كشفت مصادر لـ"العربي الجديد" تفاصيل الموعد الزمني الجديد الذي أعلنه رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي بشأن نزع سلاح الفصائل العراقية، وذلك ضمن جدول زمني يمتد حتى 30 يونيو/ حزيران العام المقبل. وجاء إعلان الزيدي بمثابة إلغاء المهلة المعلنة من جانبه، والتي تنتهي في 30 سبتمبر/ أيلول الحالي، وسط استمرار تعنّت مليشيات حليفة لإيران في التجاوب مع الحكومة في هذا الملف.
وقالت مصادر عراقية في بغداد، لـ"العربي الجديد"، إنّ الزيدي غادر إلى الولايات المتحدة، بعد اتفاقه مع قادة "الإطار التنسيقي"، وكبار القيادات السياسية الشيعية في البلاد، ليل الأحد الماضي، على إرجاء الملف إلى منتصف عام 2027 المقبل، لنزع آخر ذرائع الفصائل المسلحة في رفضهم تسليم سلاحهم أو الاندماج مع القوات الأمنية. وسيتم في الفترة المقبلة تأسيس مديرية جديدة داخل "الحشد الشعبي"، معنية بملف استلام السلاح من الجماعات المسلحة، وتحت إشراف الحكومة العراقية، على أن يكون تسليم الأسلحة، عند بدء المرحلة التنفيذية، مطلع يناير/ كانون الثاني 2027، وتتولى "هيئة الحشد الشعبي" جرد الأسلحة والذخائر والمعدات، وتحديد أماكن خزنها وآليات استخدامها، بدلاً من تسليمها بصورة مباشرة إلى وزارتي الدفاع أو الداخلية.
وتشمل خريطة الاتفاق منح قيادات الفصائل وعناصرها حصانة من الملاحقة، ومنحهم الحق في دخول العملية السياسية والترشّح للانتخابات المقبلة، بعد التوقيع على تعهدات عدم عودتهم لأي أنشطة عسكرية أو مسلحة خارج إطار الدولة، أو محاولة تشكيل جماعات جديدة لصالح جهات خارجية أو داخلية. وكشفت المصادر نفسها، أنّ العقدة الأساسية في هذه التسوية الجديدة لا تتعلق بمبدأ حصر السلاح بيد الدولة، بقدر ما تتعلق بالجهة التي ستدير الأسلحة بعد انتقالها من سيطرة الفصائل، إذ تتمسّك الفصائل بصيغة تتيح بقاء السلاح داخل هيئة "الحشد الشعبي"، فيما تشدّد واشنطن على أن المطلوب احتكار الدولة الفعلي قرار استخدام القوة، وليس مجرّد نقل الأسلحة من مخازن الفصائل إلى مكان آخر غير بعيد عن نفوذها أو سيطرتها، مع بقاء هياكل القيادة والسيطرة كما هي بالنسبة لتلك الفصائل.
وأفادت المصادر بأنّ رئيس الوزراء علي الزيدي لم يعارض مبدأ الترحيل المرحلي بصورة مطلقة، لكنه تحفّظ على بعض بنوده، وآليات تنفيذه، ونقل إلى قادة "الإطار التنسيقي" التحذيرات الأميركية بشأن عدم الاكتفاء بإجراءات شكلية في ملف حصر السلاح، غير أنّ تمديد المهلة لم يعد خياراً، بل ضرورة، لنفاد الوقت، وحرج الحكومة، والمخاوف من اصطدام مسلّح بين الجيش العراقي والفصائل. وأضافت المصادر أن الزيدي أبلغ المجتمعين بأن الجانب الأميركي يريد خطوات عملية يمكن قياسها، وليس مجرّد إعلان سياسي عن تنظيم السلاح، وطرح أيضاً أهمية إجراء مزيد من الاتصالات مع واشنطن قبل تثبيت الصيغة النهائية، وسيناقش الأمر مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال اجتماعهما في نيويورك، وبعدها يمكن اتخاذ القرار النهائي داخلياً لمنع أي ردود أميركية قد تدفع نحو فرض عقوبات مالية واقتصادية ضد بغداد.
لا اتفاق نهائياً بعد بشأن سلاح الفصائل
في السياق، يقول عضو "الإطار التنسيقي"، عدي الخدران، لـ"العربي الجديد" إنّ "حسم ملف حصر السلاح مع نهاية 30 سبتمبر/ أيلول الحالي صعب جداً، بل مستحيل، خصوصاً أنّ فصائل عدة ما زالت لديها شروط، والموضوع يحتاج إلى مزيد من الوقت للوصول إلى تفاهمات واتفاقات بشأن آليات التنفيذ". ويضيف: "هناك قرار سياسي عراقي في الوصول إلى صيغة متفق عليها، تضمن تنفيذ قرار حصر السلاح بصورة هادئة ومنظمة، والجميع في النهاية سيسلّم السلاح، لكن الأمر يحتاج ترتيبات وتفاهمات ووقت كافٍ لإنجاز الملف".
ويوضح أنّ "الأمور ما زالت قيد الحوار والتفاوض والمناقشات، ولم يتم الوصول بعد إلى اتفاق نهائي بشأن جميع التفاصيل، والأولوية هي الوصول إلى تفاهم يحظى بقبول الأطراف المعنية، ويؤدي في النهاية إلى حصر السلاح بيد الدولة".
الخدران لـ"العربي الجديد": الأمور ما زالت قيد الحوار والتفاوض والمناقشات، ولم يتم الوصول بعد إلى اتفاق نهائي بشأن جميع التفاصيل
وسبق أن صرّح الزيدي، في لقائه ترامب في واشنطن في يوليو/ تموز الماضي، بأنّ حكومته ستنهي ملف سلاح الفصائل في 30 سبتمبر، لكن التطورات اللاحقة أظهرت صعوبة ترجمة هذا التعهد إلى إجراءات مكتملة، مع استمرار رفض فصائل رئيسية تسليم سلاحها. وأظهرت مواقف سياسية أخيراً أن الاتجاه داخل بعض القوى المؤثرة، بات يتعامل مع هذا الموعد باعتباره بداية عملية طويلة، وليس بالضرورة موعداً لإنجازها بالكامل.
شروط الفصائل
وعلم "العربي الجديد" أن الصيغة الجديدة التي ركزت على تمديد المهلة إلى أكثر من سبعة أشهر بشأن نزع سلاح الفصائل العراقية، جاءت عقب لقاء استغرق نحو ثلاث ساعات، وجمع أربعة ممثلين من ائتلاف "الإطار التنسيقي" مع آخرين عن فصائل مسلحة موالية لإيران، ورافضة لتسليم السلاح، شرح فيه الأربعة خطورة الموقف الذي يواجه العراق سياسياً واقتصادياً وأمنياً في حال لم يحرز تقدّماً بملف حصر السلاح بيد الدولة. وشارك في الاجتماع قائد فصيل واحد، فيما أوفدت بقية الفصائل ممثلين عنها، وشارك زعيم حزب الدعوة نوري المالكي، ورئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني، ممثلين عن "الإطار التنسيقي"، من بين الشخصيات الأربع.
وجاء الرد من ممثلي الفصائل في الاجتماع على أكثر من شكل، وجرى استعراض الشروط بطريقة واضحة، على شكل نقاط، استفاض ممثلو الفصائل في شرحها، وأهميتها لهم. وتتخلص في:
الانسحاب الكامل للقوات الأميركية براً وبحراً وجواً
فرض السيادة الكاملة على الأراضي العراقية كافة
تعزيز الدفاعات الجوية بمنظومات متطورة تعمل بقرار عراقي حصري
إخراج القوات التركية من شمال البلاد
مسك الحدود في إقليم كردستان (شمالي البلاد) من الجيش العراقي على اعتبارها مهمة حصرية وسيادية
إخراج مجاميع المعارضة الإيرانية من نقاط تمركزها
تحرير القرار المالي والاقتصادي من الهيمنة الأميركية.
ورغم أن النقاش في هذه الشروط بقي مفتوحاً، إلا أن الجانبين اتفقا على وقف التصعيد الإعلامي الموجه من الحكومة والأحزاب الداعمة لها ضد الفصائل المسلحة، مع اعتماد مصطلح "تنظيم السلاح" وليس حصره أو نزعه أو احتوائه.
ويرى مراقبون، أن لقاء الزيدي بترامب ستكون له أهمية كبيرة في مجريات الملف. وكانت مصادر عراقية مطلعة قالت لـ"العربي الجديد"، إن الزيدي سيقدّم في اللقاء تعهدات جديدة بالمضي في ملف حصر السلاح، لكنه سيطلب وقتاً إضافياً لتنفيذ الإجراءات، كما سيطلب من الرئيس الأميركي عدم فرض عقوبات مالية أو اقتصادية على العراق في حال تأخّر حسم الملف.
وبشأن واحدة من أبرز مطالب الفصائل العراقية وقواها السياسية التي تمتلك تمثيلاً في البرلمان، أو حتى التي لا تمتلك أي وجود على مستوى الوضع السياسي، فإن أحد أبرز مطالبها، هو "تحرير الاقتصاد العراقي من الهيمنة الأميركية"، خصوصاً الإجراءات التي تفرضها وزارة الخزانة والبنك الفيدرالي الأميركي على المنظومة المصرفية العراقية وعائدات النفط. وفي هذا الشأن، يقول الباحث في الشأن العراقي، مجاشع التميمي، لـ"العربي الجديد"، إنّ "الفصائل العراقية تطالب بأن تنتهي القيود والتبيعة إلى الإدارة الأميركية، وإنهاء توظيف ملف الاقتصاد والمال ورقة تتحكم من خلالها واشنطن ببغداد، لكن حل هذه الإشكالية يحتاج إلى الاستقرار وتوافر الظروف وسيادة القانون في البلاد، كي يتحقق".
ويضيف "انتقال الشروط ووجهات نظر قادة الفصائل إلى واشنطن يعني أن حواراً مفتوحاً مهماً سيبدأ، خصوصاً مع تصاعدت الدعوات في البرلمان العراقي لضرورة اتخاذ موقف حاسم ينهي استعمال واشنطن للورقة المالية". ويوضح أن "مفهوم السيادة التي تبحث عنها الحكومة، ويبدو أن الفصائل تؤيدها، هي الإسراع نحو تنويع الشراكات الدولية، وفتح الأبواب أمام مختلف القوى الاقتصادية الكبرى للاستثمار والتعاون المشترك، لكن يبقى سلاح الفصائل مشكلة وقتية قد تنتهي بإنهاء ذرائع الفصائل التي تريد الحفاظ على سلاحها".
وكان الزيدي قد أعلن، من نيويورك، موعداً جديداً لنزع سلاح الفصائل العراقية وتفكيكها، واحتكار القوة بيد الدولة، ضمن جدول زمني يمتد حتى يونيو/ حزيران العام المقبل، في مسار تم الاتفاق عليه داخل بغداد قبل يوم من سفره إلى نيويورك، للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة. وقال في مقابلة مع صحيفة نيويورك تايمز الأميركية، إن هذا الجدول يبدأ بـ90 يوماً، سيتمّ بعد انتهائه اعتبار هذه الفصائل جماعات "خارج القانون". وأفاد بأن الخطة ستُنفذ على مراحل، وأن هذه الخطوة ستكون محوراً أساسياً في إدارة العراق لعلاقاته مع الولايات المتحدة وإيران.
وشدّد الزيدي على أن "خطة نزع السلاح ليست أمراً اختيارياً، بل ضرورة"، وقال "بالنسبة لي هذه القضية (سلاح الفصائل)، إلى جانب قضية الفساد، هي مسألة شرف". ووفق قوله، ستكون هناك أولاً فترة مدتها 90 يوماً، تمتنع خلالها الفصائل عن شن أي هجمات ضد القوات الأميركية أو دول الجوار العراقي، مع ضمان عدم تعرّضها لهجمات من القوات الأميركية، ثم تبدأ الفصائل بتسليم أسلحتها، على أن تنتهي عملية نزع السلاح بحلول 30 يونيو 2027.