؟ أصحاب هذا الاتجاه، من ناشطات وخبراء قانونيين وفاعلين في مجال حقوق الإنسان، يرون أن التحرش سلوك يلاحق النساء والفتيات مهما اختلفت ملابسهن، وأن الوقائع المسجلة في الشارع العراقي، من أسواق شعبية إلى أماكن ترفيهية ومن شوارع مزدحمة إلى أحياء سكنية، تظهر أن الضحية يمكن أن تكون طالبة بزي محتشم أو عاملة بحجاب كامل أو طفلة ترافق أسرتها، وأن الرابط المشترك بين هذه الحالات ليس نوع اللباس، بل غياب الردع الفعّال، وتسامح أجزاء من المجتمع مع تحويل جسد المرأة إلى ساحة مفتوحة للتعليق أو الملامسة أو المطاردة. في هذه المقاربة، يصبح التركيز على المظهر محاولة للهروب من مواجهة المسؤول الحقيقي: شخص قرر أن يعتدي مستغلاً الزحام وضعف الرقابة، ومؤسسات لم تنجح في أن تجعل من القانون سيفاً مرفوعاً فوق رأس كل من يقدم على هذا الفعل.

منظمات حقوق المرأة تدخل على الخط

وسط هذين الاتجاهين، تحاول منظمات حقوقية أن تربط الصورة المتشظية بخيوط أكثر وضوحاً. فقد أكدت منظمة معنية بحقوق المرأة العراقية، وجود 3 عوامل رئيسية تقف وراء تنامي ما وصفته بـ"الظاهرة السوداء"، في إشارة إلى تنامي حالات التحرش، ولا سيما خلال المناسبات العامة. وقالت رئيسة منظمة الإلهام المعنية بحقوق النساء، إلهام قدوري، في حديث لـ"بغداد اليوم"، إن "ما جرى رصده عبر منصات التواصل الاجتماعي من مقاطع فيديو توثق حالات تحرش جماعي في عدد من المحافظات خلال احتفالات رأس السنة، يعد أمراً حقيقياً ومثيراً للقلق، وبعضه كان مفزعاً". وأضافت أن "هذه المشاهد تؤكد خطورة ظاهرة التحرش التي برزت للأسف خلال السنوات الأخيرة نتيجة عدة عوامل، أبرزها انتشار المخدرات، وما تروّجه بعض المنصات من أفكار شاذة، فضلاً عن تكرار حالات الإفلات من العقاب". وشددت قدوري على "ضرورة اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المتورطين في هذه الأفعال المسيئة للمجتمع، من خلال التطبيق الصارم لقانون العقوبات العراقي"، داعية في الوقت ذاته "المؤسسات الدينية، والنخب العشائرية والاجتماعية، ومنظمات المجتمع المدني، إلى جعل ملف التحرش ضمن أولوياتها عبر التوعية المجتمعية والتأكيد على أن هذه الظاهرة سلبية وتستدعي وقفة جادة". وأوضحت أن "التفاعل الجاد مع هذه القضايا ودعم فرض إجراءات قانونية مشددة بحق المتورطين يشكلان الخطوة الأولى لمعالجة الظاهرة"، مؤكدة أن "تطبيق القانون هو البداية الصحيحة لاستئصال سلوك خطير قد يتمدد إلى مناطق أخرى، ما يضع المجتمع أمام واقع سلبي مقلق".

ثلاثة عوامل تغذّي الظاهرة السوداء

هذا التشخيص يذهب أبعد من حصر المسألة في حدود ما ترتديه النساء، ويعيد توجيه البوصلة نحو منظومة كاملة تتداخل فيها العوامل النفسية والاجتماعية والقانونية. انتشار المخدرات مثلاً لا يُقرأ هنا كمعطى جنائي منفصل، بل كبيئة خصبة لتراجع الضوابط الذاتية وتضاؤل الإحساس بالمسؤولية تجاه الآخر، حيث يتراجع الشعور بالذنب ويتقدم شعور زائف بالقوة والتمرد. المنصات التي تروّج "أفكاراً شاذة" لا تُختزل في مقاطع عابثة، بل تتحول إلى ورشة يومية لإعادة إنتاج صورة المرأة كموضوع يُستهلك، لا كإنسان له حرمة وحدود، فيما الإفلات المتكرر من العقاب يشدّ هذه الخيوط كلها معاً، ليشكّل الأرضية التي يمكن أن يقف عليها أي متحرش يشعر بأن احتمالات ملاحقته ضعيفة أو قابلة للتسوية خارج القانون.

الملابس بين منطق اللوم ومنطق الحماية

في هذا الإطار يصبح الخلاف بين اتجاه يحمّل لباس المرأة جزءاً من المشكلة، وآخر يرفض هذا المنطق من جذوره، أكثر من مجرد تباين في وجهات النظر. الاتجاه الأول يقدم تفسيراً يبدو للوهلة الأولى بسيطاً ومباشراً: إذا التزمت النساء بحد معيّن في الملبس، فإن فرص التحرش تنخفض. لكن هذا الطرح يتجاهل حقيقة أنّ كثيراً من الوقائع التي وثقتها الأسر أو المنظمات الحقوقية جرت في بيئات محافظة جداً، ولم تكن الضحايا فيها مخالفات لأي معيار اجتماعي متعارف عليه في المظهر، بل كنّ ببساطة موجودات في "المكان الخطأ في الوقت الخطأ" أمام شخص قرر أن يتجاوز كل الخطوط. الاتجاه الثاني يستند إلى هذا النوع من الوقائع ليقول إن ربط التحرش بالمظهر هو اختزال مريح، ينقل اللوم من الفاعل إلى الضحية، ويحوّل قضية عامة تتعلق بحماية الفضاء المشترك إلى ملف خاص يُلقى على كاهل الفتاة وحدها، ويطلب منها أن تراقب كل تفصيلة في حياتها اليومية لتتجنب أن تُعتدى، بدلاً من أن يُطلب من الآخرين ألا يعتدوا.

القانون بين النص والواقع

ما بين تبرير ضمني يختبئ خلف لغة "النصيحة" للنساء، ومطالبة واضحة بأن يكون القانون هو المرجع الوحيد، يبرز سؤال الدولة ومؤسساتها. فحين تتحدث رئيسة منظمة الإلهام عن "التطبيق الصارم لقانون العقوبات العراقي" فهي لا تضيف مادة جديدة إلى النصوص القائمة، بل تذكر بما هو موجود على الورق، مع فارق واحد حاسم: كيف يُترجم هذا الورق إلى ممارسات في الشارع ومراكز الشرطة والمحاكم؟ تجربة السنوات الماضية أظهرت أن كثيرا من الحالات تنتهي إلى الصمت، لا بسبب غياب النص القانوني، بل بسبب الخوف من الوصمة، أو التعقيدات الإجرائية، أو الرغبة في إغلاق الملف "بهدوء" حفاظاً على السمعة العائلية. هذا المسار يترك أثراً مضاعفاً: ضحية تشعر بأنها تُترك وحدها، وجانٍ يخرج بإحساس إضافي بأن الطريق أمامه مفتوح لتكرار السلوك.

دور المنابر الدينية والعشائرية والمدرسة

هنا تحديداً يبرز الدور الذي تشير إليه قدوري عندما تدعو "المؤسسات الدينية، والنخب العشائرية والاجتماعية، ومنظمات المجتمع المدني" إلى أن تجعل ملف التحرش ضمن أولوياتها. فالمسألة لا تنحصر في معركة قانونية باردة داخل أروقة القضاء، بل تمتد إلى قدرة المنابر الدينية والعشائرية والإعلامية على تغيير سردية العيب والخجل، من سردية تلوم الضحية إلى سردية تجعل التحرش نفسه فعلاً فاضحاً وصاحبه موضع إدانة اجتماعية واسعة. عندها فقط يمكن لتشديد العقوبة القانونية أن يجد حزاماً داعماً من التقاليد والقيم، بحيث تصبح حماية النساء في الأماكن العامة جزءاً من شرف المجتمع، لا استثناءً يترك للتقدير الفردي.

خيارات المجتمع العراقي في السنوات المقبلة

في المحصلة، ما يكشفه مشهد تلك الفتاة المحاصرة في البصرة، وما تبع ذلك من حالات في محافظات أخرى، هو أنّ العراق يعيش لحظة اختبار حقيقية في علاقته بالفضاء العام وبالنساء فيه. الاتجاه الذي يحمّل المظهر المسؤولية يحاول أن يعيد المجتمع إلى منطقة آمنة بالنسبة له، لكنه يعرّض الضحايا لخطر مضاعف: خطر الاعتداء وخطر اللوم. والاتجاه الذي يصر على أنّ التحرش جريمة لا تبررها أي ذريعة يسعى إلى نقل الكلام إلى مكان آخر، حيث الدولة مسؤولة عن الردع، والمجتمع مسؤول عن كسر صمت الضحية، والمنصات الرقمية مطالبة بأن تتوقف عن تقديم السلوك الجارح كأنّه مادة ترفيهية. بين هذين المسارين ستتشكل ملامح السنوات المقبلة: إما فضاء عام تهيمن عليه نصائح موجّهة للنساء عن "كيف يحمين أنفسهن"، وإما فضاء تُبنى فيه ثقافة جديدة تقول بوضوح إنّ من يريد أن يحتفل في الشارع العراقي، عليه أولاً أن يتعلم احترام من يشاركونه هذا الشارع، نساءً ورجالاً، لا أن يحوّل الفرح إلى مناسبة لولادة "ظاهرة سوداء" أخرى.