العربي الجديد
على الرغم من عودة الحياة إلى الشوارع والأسواق في إيران ونشاطها خلال الأسبوع الحالي، عقب ليلتين داميتين في الثامن والتاسع من شهر يناير/كانون الثاني الحالي، إلا أن تداعياتهما لا تزال مستمرة، وسط أجواء من الحزن تخيم على البلاد، بعد سقوط ضحايا بالآلاف. وفي ظل تمسك كل من السلطات الإيرانية والمعارضة بروايتيهما المتناقضتين حول أسباب وظروف هذه الأحداث، تسود حالة من الترقب بانتظار ما ستقدم عليه الإدارة الأميركية عقب وصول قطعها البحرية الحربية إلى المنطقة، وما إذا كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب سينفذ تهديداته بتوجيه ضربات إلى إيران أم لا.
وفي خطوة نادرة، أصدر رؤساء السلطات الثلاث في إيران؛ التنفيذية (مسعود بزشكيان)، والتشريعية (محمد باقر قاليباف)، والقضائية (غلام حسين محسني إيجئي)، اليوم الاثنين، بياناً مشتركاً، أكدوا فيه بذل جهود شاملة لحل مشكلات البلاد، في وقت أكد فيه القائد العام لقوات شرطة إيران، أحمد رضا رادان، في حديث للتلفزيون الإيراني، أن الأمن استتب بالكامل بمدن البلاد.
وجاء في بيان رؤساء السلطات، أن الشعب الإيراني أحبط "أعقد مؤامرة دبرتها قوى العدو ضد وحدة إيران القوية والمستقلة". ووصف البيان الأحداث الأخيرة في إيران بأنها "فتنة معقدة" من تدبير "أعداء الثورة الإسلامية القدامى، وبدور عناصر إرهابية ومشاغبين غير وطنيين"، مشيراً إلى أن يقظة الشعب الإيراني في "الفصل بين صفوف المحتجين والمثيرين للشغب، وجهاد المدافعين عن البلاد من قوات الشرطة والحرس الثوري والباسيج، قد أحبط المخطط القذر لمصممي هذه المؤامرة".
وفي محاولة لطمأنة الشارع في ظل هذه الأزمة الاقتصادية المتفاقمة، أكد رؤساء السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية الإيرانية، التزامهم وبذلهم جهوداً على مدار الساعة لحل المشكلات المعيشية والاقتصادية، وضمان الأمن العام. وحول الاحتجاجات والأحداث الدامية الأخيرة التي وصفوها بأنها "إرهابية"، أكد المسؤولون اهتمامهم بالكشف عن أسباب وجذور وقوعها، مع مراعاة "أقصى درجات الإنصاف والعدالة". كما شددوا على "العقاب الحازم للقتلة ومثيري الفتنة الإرهابيين"، منوهين في الوقت نفسه بضرورة تطبيق "الرأفة الإسلامية واللين" تجاه من قالوا إنهم "خُدعوا ولم يكن لهم دور أساسي في الأحداث الإرهابية".
الشرطة الإيرانية: الأمن مستتب تماماً
وفي هذا السياق، أكد القائد العام لقوات شرطة إيران، أحمد رضا رادان، في حديث للتلفزيون الإيراني، أن الأمن قد استتب بالكامل بمدن البلاد، مؤكداً أنه "لا توجد أي مشكلة تُسمّى بعدم أمن أو شعور سلبي" بغياب الأمن. وشدد رادان على "أننا سنلاحق مثيري الشغب كافة، وسنطارد الإرهابيين حتى آخر فرد". وأوضح أنه تم القبض على عدد كبير منهم، وقد اعترفوا جميعاً باعترافات تضمنت "دورهم في العنف والقتل والنهب"، قائلاً إنه تم تشكيل ملفات قضائية لهم، وهي قيد الإجراء أمام السلطات القضائية.
استمرار الاعتقالات
وفي الوقت نفسه، لا تزال حملات الاعتقال بحق من تصفهم السلطات الإيرانية بـ"مثيري الشغب" و"الإرهابيين" مستمرة في مختلف المحافظات، إذ أعلنت وزارة المخابرات الإيرانية أنه تم حتى الآن تحديد والقبض على أكثر من 300 شخص من العناصر الفاعلة لـ"الأعمال الإرهابية" في طهران. وأكدت الوزارة أن بعض المعلومات التي قدمها المواطنون أدت إلى تحديد والقبض على "خلايا مسلحة إرهابية" كانت تقوم، بحسب قولها، خلال أحداث الشغب الأخيرة بـ"القتل وإطلاق النار على الناس، أو ارتكاب جرائم ضد قوات الأمن".
كما أعلنت مخابرات محافظة كرمان في جنوب شرقي إيران عن تفكيك "فريق إرهابي مكون من ستة أشخاص"، مشيرة إلى أن أربعة منهم من المجرمين المخالفين للقانون، ولهم سوابق وإدانات في أحداث الشغب خلال السنوات الماضية. وقالت المنظمة إن هذا الفريق، بالإضافة إلى إطلاق النار، شارك في التخريب وإلحاق الضرر ببعض الأماكن العامة والحكومية، وكذلك في إحراق المدرسة الدينية بمدينة رفسنجان.
وفي سياق متصل، حملت تصريحات ترامب الأخيرة، التي دعت إلى ضرورة تغيير القيادة الإيرانية، تهديدات ضمنية باغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي. وفي هذا الصدد، أكد بزشكيان، ليل الأحد، أن أي محاولة لاستهداف المرشد الإيراني ستُعدّ بمثابة إعلان حرب شاملة ضد الشعب الإيراني. يأتي هذا في وقت أعلن فيه منظمو منتدى دافوس، اليوم الاثنين، أن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي لن يشارك في القمة المرتقبة هذا الأسبوع في سويسرا، مؤكدين أن ذلك لن يكون "مناسباً" في أعقاب ما وصفوه بحملة القمع الدموية الأخيرة ضد المتظاهرين في إيران.
وقال المنتدى الاقتصادي العالمي عبر منصة إكس، وفق "فرانس برس"، "لن يشارك وزير الخارجية الإيراني في دافوس"، مضيفاً أنه "على الرغم من توجيه الدعوة إليه في الخريف الماضي، فإن الخسائر المأساوية بأرواح المدنيين في إيران خلال الأسابيع القليلة الماضية، تعني أنه ليس من المناسب أن تكون الحكومة الإيرانية ممثلة في دافوس هذا العام". ولم تعلن السلطات الإيرانية عن الحصيلة النهائية بعد، مشيرة إلى أنها ستكشف عن الأعداد بمجرد الانتهاء من التحقيقات. وقال رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان، إبراهيم عزيزي، اليوم: إن "الأرقام تتطلب تدقيقاً دقيقاً نظراً لفقدان العديد من أبناء شعبنا العزيز لحياتهم".
أما بشأن أعداد المصابين، فأوضح عزيزي أن الإصابات "مرتفعة للغاية"، مشيراً إلى أن بعض المصابين لم يلجأوا إلى المراكز الطبية لأسباب مختلفة. ونقل عن الأجهزة الأمنية أن عدد المصابين بلغ 3700 شخص، كما كشف عن حجم الأضرار المادية التي شملت تدمير 300 مسجد، و90 مدرسة دينية، و250 مدرسة، بالإضافة إلى تدمير أكثر من 200 مركبة إغاثية تابعة لجهات الدفاع المدني والإسعاف، و2211 سيارة.
من جانبها، أعلنت وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان في إيران (هرانا)، ومقرها الولايات المتحدة، أن عدد قتلى الاحتجاجات ارتفع إلى ثلاثة آلاف و919 شخصاً. وأشارت، في بيان اليوم، إلى أنه تم اعتقال 24 ألفاً و669 آخرين خلال الاحتجاجات بعموم البلاد، وفق "رويترز".
عملية "البيجر" في إيران
إلى ذلك، شبّه رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، في كلمة له خلال جلسة البرلمان اليوم، أحداث ليلتي الثامن والتاسع من الشهر الحالي بعملية "البيجر" التي نفذت في لبنان، والتي أدت إلى مقتل وإصابة الآلاف من عناصر حزب الله في سبتمبر/أيلول 2024. وأضاف قاليباف أن ما حدث في اليومين المذكورين كان "حرباً إرهابية مخططاً لها تشبه عملية البيجر"، واصفاً إياها بأنها "عنف منظم مسلح وحرب شوارع عنيفة وقتل آلاف من الناس وعناصر الباسيج والشرطة بلا رحمة". وعزا الهدف من ذلك إلى "إرغام الشعب على الخضوع للذعر والخوف، وتفكيك قدرته على اتخاذ القرار والتخلي عن بلاده، لتمهيد الطريق أمام عدوان أميركي".
كما تطرق قاليباف إلى كلمة خامنئي يوم السبت الماضي، قائلاً إن الشعب الإيراني بدعمه للقيادة، أحبط "مشروع الحرب الإرهابية"، مضيفاً أن خامنئي "فصل صفوف المحتجين عن المثيرين للشغب، وحقن الطمأنينة والاقتدار في نفوس الشعب ومسؤولي البلاد". وفي ما يتعلق بالوضع الاقتصادي، حيث كانت تقلبات الدولار وانهيار العملة الوطنية الشرارة التي أشعلت الاحتجاجات الأخيرة، أكد رئيس السلطة التشريعية أن الأولوية تتمثل في "منع تقلبات أسعار الصرف، وجعل السوق قابلاً للتنبؤ بالنسبة للتجار والنشطاء الاقتصاديين"، موضحاً أن "ما يضع اقتصاد البلاد على طريق التقدم ويعالج المشكلات الجذرية هو النمو الاقتصادي المستمر".
وبسبب حساسية الظروف الراهنة في إيران، سحب البرلمان اليوم، طلبات تقدم بها نواب سابقاً لاستجواب وزراء في حكومة بزشكيان، وبرّر القرار بضرورة التعاون بين البرلمان والحكومة في الظروف الحالية، والتركيز على الوضع الاقتصادي.
القضاء يسابق الزمن
إلى ذلك، أكد رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إيجئي،، ضرورة أن تكون محاكمة العناصر المتهمة بارتكاب أعمال إرهابية في الأحداث الأخيرة، في مقدمة الأولويات. ودعا إيجئي، خلال اجتماع للمجلس الأعلى للقضاء، اليوم، إلى "ضرورة مراعاة الدقة والعدالة، والالتزام بالموازين القانونية" في المحاكمات، لكنه خاطب في الوقت ذاته القضاة والمسؤولين القضائيين، داعياً إياهم إلى "ألا يحصل أي تأخير أو تباطؤ في الفصل بقضايا العناصر الرئيسية للأحداث الأخيرة".