الصفحة الأولى
صحة العراقيين في مهب الخصخصة السافرة والإهمال المريع.. أبنية بلا خدمات.. شحّ التمويل يُفقد المستشفيات الحكومية دورها والمرضى يفرغون الجيوب في العيادات والمشافي الأهلية
بغداد -طريق الشعب
لم يعد المستشفى الحكومي في العراق بالنسبة لكثير من المواطنين ملاذاً آمناً للعلاج، بقدر ما أصبح محطة ناقصة تُستكمل فيها رحلة الألم خارج أسواره. فبين بنايات إسمنتية تفتقر إلى الأدوية والمستلزمات، وأجهزة معطلة، وخدمات مجتزأة، تتكشف أزمة صحية عميقة تعكس فشلاً في الإدارة والتخطيط، وتحوّلاً خطيراً في فلسفة الرعاية الصحية العامة. مختصون وأطباء يحذّرون، عبر “طريق الشعب”، من أن استمرار هذا الواقع لا يعني فقط تراجع مستوى الخدمات، بل يكرّس نظاماً يدفع المرضى، ولا سيما الفقراء، قسراً نحو القطاع الخاص، في انتهاك صريح لحق دستوري يفترض أن تكفله الدولة، ويضع صحة المجتمع برمّته على حافة خطر متصاعد.
فساد وسوء ادارة
يقول المتخصص في الشأن الطبي د. فاضل المندلاوي: أن التراجع الحاد في الخدمات الصحية لا يمكن فصله عن تراجع أداء الدولة العراقية ككل، مشيرًا إلى أن القصور لا يقتصر على قطاع بعينه، ويشمل مجمل مفاصل الدولة، غير أن خطورته تتضاعف حين يتعلق بالقطاع الصحي المرتبط مباشرة بحياة المواطنين.
ويضيف المندلاوي في حديث مع "طريق الشعب"، أن "جوهر الأزمة لا يكمن فقط في شحّ الموارد المالية، ويتمد لسوء الإدارة وسوء استخدام الموارد المتاحة وغياب النزاهة داخل المؤسسات الصحية، فضلًا عن تفشي الفساد الاداري والمالي، وهو ما انعكس بشكل مباشر على مستوى الخدمات المقدَّمة للمرضى".
ويشير الى أن "أغلب المستشفيات العراقية تعاني من شح في الأدوية والمستلزمات الطبية الأساسية"، لافتاً إلى أن "المرضى باتوا يواجهون نقصاً حتى في أبسط المتطلبات، مثل أجهزة إعطاء السوائل، مستلزمات الطوارئ، والضمادات، في مشهد غير مسبوق".
ويلفت المندلاوي الى: "نشهد اليوم اجراء عمليات جراحية داخل المستشفيات الحكومية، فيما يُجبر ذوو المرضى على شراء الضمادات والمستلزمات الجراحية من الصيدليات الخارجية، وهو واقع لم تعهده المنظومة الصحية سابقاً، حيث كانت الدولة تتحمّل مسؤولية توفير مستلزمات العلاج والعمليات الجراحية بالكامل".
وينبه إلى أن تجارب سابقة أثبتت إمكانية تحسين الواقع الصحي رغم محدودية الموارد، مستشهداً بمرحلة تولي د. علاء الدين علوان مسؤولية الوزارة، حيث تمكّن من توفير أكثر من (50) في المائة من الأدوية الأساسية، ما يدل على أن الإدارة الرشيدة قادرة على معالجة المشاكل.
ويؤكد أن "فقدان الأدوية الأساسية يعود الى تداخل عاملين خطيرين: محدودية التمويل من جهة، والفساد وسوء توجيه الإنفاق من جهة أخرى، ما يؤدي الى هدر ما تبقى من الموارد القليلة أصلاً".
ويشدد المندلاوي على أن العراق "يُعد الأقل إنفاقاً على الصحة بين دول الجوار، إذ تخصص دول مثل الأردن – رغم فقرها النسبي – ما بين (6 - 10) في المائة من موازناتها للقطاع الصحي، في حين يواصل العراق التقليل من أهمية هذا القطاع الحيوي".
وينوه بالقول إن "المرحلة المقبلة، ولا سيما مع التوجه لتشكيل حكومة جديدة، تتطلب وقفة جادة وحاسمة من وزارة الصحة، تقوم على وضع توفير الأدوية والمستلزمات الطبية الأساسية كأولوية مطلقة في الموازنة، وفق اللوائح المعتمدة داخل الوزارة، لضمان أن يجد المواطن عند مراجعته المستشفى خدمة حقيقية ومواد علاجية متوفرة داخل المؤسسة الصحية، لا خارجها".
من سيئ الى أسوأ
وعلى صعيد متصل، قال د.زهير العبادي إن المقارنة بين واقع المستشفيات العراقية ونظيراتها في دول المنطقة، وحتى مع دول أقل موارد من العراق، تكشف حجم الانحدار الخطير الذي وصل له القطاع الصحي، مؤكداً أن المشكلة لم تعد تتعلق بإمكانات أو ظروف استثنائية، وانما بفشل بنيوي في إدارة النظام الصحي.
واضاف العبادي في حديث مع "طريق الشعب"، ان "المستشفيات في دول الجوار تُدار وفق مفهوم “سلسلة الرعاية الصحية”، حيث يدخل المريض الى المستشفى الحكومي فيحصل على الفحص، والتحليل، والتشخيص، والعلاج داخل المؤسسة نفسها، بينما في العراق تحوّلت المستشفيات الى محطات عبور ناقصة، يُجبر فيها المريض على إكمال رحلته العلاجية خارج أسوارها".
وتابع القول: "في كثير من الدول، حتى الفقيرة منها، تُعد المختبرات جزءاً أساسياً من المستشفى، وتخضع أجهزتها للصيانة الدورية والمعايرة المستمرة، أما في مستشفياتنا فالأجهزة إما معطلة، أو غير دقيقة، أو غير متوفرة أصلًا، ما يضطر المرضى للعلاج او اجراء التحليل مثلاً التحاليل في مختبرات او مستشفيات أهلية وبأسعار مرتفعة، وكأن الأمر طبيعي أو مقبول".
مستشفيات خارجة عن الخدمة
وأشار إلى أن أخطر ما في المشهد الصحي الحالي هو "تحويل الخدمات المجانية الى خدمات مدفوعة بشكل مقنّع، حيث أصبحت التحاليل التي يفترض أن تُجرى مجاناً داخل المستشفيات الحكومية تُحمَّل كلفتها للمريض، ما يُعد خروجاً صريحاً عن فلسفة الرعاية الصحية العامة، ويضعف ثقة المواطن بالمؤسسة الطبية المتزعزعة اساساً".
وبيّن العبادي أن المستشفيات العراقية باتت في كثير من الحالات، شبه خارجة عن الخدمة من حيث الكفاءة، رغم استمرار استقبال المرضى، موضحاً أن وجود بناية وكادر لا يعني وجود خدمة حقيقية، ما لم تتوفر أدوات التشخيص الدقيقة والادوات والاجهزة والخدمة اللائقة، وسلسلة علاج متكاملة داخل المستشفى.
ولفت الى ان "الدول التي تحترم صحة مواطنيها، يُعدّ فشل المختبر أو تعطل جهاز تشخيصي فيها مسألة طارئة تُعالج فوراً، بينما في العراق أصبح التعطّل هو القاعدة، وأصبحت إحالة المرضى الى القطاع الخاص جزءاً من الروتين اليومي".
وأكد أن هذا الواقع هو بطبيعة الحال "نتاج مباشر لسوء الادارة والتخطيط الصحي وغياب الرؤية الاستراتيجية، إذ لا توجد قراءة حقيقية لاحتياجات المستشفيات، ولا توزيع عقلاني للأجهزة، ولا متابعة لأدائها، ما يؤدي الى هدر المال العام دون انعكاس فعلي على صحة المواطنين".
واقع مأزوم وخطير
الى ذلك، قال الطبيب محمد الربيعي إن المواطن لم يعد يحصل على الحد الأدنى من الرعاية الصحية المجانية التي يفترض أن توفرها الدولة، كما نصّ عليها الدستور، حيث بات الواقع الصحي يواجه تآكلاً منهجياً أصاب جوهر الخدمة الطبية، وجعل المستشفى الحكومي عاجزاً عن أداء دوره الطبيعي كخط الدفاع الأول عن صحة المجتمع.
وأوضح الربيعي في حديث مع "طريق الشعب"، أن المواطن "يدخل اليوم الى المستشفى وهو يعلم مسبقاً أن العلاج لن يكتمل داخله"، مشيراً الى أن "الفحوصات والتشخيصات الأساسية باتت مجزأة ومبعثرة بين أقسام غير مؤهلة ومختبرات خارجية، ما يفقد العملية الطبية تماسكها العلمي ويحمّل المريض أعباءً مالية ونفسية لا مبرر لها".
وأضاف أن تراجع كفاءة الأجهزة الطبية وعدم تحديثها أو صيانتها حوّل العديد من المستشفيات الى هياكل اسمنتية بلا أدوات فعالة، حيث يُطلب من المريض استكمال تحاليله أو صوره الشعاعية وغيرها من متطلبات خارج المؤسسة الصحية، في ممارسة وصفها بأنها تفريغ متعمد لوظيفة المستشفى العامة.
وأشار الربيعي الى أن "المحزن والخطير في الواقع الحالي هو التطبيع مع الفشل، إذ اصبح هذا الواقع السيئ جزءاً من السياق اليومي، في غياب أي مساءلة حقيقية أو مؤشرات قياس للأداء داخل المؤسسات الصحية".
وأكد أن "النتيجة النهائية لهذا المسار هي إضعاف الثقة بين المواطن والنظام الصحي، ودفع المرضى قسراً نحو القطاع الخاص، وهنا تتحول الحاجة الطبية الى عبء اقتصادي، بدل أن تكون حقًا كفلته الدولة اساساً في دستورها ومواثيقها".
وختم بالقول إن أي "حديث عن إصلاح صحي لن يكون ذا معنى ما لم يبدأ بإعادة تعريف دور المستشفى الحكومي، بوصفه مؤسسة علاج متكاملة، وليس نقطة تسجيل أو إحالة"، محذراً من أن "استمرار الواقع الحالي سيجعل الأزمات الصحية أكثر كلفة وخطورة على المجتمع ككل".
وشدد على أن استمرار هذا النهج يحوّل القطاع الصحي إلى واجهة فارغة، حيث توجد بنايات ومستشفيات بالاسم فقط، بينما تُسحب الخدمات تدريجيًا من الداخل وتُدفع باتجاه القطاع الخاص، في ظل غياب الرقابة والمساءلة.
*********************************
النجار: قوى المحاصصة تحمِّل المواطنين أعباء الأزمة المالية
بغداد – طريق الشعب
أكد الرفيق حسين النجار عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي، أن عدم انعقاد جلسة مجلس النواب المقررة، يوم امس الاثنين، يكشف عن وجود اتفاق سياسي بين القوى المتنفذة للمضي في تحميل المواطنين تبعات القرارات التقشفية التعسفية التي أصدرتها حكومة تصريف الأعمال، لتدارك الفشل المستدام في السياستين المالية والاقتصادية.
وقال النجار في تصريح لـ"طريق الشعب"، إن "إخفاق مجلس النواب في عقد هذه الجلسة لا يدع مجالاً للشك بأن هناك اتفاقا بين قوى المحاصصة التي نهبت مقدرات الدولة، بل إنها مصرة على رمي فشل المنظومة الحاكمة في جعبة المواطن"، مشيراً إلى أن "هذه القوى تنصلت منذ اللحظة الأولى من مجمل الوعود الانتخابية والالتزامات التي قطعتها لمن منحها صوته في الانتخابات البرلمانية الاخيرة".
********************************
راصد الطريق.. {قائمة سوداء}!
مع تسارع إنجاز مشروع نصب كاميرات المراقبة في شوارع بغداد، تبرز أسئلة جوهرية حول المشروع، تتطلب إجابات واضحة وإجراءات جدية قبل الشروع بتطبيق القانون، حتى وإن كان المشروع يُعد خطوة في الاتجاه الصحيح.
المشروع الذي كان مؤملا إنجازه قبل شهرين وفقاً للعقد المبرم مع الشركة المنفذة، ويعتمد تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراقبة كثافة السير عبر منظومة إلكترونية، يُعد إجراءً محموداً على صعيد التنظيم المروري. لكن المثير للاستغراب هو ما تداوله بعض المصادر بشأن "قائمة سوداء" تتضمن أرقام سيارات تابعة لجهات رسمية أو مسؤولين متنفذين، وتتجاهلها منظومة المراقبة إلكترونياً، الأمر الذي ينسف مبدأ العدالة، ويطرح علامات استفهام كبيرة حول نزاهة التطبيق.
في السياق ذاته، يبرز تساؤل آخر لا يقل أهمية: هل من العدل تطبيق قانون المرور بشكل صارم، في شوارع تفتقر إلى أبسط مقومات الطرق الحديثة، من حُفر ومطبات عشوائية، وتجمعات مياه، وغياب أماكن وقوف نظامية؟
هذه الالتباسات وأمثالها كفيلة بعرقلة أيّ مشروع يُفترض أن يقدم خدمة حقيقية، ما لم تُتم معالجتها بوضوح وشفافية. أما إذا كانت الغاية جباية الأموال ولو على حساب المواطنين، فنحن أمام قضية مختلفة تماماً، تستدعي نقاشاً من نوع مختلف.
**************************************
الصفحة الثانية
مفاوضات تشكيل الحكومة رهن القرار الخارجي
بغداد ـ طريق الشعب
في إطار مفاوضات تشكيل الحكومة المقبلة، تواصل القوى المتنفذة رهن قراراتها بالإرادات الخارجية، وصولاً إلى حدّ التباهي بهذا الارتهان.
وأجرى وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، مكالمة هاتفية مع رئيس الوزراء المنتهية ولايته، محمد شياع السوداني، محذرا إياه من تشكيل حكومة جديدة موالية لإيران، وما قد يحمله ذلك من تداعيات على مستقبل العلاقة بين بغداد وواشنطن، بحسب بيان الخارجية الأميركية.
ومن جانب آخر، قالت أطراف عديدة داخل الإطار التنسيقي إن طهران باركت قرارات الإطار، ومن بينها تكليف المرشح لرئاسة الحكومة المقبلة، نوري المالكي.
ويرى مراقبون ان ما يجري يعكس مستوى مقلقاً من الارتهان السياسي، حيث تنتظر القوى المتنفذة الضوء الأخضر من الخارج، وتتعامل مع التدخلات الدولية والإقليمية بوصفها عامل شرعية لا انتقاصاً من السيادة، منوهين الى ان الأخطر من ذلك أن هذا الارتهان بات يُقدَّم للرأي العام وكأنه إنجاز سياسي أو ضمانة للاستقرار.
ويشير المراقبون الى أن القوى المسيطرة على سدة الحكم، التي ترضخ للتدخلات وتسوّقها، سواء جاءت من واشنطن أو طهران، أثبتت عملياً عجزها عن إنتاج قرار وطني مستقل، بل وتؤكد أن قضية تشكيل الحكومة ما زالت تُدار من خارج الحدود، فيما تُختزل مصالح الشعب بورقة تفاوض بين العواصم المتصارعة.
*******************************
فلاحو العمارة يرفضون تجريف بساتينهم.. ومواطنو بابل ينددون بقطع الأشجار.. التقشف الحكومي يطرق الأبواب ومنتسبو الجامعات أول المعترضين
بغداد – طريق الشعب
لا تزال القرارات التقشفية لحكومة تصريف الأعمال، تواجه رفضاً شعبياً كبيراً، يُعبر عنه بشكل يومي في وقفات احتجاجية حاشدة، نظمت في محافظات عدة.
والسؤال الملح هنا، هل ستطرح حكومة المحاصصة المقبلة برنامجاً واضحاً لتلافي الازمة المعيشية؟ وما هو جوهر هذا المشروع؟ في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تواجه العراق، نتيجة السياسات النيو ليبرالية والفساد والعجز الذي طغى على عمل جميع الحكومات السابقة في أي اصلاح جوهري للاقتصاد، نتيجة ارتهانها لمنهج المحاصصة الطائفية والحزبية.
يقول مراقبون، إنّ "الأزمة الحالية نتيجة طبيعية لتراكم فشل قوى المحاصصة والفساد التي تحالفت لتشكيل الحكومات المتعاقبة، التي عجزت عن تقديم برامج اقتصادية، يراعي الوضع الاقتصادي العراقي الذي يعتمد على الريع النفطي، وبالتالي كانت الاحتجاجات الحالية انعكاساً للقرارات الشعبوية التقشفية التي صدرت من حكومة تصريف الأعمال، ومن المرجح ان تزداد عمقاً في حال استمرار هذه السياسات التقشفية التي تستهدف معيشة المواطنين، دون إجراءات إصلاحية حقيقية تلامس المخصصات العالية للرئاسات الثلاث، والصرفيات غير الضرورية في مختلف دوائر الدولة وكبح الفساد واسترجاع الأموال المنهوبة".
وشهدت مختلف المحافظات تظاهرات رافضة للقرارات التقشفية. فيما تظاهر صحفيون وأدباء وفنانون وشعراء في وقفة أمام مقر وزارة المالية، احتجاجا على تأخر صرف المنحة السنوية.
ونظم مواطنون في محافظة واسط احتجاجاً حاشداً صد سياسة خصخصة الكهرباء، وتردي منظومة الطاقة الكهربائية.
إضرابات واعتصامات
ومنذ بداية الأسبوع الحالي، تواصلت الاعتصامات والاضرابات عن الدوام في مختلف الجامعات العراقية في غالبية المحافظات، لرفض قرار استقطاع المخصصات الجامعية، كما جرى اغلاق أبواب المجمعات الدراسية وتنظيم وقفات احتجاجية في مختلف الكليات.
كما شهدت دوائر مختلفة في بغداد والمحافظات احتجاجات مماثلة رفضاً لهذا القرار. ونظم عدد من طلبة العلوم الدينية وقفة احتجاجية في البصرة، طالبوا فيها بإلغاء قرارات حكومة تصريف الأعمال، لا سيما رفع الضرائب الجمركية وجباية الكهرباء والماء، لما لها من آثار سلبية مباشرة على حياة المواطنين.
وفي بغداد، نظم محتجون تظاهرات كبيرة امام مبنى وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، مع وجود نية للتوجه في الأيام المقبلة الى تنظيم فعاليات احتجاجية اكبر في ساحة التحرير، في حال لم يجر التراجع عن هذا القرار.
وفي النجف والبصرة، أقدم المشاركون في الاحتجاجات على غلق أبواب مديرية التربية وجامعة الكوفة، مطالبين بإعادة حقوقهم المالية وصرف مخصصات الشهادة والمخصصات الجامعية التي تم استقطاعها، مؤكدين أن القرار ألحق ضرراً مباشراً بالوضع المعيشي لشريحة الموظفين.
وفي السياق، نظم العشرات من موظفي جامعتي ذي قار وميسان تظاهرات داخلية، حيث قرر منتسبو جامعة ذي قار الاحتجاج داخل حرم الجامعة، عبر الإضراب عن العمل، فيما يستعدون لتنظيم تظاهرة كبرى اليوم الثلاثاء في حال عدم إطلاق وزارة المالية رواتبهم.
وفي الأنبار، نظّمت نقابة الأكاديميين ومنتسبو جامعة الأنبار، وقفة احتجاجية داخل الحرم الجامعي، رفعوا خلالها شعارات رافضة لقرار إلغاء المخصصات الجامعية، مؤكدين أن حقوقهم مكفولة بالقانون ولا يمكن المساس بها.
وقال الأكاديمي عبد الوهاب خلف، خلال الوقفة، إن "المخصصات الجامعية حق قانوني أُقرّ لدعم الأستاذ الجامعي وتمكينه من أداء دوره العلمي والأكاديمي"، مشدداً على أن "أي محاولة لإلغائها تمثل انتقاصاً من حقوق الأكاديميين، وتنعكس سلباً على العملية التعليمية".
وفي نينوى، نظم مئات من التربويين وقفة احتجاجية أمام مقر المديرية العامة لتربية محافظة نينوى في منطقة الفيصلية، احتجاجاً على قرار إلغاء المخصصات الجامعية.
وقال المتظاهرون، إن "الاعتصامات أمام تربية نينوى خصصت للأكاديميين العاملين على ملاك المديرية العامة للتربية والبالغ عددهم قرابة ثلاثة آلاف موظف"، مطالبين بصرف مخصصات الشهادة والمخصصات الجامعية التي جرى استقطاعها مؤخراً.
ولوح المحتجون بتنظيم اعتصام مفتوح في حال عدم استجابة وزارة التعليم لمطالبهم، مؤكدين أن القرار ألحق ضرراً مباشراً بالوضع المعيشي لشريحة الأكاديميين في المحافظة.
نقابة المعلمين ترد
من جهتها، أكدت نقابة المعلمين العراقيين، في بيان اطلعت عليه "طريق الشعب"، أن "قرار مجلس الوزراء رقم (40) لسنة 2026، ولا سيما ما تضمّنه من فقرات تمسّ الاستحقاقات المالية القانونية، يمثل تجاوزاً صريحاً على حقوق وظيفية مقرّة بموجب قوانين نافذة، ولا يجوز تعطيلها أو الانتقاص منها بقرارات تنفيذية".
وطالب البيان مجلس النواب بـ"إلغاء مضمون هذا القرار وتعطيل العمل به، والخروج بقرارات تشريعية ملزمة للحكومة تضمن صرف جميع المستحقات المالية لموظفي وزارة التربية وبقية الوزارات وفق القوانين النافذة والحقوق المكتسبة التي لا تقبل المساومة أو التأجيل".
تضارب المعلومات والإجراءات
وفيما نشرت صفحات تابعة لجامعات حكومية، انها زودت وزارة المالية بقوائم رواتب الموظفين دون أي اقتطاع، كشف مصدر مطلع عن قيام وزارة المالية بإعادة قوائم رواتب موظفي عدد من الوزارات، إضافة إلى منتسبي الجامعات، ومطالبتها بتطبيق قرار مجلس الوزراء المتعلق برفع مخصصات الخدمة الجامعية.
وخلال اليومين الماضيين، صدرت تصريحات حكومية تؤكد ان القرارات لا تستهدف المخصصات الجامعية، فيما بينت تصريحات أخرى ان القرارات ماضية، كونها صدرت من مجلس الوزراء.
وقال المصدر، إن "وزارة المالية أعادت قوائم رواتب موظفي عدد من الوزارات، إضافة إلى منتسبي الجامعات، وطالبت بتطبيق قرار مجلس الوزراء المتعلق برفع مخصصات الخدمة الجامعية"، لافتاً الى أن هذا الإجراء من شأنه التسبب بتأخير صرف رواتب الموظفين لأيام عدة، وربما يمتد إلى الشهر المقبل، نتيجة الإجراءات الروتينية والإدارية المتبعة.
وأشار إلى أن هذا التأخير يصب في مصلحة بعض الجهات الحكومية في ظل قلة السيولة المالية التي تعاني منها المصارف الحكومية، رغم ما كانت تمتلكه سابقاً من موجودات نقدية كبيرة.
فلاحو كصيبة
تظاهر العشرات من المزارعين من سكنة منطقة كصيبة في محافظة ميسان امام مبنى مجلس المحافظة، احتجاجا على تجريف بساتينهم وتحويلها الى عقار سكني استثماري، رغم انهم يمتلكون عقودا زراعية رسمية حول تلك البساتين.
وعبّر عدد من المتظاهرين عن رفضهم قرار تجريف البساتين وتحويلها الى دور سكنية، كونهم يعيشون فيها منذ اكثر من 80 عاما، ويمارسون الزراعة وانتاج التمور، وفيها بساتين نخيل كثيرة.
وبين المشاركون في الوقفة الاحتجاجية، ان "المستثمر حصل على تفويض حكومي بتشييد دور سكنية في مناطقهم، وقام بإدخال جرافات على أراضيهم الزراعية".
وفور ذلك اعلنت حكومة ميسان عن تشكيل لجنة مختصة برئاسة عضو مجلس المحافظة حسين المرياني ، للوقوف على ملابسات إيقاف أعمال المشروع السكني.
وقال المرياني، ان "اللجنة تضم الدوائر المعنية بالاستثمار والعقارات والبلدية، للوقوف على تفاصيل عمل المشروع وعائدية الأرض، فضلا عن الزام الشركة بتعويض أصحاب البساتين ومنع النخيل تحت أي سبب، وستحقق اللجنة في جميع هذه التفاصيل".
لا لقطع الأشجار
ونظم عدد من الناشطين والمواطنين في مدينة الحلة، وقفة احتجاجية امام دائرة بلدية الحلة، مطالبين بوقف قطع الأشجار.
وقال عدد من المشاركين في التظاهرة، ان "هذه الفعالية الاحتجاجية طالبت بوقف قطع وازالة الاشجار من المناطق الخضراء في الحلة اولا، وفي الحزام الاخضر حولها، لما يسببه من ارتفاع في نسب المواد الملوثة"، وشددوا على ضرورة تدخل الجهات ذات العلاقة ومنظمات المجتمع المدني لوقف عملية قطع الأشجار.
احتجاجات البصرة
ونظم خريجو الهندسة وقفة احتجاجية جديدة، أمام ديوان محافظة البصرة للمطالبة بشمولهم ضمن شاغر الـ13 ألف درجة وظيفية.
وقال المشاركون في الوقفة انهم سبق أن طالبوا بالاستثناء، وتم ذلك لعدد منهم، مطالبين بإضافتهم ضمن شاغر الوظائف. فيما اتهموا الجهات المعنية بملف التعيينات ببيع الأسماء والتعيين دون إنصاف.
وفي فعالية احتجاجية أخرى، أغلق منتسبون في شركة خطوط الانابيب النفطية في الشعيبة بوابة دخول الصهاريج المجهزة للمنتجات النفطية، مطالبين بالإسراع بإجراءات توزيع قطع الاراضي.
وذكر المشاركون في الوقفة الاحتجاجية، انهم يطالبون بمنع ادراج موظفين من خارج محافظة البصرة للدخول ضمن المستحقين من موظفي المحافظة ومزاحمتهم على حقوقهم، وفقا لما ذكروا.
وشدد منتسبو الشركة على "أهمية الاهتمام بملف الاراضي، لاسيما بعد الاهمال الذي طالها خلال السنوات الماضية".
الديوانية وكربلاء
ونظم العشرات من المعترضين على ملحق المديرية العامة في تربية الديوانية، تظاهرة امام مبنى التربية، مطالبين بتضمينهم في موازنة 2026 وشمولهم بالعقود.
وقام المعترضون بقطع الشارع العام ومنع مرور السيارات، ما تسبب بازدحامات مرورية خانقة، للضغط على الجهات المعنية لحل مشكلتهم.
وشهدت المحافظة تظاهرة أخرى حيث قطع العشرات من اهالي حي التقية الطريق الرابط بين الديوانية ومحافظة النجف، احتجاجا على تردي الواقع الخدمي بمناطقهم، وطالب أهالي المنطقة الحكومة المحلية ومجلس المحافظة والدوائر الخدمية بشمول مناطقهم بالخدمات.
اما في محافظة كربلاء فقد شارك العشرات من جرحى الحشد الشعبي بالمحافظة، في وقفة احتجاجية امام بوابة مستشفى ابو مهدي المهندس الميداني، مطالبين بعدم تحويل المستشفى الى مشروع استثماري من قبل الحكومة المحلية ومديرية استثمار كربلاء ودائرة البلدية، ورفع المحتجون لافتات طالبت بعدم التجاوز على المستشفى الميداني الذي يقدم خدمات لجرحى الحشد.
تظاهرة تضامنية في أربيل
وشهدت مدينة أربيل انطلاق احتجاجات شعبية واسعة شارك فيها المئات من المواطنين والنشطاء، وأعضاء من منظمات المجتمع المدني، تنديداً بالتصعيد العسكري الأخير والهجمات على المناطق الكردية في شمال شرق سوريا.
وتجمع المتظاهرون بالقرب من قلعة أربيل التاريخية، رافعين شعارات ولافتات تطالب بوقف فوري للعمليات العسكرية التي تستهدف المدنيين والبنى التحتية في مناطق "روج آفا".
************************************
الصفحة الثالثة
عاملون: لا ضمانات ولا حقوق العمل في القطاع الخاص: ساعات كدْح طويلة وأجور هزيلة
بغداد ـ طريق الشعب
ما يزال القطاع الخاص في العراق عاجزاً عن استقطاب الأيدي العاملة ومنافسة الوظيفة الحكومية، في ظل غياب بيئة تنظيمية وتشريعية مستقرة تضمن حقوق العامل وصاحب العمل على حد سواء.
هذا الضعف أسهم، بحسب مختصين، في ترسيخ ثقافة التوظيف الحكومي بوصفه الخيار الأكثر أمناً، وأبقى مساهمة القطاع الخاص في الاقتصاد الوطني دون المستوى المطلوب، رغم الإمكانات الكبيرة التي يمتلكها البلد.
هذا التباين الصارخ بين الأمان في الوظيفة الحكومية ومغامرة القطاع الخاص، أضحى العائق الأكبر أمام اي إصلاح اقتصادي حقيقي، ما يستوجب وقفة جادة من صناع القرار لإعادة تعريف دور هذا القطاع الحيوي في بناء اقتصاد عراقي أكثر استقراراً وازدهاراً.
أين الخلل؟
وفي هذا الصدد، قال المختص في الشأن الاقتصادي نبيل التميمي إن القطاع الخاص يتأثر بشكل مباشر بالبيئة التي يعمل فيها، موضحاً أن المشكلة ترتبط بطبيعة البيئة التنظيمية والتشريعية غير المستقرة.
وأشار في حديثه مع "طريق الشعب"، إلى أن "تفضيل المواطنين، للعمل في القطاع العام مرتبط بالضمان ولكونه يوفر وظيفة أكثر أماناً واستقراراً".
وبيّن التميمي أن "الحكومة والمشرّع العراقي لم ينجحا حتى الآن في خلق عوامل جذب حقيقية للعمل في القطاع الخاص"، لافتاً إلى أن "ما يُسمى بالقطاع الخاص في العراق يقتصر في الغالب على شركات كبيرة ومحدودة، مثل شركات الاتصالات وبعض الشركات الصناعية الكبرى، في حين أن معظم الأنشطة الاقتصادية الأخرى تندرج ضمن ما يُعرف بالقطاع غير المنظم أو المشاريع الصغيرة جداً".
وأضاف أن دور الحكومة "يتمثل في تنظيم العمل في القطاع الخاص، من خلال تشريعات واضحة تضمن حقوق العاملين وأصحاب العمل"، مبيناً أن هناك تشريعات موجودة لكن تنفيذها ضعيف، الامر الذي أدى الى غياب الاستقرار الوظيفي، ما انعكس سلباً على الإنتاجية وعلى ثقة العاملين بالقطاع الخاص".
وزاد التميمي قائلاً أن العامل في القطاع الخاص لا يحصل على امتيازات تضاهي ما يتمتع به الموظف الحكومي من حيث ساعات العمل المحددة والضمانات الوظيفية، مشدداً على أن المفترض أن تكون الحوافز المقدمة في القطاع الخاص أعلى من نظيرتها في القطاع العام، لكن ذلك غير متاح حتى الآن.
وأوضح أن مساهمة القطاع الخاص في الاقتصاد الوطني ما تزال محدودة، رغم أن الناتج المحلي الاجمالي للعراق يقترب من (200) مليار دولار سنوياً، إلا أن الجزء الأكبر من هذا الرقم يعود إلى الاقتصاد الحكومي، في حين تبقى مشاركة القطاع الخاص ضعيفة. وقارن ذلك بدول مثل الإمارات، التي يتجاوز ناتجها المحلي الاجمالي (400) مليار دولار، مع اعتماد كبير على نشاط القطاع الخاص.
وخلص الى القول إن "تعزيز دور القطاع الخاص وزيادة مساهمته في الناتج المحلي الى مستويات أعلى، كفيل بخلق فرص عمل واسعة، وجذب الاستثمارات والعمالة من الخارج، مؤكدًا أن حجم الأعمال في العراق ما يزال محدوداً ولا يرتقي الى مستوى الإمكانات المتاحة".
تحديات هيكلية
من جهته، قال علي الموسوي، مهتم بالشأن الاقتصادي، أن القطاع الخاص العراقي لا يزال يمثل "بيئة طاردة" للاستثمارات والأيدي العاملة على حد سواء، مشيراً إلى أن غياب التنظيم المؤسساتي والضمانات القانونية جعل من هذا القطاع حلقة ضعيفة في هيكل الاقتصاد الوطني.
واضاف في حديث مع "طريق الشعب"، أن القطاع الخاص في العراق غير مكتمل المعالم ويعاني من عشوائية التنظيم، لافتاً إلى أن "العوائق كثيرة وتتمثل في هشاشة التشريعات وضعف التطبيق وتعرض بعض أصحاب المشاريع لعمليات ابتزاز وضغوطات من جهات متعددة والكثير من العوامل الاخرى".
وين ان "العاملين في القطاع الخاص يواجهون جملة من التحديات النفسية والمهنية التي لا تتناسب مع حجم المردود المادي أو الجهد المبذول وساعات العمل، ما يخلق فجوة كبيرة بين الطموح والواقع".
وعزا الموسوي "أسباب عزوف أصحاب العمل والشباب عن الانخراط في القطاع الخاص إلى عدم التوازن بين ساعات العمل الطويلة و الإيرادات المحدودة، ناهيك عن الافتقار التام لنظام الضمان الاجتماعي والصحي، وتدني مستوى الأجور مقارنة بالقطاع العام".
واتم حديثه بالتشديد على ضرورة "تدخل الدولة لتشريع قوانين تحمي المستثمر والعامل وتحفظ الحقوق، وتفعيل قانون العمل والضمان الاجتماعي بشكل حقيقي"، مؤكداً أن "توطين الوظائف في القطاع الخاص لن ينجح ما لم يتحول من بيئة قلقة وغير آمنة الى بيئة مؤسساتية تضمن الحقوق وقادرة على الاستقطاب".
********************************
أفكار من أوراق اليسار.. قوى الحراك وهمومه
إبراهيم إسماعيل
وأنا أختِمُ معه حواري عن البنية الطبقية للطغمة المهيمنة، أكدتُ لصاحبي أن لشعبنا تقاليدَ تقبس جمرات ثوريتها من تراثٍ عريق، منذ الملك السومري أوروكاجينا الذي ألزم أتباعه بألّا يأخذوا شيئًا بغير حق، وألّا يستعبدوا الآخرين، وصولًا إلى الإمام علي الذي ألزم العلماء بأن لا يُقِرّوا على كِظّةِ ظالمٍ ولا سَغَبِ مظلوم، وانتهاءً بمقولة القاضي المعتزلي إن الرضا بالظلم ظلم.
ولذا، كان بديهيًا أن نرى كيف يندلع من تلك الجمرات لهيبُ انتفاضاتٍ متواصلة، تُذكيها اليوم ما تعيشه الشغيلة من معاناة قاسية، ولّدتها فوضى الخصخصة، والتدهور السريع في الإنتاج الصناعي، وتوسّع العمل غير المأجور وغير المنظّم، وارتفاع معدلات البطالة، وضعف التنظيمات النقابية. ويوقظها تدهور أوضاع الفلاحين جرّاء الجفاف، والمنافسة غير العادلة مع المحاصيل المستوردة، وارتفاع تكاليف البذور والأسمدة والوقود، وغياب البنية التحتية، وتأخّر دفع المستحقات، وتراجع أشكال الدعم. كما يزيد تلك الجمرات اشتعالًا فقدانُ الطبقة الوسطى لاستقلاليتها، وتراجع دورها التنويري والنقدي، وانزلاقُ أغلبيتها نحو الفقر والاندماج بصفوف الفئات المهمّشة، لا سيما بعد أن غابت مكافأة المنتجين وتآكلت الحِرف وارتفعت بطالة الكفاءات وانسحب المهنيون من السوق وفقدت الشهادات دورها في الإرتقاء، مسببة إحباطاً شديداً لدى المتعلمين.
وما يزيد الصراع لهيبًا هذا التزايدُ الكبير في أعداد المهمشين، الذين وجدوا أنفسهم في أوضاعٍ مزرية بلا دخلٍ كافٍ، يعيشون في العشوائيات ويعتمدون على الإعانات، وذلك نتيجة انهيار القطاعات الإنتاجية التقليدية، ورفض النمط الرأسمالي الريعي استيعاب القادمين من هذه القطاعات من جهة، والنمو السكاني السريع (2.5 في المائة سنويًا) الذي يدفع بنحو 700 إلى 900 ألف شاب إلى سوق عمل عاجز عن توفير الوظائف، في ظل اقتصاد ريعي غير منتج، من جهة أخرى. كما لعب تغيّر أنماط الاستهلاك، بشكلٍ لا يتناسب مع الوضع الطبقي الحقيقي (إذ باتت العائلات تنفق 70 في المائة من دخلها على الاستهلاك)، وفي ظل تسارع التضخم بمعدلات تفوق نمو الدخل الحقيقي، دورًا خطيرًا في تدهور أوضاع الشباب وتعميق الصعوبات المعيشية.
إن تهميشَ المنظومة الحاكمة لكل هذه القطاعات من العراقيين، سياسيًا، بحرمان نصف الشعب الذي قاطع الانتخابات من تمثيلٍ حقيقي في السلطة، واقتصاديًا، بعدم استفادة ثلث الشعب نهائيًا من الريع، وحصول ثلثه الآخر على حصةٍ ضئيلة، واجتماعيًا، بتهميش المرأة وإستعبادهاعن سوق العمل (تمثل النساء 10 في المائة من القوى العاملة)، وشرعنة استعبادها، وإقصاء الأقليات، لم يُبقِ جمرةَ الحراك متّقدة فحسب، بل أفضى لإضعاف الدولة، وغياب التنمية، وتغوّل الفساد.
وكان صاحبي محقًا حين تساءل عن سرّ استمرار هيمنة هذه المنظومة رغم نفور الناس منها، ومن سياسة تتحكم بها الديموغرافيا الطائفية والعرقية، وعزوفهم عن انتخابات تقوم على الهوية الفرعية وتخلو من التنافس بين البرامج؟
والسبب الأبرز، في ظني، يكمن في أن الأوليغارشية المهيمنة على فائض الريع تمكّنت من بناء شبكات الزبائنية السياسية حين ربطت بين الوصول إلى الثروة والانتماء الحزبي، واستخدمت ذلك إلى جانب الطائفية كأيديولوجيا، والعشيرة كأداةَ ضبطٍ اجتماعي، والقمع المتقطّع والمستتر كسوطَ ترهيب، واستراتيجية الاحتواء كأداةً لتخريب وحدة المضطهدين، في تحقيق قبولٍ شعبي نسبي، أي هيمنة مستقرة رغم أزمة الدولة، على حد تعبير غرامشي. ويمثل تذبذب ذلك القبول وتراجعه واقتصاره على المنعطفات تأكيدًا على أن القمع والزبائنية والطائفية والأثنية لا يمكن أن تُلغي الصراع الطبقي، حتى لو تمكّنت من إخفائه وتشويهه، وأن الرأسمالية الريعية عصيّة على الإصلاح، الأمر الذي يُبقي أفق الحراك ضد منظومتها مشرقًا.
**********************************
العراق في الصحافة الدولية
ترجمة وإعداد: طريق الشعب
الأمم المتحدة: مليون عراقية في خطر
نشرت صحيفة "ذي ناشيونال" الناطقة بالإنكليزية مقالًا للكاتبة مينا الدروبي حول معاناة النساء في العراق، ذكرت فيه أن أعداد الناشطين المحليين والدوليين الذين يطالبون الحكومة العراقية ببذل المزيد من الجهود لحماية النساء في ازدياد، ولا سيما بعد حادثة التحرش التي تعرضت لها صبية في البصرة خلال احتفال برأس السنة، تلك الحادثة التي أثارت غضبًا واسعًا في البلاد، وسلّطت الضوء على العنف المتواصل ضد النساء كنساء.
العقوبات غير رادعة
ونقل المقال عن عدد من هؤلاء النشطاء اعتقادهم بأن ما حدث في البصرة يُعد مؤشرًا خطيرًا على استمرار العنف والانتهاكات ضد المرأة، في وقت تبدو فيه العقوبات، غير الكافية أصلًا، حبرًا على ورق، نتيجة ضعف تطبيق القانون، وانعدام الردع الحقيقي للجناة، وهيمنة أعراف اجتماعية تبرر العنف أو تتسامح معه.
أعراف متطرفة
وأشار المقال إلى أن العنف ضد المرأة، بما في ذلك ما يُسمى بـجرائم غسل العار، يُعد آفةً ذات جذور عميقة في المجتمع العراقي، الذي يفتقر، ولا سيما في الأعوام الأخيرة، إلى مواجهة جادة، كإطلاق حملات وطنية ضد قتل النساء والعنف الأسري وحرمان المرأة من حقوقها، مثل حقها في التعليم والرعاية الصحية واختيار شريك الحياة. كما تلعب بعض الفتاوى المتطرفة دورًا في ديمومة هذا الغبن وتعميق العنف ضد المرأة.
غياب القانون
وحمّلت برلمانية سابقة وناشطة نسوية مجلس النواب جزءًا من مسؤولية ما يجري، بسبب تأخره في التصديق على قانون حقوق الطفل، الذي ما يزال قيد المراجعة منذ أربع سنوات دون أن يُشرَّع أو يُفعَّل، معربتين عن اعتقادهما بأن تشريع هذا القانون يُعد الخطوة الأولى لوقف العنف ضد الفتيات والفتيان والأطفال. كما دعتا إلى تشجيع النساء والفتيات على الإبلاغ عن العنف الذي يتعرضن له، لما لذلك من دور في تقليصه. وذكرت الكاتبة أن قانون العقوبات العراقي يحتوي على ثغرات تُجيز العنف الأسري، إذ يتضمن بنودًا تسمح للزوج بمعاقبة زوجته، وللوالدين بتأديب أبنائهما، كما يُخفف الأحكام على جرائم العنف – حتى القتل – إذا كانت بدوافع "الشرف". وأضافت أن التعديلات التي أقرها البرلمان على قانون الأحوال الشخصية في تشرين الأول 2024 قد تُشرعن، عمليًا، زواج الأطفال، إذ سمحت لرجال الدين بإصدار الأحكام وفقًا لتفسيرهم للشريعة، ما قد يُجيز زواج الفتيات في بداية سن المراهقة، أو حتى في سن التاسعة.
المنظمات الدولية
وفي حديث للكاتبة، أكدت ممثلة منظمة العفو الدولية، روزا الصالحي، أن رصد حالات زواج الأطفال بالغ الصعوبة، لأنها تتم خارج إطار النظام القانوني، ولا توجد إحصاءات دقيقة عنها. وأشارت إلى أن هذه الزيجات كانت تُعد، نظريًا، مخالفة للقانون قبل إقرار تعديلات قانون الأحوال الشخصية، وبالتالي كانت تبقى غير مسجلة. أما بعد إقرار التعديلات، فقد ازدادت الأمور تعقيدًا، إذ بدأ يظهر تأثير هذه التعديلات التي تُطبق بشكل غير متسق ودون ضمانات واضحة.
وأضافت الصالحي أن المحاكم في بعض المحافظات بدأت بتطبيق هذه التغييرات في قضايا الزواج والحضانة، على نحو يُلاحظ أنه "يقوّض الحماية القائمة، إذ يسمح للأزواج بتغيير بنود عقد الزواج من جانب واحد لصالحهم". هذا وكانت الأمم المتحدة قد أفادت بأن أكثر من مليون امرأة وفتاة في العراق معرّضات لخطر العنف القائم على النوع الاجتماعي.
***********************************
الصفحة الرابعة
الدولة غائبة والمواطن يدفع الثمن سموم في الهواء وحصانة على الأرض المولدات الأهلية خارج نطاق القانون
بغداد ـ طريق الشعب
لم يعد تلوث الهواء في العراق أزمة عابرة أو خللاً فنياً يمكن احتواؤه، بل تحوّل إلى كارثة بيئية وصحية مكتملة الأركان، تهدد الحق في الحياة وتضع ملايين المواطنين تحت رحمة سموم يومية غير مرئية. تقارير المرصد العراقي لحقوق الإنسان تكشف، عبر أرقام وشهادات ميدانية، عن واقع خانق صنعته عقود من الفشل المؤسسي وتواطؤ شبكات المصالح، حيث أصبحت المولدات الأهلية بديلاً دائماً للطاقة، ومصدراً مفتوحاً للتلوث، فيما تُشرعن الدولة هذا الواقع بالصمت وغياب المساءلة. وبين هواء سام، وأمراض متصاعدة، وإنفاق ملياري يستنزف جيوب الأسر، يقترب العراق من لحظة إنذار بيئي قد تتجاوز حدود المعالجة إلى تهديد وجودي يطال الإنسان والمدينة معاً.
إبادة بيئية؟
وقال المرصد العراقي لحقوق الإنسان، إن العراقيين يختنقون بصمت تحت وطأة "إبادة بيئية" شرعنتها عقود من الفشل المؤسساتي وتواطؤ شبكات المصالح؛ فبينما يصارع المواطن لتأمين نفقات "الأمبير" التي تستنزف ما بين 6 إلى 10 مليارات دولار سنوياً من مدخرات الأسر، يجد نفسه أمام "مقصلة كيميائية" تنفث سمومها داخل غرف النوم.
ووفقا لبرنامج حماية الأرض (EPP) في المرصد، فإن سماء العراق لم تعد ملكاً للمناخ أو الطبيعة، بل تحولت إلى "مخزن للنفايات الغازية" تصدرها نحو 50 ألف مولدة تعمل بمحركات متهالكة ووقود ديزل عالي الكبريت، مما جعل بغداد تتصدر قائمة المدن الأكثر تلوثاً في العالم مطلع عام 2026 بمؤشر جودة هواء AQI.
وباتت سماء المدن العراقية محاصرة بـ "غيمة سوداء" ثقيلة تحبس الجسيمات الدقيقة والمواد المسرطنة قريباً من سطح الأرض، مما يرفع رائحة الكبريت المميتة التي تخنق الأنفاس في ساعات الفجر والليل المتأخرة. هذا التدهور لم يعد مجرد خلل فني، بل هو "انتحار وطني" بيئي مدفوع بسياسة "الإفلات من العقاب" التي تحمي مافيات المولدات المرتبطة بمراكز قوى سياسية، حيث يُترك 45% من السكان مهددين بمخاطر صحية مباشرة أدت إلى انفجار في الإصابات السرطانية التي سجلت 46,390 حالة في عام 2024.
الملوثون يحظون بحصانة سياسية
يرى خبراء برنامج حماية الأرض (EPP) في المرصد العراقي لحقوق الإنسان أن الدولة العراقية، عبر مؤسساتها التنفيذية والتشريعية، ترتكب "جريمة إهمال منهجي" بحق مواطنيها، حيث يمثل بقاء منظومة المولدات الأهلية كشريان وحيد للطاقة انتهاكاً صارخاً للحق في الحياة والصحة والعيش في بيئة سليمة كفلتها المادة 33 من الدستور العراقي.
ويشير الخبراء الى ان ما يشهده العراق هو حالة موثقة من "الإفلات من العقاب البيئي"، إذ تتمتع مافيات المولدات بحماية سياسية ومسلحة تمنع تنفيذ قانون حماية وتحسين البيئة رقم 27 لسنة 2009، مما يجعل المواطن ضحية لعقد اجتماعي مشوه يُجبر فيه على دفع مبالغ تصل لـ 10 مليارات دولار سنوياً لتمويل عملية "خنق" رئتيه بالسموم.
ورصد الخبراء في مطلع الشهر الجاري قفزة تاريخية لـ مؤشر جودة الهواء (AQI) ليصل إلى 301 نقطة، وهو المستوى الذي يُعرف دولياً بـ "التحذير البنفسجي" الذي يعني بلوغ الهواء مرحلة "السمية الحادة" التي تستوجب إعلان الطوارئ الصحية.
ويصف سكان العاصمة في مناطق عدة، سماء مدينتهم بأنها تكتسي لونا رمادياً داكناً يميل للسواد في ساعات الفجر، محمّلاً برائحة "كبريت نفاذة" مميتة، وهي مؤشر على احتراق مركبات الكبريت الثقيلة في الديزل الرديء الذي يحتوي على تراكيز تتراوح بين 10,000 إلى 25,000 جزء بالمليون ($ppm$)، مما يطلق غاز كبريتيد الهيدروجين ($\text{H}_2\text{S}$) بتركيز يصل لـ 0.6 $ppm$، أي ما يعادل 120 ضعفاً للحد العالمي الآمن.
وتمتد آثار التلوث لضرب قلب المنشآت السيادية للدولة، حيث وثق برنامج (EPP) شهادة لموظفة في محطة كهرباء الدورة الحرارية كشفت فيها عن انهيار معايير السلامة المهنية حتى داخل المؤسسات الرسمية، مشيرة إلى أن الموظفين يعملون وسط تسرب دخان كثيف وسام يخلّف غباراً أسود يغطي وجوههم وثيابهم ويدخل في رئاتهم بشكل مباشر، مما أدى لإصابتها وجل زملائها بالتهابات حادة في الحبال الصوتية وتحسسات دائمية دون وجود أي إجراءات وقاية.
وتتقاطع هذه الشهادة مع تقارير الشرطة البيئية التي أكدت رصد انبعاثات كثيفة جداً من المحطة التي تعمل بدون فلاتر بالوقود الثقيل نتيجة إهمال استمر لعقود. ويعزز هذا المشهد المأساوي ما يرويه أحد أصحاب محال تصليح إطارات السيارات في منطقة الدورة حيث يعمل بالقرب من محطة الكهرباء، الذي يصف كيف ينهك هواء بغداد الملوَّث رئتيه مع تكثف النشاط الصناعي والمولدات، ما أدى لإصابته وعاملين معه بمشاكل قلبية حادة.
ناشطة تصارع قانونياً
وتحدثت الناشطة المدنية رؤى خلف، عن صراعها القانوني المستمر منذ عام ضد 6 مولدات تجارية تحاصر منزلها في إحدى مناطق بغداد، وتخنق أطفالها بالدخان والضجيج الذي يتجاوز 65 ديسيبل، مؤكدة أن القضية لم تُحسم بسبب الرشاوى التي يتقاضاها بعض الفاسدين، حيث صدر قرار سابق ينفي وجود الضرر دون إجراء أي فحص ميداني حقيقي.
ويؤكد المرصد ان هذا التلاعب ما رصدته هيئة النزاهة من وجود آلاف "المولدات الوهمية" التي تُسجل لاستلام وقود الكاز المجاني (الذي أقر بواقع 45 لتراً لكل $kVA$ في عام 2025) وبيعه في السوق السوداء بأسعار مضاعفة، مما يترك المواطن ضحية لـ "دكتاتورية المولدات" التي تفرض تسعيراتها دون رقابة.
وينتقل هذا الدمار البيولوجي ليمس التربة والغطاء النباتي، حيث مصطفى الزعيم، ناشط من كركوك، كيف دمرت المولدة بيئة حيهم منذ عام 1994، إذ أن تسرب زيوتها يلوث التربة والأساسات، وتبدو الأشجار القريبة منها صفراء ومتقزمة ومريضة مقارنة بالأشجار البعيدة، مما يثبت أن هذه المحركات تقتل الحياة النباتية كما تقتل السكينة داخل المنازل.
وقدمت الدكتورة رحمة علاء شهادة طبية للمرصد توثق إصابتها بنزف أنفي (رعاف) شبه يومي وصعوبة في التنفس، نتيجة تهيج الأغشية المخاطية وهشاشة الشعيرات الدموية بفعل السموم، وهي أعراض تختفي تماماً عند مغادرة البلاد.
ويرتبط هذا الانهيار الصحي بشكل مباشر بالانفجار السرطاني الذي يشهده العراق، حيث سجل مجلس السرطان 46,390 إصابة جديدة في عام 2024، تصدرت فيها بغداد القائمة بـ 11,642 إصابة نتيجة التعرض الطويل للجسيمات الدقيقة ($\text{PM}_{2.5}$) التي وصلت لثمانية أضعاف الحد العالمي.
وتتحمل الحكومات المتعاقبة المسؤولية القانونية الكاملة عن هذا التدهور نتيجة الفشل الاستراتيجي في إدارة الموارد؛ فالعراق يحرق سنوياً 18 مليار متر مكعب من الغاز المصاحب، وهي كمية كافية لتوليد 33 غيغاواط وإنهاء الحاجة للمولدات تماماً، ومع ذلك يظل "اقتصاد المولدات" هو المستفيد الوحيد من هذا الهدر.
وتشير توقعات خبراء المرصد إلى سيناريوهات كارثية بحلول 2030-2050، نتيجة التلوث المتراكم، كما تساهم المولدات في رفع حرارة المدن بنحو 5.5 درجة مئوية، مما سيؤدي لـ نزوح أكثر من 140,000 مواطن سنوياً هرباً من السموم والضجيج.
خارطة طريق خضراء
ويطالب المرصد بتبني "خارطة طريق خضراء" فورية تشمل تفعيل المادة 32 من قانون حماية البيئة لمحاسبة أصحاب المولدات والمسؤولين المتواطئين، وتحويل المليارات المهدورة في دعم وقود المولدات نحو قروض ميسرة بنسبة دعم 90% لنصب منظومات الطاقة الشمسية المنزلية، تماشياً مع خطة الدولة لتوليد 12,000 ميغاواط بحلول 2030، وإلزام كافة المولدات فوراً بنصب فلاتر منقية للكاربون وكواتم صوت معتمدة دولياً.
**********************************
إصلاح اقتصادي أم انسحاب حكومي؟ خصخصة بلا ضوابط.. حين تتحول الخدمات العامة من حق للمواطن إلى عبء اقتصادي
بغداد – تبارك عبد المجيد
في ظل أزمة اقتصادية تتسم بتداخل السياسات وغياب الرؤية الواضحة، برزت الخصخصة في العراق بوصفها خياراً مطروحاً لإصلاح الخدمات العامة، لكنها طُبِّقت على نحوٍ جزئي ومشوَّه حمّل المواطن كلفاً إضافية دون أن يلمس تحسناً حقيقياً في نوعية الخدمات. خبراء اقتصاديون يحذّرون من أن الخصخصة غير المنضبطة لا تعني إصلاحاً اقتصادياً بقدر ما تمثل انسحاباً تدريجياً للدولة من مسؤولياتها الأساسية، وتحويلاً للخدمات الحيوية إلى سلع تجارية تخضع لمنطق الربح، في بيئة تفتقر للمنافسة والرقابة، ما يفاقم الفوارق الاجتماعية ويجعل الفئات ذات الدخل المحدود الخاسر الأكبر.
اقتصاد بملامح غير واضحة!
يقول الخبير الاقتصادي عبد الرحمن الشيخلي، أن تطبيق الخصخصة لا يمكن أن يكون خطوة معزولة أو مرتجلة، بل يفترض أن يأتي بعد ترسيخ معايير واضحة لنظام اقتصاد السوق، وهو النظام الذي كان من المفترض أن تتبناه الحكومات المتعاقبة بعد عام 2003. إلا أن الواقع، بحسب الشيخلي، يشير إلى أن ملامح الاقتصاد العراقي ما تزال غير محددة بشكل دقيق.
وأوضح الشيخلي لـ"طريق الشعب"، أن هذا الغموض في التوجهات الاقتصادية يفرض على الحكومات ضرورة دراسة النتائج المحتملة لأي نظام يتم اعتماده، ولا سيما الآثار السلبية التي قد تنعكس على المواطن في حال سوء التطبيق أو غياب الأطر التنظيمية والرقابية. واستشهد في هذا السياق بتجربة خصخصة جبايات الكهرباء، التي وصف نتائجها بغير المرضية، سواء من حيث مستوى الخدمة أو الأعباء المالية التي ترتبت على المواطنين.
وأشار إلى أهمية وجود رقابة فعالة من قبل الجهات القطاعية المختصة والمشرفة على هذه الأنشطة، لضمان التزام الشركات بالمعايير المحددة، وحماية حقوق المستهلك، ومنع تحولها إلى شكل من أشكال الاحتكار الذي يضر بالمصلحة العامة.
المواطن يتحمل الكلفة
اما استاذ الاقتصاد الدولي، د. نوار السعدي، فيجد أن ما جرى في العراق خلال السنوات الماضية هو انتقال جزئي وغير منظم لعبء التمويل من الدولة إلى المواطن؛ فبدلاً من أن تكون الخصخصة أداة لإصلاح هيكلي وتحسين كفاءة الخدمات، تحولت في كثير من القطاعات إلى وسيلة لتخفيف الإنفاق الحكومي على حساب الدخل الفردي.
ويقول السعدي في حديث لـ"طريق الشعب"، أن هذا التوجه برز بشكل خاص في قطاعات حيوية مثل الكهرباء، والاتصالات، وبعض الخدمات البلدية والصحية. ففي هذه المجالات، تراجع العبء المباشر على الخزينة العامة شكلياً، إلا أن هذا التراجع لم يكن نتيجة إدارة أكثر كفاءة أو بنى تنظيمية أفضل، بل جاء ببساطة لأن الدولة انسحبت جزئياً من دورها التمويلي، ومررت الكلفة إلى المستهلك النهائي. وبهذا المعنى، فإن الدولة خففت إنفاقها، لكن المجتمع دفع الفرق، وأحياناً بأضعاف ما كان يدفعه سابقاً.
اقتصادياً، يشير السعدي إلى أن الخصخصة لا تُعد مبررة إلا إذا أدت إلى تحسين ملموس في جودة الخدمة مقابل السعر، أو على الأقل إلى استقرارها واستدامتها. غير أن الواقع العراقي، بحسب وصفه، يُظهر صورة مختلفة؛ إذ إن بعض الخدمات شهدت تحسناً شكلياً من حيث التوفر أو السرعة، إلا أن هذا التحسن لا يتناسب غالباً مع الارتفاع الكبير في الأسعار، ولا مع مستوى دخل المواطن.
ويضيف أن تفعيل القطاع الخاص جرى في بيئة تفتقر إلى المنافسة الحقيقية والرقابة الفعالة، ما أتاح تحقيق أرباح مرتفعة دون التزام صارم بمعايير الجودة أو حماية المستهلك. ونتيجة لذلك، يجد المواطن نفسه أمام معادلة غير متوازنة: يدفع أكثر، لكنه لا يحصل بالضرورة على خدمة أفضل بالقدر الذي يبرر هذه الكلفة.
أما على مستوى المخاطر، فيحذر السعدي من أن أخطر ما في الخصخصة هو تحويل الخدمات الأساسية من حق عام إلى سلعة تجارية. فعندما تُدار الخدمات الحيوية بعقلية الربح فقط، ومن دون إطار تنظيمي قوي يضمن العدالة والكفاءة، تصبح الفئات ذات الدخل المحدود أول المتضررين. وهذا الواقع يسهم في اتساع الفجوة الاجتماعية، حيث يتمتع القادرون مالياً بخدمات أفضل، فيما يُجبر ذوو الدخل المحدود على القبول بخدمات أدنى أو استنزاف جزء كبير من دخولهم لتأمين احتياجات أساسية.
ويخلص السعدي إلى أن المشكلة في العراق هي غياب الرؤية الشاملة التي توازن بين دور الدولة، وكفاءة القطاع الخاص، وحماية المواطن بوصفه الحلقة الأضعف في هذه المعادلة.
زيادة "التكاليف"!
في السياق، ذكر الباحث الاقتصادي عبدالله نجم إن خصخصة بعض الخدمات في العراق أدت إلى زيادة كلفة الحياة على المواطنين بشكل ملموس. الفئات الغنية قادرة على الحصول على الخدمات بسهولة، بينما تتحمل الفئات المتوسطة والفقيرة أعباء أكبر، وتواجه صعوبات في الوصول إلى الكهرباء والماء والخدمات الصحية.
ويضيف نجم في تعليق لـ"طريق الشعب"، أن الخصخصة تقلل من قدرة الحكومة على تقديم الخدمات الأساسية بشكل عادل وفعال، لأن القطاع الخاص يركز على تحقيق الربح أكثر من تلبية الاحتياجات المجتمعية، ما يزيد التفاوت بين المناطق الغنية والمهمشة، ويجعل المواطن البسيط الأكثر تضررًا.
وينوه نجم بأن ضعف الرقابة على الشركات المتعاقدة يزيد المشكلة، إذ ترتفع الكلفة دون أي تحسن ملموس في الجودة، ويعلق بأن الفئات الهشة تواجه خطر الاستبعاد من الخدمات الأساسية، مما يؤدي إلى تفاقم الفقر وزيادة التفاوت الاجتماعي.
ويشير إلى أن هذه التحديات الاقتصادية مرتبطة بشكل وثيق بالوضع السياسي في العراق، حيث غياب التخطيط المركزي ورغبة بعض الجهات في تخفيف الإنفاق الحكومي على حساب المواطنين، ما أدى إلى تنفيذ سياسات جزئية وغير متكاملة، وبالتالي إضعاف القدرة على إصلاح القطاع العام وجعل أي محاولة لتحسين الخدمات مرتبطة بالمناورات السياسية أكثر من الاحتياجات الفعلية للمواطن.
**********************************
الصفحة الخامسة
بين البطالة وغلاء المعيشة جوالون يزاولون مهناً يدوية مقابل مردود بسيط
متابعة – طريق الشعب
في مختلف مدن العراق، لا تزال عشرات المهن الجوّالة تقاوم البقاء وتوسّع مساحات عملها وتطوّر أدواتها، من دون الحاجة إلى رأس مال كبير، ومن تلك المهن شحذ السكاكين وتصليح الأدوات والأجهزة المنزلية والحدادة والنجارة وتنظيف المجاري وتشذيب الحدائق، فضلا عن خدمات التوصيل وبيع المواد المستعملة وشرائها.
وتجمع هذه المهن شبابا متعلمين وغير متعلمين لم يُحظوا بفرص عمل مناسبة. وعادة ما يتنقل صاحب المهنة عبر دراجة هوائية أو نارية، بين الأحياء السكنية، مستخدماً مكبرات الصوت البسيطة لإعلان خدماته.
يأتي ذلك في ظل تفشي البطالة، مقابل استفحال الأزمات المعيشية وتصاعد الغلاء وزيادة متطلبات الحياة.
ورغم إعلان الحكومة خلال الشهور الماضية، وفي أكثر من مناسبة، انخفاض البطالة في البلاد بواقع 13 في المائة، وانها وسّعت عمل القطاع الخاص بإقرار قانون التقاعد والضمان الذي يساوي امتيازات العاملين في القطاعين الخاص والحكومي، رغم ذلك كله، إلا أن البطالة لا تزال موجودة بصور متعددة.
مهن لا تحتاج إلى رأس مال
تفيد تصريحات رسمية بأن الحكومة المنتهية دورتها سعت إلى خفض معدلات البطالة عبر سلسلة من الإجراءات، من ضمنها دعم القطاع الخاص وتوفير قروض لفتح المشاريع الخاصة، إلا ان ذلك في الحقيقة لم يساهم مساهمة كبيرة في إنهاء البطالة أو على الأقل خفضها إلى مستويات متدنية. فيما لجأ الشباب، وهم الشريحة الأكبر في المجتمع، إلى أعمال ومهن لا تحتاج لرأس مال كبير، إنما إلى التجوال في الأحياء السكنية وتقديم الخدمات التي عادة ما يكون مردودها المالي اليومي بسيطاً جداً، وفي أفضل الأحوال لا يتجاوز 10 إلى 15 ألف دينار.
يقول الأربعيني أبو علي، من بغداد، انه يعمل في تسليك المجاري والبالوعات وتنظيفها، ويزاول هذه المهنة منذ قرابة 20 عاماً، مبينا في حديث صحفي أنه لم يكمل تعليمه بسبب ظروف الحياة الصعبة، ولا يقبل على نفسه أن يبقى في البيت وينتظر المعونات والمساعدات.
ويضيف قوله أن العمل الحر والجوّال يمنحه الحرية في التنقل والوصول إلى مناطق بعيدة، عادة ما يُصعب على سكانها الذهاب إلى مراكز المدن للحصول على عمّال يزاولون تلك الخدمات.
أيام دون عمل
يلفت أبو علي إلى أن خروجه اليومي للعمل لا يعني أنه يعمل يومياً. فهو عادة ما يبقى أياما من دون أي طلب على خدماته. كذلك انه يعتمد على توزيع رقم هاتفه بين الناس لأجل التواصل معه عند الحاجة.
ويشير إلى أن "أجر فتح البالوعة الواحدة يبلغ 15 ألف دينار، وان العملية تستغرق أحياناً ساعات من التنظيف لإنهاء الانسدادات"، منوّها إلى أنه كان قد تقدم أكثر من مرة للحصول على وظيفة حارس مدرسة أو مؤسسة حكومية، إلا أنه لم يوفق في مسعاه، ما دفعه إلى ترك فكرة الوظيفة الحكومية والبقاء في عمله الحر.
من جهته، يقول الشاب عزيز أحمد، وهو أيضا من بغداد ويعمل في بيع المواد المنزلية المستعملة وشرائها، أنه يشتري كل حاجة منزلية مستعملة مثل الغسالات والثلاجات من منازل الأحياء الراقية في بغداد، ويتوجه لبيعها في المناطق الفقيرة، وبذلك يحقق دخلاً جيداً.
ويوضح في حديث صحفي أن مهنته شاقة، لأن بعض الحاجات التي يبيعها ويشتريها ذات أوزان ثقيلة، لذلك تعرّض لحالات مرضية عديدة بسبب هذه المهنة التي يعمل مع ولده فيها.
يعملون لكنهم عاطلون!
في السياق، يلفت الباحث الاجتماعي صدام الموزاني، إلى أن "العاملين في المهن الجوّالة يندرجون ضمن شريحة الفقراء، لأن أعمالهم ليست مستقرة، بل إن كثيرين منهم لا يختلفون عن العاطلين عن العمل بسبب قلة الفرص، لذلك أغلب هؤلاء يسكنون في العشوائيات ومناطق التجاوزات، وهم في أوضاع اقتصادية واجتماعية صعبة".
ويذكّر في حديث صحفي بأن "مسؤولية السلطات رعاية المواطنين، وتوفير الحياة الكريمة لهم، خصوصاً أن العراق ليس بلداً فقيراً، ومن المعيب أن نشهد الفقر بهذه الطريقة في بلد غني وغزير بالفرص الاقتصادية".
وتعد مشكلة البطالة في العراق من أبرز التحديات التي واجهت الحكومات المتعاقبة، والتي لم تُعالج بالشكل المطلوب حتى الآن. وتؤكد جميع الأرقام أن هذه المشكلة آخذة بالاتساع، ومعها يرتفع مؤشر الفقر في الدولة الغنية بالنفط. كذلك تتزايد أعداد خريجي الجامعات الذين لم يتمكّنوا من الحصول على وظائف، بسبب عدم وجود رؤية حقيقية لدى الدولة، فضلاً عن عدم الاستقرار الأمني والسياسي والاقتصادي - حسب مراقبين. وشهدت البلاد ولا تزال تشهد في محافظات عديدة، موجات احتجاج من الشباب العاطلين عن العمل، تصل إلى إغلاق مؤسسات ومقار شركات نفطية وغيرها. ولا تتراجع هذه الاحتجاجات بالرغم من الوعود التي تطلقها الحكومات بالعمل على الحد من البطالة والفقر في البلاد.
وكانت نسبة البطالة في العراق قد بلغت 16.5 في المائة من مجموع السكان النشطين اقتصادياً، بموجب مسح نفذه الجهاز المركزي للإحصاء الحكومي بالتعاون مع منظمة العمل الدولية. وحسب بيان رسمي فإن "هذه النسبة ترتفع لدى النساء إلى أكثر من 25 في المائة مقارنة بالذكور، الذين تصل نسبة البطالة بينهم إلى 11 و12 في المائة".
*********************************
اگول.. رواتب تتآكل وامتيازات لا تُمس!
عامر عبود الشيخ علي
منذ فترة طويلة وأزمة الاقتصاد والسيولة النقدية تتكشف باستمرار وبشكل كبير ومؤثر، بسبب الازمات المتوالية الناتجة عن نظام الحكم الذي اعتمد المحاصصة نهجا لادارة شؤون البلد، وتراجع الاقتصاد العراقي بسبب اعتماد النفط مصدرا ريعيا وحيدا، هذا ما انعكس سلبا على حياة المواطن ومعيشته وأدى إلى ارتفاع اسعار السلع والخدمات.
ان غلاء المعيشة هذا لم يعد أزمة اقتصادية عابرة، بل سياسة غير معلنة تدار على حساب الفئات الأضعف. فبينما تتصاعد أسعار الغذاء والإيجارات والنقل وخدمات الصحة والتربية، تتآكل رواتب الموظفين بصمت، وكأنها الحلقة الأسهل في سلسلة المعالجات الحكومية. والأشد فداحة أن الحكومات المتعاقبة حين تبحث عن ترشيد الإنفاق، تبدأ دائماً بقضم الرواتب وقطع المخصصات من الموظفين والعمال الكسبة، دون أي اقتراب من مخصصات وامتيازات الرئاسات الثلاث وموظفيها، تلك الامتيازات التي تشكل ميزانية ضخمة مستنزِفة لا تخضع للمراجعة أو المساءلة.
نقول:
كيف يُطلب من موظف محدود الدخل تحمل الغلاء، فيما تصان رواتب وامتيازات المسؤولين وكأنها خطوط حمراء، وأي عدالة هذه التي تفرض التقشف على من لا يملك سوى راتبه واجره اليومي، وتحمي من يملك أكثر مما يحتاج. ان تآكل الرواتب ليس نتيجة السوق وحده، بل نتيجة خيارات سياسية واضحة: غياب الرقابة على الأسعار، انعدام سياسات حماية الدخل، والتهرب من فتح ملف الامتيازات العليا التي تلتهم جزءا كبيرا من المال العام دون مردود حقيقي على حياة الناس.
المواطن لا يطالب بالمستحيل، بل بعدالة بسيطة، بأن تتحمل السلطة نصيبها من الأزمة، لا أن تلقي كلفتها كاملة على كتف الموظف والمتقاعد. فالدولة التي تحمي امتيازات قادتها أكثر مما تحمي قوت مواطنيها، تفقد معناها قبل أن تفقد ثقة الناس.
*******************************
إجابتان من وزارة النفط
تلقت "طريق الشعب" من وزارة النفط إجابتين على موضوعين صحفيين كانت الجريدة قد نشرتهما. وهنا نصا الإجابتين:
إلى صحيفة طريق الشعب الغراء
نهديكم أطيب تحياتنا
• إشارة إلى ما نشرته صحيفتكم الغراء بتاريخ 18/11/2025، تحت عنوان (بيئة الأنبار: الانبعاثات النفطية تزيد حالات السرطان)، نود إعلامكم بأن شركة مصافي الشمال قد بينت بأنه لا علاقة للشركة بخصوص الموضوع مدار البحث، كون مصفى حديثة العائد للشركة يقع في منطقة بعيدة عن المناطق السكنية ويعمل ضمن المحددات البيئية العراقية المسموح بها.
• إشارة إلى ما نشرته صحيفتكم الغرّاء بتاريخ 7/12/2025، تحت عنوان (بيجي على حافة كارثة صحية)، نود اعلامكم بأن شركة مصافي الشمال قد بينت ان المدينة تعيش حياة طبيعية والامراض التي تم ذكرها في الخبر موجودة في كافة محافظات العراق ويعود ذلك بسبب تعرض البلاد إلى حروب ادت إلى التلوث البيئي وكذلك عوامل وراثية مختلفة تتعلق بكل نوع من انواع مرض السرطان، كما اشارت الشركة إلى ان المياه الصناعية لمقر الشركة والمصافي الخارجية هي ضمن محددات البيئة العراقية وحسب تقارير فحصل المياه التي يتم اجرائها من قبل السلامة والصحة المهنية في الشركة وفحوصات مديرية بيئة صلاح الدين التي تثبت ذلك.
اما فيما يخص تزايد مرض السرطان بعد عام 2014 في قضاء بيجي فهنالك تقارير موثقة من قبل بيئة صلاح الدين تبين فيها كافة التفاصيل واسباب امراض السرطان في القضاء، حيث يوجد ضمن الرقعة الجغرافية للقضاء عدد كبير من المنشآت والمعامل التي تطرح مخلفاتها في نهر دجلة ووجود الطمر الصحي في اطراف القضاء الذي تتم فيه عملية حرق النفايات التي تسبب التلوث وحالات الاختناق.
واضافت الشركة بأنها ملتزمة بكافة محددات البيئة العراقية وان النسب الغازية ضمن حدود البيئة المسموح فيها وحسب تقارير فحص الهواء علما ان الشركة لا تقوم بحرق اي نفايات، وبإمكان مراسلي الصحيفة زيارة موقع الشركة للاطلاع على ذلك.
شاكرين تعاونكم معنا مع التقدير
*************************************
وسط تراخٍ حكومي {غابات قره بك} تتعرض لإبادة!
متابعة – طريق الشعب
أفاد مواطنون وناشطون بيئيون في محافظة كركوك، بتعرّض "غابات قره بك" التابعة إلى ناحية ألتون كوبري، لعمليات قطع جائر منظم، تنفذها مجاميع مجهولة، ما تسبّب في إعدام عشرات الأشجار وتهديد واحد من أهم الأحزمة الخضراء في المنطقة.
وأكدوا في حديث صحفي، أن عمليات القطع تتم منذ أيام، وبشكل متكرّر، مستهدفة الأشجار المعمّرة، وسط مخاوف من "تحوّل الغابات إلى أراضٍ جرداء في حال استمرار هذا النزيف البيئي دون تدخل رسمي حازم".
وتنقل وكالة أنباء "شفق نيوز" عن أحد سكان ألتون كوبري، ويدعى عمر عثمان، قوله أن "أيادي مجهولة أقدمت على قطع أعداد كبيرة من أشجار غابات قره بك. حيث جرى تقطيع الأشجار ونقلها باستخدام عجلات، في مشهد يرقى إلى الإبادة البيئية".
وأضاف عثمان قوله أن "الغابات كانت تشكل متنفساً طبيعياً لأهالي المنطقة، فضلاً عن دورها في الحد من العواصف الترابية والتصحر"، مبيناً أن "السكان فوجئوا بحجم الدمار الذي لحق بالأشجار خلال فترة قصيرة".
من جانبه، قال الناشط البيئي حسن البياتي، أن "ما يجري في غابات قره بك يمثل جريمة بيئية مكتملة الأركان"، محذّراً من أن "القطع الجائر للأشجار سيساهم في زيادة نسب التلوث، وارتفاع درجات الحرارة، وتفاقم ظاهرة التصحر التي تعانيها مناطق واسعة من كركوك".
وأضاف قائلا أن "غياب الرقابة البيئية وتراخي الجهات المعنية شجّع بعض المتنفذين وتجار الأخشاب على استباحة الغابات"، مطالباً بـ"فتح تحقيق عاجل، ومحاسبة المتورّطين، ووضع حد لهذه الانتهاكات التي تهدد مستقبل البيئة في المحافظة".
وأشار البياتي إلى أن "غابات قره بك تُعد من المناطق الطبيعية المهمة، وتضم أنواعاً مختلفة من الأشجار التي تحتاج سنوات طويلة للنمو، ولا يمكن تعويضها بسهولة"، مؤكداً أن "حمايتها مسؤولية مشتركة تقع على عاتق الحكومة المحلية والدوائر البيئية والأمنية".
في السياق ذاته، أفاد مصدر أمني في كركوك، بأن "القوات الأمنية تلقت بلاغات عن وجود عمليات قطع غير قانونية للأشجار في منطقة قره بك"، مؤكداً في حديث صحفي أن "تشكيلات أمنية باشرت بجمع المعلومات والتحري عن الجهات التي تقف وراء هذه الأعمال".
وأوضح أن "هناك توجيهات بتكثيف الدوريات في محيط الغابات، ومنع أي عمليات قطع أو نقل للأخشاب دون موافقات رسمية"، مشيراً إلى أن "التحقيقات ما زالت مستمرة، وسيتم اتخاذ الإجراءات القانونية بحق كل من يثبت تورطه".
وتأتي هذه الحوادث في وقت تعاني فيه المحافظة تراجع المساحات الخضراء بسبب التوسع العمراني غير المنظم، وغياب الخطط المستدامة لحماية البيئة، ما يجعل "غابات قره بك" عرضة للاستغلال والتجريف.
*********************************
مرصد بيئي: أكثر من نصف الأراضي الزراعية غير مُستغل
متابعة – طريق الشعب
أفاد "مرصد إيكو عراق" البيئي، بأن "إجمالي الأراضي الصالحة للزراعة في البلاد يبلغ نحو 28 مليون دونم، إلا أن المساحات الداخلة فعليًا في الإنتاج الزراعي لا تتجاوز 13 مليون دونم"، مشيرًا إلى خمسة أسباب رئيسة وراء تراجع النشاط الزراعي في البلاد.
وأوضح في بيان صحفي أن "الأراضي الزراعية في العراق تنقسم إلى قسمين: أراضٍ ديمية تعتمد على مياه الأمطار، كما في محافظتي المثنى وصلاح الدين، وأراض مروية تعتمد على الأنهار وشبكات الري، مثل أراضي محافظة واسط التي تُعدّ من أكثر المحافظات اعتمادًا على هذا النوع من الزراعة".
وأشار المرصد إلى أن الأسباب الخمسة التي تقف وراء قلة الزراعة في البلاد، تتمثل في "شحّ المياه، قلة تساقط الأمطار، الجفاف، تغيّر المناخ، فضلًا عن ضعف الدعم الحكومي".
وبيّن أن "ضعف الدعم الحكومي يظهر في غياب التخطيط الزراعي طويل الأمد، وعدم كفاية دعم الفلاح بالبذور والأسمدة والتسويق"، مضيفًا أن "مشكلات التسعير وشراء المحاصيل، إلى جانب عدم تطوير المناطق الريفية، دفعت أعدادًا من السكان إلى الهجرة نحو المدن".
وختم المرصد بيانه بالتشديد على ضرورة "وضع استراتيجية وطنية عاجلة لإدارة المياه والزراعة تشمل تحديث شبكات الري، واعتماد التقنيات الحديثة، ودعم المحاصيل الأقل استهلاكًا للمياه، وتشجيع الاستثمار الزراعي، وتنمية المناطق الريفية".
********************************
مواساة
• تقدم اللجنة الأساسية للحزب الشيوعي العراقي في قضاء الحي التعازي إلى الرفيق بشار قفطان، بوفاة شقيقته ام كريم.
لها الذكر الطيب دوما، ولأسرتها الكريمة وسائر معارفها الصبر والسلوان.
• تعزي اللجنة المحلية للحزب الشيوعي العراقي في واسط الرفيق بشار قفطان (أبو فرات)، بوفاة شقيقته.
للفقيدة الذكر الطيب، ولعائلتها الصبر والسلوان.
• تنعى اللجنة المحلية للحزب الشيوعي العراقي في كربلاء الشخصية الوطنية ضياء النصار، الأديب والفنان المسرحي والتراثي الذي فارق الحياة بعد صراع مع المرض اللعين.
له الذكر الحسن ولعائلته واصدقائه الصبر والسلوان.
*************************************
الصفحة السادسة
عمليات عسكرية وهدم منشآت فلسطينية محافظة القدس: التهام المزيد من الأراضي لصالح شارع استيطاني
رام الله – وكالات
قالت محافظة القدس، إن بلدية الاحتلال الإسرائيلي تتجه لالتهام مزيد من الأراضي لصالح شارع استيطاني من خلال توجهها لإقرار ميزانية "ضخمة" لتوسيع الطريق شمالي المدينة.
زحف استعماري متسارع
وذكرت المحافظة - في بيان - أن لجنة المالية في البلدية الإسرائيلية "ستعقد الاثنين جلسة لإقرار الموازنة المخصصة لتنفيذ طريق 45″، المعروف بطريق الكسّارات شمالي القدس.
وأوضحت أن الشارع -القائم أصلا- سيلتهم نحو 280 دونما من أراضي محافظة القدس، وخصص له تحت بند "تطوير شارع 437" نحو نصف مليار شيكل (نحو 160 مليون دولار).
ويمتد الشارع، وفق المحافظة، من حاجز حِزما العسكري الإسرائيلي شمال شرقي القدس، إلى دوار بلدة جبع شمالي المدينة.
ووفق المحافظة، فإن المشاريع الاستيطانية ليست مجرد تطوير للبنية التحتية، "بل هي جزء من استراتيجية الاحتلال لتقوية شبكة المستعمرات وفرض السيطرة الكاملة على المدينة ومحيطها، ضمن ما يُعرف بـ "زحف استعماري متسارع من التخطيط إلى التنفيذ الفعلي".
عزل القدس
وتابعت أن الاحتلال يستغل الأزمات الإقليمية في المنطقة، بما في ذلك آثار حرب الإبادة الأخيرة في قطاع غزة، "لتسريع مشاريع التوسع الاستعماري وفرض واقع جديد على الأرض الفلسطينية".
وحذرت من أن السياسات الإسرائيلية "تهدف إلى عزل القدس عن محيطها الفلسطيني، وتحويل البلدات المقدسية إلى مناطق متفرقة ومعزولة، في حين تُسهل على المستعمرين الوصول إلى المستعمرات بسرعة قياسية وتشجعهم على الاستقرار فيها". وحذرت المحافظة من مصادرة واسعة للأراضي الفلسطينية المملوكة للمواطنين "بما يشكل خرقا للقانون الدولي".
تصاعد الانتهاكات والجرائم
واعتبرت أن الشارع المقرر العمل عليه سيشكل "تنفيذا عمليا لمخطط ما يسمى القدس الكبرى وفق المفهوم الإسرائيلي، وضم المستعمرات إلى حدود بلدية الاحتلال، مع استمرار الاحتلال في استخدام كل الوسائل لتغيير الجغرافيا والهوية الفلسطينية للمدينة، واستغلال كل الظروف الإقليمية لتسريع تنفيذ المخطط، بما يعكس تصاعد الانتهاكات والجرائم في المدينة المقدسة".
ووفق معطيات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية، فإن "اللجان التخطيطية" الإسرائيلية درست 107 مخططات هيكلية خلال عام 2025، منها 41 مخططا خارج حدود بلدية الاحتلال و66 في مستوطنات داخل الحدود التي رسمتها البلدية لمدينة القدس.
قمع متزايد
يوم أمس، شرعت قوات الاحتلال الإسرائيلي، بعملية واسعة شمال مدينة القدس المحتلة، شملت بلدة كفر عقب ومحيط مخيم قلنديا، وباشرت بهدم منشآت فلسطينية بحجة "البناء دون ترخيص"، في تصعيد ميداني جديد بالمنطقة.
وأفادت محافظة القدس في بيان، بأن "قوات الاحتلال اقتحمت عددًا من العمارات السكنية في المنطقة، وأخلت بعضها قسرًا، بالتزامن مع تمركز مكثف للجنود والقناصة على الشرفات وأسطح المباني المرتفعة، وإطلاق قنابل الغاز المسيل للدموع وقنابل الصوت، إضافة إلى الرصاص الحي والمطاطي".
كما أصدرت القوات مخالفات بحق عدد كبير من مركبات المواطنين، وألحقت أضرارًا متعمدة بعدد آخر منها، وفق المحافظة.
وتزامنت الاعتداءات مع انتشار واسع لقوات الجيش والشرطة الإسرائيليين في شارع القدس المحاذي لمخيم قلنديا، وتمركزها في شارعي المعهد والمطار.
عمليات هدم
وأقدمت هذه القوات على إزالة مقاطع من الجدار الفاصل في نهاية شارع المطار، لتسهيل اقتحام عشرات الآليات والمركبات العسكرية التي كانت متمركزة في محيط وأراضي مطار القدس الدولي سابقًا، إلى جانب دخول أعداد كبيرة من الجنود المشاة إلى المنطقة.
وذكرت محافظة القدس أن قوات الاحتلال الإسرائيلي شرعت بتنفيذ عملية هدم لمنشآت في شارع المطار بحجة البناء بدون ترخيص.
تعليق عمل المؤسسات التعليمية
وجاء الاقتحام في وقت ذروة توجه الطلبة والأطفال إلى مدارسهم، ما تسبب بحالة من التوتر والارتباك، وسط انتشار مكثف لآليات الجيش، وإغلاق طرق رئيسية وفرعية.
واضطرت المؤسسات التعليمية في المنطقة إلى تعليق الدوام، حرصًا على سلامة الطلبة، بحسب بيان المحافظة.
وتندرج هذه العملية ضمن سياسة إسرائيلية لتشديد السيطرة على محيط القدس المحتلة.
وتشهد مناطق شمالي القدس المحتلة، لا سيما محيط مخيم قلنديا، اقتحامات إسرائيلية متكررة، تتخللها إغلاقات للطرق ومداهمات، ما ينعكس سلبا وبشكل مباشر على الحياة اليومية للفلسطينيين، وخصوصًا الطلاب والعاملين.
*************************************
سياسة رئيس الوزراء البريطاني لاسترضاء الولايات المتحدة لا تؤتي ثمارها
ترجمة: رشيد غويلب
يتلقى رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، يوماً بعد آخر، إهانات متزايدة من الرئيس الامريكي دونالد ترامب. ويُقابل رئيس الوزراء البريطاني بالازدراء والسخرية بسبب خضوعه السياسي.
وطالما بقي ستارمر في السلطة، فلا نهاية لهذه الإهانات في الأفق.
تشنّ الولايات المتحدة هجوماً على فنزويلا، ويتصرف ستارمر وكأنه لا يرى أي انتهاك للقانون الدولي. ويصرح بأن اختطاف رئيس دولة أخرى شأن يخص الولايات المتحدة.
أعلن ترامب نيته ضم غرينلاند. إلا أن ستارمر ألقى خطاباً تصالحياً، مؤكداً للجميع أن الدبلوماسية ستساهم في تهدئة الأزمة.
ثم انتقد ترامب اتفاقية ستامر بشأن جزر تشاغوس (المُعلن عنها عام 2025، والتي تقضي بعودة مجموعة الجزر التي كانت تحت الاستعمار البريطاني في المحيط الهندي إلى موريشيوس). ماذا فعل ستارمر؟ تجمد في مكانه كأرنب تفاجأ بأفعى.
يوضح ستارمر أن بريطانيا بحاجة إلى الولايات المتحدة تجاريا. لكن الاتفاقيات الأحادية التي أبرمها مع الولايات المتحدة، التي لا تزال تفرض تعريفات كمركية على الصناعة البريطانية، وتزيد التكاليف على المستهلكين البريطانيين، ما تزال بلا توقيع وبلا تصديق وغير منفذة.
يزعم ستامر أن واشنطن ضرورية لأمن بريطانيا القومي. ويبدو أن الترسانة النووية "المستقلة" تعتمد بشكل كبير على الولايات المتحدة لدرجة أنها لا تستطيع العمل بدون البنتاغون.
وهكذا، يبقى ستارمر خاضعا ويتحمل كل إهانات ترامب. ويقبل كل استفزازاته، حتى عندما تكون موجهة بشكل مباشر ضد سياسات حكومته.
لقد حان الوقت لإعادة التفكير بشكل جذري في دور بريطانيا في العالم، وللحصول على قائد قادر على تصميم رؤية لسياسة خارجية جديدة وإنهاء 80 عامًا من التبعية للولايات المتحدة الأمريكية.
بدلاً من ذلك، لدينا ستارمر، متشبثاً ببقايا النظام العالمي القديم بينما يتلاشى الأخير ببطء، ستارمر سياسي بلا قيم أو خيال. سياسي نسي كيف يفعل أكثر من مجرد ترديد شعارات واشنطن.
بالإضافة إلى ذلك، تسعى حركة "لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً" في الولايات المتحدة إلى تصدير سياساتها إلى أوروبا. وبدعم من إدارة ترامب، تعمل هذه الحركة على تقويض الحكومة البريطانية وغيرها من الحكومات، بهدف استبدالها بحكومات يمينية متطرفة. ولذلك، فإن الرئيس الأمريكي الذي يحاول ستارمر استرضاءه يومياً يُشكل تهديداً للسلام العالمي وللديمقراطية البريطانية على حد سواء.
ينبغي على بريطانيا أن تنفصل بشكل حاسم عن ما يسمى بالعلاقات الخاصة التي كانت بمثابة غطاء للعدوان والاستغلال الإمبريالي، وأن تغلق القواعد الأمريكية في بريطانيا، وأن تتخذ إجراءات ضد العملاء الأجانب الذين يقوضون الديمقراطية، وأن تعزز قدرة الدولة على العمل بشكل مستقل عن الولايات المتحدة - وهي قدرات أهملتها المؤسسة الحاكمة لأجيال.
ينبغي استغلال هذه القوة المستعادة لتعزيز التسوية السلمية للنزاعات ودعم القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. ويجب ألا يكون لخداع "الردع النووي" أي دور في ذلك.
شيء عن "المورننغ ستار"
"مورننغ ستار" صحيفة ماركسية بريطانية يومية ، ولها تاريخ عريق: تأسست عام ١٩٣٠ باسم "ديلي ووركر"، وحملت اسمها الحالي منذ عام ١٩٦٦. ومنذ عام ١٩٤٥، أصبحت الصحيفة مملوكة ومدارة من قبل جمعية مستقلة للقراء "جمعية طباعة الصحافة الشعبية". (وعرفت لعقود باعتبارها الجريدة المركزية للحزب الشيوعي البريطاني - المترجم) وتعتبر "مورننغ ستار" نفسها الصحيفة الاشتراكية اليومية الوحيدة في بريطانيا.
تتوفر نسخة إلكترونية من الصحيفة منذ نيسان ٢٠٠٤. ومنذ عام ٢٠٠٩، أصبح محتوى الصحيفة متاحًا مجانًا عبر الإنترنت؛ بينما تُنشر نسخة إلكترونية يومية من الصحيفة كاملةً مقابل رسوم. ويبلغ توزيع النسخة المطبوعة أقل من 10 آلاف نسخة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
الترجمة للنص المختصر المنشور في جريدة نويز دويجلاند الألمانية، في سياق التعاون بين الجريدتين، ونشر النص الاصلي في "المورننغ ستار" في 20 كانون الثاني 2026
*****************************************
لبنان يقدّم شكوى إلى مجلس الأمن بشأن الانتهاكات الإسرائيلية
بيروت – وكالات
قدّمت وزارة الخارجية اللبنانية، عبر بعثة لبنان الدائمة لدى الأمم المتحدة في نيويورك، شكوى رسمية إلى مجلس الأمن والأمين العام للأمم المتحدة بشأن استمرار الخروقات الإسرائيلية للسيادة اللبنانية خلال الأشهر الماضية، مطالبةً بتعميمها كوثيقة رسمية من وثائق مجلس الأمن والجمعية العامة. وأفادت الخارجية بأن الشكوى تضمنت ثلاثة جداول مفصّلة توثّق الخروقات الإسرائيلية اليومية خلال أشهر تشرين الأول وتشرين الثاني وكانون الأول 2025، والتي بلغت على التوالي 542 و691 و803 خروقات، بمجموع 2036 خرقاً.
وأكدت أن هذه الانتهاكات تمثّل خرقاً لسيادة لبنان ووحدة أراضيه، ومخالفةً واضحة لقرار مجلس الأمن الرقم 1701 (2006) وإعلان وقف الأعمال العدائية الصادر في 26 تشرين الثاني نوفمبر 2024.
ودعت بيروت مجلس الأمن إلى إلزام إسرائيل بتنفيذ أحكام القرار 1701، وسحب قواتها من النقاط الخمس التي لا تزال تحتلها في لبنان، والانسحاب إلى ما وراء الحدود المعترف بها دولياً، ووضع حدّ لانتهاكاتها المتكررة، والإفراج عن الأسرى اللبنانيين، ووقف استهداف قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل).
*************************************
مظلوم عبدي: {قسد} ستواصل المقاومة إلى حين اتفاق نهائي مع دمشق
دمشق – وكالات
أعلن القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، مظلوم عبدي، أن وقف إطلاق النار الحالي جاء بطلب من الجيش الأمريكي، مؤكداً أن قواته تسعى لاستغلال فترة الهدنة لإحراز تقدم عملي في تنفيذ اتفاق 18 كانون الثاني". يأتي ذلك بالتزامن مع تصعيد ميداني تشهده جبهة عين العرب (كوباني) بريف حلب الشرقي. وقال عبدي، في مقابلة تلفزيونية إن "قسد مستعدة لتطبيق الاتفاق خلال فترة قصيرة"، مشيراً إلى "وجود تفاهمات على عدد من النقاط، مع استمرار المفاوضات ووجود مطالب متبادلة بين الطرفين". وأضاف أن القنوات مفتوحة بشكل يومي مع الحكومة السورية، وأن الولايات المتحدة منخرطة في مسار التفاوض عبر مؤسساتها السياسية والعسكرية. وأوضح عبدي أن أي حل يتعلق بمدينة عين العرب (كوباني) بريف حلب الشمالي والقامشلي في الحسكة يجب أن يشمل أيضاً مدينة رأس العين (سري كانييه) وعفرين (يسيطر عليهما الجيش السوري)، مشدداً على أن "المناطق ذات الغالبية الكردية خط أحمر".
وأكد أن "قسد" ستواصل ما وصفها بـ "المقاومة" إلى حين التوصل إلى اتفاق نهائي مع دمشق، معتبراً أن عين العرب (كوباني) ستقود المرحلة الحالية، كما حدث عام 2014.
***************************************
رودريغيز تطالب واشنطن بعدم التدخل في شؤون فنزويلا
كاراكاس – وكالات
حضت رئيسة فنزويلا الانتقالية ديلسي رودريغيز، الأحد، الولايات المتحدة على البقاء بعيدة عن السياسة في فنزويلا، في إشارة إلى الضغوط التي تمارسها واشنطن عليها منذ اعتقال القوات الأمريكية للرئيس المختطف نيكولاس مادورو. وقالت رودريغيز، في كلمة موجهة لعمال النفط في ولاية أنزواتيغي الشرقية "كفى أوامر من واشنطن للسياسيين الفنزويليين. دعوا السياسة الفنزويلية تحل خلافاتنا ونزاعاتنا الداخلية. كفى تدخلا من القوى الأجنبية".
على صعيد آخر، أفرجت السلطات الفنزويلية الأحد عن 104 سجناء سياسيين على الأقل، في إطار عمليات إطلاق سراح تتم ببطء تحت ضغط الولايات المتحدة، بحسب ما أفادت منظمة "فورو بينال" غير الحكومية.
وكانت رودريغيز قد وعدت مطلع الشهر الجاري بالإفراج عن معتقلين سياسيين، فضلا عن توقيعها اتفاقات نفطية مع الولايات المتحدة والبدء بإصلاح تشريعي يتناول خصوصا القانون المتصل بالمحروقات. والسبت، دعت رودريغيز إلى "التوصل لتفاهمات" مع المعارضة بهدف إرساء "سلام" في البلاد.
***********************************
تحذيرات أممية من صراع عرقي وشيك في جنوب السودان
جوبا – وكالات
حذّر خبراء مستقلون مكلفون من الأمم المتحدة، الأحد، من خطر "عنف جماعي ضد المدنيين" و"صراع عرقي واسع النطاق" في ظل تجدد التوترات في جنوب السودان، مشيرين إلى تصريحات "تحريضية" لمسؤولين عسكريين وتعبئة كبيرة للقوات.
ومع تصاعد العنف، حضّ جيش جنوب السودان سكان ثلاث مقاطعات على إخلائها "في أسرع وقت".
وأعربت لجنة حقوق الإنسان في جنوب السودان في بيان، عن "قلقها البالغ" جراء الوضع في ولاية جونقلي، حيث تدور منذ أواخر كانون الأول الفائت معارك بين الجيش الخاضع لقيادة الرئيس سلفا كير، والقوات الموالية لنائبه السابق رياك مشار، الموقوف منذ آذار، والمتهم بارتكاب "جرائم ضد الإنسانية".
ونبّه الخبراء الأمميون المستقلون إلى أن التصريحات "التحريضية" التي أدلى بها بعض المسؤولين العسكريين، والتقارير التي تتحدث عن نشر قوات كبيرة، "تزيد بشكل كبير من خطر العنف الجماعي ضد المدنيين ومن تقويض اتفاق السلام" الذي أنهى حربًا أهلية استمرت من عام 2013 إلى عام 2018.
يأتي ذلك بعدما أصدر قائد الجيش، بول ماجوك نانغ، الأربعاء، أوامر لقواته المنتشرة في المنطقة "بسحق" التمرد في غضون سبعة أيام. وبحسب تقارير في العديد من وسائل الإعلام في جنوب السودان، صرّح مسؤول عسكري كبير آخر بأنه "ينبغي عدم استثناء أحد، ولا حتى كبار السنّ".
**********************************
كوبا تؤكد جاهزيتها لمواجهة أي عدوان
هافانا – وكالات
شدد الرئيس الكوبي ميغل دياز كانيل على جاهزية كوبا لمواجهة أي "عدوان" أمريكي قد تتعرض له، تزامنا مع إجراء الجزيرة تدريبات السبت لتأكيد جاهزيتها العسكرية.
جاء ذلك بعد تحذيرات أطلقها دونالد ترامب، لوّح فيها بمصير مُشابِهٍ لفنزويلا إذا لم تُبرم هافانا اتفاقاً مع واشنطن.
وأشرف دياز كانيل على تدريبات عسكرية شاركت فيها سرية دبابات، بحضور وزير القوات المسلحة الجنرال ألفارو لوبيز مييرا وكبار الضباط. وقال الرئيس الكوبي في تصريحات بثها التلفزيون إن "الطريقة الأمثل لمنع العدوان هي أن تضطر الامبريالية لأن تأخذ في الحسبان كلفة مهاجمة بلادنا".
ورأى أن "ذلك يرتبط بدرجة كبيرة باستعدادنا لهذا النوع من الخطوات العسكرية"، مؤكدا أن التدريبات "لها أهمية بالغة في الظروف الراهنة". وكانت لجنة الدفاع الوطني التي يقودها دياز كانيل، اجتمعت في وقت سابق هذا الشهر لتقييم جاهزيتها للحرب، وفق بيان أورده الإعلام الرسمي. وهدف الاجتماع إلى "رفع مستوى الجاهزية وتعزيز تماسك الهيئات القيادية وطواقمها"، و"تحليل وإقرار الخطط والتدابير اللازمة للتحول إلى حالة حرب"، في حال نشوب نزاع مع دولة أخرى، من دون الخوض في أي تفاصيل.
**********************************
الصفحة السابعة
نماذج وتجارب دولية مختارة لإصلاح النظم الإرشادية الزراعية
د. سلام عبد الرحيم تويج
شهدت النظم الإرشادية الزراعية في العديد من دول العالم خلال العقود الأخيرة تحولات جوهرية، فرضتها التغيرات المتسارعة في طبيعة الزراعة، وتزايد تعقّد المشكلات الريفية، وتنامي متطلبات الاستدامة والأمن الغذائي. وقد أظهرت التجارب الدولية أن النظم الإرشادية التقليدية، التي اعتمدت على المركزية الشديدة ونقل التقانات الزراعية بصورة أحادية الاتجاه، لم تعد قادرة على تحقيق الأثر التنموي المنشود. الأمر الذي دفع العديد من الدول إلى تبنّي إصلاحات عميقة استهدفت البنية المؤسسية والتنظيمية للإرشاد الزراعي. وفي هذا السياق، برزت تجارب دولية مهمة يمكن الاستفادة منها في فهم مسارات الإصلاح ومتطلباته، ومن أبرزها تجربتا البرازيل وإثيوبيا.
تُعدّ تجربة البرازيل نموذجاً متقدّماً لإصلاح النظم الإرشادية الزراعية، إذ اتجهت الدولة إلى تبنّي إصلاح شامل يقوم على التعددية المؤسسية والحوكمة اللامركزية. وتمثّلت أبرز ملامح هذه التجربة في اعتماد سياسة وطنية واضحة للإرشاد والخدمات الاستشارية الزراعية، أسهمت في إعادة تنظيم العلاقة بين الدولة وبقية الفاعلين في القطاع الزراعي. فلم تعد الدولة هي الجهة الوحيدة المسؤولة عن تقديم الخدمات الإرشادية، بل تحوّلت إلى منظم ومنسق يضع الأطر العامة والمعايير، ويضمن تكامل الأدوار بين الحكومات المحلية، ومنظمات المزارعين، والمؤسسات البحثية، والقطاع الخاص.
كما ركّزت التجربة البرازيلية على ربط الإرشاد الزراعي بأهداف التنمية الريفية ودعم الزراعة الأسرية، من خلال توجيه الخدمات الإرشادية نحو تحسين الإنتاجية والدخل وتعزيز الاندماج في الأسواق. واعتمد النظام الإرشادي أساليب تشاركية وتفاعلية، أسهمت في رفع مستوى ثقة المزارعين بالخدمات المقدّمة، وتحسين استجابتها لاحتياجاتهم الفعلية.
إضافة إلى ذلك، أولت البرازيل اهتماماً واضحاً ببناء القدرات المؤسسية والبشرية، عبر تدريب المرشدين الزراعيين وتأهيلهم مهنياً، وتطوير نظم متابعة وتقويم تتيح قياس الأداء وتصحيح المسار.
وقد انعكس هذا النهج الشامل في تعزيز استدامة النظام الإرشادي وتحقيق نتائج إيجابية على مستوى التنمية الزراعية.
في المقابل، تمثّل تجربة إثيوبيا نموذجاً مختلفاً لإصلاح النظم الإرشادية الزراعية، إذ اعتمدت الدولة على دور قوي ومباشر للحكومة في قيادة عملية الإصلاح. وقد ركّزت إثيوبيا على توسيع نطاق الخدمات الإرشادية من خلال بناء جهاز إرشادي واسع، يعتمد على إعداد أعداد كبيرة من المرشدين الزراعيين وتوزيعهم على المناطق الريفية، مع إنشاء مراكز تدريب للمزارعين. كما جرى ربط الإرشاد الزراعي بشكل وثيق بالسياسات الزراعية الوطنية وبرامج التحوّل الزراعي، بما عزّز من قدرة الدولة على توجيه الإرشاد نحو المحاصيل والأنشطة ذات الأولوية.
تميّزت التجربة الإثيوبية بالاستثمار الكبير في الموارد البشرية، وتعزيز الربط بين البحث الزراعي والإرشاد والتطبيق الحقلي، الأمر الذي أسهم في تسريع نقل التقانات الزراعية وتحسين الإنتاجية في بعض القطاعات. إلا أن هذا النموذج واجه، في الوقت ذاته، عدداً من التحديات، من أبرزها محدودية المرونة المؤسسية، وضعف مشاركة القطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني، إضافة إلى الاعتماد الكبير على التمويل الحكومي. كما أظهرت التجربة أن التوسّع الكمي في الخدمات الإرشادية لم يكن دائماً مصحوباً بتحسّن نوعي في جودة الإرشاد أو استجابته للتنوّع الكبير في احتياجات المزارعين.
وتُظهر المقارنة بين التجربتين أن نجاح أو إخفاق إصلاح النظم الإرشادية الزراعية يرتبط بعدة عوامل رئيسة. فوجود رؤية واضحة للإصلاح، مدعومة بإرادة سياسية قوية، يُعدّ من أهم عوامل النجاح، كما يتضح في التجربة البرازيلية. كما تلعب التعددية المؤسسية وبناء الشراكات دوراً محورياً في تعزيز الاستدامة وتحسين كفاءة الخدمات الإرشادية. وفي المقابل، فإن ضعف الحوكمة، والتركيز على التوسّع الكمي دون الاهتمام الكافي بجودة الخدمات، والاعتماد المفرط على مصدر واحد للتمويل، تُعدّ من أبرز أسباب الإخفاق أو محدودية الأثر في بعض التجارب.
وتقدّم هذه التجارب الدولية مجموعة من الدروس المهمة، من أبرزها أن إصلاح النظم الإرشادية الزراعية يجب أن يكون شاملاً ومتكاملاً، وأن يُعالج النظام بوصفه منظومة مترابطة، لا مجرد جهاز إداري. كما تؤكّد أهمية وجود سياسة إرشادية واضحة تحدد الأدوار والمسؤوليات، وتعزّز التنسيق بين الفاعلين، وتدعم المشاركة الفعلية للمزارعين. وتبرز كذلك ضرورة تحقيق التوازن بين دور الدولة ودور القطاع الخاص ومنظمات المزارعين، بما يضمن جودة الخدمات وعدالتها واستدامتها.
وفيما يتعلق بالسياق المحلي، يمكن الاستفادة من التجارب الدولية من خلال تبنّي إصلاح تدريجي يستند إلى رؤية وطنية واضحة، ويأخذ بنظر الاعتبار الخصوصيات المؤسسية والاجتماعية والاقتصادية.
ويمكن الإفادة من تجربة البرازيل في مجال اللامركزية وربط الإرشاد بالأسواق وسلاسل القيمة، ومن تجربة إثيوبيا في الالتزام السياسي وبناء القدرات البشرية وتوسيع نطاق الخدمات.
إلا أن نقل هذه الخبرات يتطلب تكييفها مع الواقع المحلي، وتجنّب استنساخ النماذج بصورة حرفية، مع التركيز على بناء نظام إرشادي مرن، تشاركي، وقادر على الاستجابة لاحتياجات المزارعين ودعم التنمية الزراعية المستدامة.
**************************************
بين القانون والتطبيق واقع الجمعيات الفلاحية في محافظة واسط
حامد رزاق أبو وائل
تُعدّ الجمعيات الفلاحية إحدى الركائز الأساسية في تنظيم العمل الزراعي والدفاع عن حقوق الفلاحين، غير أن واقعها في محافظة واسط يعكس فجوة واضحة بين ما نصّ عليه القانون وما يجري تطبيقه فعلياً على الأرض.
تضم محافظة واسط (87) جمعية فلاحية أساسية، ترتبط بها (8) اتحادات فرعية في أقضية المحافظة، وتشكل بمجموعها الاتحاد المحلي للجمعيات الفلاحية، الذي يتخذ من مدينة الكوت مقراً له. وتُدار هذه الكيانات، من حيث المبدأ، عبر انتخابات دورية تُجرى بعد المصادقة عليها من قبل الاتحاد العام للجمعيات الفلاحية في بغداد، وذلك عقب انتهاء كل دورة انتخابية، استناداً إلى قانون الجمعيات الفلاحية رقم (56) لسنة 2002.
إلا أن مرحلة ما بعد عام 2003 شهدت خللاً واضحاً في تطبيق هذا القانون، نتيجة سوء الأداء وتداخل المصالح، ما أدى إلى تعطّل المسار الانتخابي الطبيعي. فقد استمر بعض العاملين في مواقعهم لدورتين انتخابيتين امتدتا لأكثر من المدة القانونية، بسبب المناكفات والصراعات بين قيادتين داخل الاتحاد العام، وهو ما أفرز إشكالات قانونية انتهت لاحقاً بإبعادهم عن مواقع القيادة.
وعقب ذلك، أُجريت انتخابات بإشراف المكتب التنفيذي للاتحاد العام لدورتين متتاليتين، رافقتها بدورها مشكلات عديدة، أسهمت في بقاء ثلاث إلى أربع محافظات من دون إجراء انتخابات محلية، من بينها اتحاد الجمعيات الفلاحية في محافظة واسط.
هذا الواقع ترك آثاراً سلبية واضحة على أداء الاتحاد المحلي في واسط، إذ شهد تغييرات متكررة في قياداته المحلية ثلاث مرات أو أكثر، ما أدى إلى تراجع الأداء وإفراغ الاتحاد، إلى حدّ كبير، من مهامه الأساسية، وفي مقدمتها الدفاع عن حقوق الفلاحين والمزارعين وتمثيلهم تمثيلاً حقيقياً. كما استمر العاملون في الجمعيات والاتحادات لفترات طويلة ودورات متعاقبة، الأمر الذي زاد من معاناة هذه الشريحة التي تعاني أصلاً من ظروف اقتصادية صعبة.
ومع تصاعد الضغوط، اضطر الاتحاد العام إلى إجراء انتخابات، إلا أن بعضها شابه خلل في الأداء، نتيجة الاعتماد على لجان انتخابية تقليدية، حيث أصبح العاملون في الاتحاد أنفسهم مشرفين على العملية الانتخابية، في مخالفة صريحة لقانون الجمعيات الفلاحية رقم (56) لسنة 2002.
كذلك جرى اعتماد الهوية الفلاحية كأساس للتصويت، بدلاً من اعتماد الفلاح صاحب العقد الزراعي، ما أتاح المجال لمشاركة غير المستحقين، وأهمل الأولوية القانونية لحاملي العقود الزراعية. وقد استُخدم هذا الأسلوب من قبل بعض الجهات التقليدية للاستمرار في السيطرة على الجمعيات، ولاسيما في المشاريع الاستراتيجية التي تعتمد على متعهدين لتشغيل مكائن ضخ المياه.
ومن المعروف أن بعض هذه المشاريع يمتلك فلاحوها مكائن ضخ تم شراؤها وفق قانون بيع أموال الدولة رقم (32) لسنة 1982 أو 1983، الأمر الذي حوّل الجمعيات الفلاحية إلى وسيط بين الفلاح والمتعهد، وهو ما أفرز إشكالات متعددة. ورغم أن بعض هذه الإجراءات قد يكون صحيحاً من حيث النية، إلا أنه يشكّل مخالفة لقانون الجمعيات، إذ إن المتعهد الذي تُرسى عليه مناقصة التأجير السنوي مُلزم باستحصال مستحقاته بوسائله وحساباته الخاصة، دون زج الجمعيات الفلاحية في هذه العملية، لما يترتب عليها من تبعات مالية وقانونية.
إلى جانب ذلك، بات قانون الجمعيات الفلاحية رقم (56) لسنة 2002 يفتقر إلى مرجعية تنفيذية واضحة. فمنذ تأسيس الجمعيات عام 1959، كانت مرتبطة باللجنة الزراعية العليا في مجلس الوزراء في عهد الشهيد عبد الكريم قاسم، واستمر هذا الارتباط خلال الأنظمة المتعاقبة حتى ما قبل عام 2003، حيث كانت المرجعية الحزبية هي الجهة المشرفة آنذاك. وبعد عام 2003، أُعيد تأسيس الجمعيات والاتحاد العام وفروعه المحلية من دون تحديد مرجعية واضحة، ما أدى إلى تفاقم المشكلات الإدارية والقانونية.
وانطلاقاً من ذلك، كان من المفترض أن ترتبط الاتحادات المحلية بلجنة الزراعة والموارد المائية في مجالس المحافظات أو بالمحافظ مباشرة، على أن يرتبط الاتحاد العام بلجنة الزراعة والموارد المائية في مجلس النواب أو باللجنة الزراعية العليا في مجلس الوزراء. كما يُفترض أن تتولى هذه الجهات تشكيل لجان رقابة قانونية ومالية، لضمان سلامة الأداء، ومنع التجاوزات، والحفاظ على مسيرة الاتحاد العام وفروعه المحلية، بما يحقق الهدف الأساس من وجودها، وهو خدمة الفلاح والدفاع عن حقوقه.
*******************************************
الاستيراد غير المنضبط للفواكه والخضر وأثره على الإنتاج المحلي
عبد الكريم عبدالله بلال*
يشكّل الاستيراد غير المنظّم للفواكه والخضر واحداً من أبرز التحديات التي تواجه القطاع الزراعي العراقي، لما له من انعكاسات مباشرة على الإنتاج المحلي والأمن الغذائي والاقتصاد الوطني. ففي مؤشر لافت على حجم المشكلة، أعلنت رابطة مجلس مصدّري الفواكه والخضروات الطازجة في منطقة البحر الأبيض المتوسط، قبل يومين، أن العراق حلّ ثاني أكبر مستورد للفواكه والخضر التركية خلال عام 2025، بقيمة بلغت نحو (865.1) مليون دولار. وفي الفترة نفسها، بلغت قيمة الاستيرادات من إيران (921) مليون دولار، هذا عدا ما يُستورد من دول الجوار الأخرى ومن بلدان إفريقيا وأوروبا.
وشملت هذه الاستيرادات أصنافاً متعددة، من بينها الحمضيات، والتمور، والتين، والرمان، والبطيخ، والخوخ، والمشمش، فضلاً عن البطاطا. غير أن المتابع للشأن الزراعي العراقي يدرك أن معظم هذه المنتجات تُنتج محلياً، إذ يمتلك العراق بساتين تزيد مساحتها على (1.5) مليون دونم موزعة على ضفاف نهري دجلة والفرات وشط العرب، إضافة إلى الإنتاج الواسع في إقليم كردستان، ولاسيما محصول التفاح.
وهنا يبرز سؤال جوهري: لماذا يلجأ العراق إلى هذا الحجم الكبير من الاستيراد، وبهذه المبالغ الضخمة، رغم توفر القدرة المحلية على الإنتاج؟ وما هو الدور الحقيقي لوزارات الزراعة والتجارة والتخطيط في تنظيم الاستيراد ووضع الضوابط الكفيلة بحماية المنتج الوطني، ومنع نزف العملة الصعبة إلى الخارج بفعل ممارسات بعض التجار الجشعين والمتنفذين؟
يمتلك الجهاز المركزي للإحصاء، بما لديه من خبرات وبيانات، القدرة على تحديد حجم الإنتاج المحلي بدقة، كما أن وزارة الزراعة، من خلال دائرة البستنة، تتبنى مشروعاً وطنياً لإنتاج شتلات الفواكه والخضر، وتدير مشاتل موزعة جغرافياً في مختلف أنحاء البلاد، تضم كوادر عراقية متخصصة من المهندسين الزراعيين. وهذا يفتح الباب أمام تساؤل مشروع: ألا يمكن تطوير هذا المشروع الوطني وتوسيعه ليكون ركيزة أساسية في دعم أصحاب البساتين في محافظات ديالى وكربلاء والنجف وواسط (الكوت) والبصرة وأجزاء من بغداد؟
إن إدراج هذه البساتين ضمن الخطة الزراعية الوطنية، وتوفير الحصص المائية الكافية لها، فضلاً عن تجهيزها بشتلات الفواكه والخضر بأسعار رمزية، وإشراك أصحابها في دورات تدريبية وإرشادية متخصصة، من شأنه أن يرفع كفاءة الإنتاج كماً ونوعاً وادخال التقنات الحديثة في زراعة البساتين. ويتكامل ذلك مع ضرورة ضبط المنافذ الحدودية، ومنع الاستيراد العشوائي، والالتزام الصارم بالروزنامة الزراعية، وعدم السماح للمتلاعبين بقوت الشعب بتجاوزها أو الالتفاف عليها.
إن العراق يمتلك إمكانات كبيرة تؤهله لتطوير قطاع بساتين الفواكه والخضر، وتحقيق نقلة نوعية في هذا الجانب من الزراعة، بما يسهم في تعزيز الأمن الغذائي وتقليل الاعتماد على الخارج. غير أن تحقيق ذلك يتطلب إرادة حكومية واضحة، وتنسيقاً فعلياً بين الجهات المعنية، وسياسات زراعية وتجارية تحمي المنتج المحلي وتضع مصلحة المواطن والاقتصاد الوطني في مقدمة الأولويات.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*مهندس زراعي استشاري
**************************************
معرفة زراعية
البرتقال
د. علي السالم
يعّد البرتقال من أهم محاصيل الفاكهة الحمضية عالميًا، حيث يُّنتج منه حوالي 49 مليون طن في السنة. وتحتل البرازيل الموقع الأول بين البلدان المنتجة، تليها الهند والصين والمكسيك ومصر والولايات المتحدة. كما تعتبر زراعة هذه الفاكهة من الأنشطة الزراعية المهمة نسبيًا في العراق، حيث يتم انتاج نحو 175000 طن في السنة، ومن محافظات ديالى وبابل وواسط وكربلاء والنجف بشكل خاص.
وتعتمد زراعة البرتقال في بلادنا غالبًا على أصناف محلية وأصناف محسّنة مستوردة، وعلى استخدام طرق زراعة تقليدية، مع تفاوت في مستويات التسميد والري ومكافحة الآفات. ولهذا يواجه هذا القطاع تحديات عدة، أبرزها تدهور البساتين القديمة وضعف استخدام التقنيات الحديثة وانتشار بعض الآفات والأمراض، والمنافسة مع البرتقال المستورد، وعدم الاستفادة من الأبحاث الحديثة من أجل تحسين الإنتاج، والجودة، ومقاومة الأمراض، والاستدامة.
إن من أهم الأبحاث العلمية الأخيرة المفيدة لزراعتنا ما توصلت له دراسة حديثة من إمكانية إنتاج أشجار برتقال ثلاثية المجموعة الصبغية (Triploid)، خالية من البذور وذات جودة عالية من حيث محتوى فيتامين سي وانخفاض مركب الليمونين المزعج، مما يزيد من قبولها في الأسواق الاستهلاكية والتصنيعية. وقد تم ذلك عبر استئصال النسيج الداخلي للجنين وتقنيات الزراعة النسيجية.
كما نُشر مؤخراً أيضاً بحث يُظهر أن الإنتاج العضوي لم يقلل من جودة الثمار مقارنة مع الزراعة التقليدية، بل أظهر محتوى أعلى من العصير والفيتامينات والمركبات الأساسية مثل الزيوت الطبيعية في القشرة، مع إمكانية تمييز المنتجات العضوية باستخدام معادلات تصنيف مبنية على خصائص فيزيائية وكيميائية بسيطة.
ولعب اختيار الأصول دوراً مهماً في تحسين جودة الثمار، والصفات الكيميائية والفيزيائية لقشر البرتقال. وكان الأصل Citrus macrophylla الأفضل في زيادة المحتوى من الأحماض الأمينية والسكريات والمركبات الفينولية في القشرة، وفق بحث أمريكي سينشر قريباً.
ولما كان مرض لهلونغلونغبينغي (HLB) يشكل تهديداً كبيراً لإنتاج البرتقال، فقد تم تطوير أجهزة استشعار ضوئية منخفضة التكلفة تستخدم مصابيح LED لمعالجة بيانات عبر نماذج تعلم آلي للكشف المبكر عن الإصابة في الأوراق، بدقة تصل نحو 89 الى 93 في المائة، مما يوفر أداة عملية للمزارعين لمواجهة المرض قبل تراكم الخسائر.
وأخيراً، أظهر جهاز (Raman Spectroscopy) قدرة مهمة على الكشف المبكر عن مرض HLB ومرض سرطان الحمضيات بدقة عالية، مع إمكانية تطبيقها في الحقل دون الحاجة إلى أخذ عينات معقدة.
***********************************
الصفحة الثامنة
الجبهة الشعبية ضرورة وطنية كبرى
د. شاكر كتاب
في لقاء تشرفت بالمشاركة فيه كانت قد دعت اليه قيادة الحزب الشيوعي العراقي لمناقشة أوضاع الحزب وكل اليسار والحركة المدنية والديمقراطية في بلادنا في مرحلة ما بعد الانتخابات. وبعد مراجعات صريحة وملاحظات صادقة قدمها الحاضرون بإخلاص تقدمتُ بمقترح تأسيس جبهة شعبية تأخذ على عاتقها مهمة إنقاذ العراق مما هو فيه من فساد وخراب ونهب ولصوصية وانغلاق الآفاق تماما ومحاصصة غير نزيهة بين مجاميع راحت تتداول السلطة والمواقع منذ 2005 حتى يومنا هذا. وقد يكون مقترح تشكيل الجبهة الشعبية قد لاقى استحسانا من لدن بعض الحاضرين لكن ما هو أكثر إشراقاً هو ان يتضمن البلاغ الصادر عن اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الأخير أيضا دعوةً علنيّةً وصريحة للتوجه لبناء الجبهة الشعبية. لكن هذا المشروع، ولأنه يشكل جزءاً من القضية الوطنية الكبرى، بحاجة إلى مناقشات صريحة وموسعة ولقاءات متواصلة وشاملة لإنضاج الفكرة وتحويلها إلى عمل ملموس قابل للتنفيذ على أرض الواقع.
وفي رأيي ينبغي ان تكون محاور اي تداول لهذا الموضوع الهام جداً هي:
1- اعتبار الجبهة الشعبية تحالفاً استراتيجياً بعيد المدى وليس تكتيكاً فنيّاً لعبور أزمةٍ معينة او تجاوز إشكاليات مرحلة معيّنة.
2- وكذلك لا ينبغي أبداً ان تكون سلّماً لتحقيق طموحات المتسلقين الذين يرون حظوظهم الانتخابية والمواقع والامتيازات المرتبطة بها فوق الهمّ الوطني والإنساني.
3- من أهم اولويات الفكرة هو تحديد أهداف وغايات الجبهة الشعبية. ولعل إنقاذ الوطن من كل ما يعتريه من مظاهر الخراب والانهيارات المتنوعة على كافة الأصعدة والانسداد والتخلف والتبعية وتراجع شبه تام للاقتصاد والارتباط بالأجنبي والارتهان لرؤاه ومصالحه والحالة الشاذة المتمثلة في انتشار السلاح المنفلت والمنظم في آن واحد وتسلط المافيات على مفاصل الدولة لاسيما الاقتصادية منها، وصولا إلى تغيير شامل في شكل الدولة وطبيعتها ونظامها السياسي هي الحلقات الأساسية للتحالف الاستراتيجي المتمثل بالجبهة الشعبية.
4- هذه الأهداف ستحتاج شكلا تنظيميا محدداً يتبنى تنفيذها ومتابعة تحقيقها يوميا إذا كنا نتحدث عن عمل جاد ومسؤول ومنتج بتأثير مباشر على الأوضاع كافة. على الوطنيين كافة وليس فقط الثوريين أن يتذكروا أن أية ظاهرة في الكون لاسيما الاجتماعية منها لن تكون هناك قيمة أو معنى لوجودها ما لم يكن لها تأثير واضح ومباشر على محيطها وتسهم فعلا في تشكيل طبيعته وكيانه.
5- وفي ظني أن الشكل المطلوب والأفضل هو ان تكون هناك هيئة شعبية عامة تتألف من ممثلين لشرائح المجتمع الأكثر تضررا من الواقع القائم لا تقل عن 100 شخصية تمثل العراق كله بكل محافظاته وقصباته وأريافه. ثم هيئات المحافظات والأقضية. لكن على الجبهة تجنب الأشكال التنظيمية الداخلية المعقدة والتي تقوم على الهرمية الحزبية والتراتبية المرجعية.
6- ينبغي ان يكون الانتماء للجبهة مفتوحاً لكل الناس لكل أبناء الشعب ما عدا أعضاء الأحزاب الدينية الحاكمة. ويمنح العضو هويّةً تثبت انتماءه للجبهة ويلتزم بالإسهام الفاعل في كافة نشاطاتها.
7- يفترض أن تكون الاجتماعات عامة ومفتوحة ويشترك فيها سكان المناطق المقامة على أراضيها الفعاليات والنشاطات.
8- بالإمكان الانفتاح على القوى السياسية المؤمنة بمشروع الجبهة الشعبية والمعروفة بعدم تلوثها بنهج الأطراف التي تعمل الجبهة أصلا على إزاحتها والتصدي لها، وأن تمثل في الجبهة على أن تشترك في تنفيذ برامج الجبهة ودعم نشاطاتها وتوسيع قاعدتها.
9- يكون برنامج الجبهة الشعبية واضحا وملموسا وصريحا: التغيير الشامل لا يتحقق بالشعارات.
إن وضع مجموعة واقعية من الخطوات العملية الملموسة وسبل تحقيقها خطوة غاية في الأهمية. على الجبهة متابعة وضع أهدافها نصب عينيها في كل حين والمطالبة بإجراءات عملية لتنفيذها وتحشيد الناس ذوي المصلحة والمعنيين بها للمطالبة لتحقيقها.
10- على الجبهة أن تجد الأساليب الممكنة للتعبئة الشعبية لذلك ينبغي أن تتراوح نشاطاتها من تنظيم الاجتماعات العامة المفتوحة السياسية والتوعوية والتظاهرات وجمع التواقيع واقامة الدعاوى القضائية والتعبئة الجماهيرية وراء مطالب محددة يومية معيشية لا تنقطع ولا تتوقف ولا ترتهن بمزاج أو بموسم وأخرى وطنية عامة وفي المناسبات مرورا بالإضرابات والمسيرات الجماهيرية وتشكيل الوفود والتواصل مع المؤسسات المعنية في الداخل وفي الخارج.
11- تعتمد الجبهة أسلوب الإعلام اليومي الدائم المتواصل من خلال كافة الأساليب المتاحة والتي تبتكرها ضرورات العمل اليومي.
12- تنبثق من الجبهة هيئة وطنية موازية لمجلس النواب العراقي الرسمي تعمل على أساس التمثيل البديل للشعب ومضطهديه ضد الظلم والقوانين المجحفة واقتراح التشريعات المصيرية الضرورية وتعبئة الرأي العام حولها وجعلها مطلبا وطنيا وشعبيا عاما.
13- تعمل الجبهة الشعبية لاحقا على تشكيل حكومة ظل موازية للحكومات التي تعارضها الجبهة حتى قيام حكومتها الوطنية الشعبية. حكومة الظل تضع برنامجها وسياساتها وأفكارها انطلاقا من أسس الجبهة الشعبية الإطار الأم المؤسس. تعمل حكومة الظل على منافسة الحكومات المضادة في تمثيل العراق في المؤسسات الدولية والإقليمية.
14- حكومة الظل ينبغي أن تكون نموذجا بديلا حقيقيا لحكومات الظلم والفساد ولذلك ستتكون من مجالس اختصاص مقابل كل وزارة استراتيجية خطيرة وهامة وعلى ألأخص الوزارات ذات الصلة بالمستوى المعاشي للمواطنين والاقتصاد الوطني والأمن والعدالة الاجتماعية.
15- تتشكل لجنة لا تتجاوز العشرين شخصا من كوادر الحركة الوطنية الممتازين من أصحاب المبادرات والجهادية والمواقف الشجاعة لتأخذ على عاتقها تهيئة كافة مستلزمات التأسيس والاعلان وتدارس المقترحات وتوحيد الأفكار وتنسيقها.
**************************************
النظرية الرأسمالية والأسس الفكرية للاستغلال الرأسمالي
د. عودت ناجي الحمداني
الرأسمالية نظام اقتصادي يقوم على الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج والعمل المأجور والسوق الحرة والمنافسة وتراكم رأس المال وتكديس الثروة في ايدي النخبة الاحتكارية.
ووفقاَ لفلسفة آدم اسمث (دعه يعمل دعه يمر) فأن الموارد الاقتصادية، كالأراضي الزراعية والمؤسسات الانتاجية والصناعية والشركات التجارية والعقارات ورؤوس الأموال والمصارف والبنوك وقطاع الخدمات، مثل الصحة والتعليم والنقل والإسكان ومؤسسات الطاقة وكافة وسائل الانتاج، ملكية خاصة للأفراد والشركات الرأسمالية. وأما الدولة فلا تملك سوى بعض الصناعات العسكرية وبعض خدمات البريد وجزء من سكك الحديد، ويتلخص دورها الأساسي في حراسة مصالح الرأسماليين.
والحلقة المركزية في النظام الرأسمالي تستند إلى الملكية الخاصة لوسائل الانتاج التي ينتج عنها استحواذ الرأسمالي على القيمة الزائدة التي تخلقها طبقة العمال الاجراء. (البروليتارية). فالاقتصاد الحر والمنافسة وآلية العرض والطلب وعدم تدخل الدولة في تخطيط الاقتصاد والانتاج منطلق الرأسمالية لتكريس استغلال الانسان لأخيه الانسان.
وبحسب اعتقاد آدم اسمث واتباعه من مدرسة الاقتصاد الكلاسيكي، فان الأسواق الحرة بفعل اليد الخفية قادرة على تنظيم نفسها تلقائياَ. وفي رأيه عندما يسعى الأفراد لتحقيق مصالحهم الذاتية، فإنهم يساهمون في تحقيق المنفعة العامة. وبذلك يتغاضى أسمت واتباعه عن حقيقة أن الشركات الاحتكارية تتخذ قرارات الانتاج والتوزيع بما يضمن مصالحها وتعظيم أرباحها.
فالأرباح الخيالية التي تحققها الشركات الاحتكارية تدفعها لاستثمار رؤوس أموالها في القطاعات التي تحقق لها الارباح السريعة. وأما المصلحة العامة التي يشير اليها اسمث فليس لها أي وجود في قاموس الشركات.
ومن المآخذ الكبرى على الأنظمة الرأسمالية فشلها في تحقيق الرفاهية الاقتصادية لمجتمعاتها وعجزها عن تحقيق العدالة والمساواة. ويتضح ذلك من سوء توزيع الدخل والثروة. فالمجتمع الرأسمالي يعيش في دوامة من الصراعات الطبقية بسبب الملكية الخاصة لوسائل الانتاج التي أدت إلى تقسيم المجتمع إلى طبقات استغلالية وطفيلية تتركز بيدها وسائل الانتاج والثروة، وطبقات أجيره وفقيرة لا تملك سوى قوة عملها التي تعرضها للبيع لتأمين عيشها وبقائها على قيد الحياة.
فالتركيز على جني الارباح بدلاَ من المصلحة العامة، يولد صراعاَ دائماَ بين الطبقات المستغِلة والمستغَلة. فالمزيد من الأرباح التي تذهب لجيوب البرجوازيين تعني المزيد من استغلال العمال الأجراء وافقارهم.
وتكديس الثروة في أيدي قلة قليلة من المجتمع يؤدي حتماَ إلى اتساع الفجوة بين الطبقات الثرية والطبقات الفقيرة وتغليب المصلحة الخاصة على المصلحة العامة، وتركيز القوى الاقتصادية في الشركات العملاقة على حساب المؤسسات والشركات الصغيرة والمتوسطة. وبسبب الملكية الخاصة والمصالح الذاتية فإن المجتمعات الرأسمالية تعاني من أزمة بطالة حادة اضافة إلى ظاهرة التشرد والسرقة والجريمة المنظمة وتجارة المخدرات والجنس وغير ذلك من المشاكل الاجتماعية التي أصبحت سمه مميزة للأنظمة الرأسمالية.
فمجموعة الرأسماليين الكبار يقتسمون الثروات في الدولة ويتزعمون السياسة وفي أيديهم أكبر وأهم القطاعات الاقتصادية، ويشكلون مجلساَ خفياَ وراء الكواليس يتحكم في الاقتصاد العالمي وفي مصائر البشر ويقررون السلم والحرب وفقاَ لمصالحهم. ويؤدي تركز الملكيات لفرد معين أو مجموعة من الأفراد إلى نشوء الاحتكارات، كانعكاس لإرادة الأقلية المالكة لوسائل الانتاج والثروة على حساب المصلحة العامة للمجتمع.
إن سيادة وهيمنة الاحتكارات الرأسمالية العملاقة على الاقتصاد والأسواق والبنوك والتجارة دليل على انعدام المنافسة الكاملة التي يدعيها دعاة الرأسمالية. فما يدعيه منظرو الرأسمالية من حريات هي حريات نظرية وشكلية نتيجة لسوء توزيع الدخول، وما يؤدي إليه من تفاوت طبقي واقتصادي، فالعمل غير مكفول للجميع. وآما حرية الاستهلاك فهي حرية وهمية إذ لا يستطيع الفقراء الحصول على السلع المعيشية التي يمكن أن يحصل عليها الأغنياء.
فالصورة الزاهية التي رسمها الرأسماليون مغايرة للواقع.
فالواقع يشير إلى أزمات اقتصادية متكررة تضرب النظام الرأسمالي العالمي بين فترة واخرى، والأزمة الاقتصادية تعني اختلال التوازن بين الانتاج والاستهلاك، مما يقود في النهاية إلى البطالة المتنوعة.
فتدهور الطلب على المنتجات يؤدي إلى تدهور الطلب على القوى العاملة، واستخدام التقنيات التكنولوجية في العمل، يؤدي إلى الاستغناء عن أعداد كبيرة من القوى العاملة مما يساهم في تضخيم جيش العاطلين.
ويشير ماركس في معرض نقدة للرأسمالية كبنية طبقية قائمة على الاستغلال أن وجود أعداد فقيرة من العاطلين عن العمل يدفع العمال إلى القبول بأجور منخفضة مما يضعف قدرتهم الشرائية ويعزز وجود فائض الانتاج.
فالاحتكار هو نقيض المنافسة ووجوده ينسف ادعاءات الايديولوجية الرأسمالية حول قدرة المنافسة في استقرار الأسواق وانخفاض الاسعار، ان الصورة الزاهية التي يروج لها أنصار الايديولوجية الرأسمالية لم تثبت الحياة واقعيتها. فالرأسمالية تتخبط في أزماتها الاقتصادية والمالية والاخلاقية.
المبادئ التي يقوم عليها النظام الرأسمالي
تتلخص المبادئ التي ترتكز عليها الأنظمة الرأسمالية بما يلي:
1-الملكية الخاصة: تبيح الملكية الخاصة للأفراد والشركات امتلاك وسائل الانتاج والمؤسسات الصناعية والانتاجية والتجارية والبنكية والأراضي الزراعية ورؤوس الاموال وادارتها لتحقيق الارباح والمكاسب المختلفة. ويبرر منظرو الرأسمالية اهتمامهم وتركيزهم على الملكية الخاصة بانها تدفع المستثمرين ورجال الاعمال نحو الاستثمار، وتحفز النشاط الاقتصادي والابتكار والاختراع. إلا أن هؤلاء المنظرين يخفون حقيقة أن الملكية الخاصة لوسائل الانتاج، السبب الرئيسي في طاغوت الاستغلال وانعدام العدالة والمساواة في المجتمع. وهي الأساس في تقسم المجتمع إلى طبقات متفاوتة اقتصادياَ واجتماعياَ. فالطبقة الرأسمالية تمتلك وسائل الانتاج والثروة، وأما الطبقة العاملة أي الطبقة البروليتارية، فلا تمتلك سوى القدرة على بيع قوة عملها إلى مالكي وسائل الانتاج. فالطبقة البروليتارية تخلق الانتاج وتخلق معه القيمة الزائدة التي يستولي عليها الرأسمالي. وتؤدي هذه العملية غير المتكافئة القائمة على الاستغلال الجشع إلى نشوب انواع مختلفة من الصراعات الطبقية التناحرية التي لا تنتهي بحسب تنبؤات كارل ماركس الا بالثورة وإزالة الاستغلال.
2-المنافسة: تتميز الرأسمالية بوجود منافسة حرة بين الشركات والأفراد، وفي رأي آدم أسمت أن المنافسة تحفز المنتجين على التحسين المستمر للإنتاج وتوفير المنتجات والخدمات. وفي إطار المنافسة الحرة يرفض سميث تدخل الدولة في الاقتصاد إلا في حالات استثنائية مثل حماية المنافسة. ويشدد على إزالة العوائق أمام التبادل التجاري والسماح للمنافسة الحرة بتحديد الأسعار وتوزيع الموارد بكفاءة. غيران واقع الحياة اتبت أن المنافسة فشلت في تحقيق التوازن في الأسواق والأسعار، وبقيت الأسواق والأسعار في حالة من الاضطراب بين الصعود الحاد والهبوط البطيء، أما في حالة الأزمات فأن الاحتكارات تحتكر الأسواق والأسعار وتحدد عرض السلع والخدمات وتمارس أبشع أنواع الاستغلال.
ويدحض ذلك صميم التنظير الرأسمالي في أن المنافسة تعمل كقوة تنظيمية خفية داخل السوق وتدفع الشركات لتحسين جودة المنتجات وتخفيض الأسعار. فسيطرة الاحتكار العملاقة على الأسواق تنهي أي دور لآلية العرض والطلب في تحديد الاسعار وتتحول إلى مافيات تتحكم في الأسواق لجنى الارباح الخيالية.
فالاحتكار يتناقض مع المنافسة التي يقدسها اسمث، وتكديس الثروة عند الأقلية من الرأسماليين يقضى على العدالة والمساواة في توزيع الدخل.
وقد امتدت سلطة الاحتكارات إلى خارج الحدود واصبحت مهيمنة على النفط والسلاح والبنوك وغسيل الأموال وتمارس دور المافيات في تنصيب حكومات وتسقط حكومات اخرى. ويعكس ذلك الجوهر الاستغلالي البشع للرأسمالية في مرحلة الامبريالية والعولمة. وسلوك الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا خير مثال على ذلك.
3- دافع الربح: الربح في الرأسمالية المحرك الأساسي لكافة العمليات الاقتصادية، وهو فائض القيمة الذي ينتجه العمال الاجراء ولا يحصلون عليه. فالرأسمالي لا يدفع سوى أجر أقل من قيمة السلعة التي ينتجها العمال ولهذا فان الربح شكل من أشكال الاستغلال الذي يستخدمه الرأسمالي لتوسيع وانتاجه وزيادة ثرواته. فالربح في الرأسمالية ينمو على الاستغلال ويُغذي عدم المساواة ويعمق التفاوت الاجتماعي والطبقي.
ويشير ماركس إلى ذلك بقوله، يتولد الربح أو فائض القيمة، عندما يدفع الرأسمالي للعامل أجرًا أقل مقابل قوة عمله من القيمة التي يحصل عليها من بيع السلع والخدمات التي ينتجها.
ويتخذ الربح في الرأسمالية الطابع الذاتي، فكل رأسمالي يسعى للحصول على ربح أكبر من رأسماله. وفي النهاية فان الربح هو التعبير عن المنافسات الذاتية لزيادة ثروة المستغلين.
وبسب اللهاث وراء تعظيم الأرباح تنشأ الصراعات بين الرأسماليين وشركاتهم، ويؤدي هذا الصراع إلى ابتلاع الشركات الصغيرة وإخراج شركات أخرى من السوق. وقد أطلق ماركس على تعظيم الأرباح التي يحققها الرأسمالي من خلال تجديد وتوسيع انتاجه، القانون العام للتراكم الرأسمالي.
وما نشهده اليوم في العالم الرأسمالي أن المنتجين يوجهون استثماراتهم نحو انتاج السلع الكمالية الفاخرة التي تلبي رغبات الطبقات الثرية لكسب الأرباح العالية. ولا يعيرون أي اهتمام يُذكر للمنتجات المعيشية لغالبية المجتمع من ذوي الدخل المحدود والفئات الفقيرة والمهمشة.
4-المصلحة الذاتية: المصلحة الذاتية تعني الأفعال والسلوكيات الفردية التي تحقق منافع شخصية. ويؤكد آدم أسمت عندما يتصرف الأفراد وفقاَ لمصالحهم الذاتية تتحقق المنافع للجميع وأفضل المنافع في رأيه هي المنافع الاقتصادية.
والمصلحة الذاتية في معتقد اسمث هي المحرك الأساسي للنظام الرأسمالي، فسعي الأفراد والشركات لتحقيق الأرباح والمنافع الشخصية، يدفع الافراد والشركات للابتكار وزيادة الإنتاجية والكفاءة. فالمصلحة الذاتية هي مكمن القوة في النظام الرأسمالي، وهي التي تخلق اقتصاداَ تنافسياَ وتسمح للأفراد والشركات ببذل قصارى جهدهم لزيادة مكاسبهم الذاتية. والمصلحة العامة بالنسبة إلى اسمث تتحقق من خلال المصالح الذاتية للأفراد.
وقد واجهت هذه الآراء انتقادات لاذعه وشديدة لأن المصلحة الذاتية تؤدي إلى الفساد والغش والتلاعب في الأسعار. والتركيز على المصلحة الفردية، يؤدي إلى إعلاء المصلحة الشخصية فوق مصلحة المجتمع. فالهدف النهائي للرأسمالي جني الارباح وتكديس المال ويؤدي ذلك إلى اتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، فيزداد الأغنياء ثراءً ويزداد الفقراء فقراَ، وبذلك تنتهي العدالة والمساواة التي يتبجح بها دعاة الرأسمالية.
دور الدولة الرأسمالية في الاقتصاد
يعارض آدم أسمت تدخل الدولة في الاقتصاد، وفي رأيه أن تدخل الدولة في الاقتصاد يقيد الحرية الاقتصادية. ويؤكد أن دور الدولة يجب ان يقتصر على حماية الأمن القومي، وتطوير البنية التحتية، التي تخدم التجارة، كالطرق والموانئ وضمان المنافسة في السوق. وفي الواقع فان دور الدولة الرأسمالية لا يقف عند هذا الحد الذي حدده اسمث وانما يمتد إلى وظيفة فرض الضرائب والرسوم وجبايتها والدفاع الخارجي والأمن الداخلي والدبلوماسية لنسج العلاقات بين البلدان. ويؤكد اسمث بدون الأمن، لا يمكن للاقتصاد أن يزدهر، ولم يتمكن الأفراد من ممارسة أنشطتهم التجارية بحرية لتحقيق الرفاهية والازدهار.
وفي رأي ماركس فان الدولة الرأسمالية أداة بيد الطبقة البرجوازية الحاكمة لحماية مصالحها الاقتصادية، وترسيخ الاستغلال وهيمنة رأس المال واللا مساواة، ويتحول العامل فيها أداةَ لإنتاج فائض القيمة (الربح) لصالح الرأسماليين.
وقد تحولت الدولة الرأسمالية في مرحلة الإمبريالية والعولمة إلى نظام أكثر عدوانياَ وخطراَ على مصالح البلدان وشعوبها. اذ تسعى البلدان الرأسمالية الكبرى لاستعمار البلدان الفقيرة بحجة الاستثمار الذي في جوهره استعمار اقتصادي لنهب ثروات البلدان. وخير مثال على ذلكَ ما قامت به الإدارة الامريكية من عدوان عسكري على فنزويلا واختطاف رئيس الدولة وزوجته والسيطرة على النفط الفنزويلي.
توقعات كارل ماركس بانهيار الرأسمالية
يشير ماركس في مؤلفه الموسوم رأس المال أن سقوط الرأسمالية وانتصار البروليتارية وحلول الاشتراكية أمر حتمي ولا مفر منه. وقد بنى تحليلاته وتوقعاته المستقبلية على منهج التفسير المادي للتاريخ وصراع الطبقات. ويؤكد كارل ماركس أن الطبقة الرأسمالية المالكة لوسائل الانتاج التي تستحوذ على فائض القيمة وتستخدمه في زيادة رؤوس أموالها للحصول على ربح أكبر. سوف تدخل في صراع تناحري مع الطبقة العاملة (البروليتارية) التي تبيع قوة عملها لتأمين أولياتها عيشها ومواصلة عملها.
فاستغلال العمال عبر الاستحواذ على فائض القيمة، يؤدي إلى فقر متزايد للطبقة العاملة وتراكم هائل للثروة في أيدي القلة من البرجوازية، وصولاً إلى أزمات الإنتاج الزائد، مما يؤدي في النهاية إلى ثورة عمالية يقودها وعي طبقي والاستيلاء على السلطة السياسية وبناء مجتمع لا طبقي هو مجتمع الاشتراكية
ويشير البيان الشيوعي الذي أصدره كارل ماركس وفردريك انجلس عام 1848 أن الرأسمالية حفارة قبرها ويستدل على ذلك في التناقض بين الإنتاج الاجتماعي الذي تقوم به البروليتارية والتملك الخاص الذي يحتكره الرأسماليون، فيؤدي إلى قيام ثورة العمال ضد آلة الاستغلال والاطاحة بالرأسمالية.
ويشير ماركس في تنبؤاته إلى مجموعة من الحقائق التي تؤدي إلى انهيار الرأسمالية من أبرزها نظرية القيمة الزائدة والصراع الطبقي والاستغلال الذي يغذي الصراع بين الطبقة البرجوازية والطبقة البروليتارية، وتزايد جيوش البروليتارية وتركيز وسائل الإنتاج بيد الطبقة البرجوازية، وانخفاض معدل الربح: بسبب المنافسة الشديدة التي تدفع لخفض الأجور والأسعار، والضغط على الأرباح والصراعات بين الرأسماليين.
ويرى ماركس أن هذه التناقضات ستؤدي حتماَ إلى انهيار الرأسمالية وتحولها إلى الاشتراكية، كنظام يحقق العدالة والمساواة لكافة افراد المجتمع.
**********************************
الصفحة التاسعة
وداعًا أبا بسيم.. أيها النبيل الذي عاش واقفاً ومات شامخاً
محمد علي محيي الدين
بقلوب يعتصرها الأسى، وعيونٍ يثقلها الدمع، استقبلنا نبأ رحيل الصديق والرفيق الكبير كاظم محمد الحسن (أبو بسيم)، ذلك القلب الشجاع الذي توقف عن الخفقان بعيد ظهيرة يوم الخميس 18/12/2025، إثر جلطة مفاجئة باغتته وهو في ذروة عطائه ونشاطه، كأن الموت اختاره وهو واقف، شامخ، كما عاش دومًا، لا يعرف الانحناء ولا يرضى بالوهن.
برحيله لا نفقد إنسانًا عاديًا، بل نفقد صفحة ناصعة من تاريخ المدحتية وبابل، ورمزًا من رموز النزاهة والالتزام الوطني والاجتماعي، ورجلاً حمل في قلبه همَّ الناس، وفي سلوكه أخلاق المناضلين، وفي مسيرته صدق المؤمن بعدالة قضيته.
عرفت أبا بسيم منذ سبعينيات القرن الماضي، يوم كان من الشيوعيين الملتزمين الذين تصدّروا العمل التنظيمي في المدحتية والقاسم إبان قيام الجبهة الوطنية، وظلت صلتنا متصلة لا تنقطع، حتى ساعاته الأخيرة. كان حضوره دائمًا هادئًا، واثقًا، يشبه النهر العميق الذي لا يضجّ، لكنه يمنح الحياة لكل ما حوله.
وُلد عام 1944 في ناحية المدحتية، في عائلة عُرفت بكرم الضيافة وسدانة زوّار مرقد الإمام الحمزة، وبإرث نضالي مشرّف. فقد كان عمّه الراحل عيد الحسن العلي (أبو كاظم) من أوائل من زرعوا بذور الوعي الشيوعي في المدينة وما جاورها، وذاق مرارة السجن والتشريد، وبقي وفيًا لقضية شعبه حتى آخر أيامه. ومن هذا الجذر الوطني النقيّ تفتحت شخصية أبي بسيم، فحمل الراية بإخلاص وواصل الطريق بشجاعة وصبر.
أنهى دراسته الابتدائية في مدرسة المدحتية للبنين، وتخرّج من ثانويتها عام 1963، ثم التحق بكلية الشريعة في جامعة بغداد عام 1967، حيث عُيّن في سنته الأخيرة مدرسًا على الملاك الثانوي في وزارة التربية. غير أن طريقه لم يكن مفروشًا بالطمأنينة، بل مرّ عبر دروب القمع والمطاردة.
فقد لاحقته أجهزة الأمن وهو بعد طالب في الثانوية عام 1962، فاضطر إلى الاختفاء في بساتين عائلته. وبعد انقلاب شباط الأسود 1963 أُلقي القبض عليه، وتعرّض للتعذيب في أقبية الحرس القومي بقصر (أنور الجوهر) في الحلة، ثم نُقل إلى معتقل “خلف السدة” في بغداد، وقُدّم إلى المحاكمة العرفية في قاعة الشعب الملاصقة لوزارة الدفاع.
وأُطلق سراحه في 2/12/1963، ليعود إلى مقاعد الدراسة متأخرًا شهرين عن زملائه، لكنه عوّض ذلك بتفوّق باهر واجتاز المرحلة الأولى بنجاح لافت، كأنه كان يعلن منذ ذلك الوقت أن السجون لا تكسر الإرادة، وأن الألم لا يهزم الحلم.
انتمى إلى الاتحاد العام لطلبة العراق وهو في الخامسة عشرة من عمره، وحمل المنشورات الشيوعية فتىً في السابعة عشرة، متنقلاً بها من عمّه إلى منظمة الحزب في القاسم. ومنذ تلك السنوات المبكرة صاغ النضال شخصيته، فصار الانتماء لديه قدرًا أخلاقيًا لا مجرد خيار سياسي.
مارس التدريس في متوسطة الزبيدية (1967–1970)، ثم في متوسطة الجمهورية بالحلة (1970–1971)، وأخيرًا في ثانوية المدحتية. وكان أستاذًا ذا هيبة محببة، وحضور تربوي مؤثر، يجمع بين الصرامة والحنان، وبين الانضباط والرحابة. أحبّه طلابه قبل أن يحترموه، واحترمه زملاؤه قبل أن يقدّروه.
وفي زمن الجبهة الوطنية، مثّل الحزب الشيوعي العراقي في منظمة الجبهة بقضاء الهاشمية، وتولى مسؤولية تنظيمات الحزب في القاسم والمدحتية، وكان عضوًا في مختصة المعلمين في بابل التي قادها الشهيد فاضل وتوت. هناك برز كمنظم هادئ، صبور، يعرف كيف يبني العلاقات ويصونها، وكيف يختلف دون أن يجرح، وكيف يقود دون أن يتسلط.
عام 1980، حين قرر النظام إقصاء التربويين الشيوعيين الرافضين الانتماء إلى حزب البعث، نُقلوا من وزارة التربية إلى وزارة المالية والعمل والشؤون الاجتماعية. كان ذلك النقل قاسيًا معنويًا وماديًا، لكنه لم ينكسر. عمل في المصارف الحكومية، وبنظافته ونباهته وأمانته تفوق على المختصين، حتى أصبح مديرًا لمصرف الرشيد فرع الهاشمية، ثم مديرًا لفرع الفيحاء.
وهناك قدّم نموذجًا نادرًا للمدير النزيه، الذي يرى في المنصب مسؤولية لا امتيازًا، وفي المواطن إنسانًا لا رقمًا. فازدادت شعبيته، وتعزز احترام الناس له، لأنه لم يبدّل مبادئه مهما تبدّلت المواقع.
وفي انتفاضة آذار 1991، وبحكم مكانته الاجتماعية، وقف سداً بوجه التخريب والنهب، وسعى إلى حماية الممتلكات العامة والخاصة، فكان صوت العقل في زمن الغضب، وصوت الضمير في زمن الفوضى. وبعد فشل الانتفاضة استُدعي من قبل قيادة حزب البعث في المدحتية، لكن شهادة من عرفوا دوره الإنساني النبيل أنقذته من بطش جديد.
وبعد سقوط النظام، ومع عودة النشاط العلني للحزب الشيوعي العراقي في بابل، عاد أبو بسيم إلى صفوف حزبه بروح شابة، وأسهم في إعادة بناء التنظيم، ثم تولّى قيادته بعد وفاة الدكتور علي الصائغ. وكان قائدًا أبويًا، ومرشدًا حانيًا، ومربيًا لجيل جديد من الشباب، ينقل إليهم خبرته بهدوء، ويغرس فيهم روح المسؤولية لا روح التبعية.
عملت معه مباشرة منذ أواسط عام 2003 في لجنة قضاء الهاشمية، وفي محلية بابل لسنوات طويلة. كان كنسيم عليل في تعامله، يشدّ الأزر، ويحتوي الخلاف، ويمنح الثقة، وله كلمة الفصل حين تشتد التباينات. يمتلك مخزونًا فكريًا غنيًا، وخبرة تنظيمية عميقة، اكتسبها من عقود طويلة في قيادة منظمات القاسم والهاشمية والمدحتية.
ورغم تقدّمه في السن، كان في مقدمة العاملين المثابرين، لا يتأخر عن مهمة، ولا يعتذر عن واجب. تراه وقد جاوز الثمانين، لكنه يعمل بهمة الشباب، وكأن الزمن عقد معه هدنة احترام.
شارك في جميع مؤتمرات المحلية والحزب منذ عام 2003، وكان وجهًا اجتماعيًا بارزًا في مدينته، يحضر في الأفراح كما في الأتراح، ويسهم في حل النزاعات، ويصل ما انقطع بين الناس. ولذلك لم يكن رحيله حدثًا عائليًا أو حزبيًا فحسب، بل كان خسارة عامة شعرت بها المدحتية وما جاورها.
وحين غاب، بكى عليه كل من عرفه أو تعامل معه. وكان تشييعه ومجلس عزائه شاهدين على عمق حضوره في القلوب، وعلى صدق محبة الناس له. فقد كان واحدًا من أعلام المدينة، وواحدًا من وجوهها النبيلة التي ندر أن يجود الزمان بمثلها.
سلامٌ لروحك يا أبا بسيم، سلامٌ لرحلتك الطويلة المفعمة بالشرف، وسلامٌ لذكراك التي ستبقى منارة للأجيال.
أحرّ العزاء لعائلته الكريمة، ولرفاقه وأصدقائه ومحبيه، ولكل من عرف في هذا الرجل مثال الإنسان النزيه، والمناضل الصادق، والمواطن الذي عاش نظيف اليد، عالي الرأس، ومات كما عاش… واقفًا.
*************************************
وثبة كانون 1948حين قال العراقيون لا للمعاهدة والتبعية
خليل إبراهيم العبيدي
اليوم تحلّ ذكرى وثبة كانون، أو ما عُرف شعبياً بـ«دگة الجسر»، إحدى أبرز المحطات النضالية في تاريخ العراق الحديث. ففي 27 كانون الثاني عام 1948، وأثناء فترة الحكم الملكي، أقدم رئيس وزراء العراق آنذاك صالح جبر على توقيع معاهدة بورتسموث بين العراق وبريطانيا العظمى، المعروفة بـ(معاهدة جبر – بيفن)، والتي مثّلت في جوهرها تجديداً لمعاهدة عام 1930.
وقد كبّلت تلك المعاهدة العراق بقيود سياسية وعسكرية جعلته تابعاً لسياسة التاج البريطاني، مقابل ثمن وُصف حينها بالرخيص، تمثّل بإدخال العراق إلى عصبة الأمم. ومن يطّلع على بنود هذه المعاهدة يجد أنها منحت الحركة الوطنية العراقية كامل الحق في رفضها والثورة ضدها، وقد تصدّر هذا الرفض الحزب الشيوعي العراقي وقوى وطنية أخرى، لما تضمنته المعاهدة من تبعية مباشرة للحكومة البريطانية بصيغة بديلة عن الانتداب.
لهذا، لم يكن من الممكن اعتبار يوم دخول العراق إلى عصبة الأمم يوماً وطنياً، كما حاولت بعض الجهات لاحقاً الترويج له، بل على العكس، شكّل توقيع المعاهدة الشرارة التي أطلقت التظاهرات الشعبية الواسعة في بغداد وعدد من المدن العراقية، في 27 كانون الثاني 1948، للمطالبة بإلغائها.
انطلقت التظاهرات من جانب الرصافة في شارع الرشيد قرب جامع الحيدر خانة، وتزامنت معها مظاهرة أخرى في جانب الكرخ. وكان هدف المتظاهرين الالتحام عبر العبور من الجسر العتيق، كما كان يسميه البغداديون، والذي عُرف لاحقاً بجسر الشهداء بعد ثورة 14 تموز. إلا أن شرطة نوري السعيد تصدّت للمحتجين بعنف شديد، بعدما انتشرت فوق الجوامع والبنايات الحكومية والتجارية، وأطلقت النار بكثافة على الجموع.
أسفر ذلك القمع عن استشهاد المئات من المتظاهرين، بينهم فتاة جامعية مثّلت أول فتاة بغدادية تشارك في التظاهرات الجماهيرية. وسُمّيت تلك الحادثة بـ«دگة الجسر»، والدگة في اللهجة البغدادية تعني «الفاينة» أو الفعل الخسيس والسيئ. ورغم الدماء، التحمت التظاهرات واستمر الزخم الشعبي، وامتلأت شوارع بغداد ومدن أخرى بالمحتجين استنكاراً للإصرار على تمرير المعاهدة.
وكان لبيان الحزب الشيوعي العراقي، الذي وُزّع آنذاك بين المتظاهرين، أثر بالغ في توسيع رقعة الاحتجاجات، إذ شارك فيها أكثر من 300 ألف مواطن، بعدما كشف البيان حجم التبعية السياسية والاقتصادية، وغياب سلطة القضاء العراقي على القوات البريطانية بموجب المعاهدة.
أمام هذا الضغط الشعبي الهائل، اضطر الوصي على عرش الملك فيصل إلى مطالبة صالح جبر بتقديم استقالته، والتي قُدّمت رسمياً في 27 كانون الثاني 1948. ولاحتواء غضب الشارع، جرى تكليف السيد محمد حسن الصدر بتشكيل الوزارة، في محاولة لتهدئة الأوضاع. وفي النهاية، تم إلغاء معاهدة بورتسموث، في تتويج واضح لنضال الشعب العراقي وقواه الوطنية ضد الاستعمار القديم.
بعض ما ورد في معاهدة بورتسموث
كانت معاهدة عام 1930 سارية لمدة 25 عاماً، وتنتهي عام 1955، إلا أن البريطانيين سعوا إلى تجديدها عبر معاهدة بورتسموث، التي تضمنت بنوداً أبرزها:
1. السماح للجيوش البريطانية بدخول العراق كلما اشتركت في حرب في الشرق الأوسط.
2. التزام العراق بتقديم جميع التسهيلات والمساعدات للقوات البريطانية في أراضيه ومياهه وأجوائه.
3. أحقية القوات البريطانية في الإقامة داخل معسكرات الجيش العراقي.
4. عدم جواز محاكمة الضباط البريطانيين أمام القضاء العراقي، وإخضاعهم حصراً للمحاكم العسكرية البريطانية.
وقد استمر الوجود العسكري البريطاني في قواعد مثل الحبانية (سن الذبان) وقاعدة الشعيبة، إلى أن تلاشى تماماً بعد قيام ثورة 14 تموز 1958.
العبر المستخلصة
إن استذكار وثبة كانون واجب وطني، في ظل محاولات متعمدة قامت بها أنظمة متعاقبة، منذ انقلاب شباط الأسود عام 1963، لطمس منجزات شعبنا الوطنية وحجبها عن الأجيال اللاحقة، وفصل الماضي النضالي عن الحاضر. وقد تجلّت هذه المحاولات في السعي لجعل يوم دخول العراق إلى عصبة الأمم يوماً وطنياً، في تجاهل متعمّد لحقيقة أن اليوم الوطني الحقيقي هو الرابع عشر من تموز 1958، يوم أُرغمت بريطانيا على الرحيل، واعترف بالعراق دولة مستقلة فعلياً.
وأنا ممن عاصروا تلك الأحداث، ولم أرَ فرحة علت وجوه العراقيين كما رأيتها يوم ثورة 14 تموز. ومع ذلك، لا يمكن إنكار دور العهد الملكي في وضع أسس الدولة الحديثة منذ عام 1921، لكنه في المقابل كان أول من اضطهد الشعب بعد رحيل الحكم العثماني، وأرسى أسس مديرية الأمن العامة، ومارس التعذيب، وأنشأ سجن نقرة السلمان، الذي صُنّف دولياً كواحد من أسوأ البيئات التي عاش فيها البشر.
ختاماً، التحية للأقلام التي لا تنسى ثورات الآباء والأجداد، لأنها وحدها من تحفظ ذاكرة الوطن، وهي التي صنعت العراق الحديث.
**************************************
وحدة القوى الوطنية في مواجهة المعاهدة والاستعمار
صادق الندواي
تمرّ علينا بعد أيام الذكرى الثامنة والسبعون لأول وأكبر انتفاضة جماهيرية في تاريخ العراق الحديث، تلك الانتفاضة التي شكّلت منعطفاً مفصلياً في مسار النضال الوطني. فمنذ مطلع أربعينيات القرن الماضي، شهد العالم تغيّرات سياسية واجتماعية واقتصادية عميقة، ترافق معها تصاعد نضال حركات التحرر الوطني ضد الاستعمار. وفي العراق، كانت الطبقات الكادحة تعاني من سياسات الاضطهاد والتخلف والفساد التي مارستها السلطة الحاكمة المرتبطة بالاستعمار البريطاني.
وفي هذا السياق، ناضلت الأحزاب التقدمية والقومية والديمقراطية من أجل تحقيق الحرية والاستقلال، وضمان حرية التعبير، وإلغاء اتفاقية عام 1930 التي كرّست الهيمنة البريطانية على البلاد. غير أن الحكومة آنذاك أقدمت على توقيع معاهدة بورتسموث مع سلطة الاحتلال البريطاني، ما فجّر غضب الشارع العراقي ودفع جماهير الشعب، بمختلف قواه الوطنية، إلى الخروج في تظاهرات واسعة عمّت الساحات والشوارع.
وشهدت تلك التظاهرات مشاركة واسعة من مختلف الفئات الاجتماعية، من طلبة الكليات والمعاهد، إلى الفئات الكادحة من سكان الشالجية وغيرها من المناطق الشعبية، وهم يهتفون بإلغاء المعاهدة وتحقيق المطالب الوطنية المشروعة للشعب العراقي.
وفي خضم هذا الحراك الشعبي المتصاعد، بادرت أحزاب الحزب الشيوعي العراقي، وحزب الاستقلال، والحزب الوطني الديمقراطي، والحزب الديمقراطي الكردستاني (البارتي)، إلى تشكيل أول تحالف جبهوي في تاريخ العراق الحديث، عُرف باسم «جبهة الإنقاذ الوطني»، لتوحيد الجهود وقيادة المظاهرات التي اجتاحت بغداد وسائر المدن العراقية.
وقوبلت هذه الانتفاضة الشعبية بقمع عنيف، حيث أقدمت أجهزة الشرطة على إطلاق النار على المتظاهرين، ما أسفر عن سقوط عدد من الشهداء في ساحات الاحتجاج، ولاسيما في ساحة الوثبة وعلى جسر الشهداء، لترتسم بدمائهم صفحة مشرقة في سجل النضال الوطني.
ورغم القمع، حققت الوثبة أهدافها الأساسية، إذ جرى إلغاء معاهدة بورتسموث، وسقطت حكومة صالح جبر، كما أسفرت الانتفاضة عن انبثاق أول اتحاد لطلبة العراق، في خطوة مهمة على طريق التنظيم والحراك الطلابي الوطني.
وهكذا سُجلت انتفاضة كانون بوصفها واحداً من أكبر الانتصارات الشعبية في تاريخ العراق، بفضل وحدة القوى الوطنية والتقدمية والقومية والديمقراطية. غير أن هذا الانتصار لم يمرّ دون ثمن، إذ أقدمت السلطة الحاكمة، بتحريض مباشر من السفارة البريطانية، على ارتكاب جريمة إعدام قادة الحزب الشيوعي العراقي، وتعليق جثامينهم في ساحات بغداد، في محاولة يائسة لإرهاب الشعب وكسر إرادته.
المجد والخلود لشهداء العراق، لقادة الحزب الشيوعي فهد ورفيقيه صارم وحازم، والخزي والعار يلاحق السلطات العميلة التي ظنت أن القمع يمكن أن يطفئ شعلة النضال.
******************************
الصفحة العاشرة
سامي عبد المنعم.. الشعر والقناعة الفكرية الراسخة
ريسان الخزعلي
1
بصمت ٍ مُدوٍّ، يخطف الموت شاعراً له ُ من الصفات النبيلة مالا تسعها الأوصاف، شاعراً كان يخطو وقلبه يكتنز الأسرار، أسرار الحُب والتعلّق بقناعات فكريّة عالية رافقته منذ استطالات وعيه ِ المُبكّر، هذا الوعي الذي تزيّن به ليملك قرار الشجاعة في الانتماء إلى الحزب الشيوعي العراقي المجيد، وليكتب الشعر مستظلّاً بينابيع ثقافة هذا الحزب.
إن َّ رحيل الشاعر / سامي عبد المنعم / يثلم كثيراً من هدوئنا، ذلك الهدوء الذي يمنحه لنا حين يكون بيننا، إنّه ُ هدوء الحالم بحياة أنقى ووجود أبقى ومستقبل أرقى رغم خساراته التي نجد بعضاً منها في الفقرات اللاحقة من خلال استعادته ِ شاعراً في آخر مجموعة ٍ أصدرها ( ليل ومطر ) .
2
ليل ومطر، مجموعة الشاعر/ سامي عبد المنعم/ وهي المجموعة الثانية بعد مجموعته الأولى/ نوارس/.. -والمجموعتان صدرتا في بغداد بعد عودته من المنفى الاضطراري –تشاغلت بصوت ٍ عال ٍ مع التجربةالحياتيّة، الخاصّة والعامّة: التهجير القسري، الغربة، فقدان البيت، إعدام الأخ، فقدان الإبنة، التخاطر مع المناضلين، صدمة الواقع الجديد ومواجهة ما هو خارج التوقّعات والأحلام، الخسارات العائليّة، الإحساسبالغربة الجديدة داخل الوطن، التوجّعات الروحية، المراثي.. إلخ من التعارضات الصادمة. ورغم هذه المرارات، إلّا أن َّ قناعات الشاعر الفكرية لم تتزعزع عن مساقط ضوئها ، ومازلت تمسك ُ بالأطياف الأولى، وتمنحها الكثير من التأصيل. ولا تردد من وصفه / بالشاعر الشيوعي /... :
صار السجن مدرسه
واليشهد السلمان
دم الشيوعي انكتب
للتضحيه عنوان
من هنا كانت قصائد المجموعة لا تفتعل شيئا ً مخياليّا، بل كانت تمسك بواقعيّة ما حصل ويحصل، وتنتجه بسرديّة شعريّة- لاتخلو من التشكيلات الصّوريّة - يلفحها التهكّم في أكثر من قصيدة وبوضوح لغوي مباشر لا يلتفت إلى الترميز ، كون الشاعر في حالة كشف
فصديّة تُحاور الذات والآخر على السواء من أجل حياة أنقى وأرقى .
إن َّ دالة (ليل ومطر) يمكن التقاط مدلولها: الليل كعارض يقطع الضوء عن ملامسة المرئي/ المشتهى والمنتهي/ ..، والمطر كعارض يُعيق الخُطى باتجاه الأرض الأُولى ( امغيمه روحك مدري وين اتريد تمطر ، چلچل الليل إو رچه اهمومه عليك)..:
اتريد
تنحت
من
ثلج
روحك
مناره
او تدري بيها اتذوب من ضحكة شمس
ضايج او ملّيت من تكرار يومك
شكَكَيت اوراق كاتبها أمس ...
3
في المفتتح الفني، تتشكّل القصائد من نمطين، شكلاً وبناء. نمط شكل القصيدة الشعبية الأوّل وهو الأكثر في المجموعة، ونمط الشكل الحديث. في النمط الأول يكثر(القول) خارج محددات الشعريّة الحديثة وفكرة الشعر- رغم معرفة الشاعر بهذه الممكنات -بسبب اشتراطات هذا الشكل التي تحد من الانفتاح إلى أمام ٍ أكثر انسجاما ً مع تحوّلات القصيدة الشعبية الحديثة. وفي بعض قصائد هذا الشكل (كَام الداس، برلمان أهل...، قيّم الركَاع)يمكن سماع صوت الآخر وأساليبه بوضوح، الملّا عبود الكرخي ، مثلاً، وهي قصائد تعتمد التهكّم والسخرية ولا تضيف أيّة التماعات فنيّة / جمالية لتجربة الشاعر الذي يقف على مقربة وتماس من / مع الشعراء المجددين :
لابس امداس او يفتهم
يتحدّه كل أهل العِلم
كل ساعه جايبله فلم
يضحك على اعقول الناس ...
وهنا ، أهمس للشاعر بأن َّ الشطرة الشعرية (قيّم الرّكَاع من ديرة عفچ) قديمة جداً، سمعناها من الآباء والأجداد، وكانت تجري على ألسنة الناس مجرى المثل .
أما في النمط الثاني ، نمط الشكل الحديث، يظهر- على شكل عيّنات متناوبة في القصائد- ماهو في عداد الممكنات الفنيّة التي تُحسب ضمن تحوّلات القصيدة الشعبية الحديثة على مستوى اللغة والصورة الشعرية، حتى وإن تناصّت مع بعض ظلال اللون النوّابي :
ليل
والدنيه مطر
واتنث عله الشباچ
ريحة غربه تآكل بالعمر
وانت َ وحدك .. تنتظر
نكَرة باب التفزز صفنتك ...
ياعذر يمسح غلطتي اوياك أمس
طبعك اويه الغير أنعم من حرير
او مدري ليش وياي بس تلعب خشن ...
4
ليل ومطر ، مجموعة تعكس تجربة شاعر يدرك معنى الوجود في الوطن والمنفى ، وكان منصتاً لقلبه ِ ووعيه ِ في الحالتين ، حتى وإن وقف َ الآن متحسّراً :
تعّبني الوطن كلّش ولا ملّيت
هجّرني او سباني، او باكَ اخوي، اوسلب حتى البيت
ضاعت كتبي والقمصان ، او مواويل الزهيري البيها غنّيت .
وتحت ضغط هكذا تجربة وجوديّة، تراوحت التجربة الشعرية فنيّا ً ، وصولاً إلى القول :
ليل ومطر، التجربة والمراوحة الفنيّة بين نمطين من التشكيل الشعري ...
***********************************
قصائد للراحل سامي عبد المنعم
چنت اظنّك
چنت أظنك ...
من تجي .. اتبلسم جروحي
إتطفي بضلوعي الجمر
وتهيد روحي
سنين تانيتك تجيني
وجيت بوشالة عمر
شكثر حسدوني ...
عليك الناس
وماعرفوا البيه
وهاموا ابشباچ حسنك ...
مثل بقصم ..
ذايب ابچاي العصر
إغتاضوا العذال ..
من شافوا فرح گلبي
غميج
ردتك .. اتشوف العذاب البيه ...
گبل الناس كلها
ردتك إتكمل الطريج
لا إترد بيه الحزن ...
وتعوفني ابنص الدرب
وتشمت العذال بيه
بعد مابيه سهر وهموم
وفراگ وغرب
آنه عايش ..
لأجل حب الناس ...
وتحقيق الاماني ..
إبنص گلب
شوفني .. وظلت إبكيفك ... بعد
نصطلح .. لو نفترگ
للدوم .. وضحلي الامر
***********************************
شلون ألمّك
مأخذ وياك السفن …
والسفانه والبوصله
وخشبة السكان بيدك
وتاركلي بحر مجنون كلش
والموج .. وآنه بلا جرف
والگيش هم وياك أخذته
ليل يعبر ليل والدنيه ممطره
إبوحشة الغربة عفتني …
وسافرة .. وبلا وداع
سنين تانيتك تجي
حنيت بابي .. وكل شبابيچي
وناطريت … هلال جيتك
مثل عيد الله الچبير
من تسافر .. مدري شيسافر بروحي
مدري ياهو مني يزعل
مدري ياهو .. ايطشني بشليلك خرز
گاعد ابوحشة غيابك خوف
ودموعي مطر
وانت ليلك فرح وشموع …
وسهر كاسات .. والباقي سفر
امگابل .. آنه وحزني والشباچ
حته الكاس مل من السهر
خايف أبيا لحضه اجيسك …
خاف افزز نومتك من أشتهيك
حاير .. شلون أدور عذر …
ويغفرلك غيابك …؟
نوبه ألومك .. نوبه أسامح
نوبه أعاند .. نوبه أصالح
نوبه أفديك إبحياتي ….
نوبه أزعلنك … وأذمك
وانت چن زيبگ مراية عرس
وذاب عالدوشگ ورد…
وشلون ألمك ..؟
*******************************
زهيريات
سافرت بشطوط ما گيش بها خاطري
وماگصّرت بالوفه وأديت حگ خاطي
لا تضن جبره سهل من ينكسر خاطري
حيران مدري شاشيلن من رفاتي او شخل
ماخله بيه الوكت نفذه أو شخلني شخل
أبتأس لو راح من بين الرفاگه شخل
مثل التلاحين طاريكم على خاطري
گضیت عمري أتابع ضعنهم وأبره
چالخیط صرت ألضم بفراگهم وإبره
رادوني بلكي أشت عن الدرب وأبره
عاندت مثل الصگر بمعانده ينزار
جرح البگلبي كلف ماضن بعد ينزار
والماثبت شارته لا تعتقد ينزار
أو لتصدگ إبغير حبهم أشتفي وأبره
راح أو نساني الاوده أو طولت راحته
لاتضن كلمن طرب من فرحته أو راحته
بسكوت تطحن يخي حدر الضلع راحته
من حيث هم الگلب زاد أو تعده الحد
سچین طبعي صبور إشما ولاني الحد
وأشما صدودك كثر آنتظر لاخر حد
من يعتگ الراح تکمل نشوته آو راحته
طشينه كل الوفه إبگاعك ولا شي نبت
وإبكل ضروف الوكت إنته ألي عنه نبت
ولو گطعونه وصل لاتضن بالسر نبت
ماعون صبري إنترس من كثر ظيمك ترس
صدگت حچي الردي وأمنت بشچم ترس
و إحسبت كلشي ولا يمهم سفنه ترس
بس گبل ما حسبت حبك أبگلبي نبت
***********************************
حاير
حاير ...
إبيا لون ..؟
وبيا فرشه ارسمك؟
حاير ..
ابيا إيد اجيسك
واكتب إسمك؟
حاير .. وروحي إتكتّ الوان
يالون اليلم اوصافك
ويكتمل رسمك
إبيا معاضد يا محابس
يا طعم ينشاف خصرك
راح ارسمك...
مثل نسمة صيف
مرت عالحدايق
وذاب عطرك بالورد
وشلون المّك ..؟
خاف ياخذني الوكت
واسكر واخسرك
لا يهمك ...
راح ارسمك ...
حلم هدوة ليل
وبتالي العمر
وبروحي اظمك
لا يهمك ..
*************************************
أبوذيات
إشكثر عثرات لاگني وعديت
وحسبتك توفي كل تعبي وعديت
ترس إذني إسمعت ذمك وعديت
وگلت بلكي بعد عندك حميه
إهمومي مثل موج البحر ما جن
وتنيت إطيوفك إمنسنين ما جن
أو سماني سفيه العقل ما جن
أفرفح وإنته بس إتلوم بيه
ردت فد يوم أنصحك وإنته صاحي
أو أبد ما خذت شوري وإنتصاحي
صفه معثوث جسمي وإنته صاحي
إبعسل شفتك إيدب السكر بيه
الوكت غدار وسيوفه سناها
ونارك سهسه إضلوعي سناها
الناس إبكيف من اتمر سناها
وأنه بالنايبات إتمر عليه
*******************************************
الصفحة الحادية عشر
اخبار ثقافية
• أي مسرح نريد ومقالات اخرى/ تأليف صباح المندلاوي، اصدار: مطبعة الرفاه/ بغداد. وقد سبق للاستاذ المندلاوي ان اصدر مؤلفات مسرحية هي: (امرأة من هذا الزمان/ الحلم/ مندلي والعطش/ تعال معي الى تشيلي/ تداعيات في راس السنة/ الاسوار/ البخيل). الى جانب كتب اخرى.
• فقدت الاوساط المسرحية مؤخراً مخرجاً مسرحياً بارعاً ومعطاء ورائداً من رواد المسرح العراقي هو الفنان محسن العلي. وكان العلي قد اختار الغربة بعد سلسلة من المضايقات، وفي عمان/ الاردن تم تشييع جثمانه.
• الحمائم البيض/ رواية اسماعيل سكران، صدرت عن دار السرد- بغداد.
• يعاني الروائي والناقد الدرامي ناطق خلوصي من وضع صحي صعب، بعد تعذر عليه الكلام. تمنياتنا له بالصحة والعافية والسلام.
• الملامح الاجتماعية في اعمال عدد من الفلاسفة المسلمين/ تأليف د. لاهاي عبد الحسين/ اصدار: دار المدى- بغداد.
***********************************
ألان باديو يكتب عن: اراغون.. مجد الفعل الشعري وبؤسه 1- 2
ترجمة: كامل عويد العامري
منذ ثلاثة عقود، شهد أراغون تلاشي قوة الجاذبية ببطء، سواء في رغبته أو في قصائده، تجاه موضوعين رئيسين: أولًا الحزب الشيوعي الفرنسي، ثم لاحقًا إلزا نفسها. وفي خضمّ هذا التلاشي، الذي كان فيه، في كثير من الأحيان حزينًا ووحيدًا، ظهر إلى الواجهة شيء آخر، شيء تعامل معه أراغون بلا مواربة، بل كأنه أصبح موضوع رغبته الجديد: إنه الشعر نفسه، والذات الشاعرة التي كان عليها، أراغون.
وكان كل جهد أراغون، في هذه السنوات الصعبة، يهدف إلى ألا تتحول الخيبة أبدًا، في سياق القصيدة، إلى إنكار. وألا يكون عدم اليقين في الحاضر الجديد، سواء كان ذلك في السياسة أو الحب، ذريعة لخيانة الماضي.
بقي اراغون عضوًا في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الفرنسي حتى وفاته. وهناك نص أساسي لفهم الفكر الحقيقي لهذا الشاعر-المناضل بين منتصف الخمسينيات ووفاته، وهو الخاتمة التي كتبها لديوان الشعراء، الذي نُشر في سبتمبر/أيلول 1960، عندما كان أراغون في الثالثة والستين من عمره. في هذا النص، نجد بلا شك تحررًا دقيقًا من تأثير الرغبة المرتبط بالحزب بوصفه موضوعًا مسببًا. لكن هذا التحرر ليس انتقاصًا أو نقدًا صريحًا. إنه يمر عبر قناعة موجهة للشباب، مفادها أن الفعل لا يجب أن يُصوّر نفسه في إطار النصر المطلق. في الأساس، يتبين إن الموضوع - الرغبة الذي كان يمثله الحزب الشيوعي الفرنسي ليس سوى هدف مشروع لمرحلة تاريخية معينة، وليس لتاريخ مطلق، ليحفز الورثة من الشباب، على التمسك بالموضوعات الجديدة التي ستقترحها عليهم المرحلة التاريخية القادمة ليشبعوا رغباتهم.
يجب أن نتأمل في الدقة والموهبة الشكلية التي صاغ بها أراغون خطابه الموجه إلى الشباب، حيث نجح في الجمع بين الوفاء والتخلي والوعد، أو بين النصر وحتمية البدء من جديد. ولتحقيق ذلك ابتكر إيقاعًا بطيئًا، وهو بيت شعري يتكون من عشرين تفعيلة تتأخر قافيته التي تحدد الإيقاع، بثلاثة أبيات وستين مقطعًا [المقطع: حرف صحيح يليه حرف ساكن، وهو ما يساوي التفعيلة]، كما هو الحال في أزمنة (الإيقاع) الجديدة. هذا الشعر المتباطئ إلى أقصى حد ينطوي على درس جوهري: إن نفاد الصبر هو الذي يؤدي إلى الإنكار. فالإيقاع يدوم طويلًا جدًا، وبطؤه يجب أن يكون جزءًا من القناعة التي تحرك الأفعال. لنقرأ:
وَيَأْتِي يَوْمٌ تَعلو فوقكم شمسُ النَّصْرِ شمس الجنون
تَذَكَّرُوا أَنَّنَا قَدْ عِشْنَا هَذَا، وَأَنَّ آخَرِينَ قَدْ صَعِدُوا
لِيَنْتَزِعُوا رَايَةَ الْعُبُودِيَّةِ مِنْ أَكْرُوبُولِيسَ، وَأَنَّهُمْ قَدْ رُمُوا
فِي مَقْبَرَةِ التَّارِيخِ الْجَمَاعِيَّةِ هُمْ وَمَجْدُهُمْ يَلْهَثُونَ:
تَذَكَّرُوا أَنَّ الْقِتَالَ لَا يَنْقَضِي، وَأَنَّ النَّصْرَ لَيْسَ بِشَيْءٍ يُذْكَر
وَأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ يُعَادُ النَّظَرُ فِيهِ، مَادَامَ الْإِنْسَانُ عَنِ الْإِنْسَانِ مَسْؤُولًا
لَقَدْ رَأَيْنَا أُمُورًا عَظِيمَةً تُرتكب، وَلَكِنْ كَانَ هُنَاكَ مَا هُوَ أكثر أهوالا
فَلَيْسَ مِنْ سَهْلٍ دَائِمًا أَنْ نَعْرِفَ أَيْنَ الْخَيْرُ وَأَيْنَ الشَّر.
سَتَمُرُّونَ حَيْثُ مَرَرْنَا، اقرأ فيكم كما لو كنْتُمْ كِتَابا يشاء
أَسْمَعُ فيكم وجيب هذا القَلْب، كَقَلْبٍ فِيَّ كَانَ يوما بكم يهذي
سَتُبْلُونَهُ، أَدْرِي كَيْفَ، وَكَيْفَ فِيكُمْ هذا الشَّيْءُ يصمت ويَذْوِي
كَيْفَ الْخَرِيفُ يَتَلاشَى، وكيف يلف َالصَّمْتُ وَرْدَةِ الشِّتَاءِ.
من المدهش حقًا أن نرى كيف يوظف الشاعر شيخوخته بالذات، في الوقت الذي فيه يتخلى عما يجب التخلي عنه، من دون أن يتنكر لأي شيء. إنه يدرك أن هذه الحكمة – الصبر هو فضيلة الثائر الأساسية– لا يجب أن تُفهم على أنها رسالة إحباط، بل على العكس، فهي تفتح الباب أمام امتداد واعٍ لمجال العمل وزمانه:
لَسْتُ أَقُولُ هَذَا لِتَثْبِيطِ الْهِمَمِ، بَلْ لِنَنْظُرَ إِلَى الفناء
مُوَاجَهَة لِكَيْ نَعْرف كَيْفَ نَنْتَصِرُ، فَالنَّشِيدُ لا يفقد جَمَاله حِينَ يَخمد
يَجِبُ أَنْ نَعْرِفَ كيف نَسْمَعَهُ فِي مَكَانٍ آخَرَ يُبْعَثُ، كَالصَّدَى بين التِّلَالِ
لَسْنَا وَحْدَنَا فِي الْعَالَمِ نُغَنِّي، فالْمَأْسَاةُ هِيَ كل الْأَغَانِي.
إن القول: “لسنا وحدنا في العالم" يؤكد أن الصبر السياسي لا يتحول إلى انهزامية مارقة. وهذا ما يقودني إلى مصير موضوع الحب: في هذه الحكمة الأممية، التي تهدف إلى الحفاظ ذاتيًا على المستقبل، ماذا يبقى من قوة الحب؟ لا شك في أنه من الصواب في السياسة، ومن السمو الشعري، القول:" المأساة هِيَ كل الْأَغَانِي". أما العشاق، أليسوا هم أيضًا "وحيدون في العالم"؟ فإذا كان الزمن التاريخي يُقاس ببطء المواعظ، فماذا يبقى لإلزا، موضوعة الحب والسبب؟
في مجموعة "الشعراء"، نجد قسمًا كاملًا بعنوان "إلزا تدخل القصيدة" لكن هذا "الدخول" هو في جوهره مُنعطفٌ شعريٌّ بالغُ الدقة، لأن الشعر هنا يخوض – بوضوح مع إلزا، لكن في الخفاء ضدها أيضًا – نوعًا من المعركة اللغوية.
وإذا جاز التعبير بقفل بكلمة “إلزا"، تلك الدالّة السيدة التي تتحكم برغبة أراغون. في المقطع الافتتاحي، فإننا سنجد قصيدةً تُحيي دخول إلزا-الشمس التي يتوسد أمامها أراغون-الأسد، مُقدمًا نفسه كقربانٍ شعريٍّ لمُلهِمته. هنا نجد الذروة المُجسَّدة شعراً عبر سلسلة من أبيات على وزن البحر الإلكسندري المقفّاة، التي تُصوّر ما يعنيه قدوم المرأة من دلالة بوصفها حدثاً رومانسياً:
تعالي واجلسي أيتها الشمس وعند قدميك مستلق
ليث الغضب كان ينطلق من فمي
قد أسمع فقط هذا القلب المروض بداخلي
اجلسي إنه المساء وابتسمي إنه الصيف
يا موسيقى حياتي، يا عطري، يا امرأتي
خذيني إلى أعماق روحي
أدخلي قصيدتي، يا شغفي الوحيد
ولتكُنْ انَفَاسُكِ هي الأوَحد فيها
وهكذا تُختزل القصيدة في أنفاس الحبيبة، وتصبح هذه الحبيبة هي مقياس الشاعر نفسه ومالكها، في الماضي والحاضر على السواء:
كُلُّ مَا أَمْلِكُ، هُوَ لَكِ، وَأَنَا كُلِّي مِلْكُ يَدَيْكِ
ذَاكِرَتِي لَكِ وَحْدَكِ، أَنْتِ فِيهَا تتنزهين
أَنْتِ وَحْدَكِ من سيسلك دُرُوبِي الْمَطْمُوسَةَ
أَحْلَامِي وَغِزْلَانِي تَنْظُرُ إِلَيْكِ وَأَنْتِ تمرين.
وفي نهاية الفصل " تدخل إلزا القصيدة"، يُستخلص درس من هذا الاندماج، من هذا تداخل إلزا في الذات-أراغون، بتأكيد قاطع، يتجسد في مقطع نموذجي من "الأسلوب الأخير" لأراغون: خمسة أبيات من سبعة تفاعيل ("ولهذا يفضل الأحادي"، كما يقول فيرلين)، منظمة بالقافية بنمط أ-ب-أ-ب-أ، وكأنها بالفعل مقدمة للتلحين، للتعبير الخارجي عن الأغنية التي تحتويها:
الحب لمن به ثملُ
اينبغي لمن به يشعر بالخجلِ
كنت سأعيش وبي أملُ
وحياتي في الختام بالمجملِ
باسم الزا تتجملُ
في هذه الأبيات الخمسة، يغني أراغون وحيدًا من دون موسيقى، لنسمع بالفعل كل أولئك الذين تحدثت عنهم، وعلى رأسهم جان فيرا، الذين أنشدوا ديوان "الشعراء"، وحولوا أراغون إلى أول كاتب كلمات في الأغنية الفرنسية. وبذلك، حقق بطريقته الخاصة، من دون التخلي عن الدقة القصوى في البنى والأفكار والأشكال، شعار توجيه الفن نحو الجمهور.
وتأتي هذه الابيات مباشرة قبل الخاتمة التي تتناول الحياة السياسية وآمال التاريخ. فهل يُمكن القول إن حياة أراغون "تتلخص باسم إلزا".. وهل يجب أن نستنتج أن موضوع الحب قد انتصر في النهاية، في لاوعي أراغون الشعري، على موضوع – السبب السياسي؟ هذا يعني عدم رؤية أن كامل البنية العروضية في فصل "الزا تدخل القصيدة"، والذي يتمحور تحديدًا، ليس حول إلزا، حارسة مداخل ومخارج النص، بل حول العمل الشعري نفسه. إذ نشهد ولادة صعبة لأبيات رباعية، في عمل شاق ووحيد – - بينما توشك إلزا على الاستغراق في النوم – الذي تفرضه عجينة اللغة المكثفة. وتكتسب هذه الولادة دلالة أكبر لأن الرباعية، كانت نتيجة تركيز ذاتي وإبداعي شاق، مكرسة في الواقع للشعر، ولقوة الكلمات، وللكلمات، وحدها.
ان نثرية الكتابة وشعرية النتيجة في هذا النص تقف عند النقطة التي يكتفي فيها الشاعر بالمقطعين الأولين من البيتين الأولين_ من بحر الاسكندري- اللذين يؤكدان ان الشاعر، هو بالفعل سيد الواقع بفضل الكلمات:
لقد شطبتُ بالكلمات على الواقعِ
العالمُ لوحٌ أردوازيٌّ والكلماتُ فيه أرقامُ
يتابع أراغون في مناورته المبدعة المستمرة، حيث تختفي فيها الفواصل والنقاط:
العالمُ لَوْحٌ أَرْدَوَازِيٌّ وَالْكَلِمَاتُ فِيهِ أَرْقَامُ
أمْحُو وأُعِيدُ الْكِتَابَةَ"
كلا، اللوح الأردوازي يبقى عليه دائمًا قليلًا من الشيء الممحو. والأمر نفسه ينطبق على الأبيات، هناك شيء من الكلمات الممحوة يبقى في خلفية تلك التي أحتفظ بها أخيرًا، أختارها. أشطب، أمحو، أعيد الكتابة. أعيد الكتابة."
مهما حاولت محوها تترك ظلها
فاستوقفتني هذه. لأنني لم أكن أتوقع أن تأتي القافية لتستقر في هذا البيت. لم أفكر في القافية، بل في هذا الظل الذي تسلل مع المعنى وليس الصوت أنا الذي كنت أظن إن ذلك يلقي في نفسي شكًا ظلًا على آلية ما أفكر فيه فأصحح.
مهما حاولتُ مَحْوَهَا تَتْرُكُ ظِلَّهَا
أَبْيَضَ كَالنَّدَمِ
كلاَ
أَبْيَضَ كالحَصَاة
لا يوجد شبحٌ أبيض. كلا بما أن هناك ظِلَّهُا، وفجأةً يتشكلُ البيتُ على وقع البيت الأول، على القافية البسيطة التي هربت يفتح الخفاش منقاره ويعمل الرادار [الكاشف]
شاحبٌ كموتٍ قبلَ أنْ يكونَ
تبدو لي الرباعية كشيء بديهي فأعيد قراءتها بارتياح.
شطبتُ بالكلماتِ على الواقعِ
العالمُ لوحٌ أردوازيٌّ والكلماتُ فيه أرقامُ
مهما حاولتُ محوَها تتركُ ظِلَّها
شاحبًا كموتٍ قبلَ الأوان.
يتبع أراغون هذه "الاكتفاء" بحكاية مفادها أن إلزا كتبت على قصاصة ورق "ونظرتُ في المرآة فرأيتُ الموت شاحبًا". فيعلق: "إلزا يا حبيبتي، هناك ما يدعو للمرح". هذا الإقحام المحسوب لإلزا؛ لا يمكن أن يمحو استقلالية "الاكتفاء" الشعري، عندما نعلم أنه بعد وصول إلزا في الصباح، يبدأ العمل على الرباعية على وجه التحديد كصراع ضد النوم الذي تستسلم له إلزا. ذلك النوم البغيض، الذي يسميه الشاعر "النوم الذي يسرقك مني".
ويضيف: "سأخبرك كيف تتشكل القصيدة، آملًا ربما في منافسة الليل". نحن بعيدون كل البعد عن مرح العشاق المتواطئين، في التأمل الذي يلي ذلك مباشرة والذي في الواقع لا يحمل أي طابع ليلي، بل هو مثال نادر لأراغون التصوري، المُتَكَثِّف، والجدي إلى أقصى حد.
************************************
الصورة والعلاقة مع الأجناس
جاسم عاصي
لعل العلاقة بين الصورة والذاكرة، تتأكد في كونها سجـّل يـُمنح لتاريخ الأشياء والظواهر ــ المنسية ــ حيويتها بعد أن عزلها العقل الفردي بسبب زحمة الحياة، وتراكم أحداثها، لكن العقل الجمعي وذاكرة أمكنة المدينة احتفظت بتفاصيلها. من هنا يكون دور الفن الفوتغرافي أو سواه من الأجناس فاعلا ً من خلال الاستعادة الممكنة لمثل هذه المفردات التي تعتمد أكثر ما تعتمد على الصفاء والشفافية الشعرية التي تتحلى فيها الذاكرة، بوصفها الوعاء أو السجـّل الذي من خلال صفحاته تتجسد الصورة، مستحضرة كل التفاصيل من خلال مجموعة المشاهد. وهنا لابد من القول أن هذه الاستعادة التي تبدو ساكنة من منطلق سكونية الصورة الظاهرة، تتوجب صيرورتها أن يتم البحث من خلال ما تضمره من تفاصيل في طبقاتها السفلى، لعل أهم ما يبرز على سطحها الزمان والمكان، ذلك لأنهما يشكـّلان الحواضن التي تحتوي كل الفعاليات والنشاطات وأشكال الظواهر والحالات الإنسانية على كامل فتوتها.
من نظرة لـ ( ميرلو ــ بونتي ) لفن التصوير التي خص بها الرؤية والجسد ، كمحورين أساسيين في أنتاج الصورة ؛ يمكننا الدخول إلى عالم الفوتو ،الذي امتزجت فيه المعرفة مع الحرفة ، فأنتجت رؤى صافية للواقع وفق مجرياته المتقدمة . وقبل الخوض في تجربة إنتاج الصورة، لابد من كشف الرؤى المتعددة لإنتاجها التي هي بمثابة الفن الموازي والمتعاشق مع فن التشكيل والفنون الأخرى كالسينما والمسرح والشعر والسرد. فالتدقيق بقول (فاليري) الذي أكد على الجسد وخاصة اليد، ونعني بها يد الفنان، ثم عينه الرائية، سوف يوصلنا إلى الإشارة الممكنة لتكثيف رؤية الإنسان لفن الصورة. فالمصوّر وهو يلتقط المشهد، إنما يتعامل مع شيء مادي محسوس، يمكن رؤيته بالعين، وليس روحاً هلامية. فثمة حركة أنتجت رؤية، وبهذا يكون الامتزاج بين هذين المتشكلين يعني الاستعانة بالجسد وملحقاته كالعين واليد. وهذه الاستعانة تعني أن الفنان إنما يهب جسده وهو يمارس فن التقاط صورة الواقع. فما يصل إليه المصوّر؛ أنه يقوم بتكييف حسه، بحيث ينتج الأشياء. ومن شأن هذا التفتح أن يتم التواصل من خلاله بين ما هو أمامه وما هو وراءه. إذ يتم فعله بموجب اليد والعين، حيث يكون ثمة تضافر مستمر قائم بين الرؤية والحركة. فأنا أرى ما أتحرك نحوه، وأتحرك نحو ما أراه.. (1) فالإدراك للعالم يبدأ بالرؤية ، فهي تسير من السطح إلى العمق من العالم . فالفنان يبدأ من المحسوس إلى المخفي . والسؤال المهم في هذا : هل أن الفنان وهو ينوي ذلك ، يحاول عكس الواقع كما يراه ماثلاً أمامه ..؟ هنا تكون الإجابة : ليس كما هو متصور هكذا ، فإذا كان كذلك فأنه يؤدي فعلاً ناقلاً على العكس مما تعكسه المرآة لصورة الشخص . إنه يتعامل وفق منظور ما يرى خلف صورة الواقع ، فالمرآة تعكس الصورة وتغيّر الأبعاد والرؤى بما يُثير حواراً بين الذات المُصَورة والآخر الذي هو ضمن كادر المرآة . هذا الحوار يُسفر بطبيعة الحال عن ظاهرة كاشفة لخصوصيات الذات ، والذات التي أصبحت آخر بالنسبة إلى الرائي الذي هو الذات الأولى المُصَورة . من هذا نقف على ثلاث ذوات متحاورة . هكذا يعمل الفنان وهو يرصد صورة الواقع ، يرى ما لا يراه الآخر الذي يتحول أمام اللقطة إلى ذات تحاور جديدٍ مشتبك مع الدلالة ، ابتداء من سؤال : لماذا اختيرت هذه اللقطة دون سواها ..؟ بمعنى لابد من وجود سر ما يتوجب كشفه . هذه الحوارية ما بعد الإنتاج هي التي تُشير إلى عمل الفنان الإبداعي وهو يمسك الكاميرا مراقباً صورة الواقع . فهو يمارس فعل إنشاء حراك شعري لاقتناص المشهد الحافل بسردية عالية تضاف إلى اللقطة من هذا المشهد أو ذاك . فالذي يهم الفنان هو التقاط الواقع في اشد حراكه ونشاطه ، اضطرابه وهدوئه من أجل الوقوف على صورته ضمن جدلية صراع الوجود وعدمه . فالصورة ضمن هذا التصور تُساهم في صياغة الموقف . أي أنها وسيلة إبداعية تتعامل مع الجسد من باب كونه ذات عليا لها خصائصها وفعالياتها ، والآخر كونه ذات أخرى . هذه الرؤية تـُبلور النظرة إلى أن الصورة عاكسة وممارسة لفعل الإبداع من خلال الجسد بكل مرفقاته ، بينما الشعر يتعامل مع الروح . ولعل اقتراب الأجناس من بعضها ، يُعطي الدور للصورة على أن تنهل من رؤية الشعر من خلال اختيار زاوية اللقطة . فالفنان الفوتغرافي لم يعد ذلك المصوّرالذي يلتقط المشهد بشكل عشوائي ، وإنما غدا الفنان يستجيب للجوّاني من إحساسه . وبهذا فهو يستجيب للذات الشعرية التي تسكنه . فالصورة كما قال ( ميريولوبونتي ) يسكنها الفنان وتسكنه . وهذه إشارة إلى أن ثمة تعشيق بين الذات والمشهد الذي ينتج بوسيلة عدسة الكاميرا صورة تحاكي الواقع ، وتفترق عنه في الرؤية . والفنان بطبيعة الحال لا يتعامل مع الكاميرا على أنها وسيلة للتقنية ، بقدر ما يؤسس نمطاً من العلاقة التي تعتبر أن الآلة هذه واعية ومساعدة في جمع الرؤى بين عين الفنان وعين الكاميرا ــ العدسة ــ . إن فن التصوير هو الفلسفة الحقة التي تتناول العالم بهذا الأسلوب . فالمصوّر وحده هو الذي يُدرك العالم ويجعلنا نُدرك العالم معه . (2) وهذا الإدراك متأتي من الحرية التي تتحلى بها الفنون من باب التكيّف للظواهر . فوظيفة الأدب مثلاً تكون في كونه يطرح وجهة النظر معتمداً على المحاكاة ومن هذا تزدهر في النص الحياة وتتكشف أسرارها الخفية . فالأدب وظيفياً يُساهم في كشف الحياة ومن ثم اقتراح صورة لترميم ما هُدم منها ، والعمل على تصعيد وتيرة بناء المعمار العام لها . بينما نجد الصورة تعتمد المنظور ، في كونها تتعامل بواسطة شيء للنظر إلى العالم وهو العدسة ، من هذا تتوقف الرؤية وتصعيدها على درجة حساسية العدسة التي تتجاوب مع حساسية عين المصوّر . فهي ــ أي الصورة ــ ناقلة لمشهد الحياة ، ولكن برؤية فاحصة وشعرية كما ذكرنا . فالأدب كان قد استعار عين الكاميرا لرصد الظواهر والأشياء ، وهذا ما تجسّد في القصة الشيئية على سبيل المثال . فالوصف التمثيلي للأشياء كان المراد منه الإشارة بالصورة البصرية من خلال السرد البصري المكثف . (3) أو كما قال ( ستندال ) .. من أن الرواية تُمسك بمرآة أمام الطبيعة .. وهذا يدل على استعارة الأدب لحيثيات فن الكاميرا ، لا سيّما استخدام المرايا كدالة ومنظور يوصل إلى تبويب الرؤية والسير بها باتجاه بلورة ما هو مضمر في المشهد . على اعتبار الصورة تُعيد بناء الحياة شأنها شأن الفنون والآداب الأخرى ، خصوصاً ما أنهدم من جدار يفصل بين هذه الأجناس ، عبر الاستعارة من بعضها . فما زال الخيال هو الفيصل الذي يربط العين بالمشهد ، والذي يُحيل كل شيء إلى العقل ، إذاً فالصورة هي الأخرى كبقية الفنون تستعير الخيال ، بل تنصهر معه لبلورة الصورة الأمثل تعبيراً عن الواقع ، أو كما ذكرنا أنها ــ أي الصورة ــ لم تعد ناقلة للمشهد بل أنها تتضمن عمليات بناء وتركيب.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش:
1 ـ العين والعقل / موريس ميرلوبونتي ـ ترجمة د. حبيب الشاروني ـ
منشأة بالإسكندرية .ص9
2 ـ نفسه ص25 المعارف
3 ـ عصر الصورة .. السلبيات والإيجابيات / د. شاكر عبد الحميد / عالم المعرفة العدد 311في 2005
***********************************
الصفحة الثانية عشر
قدم محاضرة عن {الحاكمية الشيعية} د. محمد نعناع في ضيافة {بيتنا الثقافي}
بغداد – طريق الشعب
ضيّف منتدى "بيتنا الثقافي" في بغداد صباح السبت الماضي، الأكاديمي د. محمد نعناع، الذي قدم محاضرة فكرية بعنوان "الحاكمية الشيعية.. وهم عابر أم فكرة حقيقية؟"، بحضور نخبة من الأكاديميين والمثقفين والمهتمين بالشأنين الفكري والسياسي.
المحاضرة التي احتضنتها قاعة المنتدى في ساحة الأندلس، أدارها السيد امير عبد عباس، الذي قدم نبذة عن المحاضر ومسيرتيه الأكاديمية والفكرية، مؤكدًا أهمية موضوع المحاضرة في ظل التحولات السياسية والفكرية التي تشهدها المنطقة.
في معرض محاضرته، تناول د. نعناع مفهوم الحاكمية في الفكر الشيعي من زاوية سياسية تحليلية، ملمحا إلى المقاربة الفقهية التقليدية، ومركّزًا على كيفية انتقال المفهوم من سياقه الديني إلى توظيفه السياسي.
وقال أن الفهم الديني للحاكمية من الصعب الاتفاق عليه، لذلك يناقش في محاضرته هذا المفهوم سياسيا، خصوصا في ما يتعلق بالطروحات التي قدمت خلال الفترة الأخيرة في العراق.
وبيّن أن الحاكمية، في كثير من التجارب التاريخية والمعاصرة، جرى استخدامها كأداة لبناء السلطة السياسية، لا بوصفها منظومة أخلاقية أو دينية خالصة، مشيرا إلى أن التفريق بين الولاية السياسية والحاكمية الدينية المطلقة كان حاضرًا منذ المراحل الأولى في الفكر الإسلامي.
واستشهد المحاضر بمواقف للإمام علي بن أبي طالب، الذي شدد على مسؤولية الحكم بوصفه "عقدًا أخلاقيًا وسياسيًا، لا تفويضًا إلهيًا مغلقًا". كما تطرق إلى العلاقة المعقدة بين الإسلام السياسي والنظام الرأسمالي العالمي، ودور المصالح الدولية في توظيف الخطاب الديني ضمن صراعات أيديولوجية أوسع.
ونوّه إلى أن الحاكمية الشيعية طُرحت قبل الانتخابات الأخيرة بوصفها سلطة قوى بعينها، تُمثل كل الشيعة "وهذه محاولة لاختزال المشهد التاريخي"، متسائلا: إذا كانت الحاكمية مرتبطة بالمراجع الدينية، فلماذا يوضع دستور مدني ديمقراطي من الأساس؟!
وتابع قائلا أن "تمثيل الحاكمية بالمراجع مقابل وضع دستور ديمقراطي، يُعد مخالفة واضحة، لأن هذا الأمر يفرض رؤية عقائدية أحادية الجانب، في حين ان العراق بلد متعدد".
وشهدت المحاضرة نقاشًا مفتوحًا اتسم بالحيوية، طرح خلاله الحاضرون مداخلات وأسئلة عكست اهتمامًا واضحًا بالقضايا الفكرية المرتبطة بالدولة والسلطة والمشروعية.
وفي الختام، قدم عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي الرفيق د. عزت أبو التمن، شهادة تقدير باسم "بيتنا الثقافي" إلى د. محمد نعناع، تثمينًا لجهوده الفكرية ولمشاركته في إثراء الحوار الثقافي الذي يحرص المنتدى على ترسيخه.
**********************************
بمشاركة عراقية الملتقى العربي لفنون الدمى في القاهرة
متابعة – طريق الشعب
شهدت القاهرة نهاية الأسبوع الماضي، فعاليات الملتقى العربي لفنون الدمى والعرائس والفنون المجاورة بدورته الخامسة، بمشاركة عراقية وعربية واسعة.
وحسب وكالات أنباء فإن الفعاليات التي تقيمها الهيئة العربية للمسرح بالتعاون مع وزارة الثقافة المصرية، انطلقت في قاعة المجلس الأعلى للثقافة بدار الأوبرا المصرية.
ونقلت وكالات الأنباء عن المسرحي العراقي حسين علي هارف، المشارك في الملتقى، ان "حفل الافتتاح شهد حضوراً مسرحياً وفنياً عراقياً وعربياً مميزاً"، مشيراً إلى أن "الكلمات الافتتاحية ركزت على أهمية فنون الدمى والعرائس ودورها الثقافي والتربوي في إثراء المشهد المسرحي العربي".
وذكر أن "اليوم الأول للملتقى حفل بسلسلة من الفعاليات المتنوعة، تضمنت ندوة بعنوان (سر الصنعة) ناقشت الجوانب الفنية والتقنية لفنون الدمى، فضلاً عن افتتاح معرض لفنون العرائس. بينما اختتمت الفعاليات بحفل لتكريم الرواد والمبدعين".
***************************************
نحتفي بالذكرى العاشرة لرحيله الصحفي الشيوعي الكبير
فائق بطي
عميد الصحافة العراقية، مؤرخ الصحافة العراقية، ايقونة الصحافة العراقية..
بعضٌ من عديد التسميات والتوصيفات، التي كرّمه بها زملاؤه وتلامذته من الصحفيين العراقيين، حتى قبل رحيله منذ 10 سنوات (25 كانون الثاني 2016)، وهو ابن 80 سنة.
فائق بطي.. رحل بعد مسيرة متوهجة وسخية في عطائها، صحفيا ونضاليا وثقافيا، وودعه رفاقه وزملاؤه ومحبوه الكثار جدا، معتزين فخورين.
في ذكرى رحيله العاشرة، نتذكره نحن رفاق دربه وعمله في "طريق الشعب" وعموم صحافة الحزب، ونحتفي بانجازه ونتعلم من موروثه.
***********************************
ليس مجرد كلام..عندما يغيب الضمير..!
عبد السادة البصري
تساؤل غريب يطرح نفسه عندي: أهكذا حقاً يغيب الضمير تماما، وتكبر رغبة السرقة في نفوس مَنْ تسيّدوا على رقاب العباد والبلاد، حتى وإن كان على حساب الحياة الإنسانية، بلا أدنى وازع من خوف؟!
يمكن أن يقول لي احدهم: ماذا تقول .. ألم تر الموت والخراب والدمار في كل مكان؟
سأجيبه بنعم كبيرة جداً واستدرك معها: لكن الفساد اكبر من ذلك يا صاحبي، واقصد فساد النفوس وموت الضمير وتردّي الأخلاق، لاجل المصالح الشخصية والفئوية، وإلاّ ماذا يعني إصدار قرارات تعسفية لإيذاء المواطن ومحاربته بمعيشته، دون أدنى بارقة أمل في انفراج الغمّة، التي جثمت على نفوس الناس بشتّى فئاتهم؟!
سقت هذا الكلام وأنا أتذكّر ما دار من حديث بيني وبين سائق التكسي الذي أوصلني إلى العشّار يوم أمس، حول الأزمة الاقتصادية المفتعلة وقرارات الاستقطاع من رواتب الموظفين والفقراء وأصحاب الشهادات الجامعية، حيث قال: أنا موظف وعندي عائلة كبيرة وساكن بالإيجار ومعي والدتي المريضة، وراتبي لا يوصلني لمنتصف الشهر، وهذا ما يجبرني على العمل سائق تكسي وكذلك في توصيل الطلبات. وإذا انقطع دينار واحد من راتبي فسيؤثّر عليَّ بشكل كبير.
هؤلاء المسؤولون الذين يصدرون قرارات كهذه، انما يحاربون الشعب ولا يفكرون بالناس أبداً. فهم بلا ذمّة ولا ضمير، وإلاّ كيف نفسّر ما يجري؟!
انتهى حديث السائق وبقي تساؤلي الذي لم يتركني أنام القيلولة يوم أمس: هل حقاً جاء هؤلاء لخدمة البلاد والعباد؟ أم جاءوا ليكونوا نقمة عليهم وثقلاً يُحني ظهورهم؟!
كل يوم قرار مجحف يضيف الى أعباء الناس أعباءً أخرى وهكذا!
لم يحاسبوا الفاسدين واللصوص الذين نهبوا الخزينة وسرقوا ترليونات الدولارات، ليجعلوا الناس في مهبّ الريح تتلاقفهم الأهواء والمحن. بل أصدروا عفواً عاماً عنهم، ولم يفكّروا يوماً بضميرٍ حي في كيف يخدمون الناس حقاً، ويرفعون اقتصاد البلد الى مستوى عالٍ عند تحديد رواتب ومخصصات الرئاسات الثلاث والنوّاب والوزراء، ومن دار في فلكهم، وعند التقاعد إلى الحد الأدنى والمعقول بدلاً من مئات الملايين التي يستلمونها سحتاً وبغير حق!
يا سادة يا مسؤولين، عليكم أن تعرفوا جيداً أن الظلم لا يدوم، وحتما سينفجر البركان ذات يوم من كثرة الضغط على نفوس الناس، وبسبب تبديد ثروات البلاد ورفع نسبة مدخراتكم في البنوك والمصارف العالمية، من خلال نهب الفقير والموظف والجامعي، الذين لولاهم لما كنتم جالسين الآن على الكراسي.
عودوا إلى رشدكم وحاسبوا أنفسكم قبل فوات الأوان، فالمواطن هو رأس مال الوطن، وهو الذي يقرر في النهاية بقاءكم من عدمه، وأعدلوا عن هذه القرارات وفكّروا في كيف تفيدون الناس والوطن!
لا تنسوا الناس الفقراء، فهم الغالبية العظمى وهم العماد الراسخ للوطن وللحياة في الوطن!
*************************************
الأعسم مُرشحه للإعلام فارس المسرح عزيز جبر يطلق مشروع {القدوة}
بغداد- طريق الشعب
يعمل رجل المسرح والباحث الدكتور عزيز جبر على مشروع "القدوة" في ورشة للتفكير والتأمل والمراكمة. إذ وضع هيكلية افتراضية لمجموعة شخصيات عراقية تركت بصمات حية في الذاكرة والمدونات والمعطيات على الارض.
وابلغ الدكتور جبر، الذي نال لقب فارس المسرح العراقي، "طريق الشعب" انه قطع شوطا في مشروعه الذي يرى انه ضروري "في زمن ارتبكت فيه المعايير، وباتت القدوة مشوشة في عيون الأجيال. إذ نحتاج إلى أن نُعيد تعريفها لا بوصفها صورة مثالية، بل كشخصية تمثل التوازن بين المبادئ والسلوك.. بين القول والفعل، بين الظهور العام والحياة الخاصة".
واضاف القول أنه "في الفن، القدوة هو الفنان الذي يرتقي بالذائقة لا الذي يساير الابتذال، اما في السياسة فهو ليس من يرفع الشعارات الرنانة، لا يخون، لا يتكبر، لا يساوم على الحق، وهناك مَن اشرتُ اليه بهذا الصدد".
وأفاد بصدد الصحافة والإعلام بأن القدوة في مشروعه هو الكاتب والاعلامي عبد المنعم الاعسم "الذي شكّل على مدى عقود صورة واضحة للصحفي القدوة، لم يكن مجرد كاتب، بل كان شاهدًا وموقفًا. تعرض للاعتقال والتعذيب في زمن النظام السابق، لا لأنه حمل سلاحًا، بل لأنه كتب ما يؤمن به، فدفع الثمن عن ذلك. ولما خرج من السجن كان أكثر التصاقًا بالناس، وأكثر احترامًا للكلمة".
*********************************
قف.. سوريا.. بهدوء
عبد المنعم الأعسم
ما حدث، ويحدث في سوريا، لا مثيل له في ما حدث لمصائر دول المنطقة، على مدى صيرورات التاريخ المعاصر، ولا يمكن (في رأيي) أخضاعه لمنظورات الموقف المسبق من التنظيم المتطرف الذي انحدرت منه جماعة الجولاني (هيئة تحرير الشام) وغيرت مسار وهياكل ومكانة دولة الحزب الواحد، المدعوم، على الارض، من دولتين لهما بأسهما (ايران وروسيا) ويلزم ان يتوقف المحلل (بهدوء) عند مسار الجولاني من الاتجاه القومي الناصري، الى تنظيم القاعدة، الى سجن بوكا، الى تنظيم داعش، الى النصرة، حتى الهيئة في الاخير، حيث لا يمكن تصنيف الحكم (حتى الان) كحكم اسلامي اصولي، ولا كليبرالي يميني، أو كصنيعة لدولة محتلة، او حتى كحكم وطني أو قومي تقليدي، وفي عمق الصورة ثمة اشارات غير مستقرة عن تحالفات غير مدونة بين سوريا الجديدة ودول كثيرة متضاربة المصالح، ومتخاصمة، وفي التفاصيل، ثمة دول كثيرة، في المنطقة والعالم، لا تزال مترددة في التعامل المفتوح والمريح مع دولة احمد الشرع، أما الذين يجيّشون ضد سوريا الشرع (بالسلاح والكلام) فهم ينطلقون من منصات متضاربة، في المصالح والايديولوجيا، مثل حال المتحمسين لها الذين يمتدّون من الاقاصي الى الاقاصي.
في حال استرشدنا (للتحليل) الى مواقف السوريين انفسهم، وجماعاتهم المختلفة (انتباه رجاء) فاننا سنضيع، ويضيع معنا رأس الشليلة.
*قالوا:
"الاستعجال هو المعدل الزمني لتغير السرعة المتجهة لجسم ما، زيادةً أو نقصانا".ً
فيزياء
***********************************
• يُضيّف "ملتقى جيكور" الثقافي في البصرة و"دار الأدب البصري"، هذا اليوم الثلاثاء، الفنان الكبير طارق شعبان، في جلسة احتفاء بتجربته الإبداعية الموسيقية.
الجلسة التي ستشارك فيها نخبة من الفنانين، تبدأ في الساعة الرابعة والنصف عصرا على "قاعة الشهيد هندال" في مقر اللجنة المحلية للحزب الشيوعي العراقي في البصرة.
• يعقد الملتقى الإذاعي والتلفزيوني في الاتحاد العام للأدباء والكتاب هذا اليوم الثلاثاء، جلسة حوارية حول "معايير اختيار الممثلين للأدوار المناسبة لهم"، يتحدث فيها عدد من الفنانين الاختصاصيين.
تبدأ الجلسة التي سيديرها د. صالح الصحن، في الساعة 5 مساء على قاعة الجواهري في مقر الاتحاد بساحة الأندلس في بغداد.
• يحتفي الاتحاد العام للأدباء والكتاب غدا الأربعاء، بالأدباء الفائزين الأوائل بجائزة الإبداع العراقي 2025، في جلسة تتضمن حوارا معهم وحديثا عن تجاربهم الإبداعية.
المحتفى بهم هم كل من فاضل ثامر (شخصية العام الثقافية)، ريسان الخزعلي (حقل الشعر)، حسن كريم عاتي (حقل الرواية)، خضير فليح الزيدي (حقل القصة)، د. كريم شغيدل (حقل النقد)، سهيل نجم (حقل الترجمة)، د. هناء خليف (حقل الترجمة)، باسم فرات (حقل أدب الرحلات) ود. إسماعيل الحسيني (حقل أدب الأطفال).
تبدأ الجلسة في الساعة 5 مساء على قاعة الجواهري في مقر الاتحاد. ويديرها الشاعر منذر عبد الحر.