وكالات

تدخل الاحتجاجات في إيران اليوم الأحد أسبوعها الثالث، بعدما انطلقت في 28 ديسمبر/ كانون الأول الماضي من إضراب بازار طهران الكبير، تعبيراً عن غضب التجار لعدم استقرار الأسواق واضطرابها وهبوط الريال بحدّة. وسرعان ما انتقلت العدوى إلى مدن صغيرة بالقرب من الحدود مع العراق، حيث تقع المواقع الصاروخية الإيرانية، ثم امتدّت إلى مناطق أخرى مع مرور الوقت، مخلّفةً عشرات القتلى ومئات الجرحى والمعتقلين، وسط علامات استفهام كبيرة عما ستؤول إليه الأحداث. وكانت الاحتجاجات ليل الخميس ـ الجمعة الماضي الكبرى منذ اندلاعها، بعد دعوات لها من قِبل نجل الشاه السابق رضا بهلوي المقيم في الولايات المتحدة. تحوّل العديد من المدن الإيرانية، خصوصاً طهران، ليل الخميس ـ الجمعة، إلى ساحة للاحتجاج ومواجهات دامية وأعمال عنف وقمع وتخريب واسعة، طاولت عشرات المنشآت والمباني الحكومية والمساجد وسيارات إطفاء الحريق ومقرات الشرطة والباسيج وحافلات نقل. وخلّفت التظاهرات في هذه الليلة، والتي تخلّلتها مظاهر مسلحة، بحسب مشاهد بثها التلفزيون الإيراني، عشرات القتلى والإصابات من الطرفين، لم يُعلن عنها رسمياً، من بينها عدد من قوات الشرطة والباسيج والمدعي العام لمدينة إسفراين شرقي إيران علي أكبر حسين زادة برفقة أربعة من الباسيج. ومنذ ليل الخميس ـ الجمعة، قطعت السلطات في إيران الإنترنت الدولي كلياً، فضلاً عن الاتصالات من الخارج وإليه.

 

وعيد وقطع الإنترنت

غداة هذه الاحتجاجات العنيفة، أكّد المرشد الإيراني علي خامنئي أن "زمرة من المخربين" قامت في طهران ومدن أخرى بتخريب مباني منشآت تابعة للدولة، لـ"إثلاج صدر" الرئيس الأميركي دونالد ترامب، مضيفاً في لقاء مع عدد من سكان مدينة قم جنوبي طهران في ذكرى هبة 1978 ضد النظام بهلوي أن ترامب عاجز عن إدارة بلده، لكنه يعلن دعمه لـ"المخربين" في إيران، وقائلاً إن مصيره سيكون مصير المتنمرين في التاريخ. ودعا خامنئي الشباب الإيرانيين إلى "حفظ الوحدة"، مؤكداً أن "الشعب الموحد سيتغلّب على أي عدو"، مشدّداً على أن الجمهورية الإسلامية "لن تتراجع أمام مثيري الشغب" وأنها "لن تحتمل العمالة للعدو".

ثم توالت ردود فعل مختلف الأجهزة الإيرانية من القضاء إلى الاستخبارات ومجلس الأمن القومي على هذه الأحداث، وسط وعيد لـ"مثيري الشغب" وتهديد بإنزال أشد العقوبات ضدهم والتي تصل إلى حدّ الإعدام. كذلك، بدأت مسيرات متعددة في مدن إيرانية عدة، داعمة للثورة ومنددة بـ"أعمال العنف والشغب". وقال أمين مجلس الأمن القومي الإيراني علي لاريجاني، ليل الجمعة ـ السبت، في حديث مع التلفزيون الإيراني، إن البلاد "تواجه جماعات شبه إرهابية منظمة" خلال الاحتجاجات، مضيفاً أن أعداء إيران بصدد ضرب استقرارها تمهيداً لشن حرب عليها. غير أن المدن الإيرانية كانت ليل الجمعة ـ السبت أقل تشنّجاً وهادئة نسبياً بالمقارنة مع الليلة التي سبقتها، فرغم تجمّعات في نقاط عدة في طهران، إلّا أنها كانت أقل زخماً من مساء الخميس ولم تسجل أعمال عنف.

ولا تُعلن سلطات إيران في هذه الحالات حصيلة القتلى والجرحى والمعتقلين، إلا بشكل متفرق، ليحال الأمر إلى تقديرات وتوثيقات مؤسسات حقوقية في الخارج أو وسائل إعلام معارضة تتحدّث عن نحو 65 قتيلاً حتى الآن، بينهم 15 شرطياً. وبحسب تقارير متفرقّة لوسائل إعلام وتصريحات إيرانية متفرقة، فقد قتل في هذه الاحتجاجات حتى أمس السبت أكثر من 15 عنصراً في الشرطة والأمن والباسيج والقضاء. كذلك أعلن المتحدث باسم الشرطة الإيرانية سعيد منتظر المهدي إصابة نحو 270 شرطياً في الاحتجاجات. كذلك الحال بالنسبة للجرحى المقدّر عددهم بالعشرات، والمعتقلين الذين تحدّث موقع هرانا عن أكثر من 2311 منهم.

 

خريطة الاحتجاجات

مع عودة الاحتجاجات، حاولت السلطات الإيرانية هذه المرة، عبر تبنّي مفردات وأدبيات مختلفة عن السابق، مثل الاعتراف بحق الاحتجاج، واستمالة المحتجين لاحتواء الموقف، مع إصدار الرئيس مسعود بزشكيان تعليمات بالحوار مع ممثلين عن السوق وعدم مهاجمة المحتجين. لكن هذا النهج لم ينجح في احتواء الاحتجاجات. وشهدت الاحتجاجات تذبذبات وتحوّلت إلى تجمعات ليلية خلال أيامها العشرة الأولى، فضلاً عن تحركات احتجاجية متفرّقة لأسواق في طهران وغيرها. وخلال هذه الفترة، كانت مدن صغيرة في إيلام ولرستان وجهار محال بختياري معقل التظاهرات التي تحوّلت إلى أعمال عنف، قُتل فيها محتجون وقوات للشرطة. وشهدت نحو 48 مدينة إيرانية احتجاجات متفرقة، بحسب ما رصدت "العربي الجديد"، غير أن الاحتجاجات منذ الثلاثاء الماضي أصبحت تكتسب زخماً وتوسعاً في المحافظات الإيرانية مع ارتفاع أعمال العنف، وذلك بعد عودة أسواق طهران إلى الإضراب والاحتجاج على خلفية تبعات قرارات حكومية جديدة بإلغاء العملات التفضيلية لاستيراد السلع، وتحويلها إلى مبالغ شهرية للمواطنين وكذلك تحرير أسعار الصفر الحكومية والتي عجلت هبوط الريال وصعود الدولار. والأمران أدّيا إلى طفرة في ارتفاع أسعار السلع في الوقت ذاته، ما أبطل مفعول زيادة الدعم الشهري المباشر للمواطنين الإيرانيين وسط مخاوف كبيرة من غلاء فاحش في الأيام المقبلة.

وبدأ ثقل الاحتجاجات في إيران ينتقل من الأسواق إلى الشوارع، وأصبحت تتمدّد إلى المحافظات الإيرانية بمعظمها، البالغ عددها 31، في الأيام الأخيرة، خصوصاً الخميس الماضي، حيث زادت التجمّعات الاحتجاجية عدداً وكثافة مساء الخميس، إثر دعوات للإضراب والاحتجاج، أطلقها زعيم التيار الملكي الإيراني المعارض رضا بهلوي. واعتادت إيران خلال السنوات الماضية على احتجاجات اقتصادية واجتماعية وسياسية، كانت أكبرها أواخر 2022، لكن الاحتجاجات هذه المرة تأتي في ظروف داخلية وإقليمية ودولية مختلفة تماماً عن سابقاتها، إذ جاءت في ظل أزمات داخلية متراكمة وكذلك بعد ستة أشهر من حرب إسرائيلية أميركية على إيران وعودة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى السلطة، والذي هدّد بالتدخل "إذا قتلت السلطات الإيرانية المتظاهرين"، فضلاً عن دعوات وتصريحات إسرائيلية تحريضية تدعو الإيرانيين للنزول إلى الشارع وإسقاط النظام.

ومع استمرار التظاهرات، برز أمران؛ الأول خروجها عن طابعها الاقتصادي وانتقالها إلى الشارع بطابع سياسي، وهذا ما يظهر في طبيعة هتافات المتظاهرين خلال الأيام الأخيرة، وخاصة مساء الخميس، إذ تحوّلت الهتافات من اقتصادية إلى سياسية، مثل "الموت للديكتاتور"، وأخرى لمصلحة بهلوي، والأمر الثاني زيادة الاحتكاك والاصطدام بقوات الأمن والشرطة ووقوع مواجهات وأعمال عنف وتخريب، زاد زخمها الخميس الماضي. في الأثناء، بدأ مشاهير إيرانيون معروفون في السينما والرياضة يدخلون على الخط، بدعمهم المتظاهرين وإدانتهم العنف تجاههم والدعوة إلى عدم قمعها.