الصفحة الأولى
60 عقدة مرورية والعاصمة تبحث عن مخرج.. الجسور تتكاثر والاختناقات تتمدد بانتظار إعادة رسم الخريطة السكانية في بغداد
بغداد – تبارك عبد المجيد
تتكشف في العاصمة بغداد ملامح مفارقة واضحة بين الخطط الحكومية المعلنة لمعالجة الاختناقات السكانية والمرورية، وبين واقع يومي ما زال يرزح تحت زحام خانق وضغط خدمي متزايد، رغم عشرات المشاريع المنفذة والمعلنة. فبينما تتحدث الجهات الرسمية عن إعادة رسم الخريطة التنموية ونقل بعض مؤسسات الدولة والمشاريع الاستثمارية خارج مراكز المدن الكبرى، لا سيما العاصمة، تؤكد حركة الشارع أن الحلول الجزئية والمعالجات الهندسية لم تنجح في تفكيك جوهر الأزمة.
بدائل عمرانية واقتصادية أكثر توازناً
وفي إطار توجهات حكومية جديدة لمعالجة الاختناقات السكانية والضغط الخدمي، تتجه وزارة التخطيط نحو إعادة رسم الخريطة التنموية للمدن العراقية، عبر التركيز على تنمية المدن المتوسطة والصغيرة، ولا سيما مراكز الأقضية والنواحي المحيطة بالمدن الكبرى أو البعيدة عنها. هذا التوجه، بحسب مدير عام دائرة التنمية الإقليمية والمحلية في الوزارة محمد السيد، يهدف إلى تخفيف الزخم المتزايد عن المدن الرئيسة، وفي مقدمتها العاصمة بغداد، عبر خلق بدائل عمرانية واقتصادية أكثر توازناً.
وبين السيد في حديث مع "طريق الشعب"، أن نجاح هذا المسار مرهون بتوفير بنى تحتية متكاملة في المدن الصغيرة والمتوسطة، إلى جانب خلق فرص عمل حقيقية تضمن استقرار السكان، وتشجع على انتقال تدريجي من المدن الكبرى إلى تلك المناطق. كما تطرح الوزارة، ضمن حزمة الحلول، نقل مقرات بعض المؤسسات الحكومية إلى الأقضية والنواحي، بما يحولها إلى بيئات جاذبة للعمل والاستقرار.
ولا يقتصر التوجه على الجانب الإداري، بل يمتد ليشمل توزيع المشاريع الاستثمارية الكبرى، كإنشاء الجامعات الأهلية والمجمعات السكنية خارج مراكز المدن الرئيسة.
ويشير السيد إلى أن نقل مثل هذه المشاريع إلى أقضية محيطة ببغداد، كالمدائن والمحمودية والراشدية، من شأنه أن يخفف العبء السكاني والمروري عن العاصمة، ويسهم في الحد من الاختناقات التي تعانيها شوارعها وساحاتها.
كما يعول على إنشاء مجمعات سكنية في الأقضية والنواحي خارج المدن الكبرى، لتوفير وحدات سكنية بأسعار أكثر ملاءمة للمواطنين، بالتوازي مع تقليل الضغط السكاني والخدمي عن بغداد.
ويؤكد أن هذا التوجه يندرج ضمن إطار أوسع لتحقيق تنمية مكانية متوازنة، تبدأ من القرى، مروراً بالنواحي والأقضية، وصولاً إلى مراكز المحافظات، بما يضمن توزيعاً أكثر عدالة للسكان والخدمات وفرص العمل على مختلف المستويات.
الاعمار: مشاريعنا تحقق انسيابية مرورية
من جانبها، ترى وزارة الإعمار والإسكان أنها حققت تقدماً ملموساً في فك الاختناقات المرورية، ولا سيما في التقاطعات التي أُنجزت فيها المشاريع ودخلت حيز الخدمة فعلياً.
وقال المتحدث باسم الوزارة نبيل الصفار لـ"طريق الشعب"، إن مشاريع فك الاختناقات المرورية أسهمت بشكل واضح في تحسين انسيابية السير، وهو ما لمسه المواطنون على أرض الواقع، مشيراً إلى أن العمل ما يزال مستمراً في عدد من المشاريع الأخرى ضمن الحزمة الأولى، إلى جانب الشروع بتنفيذ بعض مشاريع الحزمة الثانية، سواء تلك التي تنفذها وزارة الإعمار والإسكان والبلديات العامة أو أمانة بغداد.
وأوضح الصفار أن إنجاز هذه المشاريع سيحقق انسيابية أكبر لحركة المرور داخل شوارع بغداد، لاسيما مشاريع إنشاء الجسور الرابطة بين جانبي الكرخ والرصافة، والتي يبلغ عددها ستة جسور، هي: جسر الجادرية الثاني، جسر غزة في الزعفرانية، جسر الصرافية الثاني، الجسران الموازيان للجسر المعلّق، وجسر الكريعات في الكاظمية الذي أُعلن مؤخراً عن بدء العمل به.
وبيّن أن بغداد لم تشهد إنشاء جسور عابرة لنهر دجلة منذ أكثر من 30 عاماً، مؤكداً أن هذه الجسور ستوفر محاور ربط جديدة تسهم في تخفيف الضغط المروري بين جانبي العاصمة.
ستون عقدة مرورية
وبين أن عدد العقد المرورية المشخصة داخل بغداد يتجاوز 60 تقاطعاً، مؤكداً أن مشاريع إضافية ستنطلق تباعاً بعد استكمال المشاريع الحالية وتوفير التخصيصات المالية اللازمة.
في المقابل، يشكك مختصون في الطرق والجسور بجدوى المعالجات الحالية، معتبرين أن مشاريع فك الاختناقات المرورية لم تنجح في معالجة المشكلة من جذورها، بل أسهمت أحياناً في إعادة إنتاجها بأشكال جديدة.
أزمة تخطيط حضري
يقول المختص في هندسة الطرق والجسور، ليث علي، إن "ما يعيشه الشارع اليوم يثبت فشل غالبية مشاريع الاختناقات المرورية، بدليل أن زمن الرحلة داخل بغداد لم ينخفض بشكل ملموس، بل ازداد في بعض المحاور رغم إنجاز الجسور والتقاطعات".
ويضيف أن “الخطأ الجوهري في هذه المشاريع هو التعامل مع الأزمة بوصفها مشكلة هندسية فقط، في حين أنها أزمة تخطيط حضري وإدارة نقل متكاملة".
ويشير علي إلى أن "إنشاء الجسور والأنفاق دون تقليل أسباب الجذب المروري داخل مركز المدينة، كتركز المؤسسات الحكومية والجامعات والمشاريع الاستثمارية الكبرى، يجعل أي توسعة مرورية حلاً مؤقتاً لا أكثر”، موضحاً أن “المدن الكبرى، وفي مقدمتها بغداد، لم تعد تتحمل المزيد من المشاريع داخل نسيجها المكتظ".
ويؤكد أن غياب التخطيط المتكامل للنقل العام، وضعف الربط بين المشاريع المنفذة، وافتقارها لدراسات حركة مرورية محدثة، يمثلان أبرز مواطن الخلل، لافتاً إلى أن "بعض التقاطعات الجديدة نُفذت دون ربطها بشبكة نقل جماعي فعالة، ما جعلها تختنق بعد أشهر قليلة من افتتاحها".
وعن مسألة نقل المؤسسات الحكومية والمشاريع الاستثمارية إلى الأقضية والنواحي، يرى علي أن "هذا التوجه يُعد الحل الأكثر واقعية إذا ما نُفذ ضمن رؤية شاملة، وليس مجرد نقل شكلي"، مشدداً على أن "نقل الدوائر يجب أن يترافق مع إسكان مخطط، ونقل عام، وبنى تحتية مكتملة، وإلا فإننا سننقل المشكلة من بغداد إلى أقضية غير مهيأة".
ويختتم بالقول إن "حل أزمة الاختناقات لا يكمن في زيادة عدد الجسور فقط، بل في تقليل الحاجة إلى التنقل داخل المدن الكبرى، عبر تفكيك مركزيتها، وإعادة توزيع الوظائف والخدمات، وربط ذلك بسياسات إسكان ونقل وتنمية مكانية متوازنة، وإلا سيبقى المواطن عالقاً في الزحام مهما كثر عدد المشاريع".
**********************************
على طريق الشعب.. في يوم الشهيد الشيوعي.. المجد يليق بكم.. بمآثركم سننتصر!
اليوم، الرابع عشر من شباط، يوم الشهيد الشيوعي، فيه نستذكر من جديد، كما في كل عام، ذلك التاريخ المضيء، الممتد من نداءات القادة الشهداء حتى هتافات شباب تشرين.
وحين نحتفي بهذا الحدث الجليل، فإننا لا نتوقف عند حدود الاستذكار، بل نمضي إلى حيث يتعين تمثل دروس التضحية، والتحدي، واستلهام العبر، حتى نقدم إجاباتنا على أسئلة الواقع الحارقة، ونضيء آفاق المستقبل. وإذ نحتفي بهذا اليوم، نمجد، في الوقت نفسه، وبإجلال، تضحيات عوائل الشهداء، وقد أنجبت خيرة البنات والأبناء من المناضلات والمناضلين الشيوعيين، الذين تفخر بهم تلك العوائل، مثلما يفخر بهم حزبنا، وسائر وطنيي شعبنا.
ومن بين صفحات منيرة كثيرة نتذكر ذلك النداء المدوّي الذي أطلقه مؤسس حزبنا الرفيق الخالد يوسف سلمان يوسف (فهد): الشيوعية أقوى من الموت، وأعلى من أعواد المشانق. وهو النداء ذاته الذي جسّده سكرتير حزبنا الشهيد سلام عادل، وهو يتحدى الجلادين ببطولة لا نظير لها. وظل هذا نداء تلك القوافل من شهيدات وشهداء حزبنا، في العمل السري، والشوارع، وأقبية التعذيب، وزنازين السجون، وحركة الأنصار، والانتفاضات الشعبية، وسائر سوح الكفاح، لتبقى خفاقة راية المثال الساطع، الذي كشف أوهام الطغاة بإمكانية القضاء على حزب الكادحين، وأضاء حقيقة أن الشيوعية عميقة الجذور في بلاد الرافدين.
هل لمثل هذه البلاد المعمّدة بالآلام، والمشرقة بالآمال، أن تستكين، وقد سالت في شوارعها، وجبالها، وسهولها، وزنازين جلاديها وسجونهم، دماء ضحايا كثر، وصدحت فيها أصوات الملايين ممن كان الشهداء أمثولتهم !؟
دروس هذا اليوم تبقى عميقة الدلالة، فائقة الأهمية، حيث تعاني بلادنا من عواقب منظومة المحاصصة المقيتة، والخراب الشامل الذي أحدثته في سائر ميادين الحياة، والسخط المتعاظم في صفوف الملايين من الذين تطحنهم رحى المعاناة المريرة، وهو السخط الذي يضع أمام الشيوعيين، وسائر الديمقراطيين والوطنيين الحقيقيين، مهمات جسام، لابد من التصدي لها لإنقاذ البلاد من أزمتها العميقة، ووضعها على طريق الاستقلال الحقيقي، والديمقراطية، وتحقيق الدولة المدنية والعدالة الاجتماعية.
إن هذا يتطلب، من بين تطلعات كفاحية ملحة، السعي، عبر دراسة الأزمة الراهنة، المتمثلة بهيمنة أقلية أوليغارشية على الحكم، إلى تقديم قراءة موضوعية للواقع تشخص المرحلة وترسم توجهات الكفاح اللاحق، التي تعبر، جوهرياً، عن تبني مصالح الكادحين الوطنية والطبقية. وفي هذا السياق يتوجه حزبنا إلى بناء جبهة شعبية واسعة معارضة لمنظومة المحاصصة والمتماهية مع الفساد، وساعية إلى إنجاز التغيير المنشود.
الشهداء الذين حملوا المشاعل، ومضوا رافعين الرايات، وشقّوا الدروب كي تمضي أجيال الثوريين وهي تغذّ الخطى في مسيرها صوب ضفاف العدالة.. هم الذين كتبوا، بدمائهم رسائل الأمل، وفجّروا ينابيع المعرفة بأفكارهم المتعطشة إلى الحرية، وصدحت أصواتهم بأناشيد التحدي.. هم الذين يمنحوننا، الآن، وكما فعلوا، في كل حين، العزيمة والأمل..
بنورهم يمضي حزبنا واثقاً، مهاباً، خائضاً غمار المعارك الوطنية والطبقية، تحت راية الوطن الحر والشعب السعيد..
أيها الشهداء.. يا وارثي الينابيع ومفجّريها..
سلاماً وأنتم تتسابقون في تلبية نداء الحزب..
سلاماً لسواعدكم وهي تقرع أجرأس الإطاحة بالعالم القديم..
سلاماً ونحن نهتدي بمصابيحكم، وهي ترشدنا في الطريق ذاته الذي ظلّ شاهداً على خطواتكم المقدّسة..
من أية رايات تخفق في أياديكم صدحت أناشيد الكفاح..! من أية أشرعة قُدَّت ضمائركم الصافية كالبلور، وهي تتحدى الأمواج العاتية..!
ما من كلمات تضاهي أمثولتكم..
أيها الشهداء: المجد يليق بكم.. بمآثركم سننتصر!
*************************************
راصد الطريق.. گطرة المستحة!
منذ أيام، والماكينة الإعلامية التركية تشن حملة تصعيد ضد العراق، تُوِّجتها بتصريحات رسمية. فوزير دفاعها أعلن الإصرار على بقاء قواتها تحتل أراضينا، وأنها هي من سيقرر متى تنسحب. فيما دعا وزير خارجيتها العراقَ إلى الاتعاظ بما حدث في سوريا، عند التعامل مع الكُرد.
ولم يوضح سلاطين أنقرة كيفية الاستفادة من تجربتهم وحلفائهم في دمشق “الحضارية”، في التعامل مع الحريات والعدالة الاجتماعية واحترام حقوق الإنسان .. الخ، وما إذا لم تضمر تصريحاتهم تهديداً بتكرار الفتن التي مزّقوا بها شعوب المنطقة.
والأدهى أن الحكومة ومعها مجلس النواب ورئاسة الجمهورية وقوى السلطة، لم تجد في التصريحات التركية ما يستدعي الرد، الا بتحفظ من قبل وزارة الخارجية، متأخر عدة ايام.
وهنا السؤال إلى الحكومة عن مصير 26 اتفاقية ومذكرة تفاهم وقّعتها مع دولة، تعلن صراحةً بقاءها عسكرياً في أراضينا وتوجّه التهديدات السياسية علناً؟ فما جدوى هذه الاتفاقيات إن كانت لا تحمي السيادة ولا تردع التجاوز؟ وهل تُصان المصلحة الوطنية بالصمت بدل الرد الرسمي، وترك بيانات خارجية تحدد لنا ما يجب أن نتعلمه وكيف نتصرف؟
الا يؤشر الصمت الرضوخ والقبول، أم ان الامر لا يعني السلطات الاتحادية وفي الإقليم؟!
***********************************
الصفحة الثانية
العراق يتصدّر مستوردي المنتجات الزراعية والصناعات الغذائية الإيرانية
بغداد ـ طريق الشعب
كشف تقرير صادر عن المركز الوطني للدراسات الاستراتيجية للزراعة والمياه التابع لغرفة التجارة الإيرانية، أن العراق جاء في صدارة الدول المستوردة للمنتجات الزراعية والصناعات الغذائية الإيرانية خلال الأشهر التسعة الأولى من العام الإيراني الجاري، الذي ينتهي في آذار 2026.
وأوضح التقرير أن العراق استحوذ على 39% من إجمالي صادرات إيران من السلع الزراعية، إضافة إلى 50% من صادرات الصناعات الغذائية، ما يجعله الشريك التجاري الأهم لإيران في هذا القطاع خلال الفترة المذكورة.
وأشار التقرير إلى أن دولة الإمارات العربية المتحدة حلّت في المرتبة الثانية، بحصة بلغت 21% من إجمالي صادرات السلع الزراعية الإيرانية، تلتها روسيا بنسبة 10%، ثم باكستان بنسبة 5%، وأفغانستان بنسبة 4%.
كما لفت التقرير إلى أن صادرات المنتجات الزراعية والصناعات الغذائية الإيرانية توزعت أيضًا على عدد من الدول الأخرى، من بينها سلطنة عُمان وتركمانستان والهند وتركيا وقطر، بحصص تراوحت بين 2 و3% لكل منها.
****************************************
إغلاق طريق حيوي في ميسان – ذي قار بسبب شح المياه.. الاحتجاجات: تأخر صرف الرواتب واستقطاعات وعدم توفر فرص العمل
بغداد – طريق الشعب
شهدت عدة محافظات عراقية، احتجاجات مطلبية متنوعة، برزت فيها مطالب معيشية بالتزامن مع قرارات استقطاع من رواتبهم، وتأخير في صرفها.
كما برز في التظاهرات إضراب عن العمل لعمال النظافة وموظفي البلدية في ديالى والمثنى وميسان، بسبب تأخر تسلم الرواتب لفترات طويلة.
الخريجون الجامعيون
شهدت العاصمة بغداد، تظاهرات كبيرة نظمتها شريحة الخريجين للسنوات السابقة، للمطالبة بتوفير فرص العمل والوظائف في مؤسسات الدولة.
وطالب الخريجون من المسؤولين توفير فرص العمل رافضين استمرارهم في البطالة، وأكدوا أن "سنوات الدراسة والتخرج لم تُترجم إلى فرص عمل حقيقية، في ظل ما وصفوه بغياب الخطط الحكومية لمعالجة ملف الخريجين".
كما طالب المحتجون الحكومة والجهات المعنية بالإسراع في فتح باب التعيينات وإنصاف شريحة الخريجين، محذرين من تصعيد احتجاجاتهم في حال عدم الاستجابة لمطالبهم. فيما أكد المتظاهرون استمرار حراكهم السلمي حتى تحقيق مطالبهم المشروعة.
عمال النظافة وموظفو البلديات
شهدت محافظة ديالى، فعاليات احتجاجية نظمها عمال النظافة أمام مختلف الدوائر البلدية، مطالبة بصرف المستحقات المالية ورافضة لقرار الاستقطاعات المالية.
وأضرب عمال النظافة وموظفو البلدية عن العمل وتظاهر آخرون، للاحتجاج على الاستقطاعات في الرواتب، وكذلك عدم صرفها لفترات طولية.
وأكد المشاركون في هذه الاحتجاجات، أنها سوف تستمر، حتى تتحقق مطالبهم.
وفي مستشفى الخضر بمحافظة المثنى، تكدست النفايات في ممرات ردهات رقود المرضى، بسبب إضراب عمال النظافة احتجاجاً على عدم صرف رواتبهم منذ شهرين.
فيما نظم عدد من عمال النظافة في محافظة ميسان، وقفة احتجاجية عبروا في عن غضبهم تجاه استمرار عدم صرف رواتبهم منذ 40 يوماً.
وفي الديوانية، نظم موظفو مجاري المحافظة، وقفة احتجاجية مطالبين بصرف رواتبهم بصورة دورية وعدم تأخيرهاً، كما طالبوا بحقهم في العلاوة والترفيع.
شح المياه
واغلق عدد من أهالي القرى الزراعية، طريق العمارة - الناصرية، احتجاجاً على أزمة المياه الحادة التي تشهدها أكثر من 30 قرية خلال الأسابيع الماضية.
وقال المتظاهر جعفر حسن، إن "العشرات من أهالي منطقة الهفة قطعوا الطريق العام تعبيراً عن رفضهم لاستمرار أزمة شح المياه التي تحاصر ما لا يقل عن 30 قرية زراعية في مناطق متفرقة".
وأضاف أن "خطوة قطع الطريق جاءت كرسالة احتجاجية لإيصال صوت الأهالي إلى الجهات المعنية، والتنبيه إلى خطورة ملف المياه وضرورة إيجاد حلول ومعالجات عاجلة". وبين عدد من المتظاهرين، أن "أزمة المياه حرمت السكان من مصادر رزقهم الأساسية، ولا سيما النشاط الزراعي". ولفتوا إلى أن "الاحتجاجات قد تتصاعد إلى اعتصامات مفتوحة في حال استمرار الأزمة دون بوادر حل"، مؤكداً أن "الأوضاع المعيشية لسكان القرى باتت مهددة بشكل مباشر نتيجة شح المياه".
الاستقطاعات وتأخر الرواتب
شارك عدد من موظفي النسيج والجلود في بغداد بوقفة احتجاجية، رافضين استقطاع نسبة 25 في المائة من رواتبهم، مؤكدين أن وزارة الصناعة التي يعملون ضمنها، لا تقدم الدعم للموظفين وأن رواتبهم منخفضة نسبة إلى بقية الوزارات في إشارة إلى غياب العدالة في توزيع الرواتب الحكومية.
وفي النجف، تظاهر المئات من موظفي وعمال معمل اسمنت الكوفة احتجاجا على سوء الإدارة وتأخير دفع حقوق العاملين في المعمل.
واحتج العاملون في المعمل على ما وصفوه بـ " سوء الإدارة وتأخير حقوق المنتسبين والعمال الأجراء بالخصوص".
وفي محافظة واسط، تظاهر عمال مصنع نسيج وحياكة الكوت أمام مكتب مجلس النواب العراقي احتجاجا على قرار وزارة المالية باستقطاع 15 في المائة من رواتبهم .
وقال محمد حسين أحد المحتجين، إن "استقطاع نسبة من رواتبنا من قبل وزارة المالية يعد مخالفة لقانون التقاعد الموحد رقم 9 لسنة 2014 المادة 17".
وأضاف: نطالب لجنة النزاهة البرلمانية ومجلس القضاء الأعلى بالتدقيق في قانون قيام وزارة المالية بإسقاط نسبة 15 في المائة من راتب منتسبي مصنع نسيج وحياكة واسط بدون سند قانوني وسنستمر بالاحتجاج إلى حين تحقيق مطلبنا واعادة النسبة المستقطعة من رواتبنا.
وكلاء الحصة التموينية
وتظاهر المئات من وكلاء الحصة التموينية على قرار وزارة التجارة المتعلق بجباية الفرد الواحد والتي جرى تسعيرها بـ 950 دينارا للدولة مقابل 50 دينارا للوكيل.
وقال عدد من المتظاهرين، ان " هذا المبلغ الزهيد لا يكفي لإيجار المحلات الشهري الذي قد يتجاوز الـ 150 ألفا خاصة إذا كان عدد الأفراد الموجودين لديه قليلا أي لا يتجاوز الألف فهذا يعني خسارة للوقت والجهد وحتى المال".
وتجمع المتظاهرين أمام مبنى وزارة التجارة في بغداد، للاحتجاج على هذه لتسعيرة الجديدة التي أصدرتها الوزارة، مؤكدين أن القرار ألحق بهم خسائر كبيرة ولا ينسجم مع ارتفاع تكاليف النقل والخزن وأسعار الشراء من المناشئ.
وقال عدد من المحتجين إن التسعيرة المعتمدة لم تُراعِ الظروف الاقتصادية في ظل ارتفاع أسعار المعيشة والضرائب والرسوم المترتبة على عمليات الاستيراد والتوزيع.
وأضافوا أن العمل وفق الأسعار المحددة سيدفع الكثير من الوكلاء إلى التوقف عن العمل وعدم استلام الحصة التموينية من الوزارة وهو ما سيخلق ردة فعل لدى الشارع العراقي.
احتجاجات أخرى
وفي محافظة الديوانية، شارك عدد من المواطنين في قطع شارع الإسكان وأحرق آخرون الإطارات وسطه، بسبب انسحاب الشركة التي تقوم بحملة إعمار وتبليط الشوارع، نتيجة وجود مخالفات لا يستطيعون ازالتها.
وفي ديالى، أكد احصاب مكاتب بيع الخضر والفواكه في جلولاء، وجود إجراءات معقدة ومنع السيطرات الأمنية بضائعهم من الدخول بالتزامن مع اقتراب شهر رمضان، ونفذوا وقفة احتجاجية ناشدوا فيها من الجهات الرسمية بالتدخل وحل هذه الإشكاليات.
سائقو مركبات الأجرة والخصوصي
وتظاهر العشرات من أصحاب المركبات الخصوصي والأجرة أمام مديرية المرور العامة في بغداد، احتجاجاً على الغرامات المرورية مطالبين بإعادة النظر في مبالغ الغرامات وإلغاء القديمة فضلاً عن إلغاء قرار مضاعفتها.
وقال منسق التظاهرة أياد لايج إن "القوانين التي تم فرضها تثقل كاهل المواطن، وطالب بإصدار عفو عن جميع الغرامات القديمة وفق مطالبات بعضهم"، ولفت إلى أن هذه التظاهرة هي الخامسة من نوعها، ومدير المرور لا يستمع لمعاناة السائقين".
استمرار احتجاجات التجار
ونظم عدد من أصحاب المحال التجارية من بغداد ومحافظات أخرى، وقفة احتجاجية أمام المحكمة الاتحادية بالتزامن مع انعقاد جلسة قضائية للنظر في القضية المقدمة بشأن الرسوم والإجراءات الجمركية.
وطالب المحتجون بإلغاء الرسوم الإضافية المفروضة، مؤكدين أنها "أثقلت كاهل القطاع التجاري وأسهمت في ارتفاع الأسعار وتراجع حركة الأسواق المحلية، ما ألحق خسائر كبيرة بالتجار والمستهلكين على حد سواء". كما أكد المشاركون أن وقفتهم جاءت بشكل سلمي لإيصال صوتهم إلى الجهات القضائية والحكومية، داعين إلى إعادة النظر بالقرارات المتخذة بما يضمن حماية النشاط التجاري ودعم الاقتصاد الوطني.
فيما أعلن أعلن اتحاد الغرف التجارية وغرفة تجارة بغداد، يوم الاثنين الماضي، إغلاق أبوابها حتى إشعار آخر، احتجاجاً على الزيادة الأخيرة في التعرفة الجمركية، وتضامناً مع التجار.
وتشهد عدد من المراكز التجارية إغلاقا للمحلات التجارية احتجاجاً على قرار حكومة تصريف الأعمال بزيادة رفع الرسوم الجمركية، وسط تحذيرات من انهيار القدرة الشرائية للمواطن.
**********************************
شبكة النساء العراقيات تحذر من تداعيات تعديل قانون الأحوال الشخصية
جنيف – طريق الشعب
قدمت شبكة النساء العراقيات، التي تضم أكثر من 90 منظمة محلية، بيانها الشفهي ضمن أعمال الدورة (92) للجنة اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) في جنيف، مستعرضة أبرز التحديات التي تواجه حقوق النساء في العراق، ومعلنة تقديم تقريرها الموازي (الظل) مع جملة من التوصيات.
وأكدت الشبكة في بيانها أن قانون رقم (1) لسنة 2025، والمدونة الجعفرية الملحقة به، يشكلان “قضية مجتمعية خلافية كبرى” تهدد الاستقرار الأسري والسلم المجتمعي، نظراً لتضمنهما أحكاماً فقهية تعود إلى فترات ما قبل الدولة، وتتعارض – بحسب البيان – مع مبادئ الدستور العراقي ونصوصه والنظام القانوني القائم، فضلاً عن مساسها بالدور التشريعي للبرلمان واستقلالية القضاء، وتعارضها مع التزامات العراق الدولية.
وأشارت الشبكة إلى أن القانون أباح زواج الصغيرات، وألغى العقوبة على الزواج خارج المحكمة، وقلّص سنوات حضانة الأم، كما حرم الزوجة من ميراث الأرض والعقار، ومنح الزوج سلطة مطلقة في الطلاق والزواج المتعدد. كما أتاح سريان المدونة على عقود الزواج بأثر رجعي من دون موافقة الزوجة، وألغى حق السكن للمطلقات، وفق ما ورد في البيان.
وعبّرت الشبكة عن قلقها إزاء ما وصفته بحملات تشويه السمعة والتخوين التي تستهدف منظمات المجتمع المدني المعنية بشؤون المرأة ومدافعي حقوق الإنسان، والتي تشمل – بحسب البيان – تهديدات بالقتل والاختطاف واعتقالات تعسفية، إضافة إلى منع الأنشطة داخل الجامعات والمؤسسات التربوية والإعلامية.
كما لفتت إلى وجود حملة ممنهجة في التعاطي الرسمي مع مفاهيم الجندر والمساواة والتمكين، مشيرة إلى حظر استخدام مصطلح “الجندر” رسمياً، وفرض تعهدات على منظمات بعدم التعامل مع تلك المفاهيم بدعوى تعارضها مع “القيم الدينية والأخلاقية”. وحذرت الشبكة من ازدياد معدلات العنف الأسري، ولا سيما عنف الزوج ضد الزوجة، في ظل غياب قانون يجرّم العنف الأسري. وانتقدت تعميم وزارة التعليم العالي منهجاً دراسياً بعنوان “حقوق الإنسان والديمقراطية” يتضمن – بحسب البيان – انتقادات لاتفاقية سيداو واعتبارها “أداة لتفكيك الأسرة”، ويقدم تعريفاً “غير منطقي” لمفهوم المساواة التامة بين الزوجين.
واختتمت الشبكة بيانها بالتأكيد على اغتنامها أعمال الدورة (92) لتقديم تقريرها الموازي وتوصياتها، معربة عن أملها في أن تحث اللجنة حكومة العراق على الالتزام الكامل بالدستور والمواثيق الدولية، وفي مقدمتها اتفاقية سيداو.
*********************************
كل خميس.. لا إصلاح يُموّل.. من جيوب الفقراء
جاسم الحلفي
لسنا ضد التعرفة الكمركية من حيث المبدأ. فالدول ذات السيادة تستخدم الرسوم أداةً لتنظيم تجارتها، وحماية إنتاجها الوطني، ودعم صناعتها وزراعتها. لكن لكي تكون التعرفة عادلة ومنصفة، يجب أن تأتي ضمن سياق تنموي واضح، وسياسة اقتصادية متكاملة تدعم الإنتاج المحلي وتخلق بدائل حقيقية. أما حين تُستخدم كمسكّن مالي لسد عجزٍ متراكم، فإنها تتحول إلى جباية، والجباية التي تمس الدواء والغذاء تصبح ضغطاً مباشراً على الفئات الأكثر هشاشة.
وسط هذا الواقع، جاء الإضراب العام للتجار الاحد الماضي في بغداد، وأعقبته تظاهرات احتجاجاً على قرار زيادة التعرفة الكمركية. القرار الذي يُفترض ان يعالج العجز المالي، لكنه في جوهره يلقي بكلف السياسات الاقتصادية الفاشلة على كاهل الناس.
ان الأزمة المالية ليست رقماً في الموازنة، بل هي واقع يومي تعيشه الطبقات ذات الدخل المحدود. الموظف الذي لا يكفيه راتبه نصف شهر، والعامل الذي يلاحق لقمة عيشه في سوقٍ مضطرب، والمتقاعد الذي يحسب ثمن الدواء قبل شرائه. فكل زيادة في الأسعار تعني اقتطاعاً من الصحة أو التعليم أو الغذاء. وهؤلاء جميعاً يدفعون ثمن سياسات لم يشاركوا في صنعها. وفي المقابل، تتسع الفجوة الطبقية: قلةٌ تتمتع بامتيازات ورواتب ومخصصات عالية، وأغلبية تكافح لتأمين ضرورات العيشٍ.
إن تحميل الفئات الفقيرة ومحدودة ومتوسطة الدخل كلفة العجز المالي ليس إصلاحاً، بل إعادة توزيعٍ عكسي للثروة. فبدل أن تتحمل الطغمة وحاشيتها، والشرائح الأعلى دخلاً، وأصحاب الصفقات السريعة والمشاريع الوهمية والأرباح الكبيرة، نصيباً أكبر من الأعباء، تُدفع الفاتورة من جيوب الطبقات الكادحة والمهمّشة.
ان المعالجة الحقيقية تبدأ من ضبط الامتيازات، لا من زيادة الرسوم. تبدأ من خفض رواتب ومخصصات الدرجات الخاصة والعليا، وإلغاء الامتيازات غير المبررة، ووقف النفقات التشغيلية التي لا تخدم التنمية. تبدأ من فرض ضرائب تصاعدية عادلة على الأرباح الكبيرة ورؤوس الأموال، ومن استعادة الأموال المنهوبة، وفرض سلطة القانون على المنافذ الحدودية، وضمان جباية شفافة لا تستثني متنفذاً.
كما تبدأ من رؤية اقتصادية تُخرجنا من أسر الريع، وتبني اقتصاداً منتجاً يخلق فرص عمل حقيقية، ويعيد الاعتبار للزراعة والصناعة، ويدعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة. فالتنمية ليست شعاراً، بل شرطٌ لحماية المجتمع من الابتزاز المالي المتكرر.
ان العيش الكريم ليس ترفاً، بل حق دستوري وأخلاقي. والمجتمع الذي يُطالَب بالصبر، من دون أن يرى إصلاحاً يبدأ من القمة، يفقد ثقته بالدولة. فالإصلاح يُقاس بما يؤدي اليه من عدالة اجتماعية، وبقدرته على تقليص الفجوة الطبقية وصون كرامة المهمشين.
الخيار واضح اذن.. إما إصلاح يبدأ بتنفيذ سياسية تنموية فعالة، أو اجراءات ترقيع تدفع الأزمة نحو الأسفل. وان أيّة سياسة لا تضع معيشة الناس في صلبها، لن تكون سوى تأجيلٍ لانفجارٍ لا مفرّ منه.
***********************************
الصفحة الثالثة
شحّ المياه يدفع العراق نحو تلقيح السحب وخبراء يعلقون: مكلف وليس حلاً شاملاً
بغداد - طريق الشعب
لا تزال أزمة شح المياه والجفاف تهدد الأراضي الزراعية والمصادر المائية الحيوية، برغم موسم الأمطار الذي تشهده البلاد. فمع تراجع مناسيب الأنهار وتأثر الموارد المائية بالتغيرات المناخية، يظهر الاستمطار الصناعي كخيار تقني يُطرح كحل مؤقت لإعادة بعض التوازن المائي، غير أن الخبراء يؤكدون أن هذه التقنية وحدها لا تكفي لمواجهة الأزمة، وأن الاعتماد عليها بشكل منفرد قد يعطي صورة مبسطة ومضللة عن عمق المشكلة.
فالحلول الفعّالة، بحسب الخبراء، تتطلب إدارة متكاملة للموارد المائية، تحديث البنى التحتية للري، تعزيز مشاريع حصاد وتخزين المياه، وتحسين التنسيق مع دول الجوار لضمان حقوق العراق في الأنهار العابرة للحدود، وبذلك، يُنظر الى الاستمطار الصناعي كأداة مساندة ضمن منظومة حلول شاملة، وليس كبديل جذري لمعالجة ندرة المياه.
آلية العمل
ويعد الاستمطار الصناعي او تلقيح السحب، تقنية تهدف الى زيادة هطول الأمطار من السحب الموجودة في الغلاف الجوي بدلاً من خلق سحب جديدة، وتعتمد على تحفيز الغيوم لتساقط الأمطار في مناطق محددة.
وتتم العملية عادة باستخدام طائرات مجهزة أو مولدات أرضية تُطلق داخل أو حول السحب مواد محفزة مثل يوديد الفضة، الملح الصناعي، أو الثلج الجاف (ثاني أكسيد الكربون الصلب)، ما يساعد على زيادة الكثافة المائية في السحابة وتحفيز تساقط الأمطار.
التكلفة المادية لمشاريع الاستمطار الصناعي
ومع ذلك، فإن تطبيق الاستمطار الصناعي ليس سهلاً، فهو مكلف مالياً وتقنياً، إذ يتطلب طائرات مجهزة، معدات حديثة، وخبرات متخصصة لتحديد توقيت الحقن ومناطق الاستهداف، حيث تشير تجارب دول عدة بحسب تقارير إلى أن الاستمطار الصناعي ينطوي على تكاليف مالية عالية تختلف باختلاف شكل المشروع ومدى اتساع نطاقه؛ ففي دولة الامارات مثلاً، خصصت الحكومة أكثر من (22) مليون دولار أمريكي لدعم الأبحاث وتحسين تقنية تلقيح السحب، ضمن برنامج طويل الأمد لتعزيز هطول الأمطار في المناطق الصحراوية.
فيما تُقدّر تكلفة ساعة الطيران في البرنامج بحوالي (8) آلاف دولار، ويُنفَّذ نحو (1100) ساعة طيران سنوياً بتكلفة تقارب (9) ملايين دولار.
اما في السعودية، فتتنوع السيناريوهات التخطيطية لبرنامج الاستمطار الصناعي على مدى خمس سنوات، إذ تتراوح التكلفة بين (82–102) مليون دولار تقريباً.
وفي الهند صادق مجلس الوزراء على برنامج تجريبي يستهدف إجراء تجارب استمطار على نطاق العاصمة نيودلهي بتكلفة تقارب (385) الف دولار تقريباً وهو ميزانية مخصصة لتنفيذ خمس تجارب من عمليات تعديل الطقس بهدف توليد أمطار صناعية للحد من تلوث الهواء وتخفيف الجفاف.
بينما في الولايات المتحدة، تنفق بعض الولايات، مثل ولاية يوتا، مبالغ سنوية تزيد عن (700) الف دولار على برامج تعديل الطقس التي تشمل تقنية تلقيح السحب، وهو رقم يُظهر أن حتى المشاريع ذات النطاق الإقليمي تتطلب موازنات سنوية كبيرة.
بشكل عام، تشمل تكاليف المشاريع ساعات طيران للطائرات المجهزة، الوقود، أجور الطاقم الفني، المواد المستخدمة في حقن الغيوم، ورصد البيانات الجوية، ما يجعل هذه التقنية أكثر تكلفة نسبياً مقارنة ببعض بدائل إدارة المياه مثل تحسين البنية التحتية أو التحلية في بعض السيناريوهات.
استعدادات للتنفيذ
من جهته، كشف وزير البيئة هه لو العسكري، عن استعداد وزارته للبدء بمشروع الاستمطار الصناعي، مشيراً إلى وضع ثلاث رؤى لتحديد نسبة الاستفادة من المشروع خلال مناقشة الملف في اللجنة العليا للمياه.
وقال العسكري، ان مشروع الاستمطار الصناعي ليس بالمستحيل، وان وزارته، قد طرحت المشروع في المجالس واللجان المتعددة منذ ثلاث سنوات، كما نوقش في اللجنة العليا للمياه برئاسة رئيس مجلس الوزراء، مؤكداً الاستعداد التام للبدء بالتنفيذ.
ونوه الى أن الوزارة بادرت وابدت استعدادها الفني من حيث الخبرة الامكانية، لكن المبادرة لم تتحقق على أرض الواقع حتى الآن. فيما عزا هذا التلكؤ في تنفيذ المشروع الى جهة اخرى لم يتطرق لذكر اسمها، مؤكداً قدرة وزارته على استكمال الملف وتقديمه الى الحكومة لتنفيذه.
مشروع مكلف جداً
في هذا الصدد، قال رئيس مرصد العراق الأخضر عمر عبد اللطيف، أن الاستمطار الصناعي يُعد خياراً مهماً يمكن أن يسهم في التخفيف من آثار الجفاف ورفع مناسيب المياه وإحياء بعض الأراضي المتضررة، لكنه شدد على أنه ليس الحل الوحيد لأزمة المياه في العراق، ولا ينبغي اختزال معالجة التحديات المائية به فقط.
وقال عبد اللطيف في حديثه مع "طريق الشعب"، إن الاستمطار الصناعي "يحمل جملة من الفوائد، منها المساهمة في رفع مناسيب المياه وتعديل بعض الظروف المناخية وإحياء أجزاء من الأراضي التي تعرضت للجفاف، فضلًا عن دعم البيئات المائية التي تضررت خلال السنوات الماضية".
وبين أن التقنية يمكن أن تُستخدم في حال وصول مناسيب المياه الى مستويات متدنية جداً أو تعرض الأراضي للجفاف الكامل.
وأوضح أن نجاح الاستمطار الصناعي "يرتبط ارتباطاً مباشراً بحسن التوقيت، إذ إن الأمطار الناتجة عنه قد لا تخدم المزارعين إذا جاءت في أوقات غير مناسبة للمواسم الزراعية، بل قد تؤدي في بعض الحالات الى أضرار بالمحاصيل، باعتبار أن تأثيرها يشبه تأثير الأمطار الطبيعية".
وأشار عبد اللطيف إلى أن "الاستمطار الصناعي يُعد مكلفاً مالياً وتقنياً، إذ يتطلب طائرات وتقنيات حديثة لحقن الغيوم وتوجيهها نحو مناطق محددة مثل الأنهار أو السدود أو الأراضي الجافة"، لافتاً إلى أن "تطبيق المشروع بحاجة الى إمكانات كبيرة واستعدادات فنية متقدمة".
وبيّن أن الوضع المائي في العراق يظل مرتبطاً بمواسم الأمطار، محذراً من أن "الصيف المقبل قد يكون صعباً في حال عدم استمرار الهطولات خلال الفترة المقبلة".
ودعا كذلك إلى الاستفادة من المياه التي هطلت عبر مشاريع حصاد المياه وخزنها وإدارتها لضمان الاستفادة منها خلال مواسم الشح.
وأضاف أن أزمة المياه في العراق "لا يمكن اختزالها بحل واحد كالاستمطار الصناعي"، مشدداً على ضرورة "تحسين إدارة الموارد المائية من قبل الجهات المختصة، وفي مقدمتها وزارات الموارد المائية والزراعة والجهات المعنية الأخرى، الى جانب تطوير أساليب الادارة وتعزيز كفاءة الاستخدام".
وأكد كذلك أهمية "تعزيز المسار التفاوضي مع دول الجوار، ولا سيما تركيا وايران وسوريا، من خلال وفد تفاوضي متخصص ومستقر يمتلك رؤية طويلة الأمد تمتد لسنوات عدة، بهدف ضمان حقوق العراق المائية والحفاظ على مناسيب الأنهار".
وختم عبد اللطيف تصريحه بالتأكيد على أن "الاستمطار الصناعي يمكن أن يكون أحد الخيارات المساندة ضمن مجموعة حلول أوسع تشمل مشاريع حصاد المياه وتحسين الإدارة والتخطيط المائي"، لكنه اشار الى أنه "ينبغي التعامل معه كخيار مكمل واخير ضمن منظومة الحلول الشاملة للحفاظ على الموارد المائية في العراق".
جزء من حزمة حلول
من جهته، قال الباحث في الشأن البيئي علي هاشم إن "الحديث عن الاستمطار الصناعي بوصفه حلًا لأزمة الجفاف في العراق يُعد طرحاً قاصراً ومبالغاً في تقدير نتائجه"، مؤكداً أن هذه التقنية "قد تكون أداة مساندة محدودة لكنها ليست حلاً جذرياً لمشكلة شح المياه أو لتداعيات التغير المناخي المتفاقمة في البلاد".
واكد في سياق حديثه مع "طريق الشعب"، أن "أزمة المياه في العراق مركّبة ومعقّدة، وترتبط بعوامل إقليمية وسياسات مائية عابرة للحدود، إلى جانب سوء الإدارة الداخلية، وتراجع البنى التحتية، وارتفاع نسب الهدر والتلوث".
واشار هاشم إلى أن "التركيز على مشاريع الاستمطار بوصفها حلاً للازمة، قد يخلق انطباعاً مضللًا لدى الرأي العام بإمكانية تحقيق نتائج سريعة".
وأوضح أن التغير المناخي في العراق "يتطلب استراتيجيات وطنية شاملة تشمل إدارة متكاملة للموارد المائية، وتحديث أنظمة الري، وإصلاح السياسات الزراعية، والتوسع في مشاريع التحلية ومعالجة المياه، فضلًا عن تعزيز الدبلوماسية المائية مع دول الجوار"، مبيناً أن “المشكلة أكبر من مجرد حلول تقنية جزئية”.
وختم هاشم بالقول إن أي مشروع تقني، بما فيه الاستمطار الصناعي، ينبغي أن "يكون جزءاً من حزمة حلول متكاملة تستند الى دراسات علمية دقيقة، وتقييم واقعي للكلفة والجدوى، بدل التعويل عليه كخيار منفرد لمواجهة أزمة الجفاف المتصاعدة".
العراق في الصحافة الدولية
ترجمة وإعداد: طريق الشعب
العلاقات العراقية – التركية: بين الأمن والمياه.. لِمَن الغَلَبة؟
نقل موقع (المنطقة الجديدة) الناطق بالإنكليزية عن وزارة البيئة العراقية دعوتها إلى ممارسة ضغط دولي على تركيا لزيادة كميات المياه المُصرَّفة، في ظلّ معاناة البلاد من الجفاف، الذي يُعزى جزئيًا إلى قيام أنقرة ببناء السدود في أعالي النهر.
قصة خلاف لا تنتهي
جاء ذلك في تقرير نشره الموقع، أكّد فيه أن العراق يرى ضرورة التوصل مع تركيا ودول أعالي النهر إلى اتفاق يُنظّم تقاسم المياه بشكل منصف، وأن هناك حاجة إلى دعم دولي لبغداد من أجل تحقيق ذلك.
كما أشار التقرير إلى أن مرصد العراق الأخضر كان قد حذّر في أيلول الماضي من أن شبكة السدود التركية قلّصت بشكل كبير تدفقات المياه إلى العراق، ما فاقم أزمة المياه الحادة أصلًا، ولا سيما بعد أن شيّدت تركيا نحو 20 سدًا على مدى أربعة عقود، بسعة تخزينية تُقدَّر بنحو 80 مليار متر مكعب من المياه، أي ما يعادل ثمانية أضعاف سعة سد الموصل العراقي. وذكّر التقرير أيضًا ببيان أصدرته وزارة الزراعة العراقية، حذّرت فيه من انخفاض احتياطيات المياه في البلاد إلى مستويات خطيرة، داعيةً إلى ترشيد استهلاك المياه بغية حماية الأمن المائي.
مذكرة تفاهم
وأشار التقرير كذلك إلى أن بغداد وأنقرة وقّعتا، في مطلع تشرين الثاني الماضي، مذكرة تفاهم جديدة تهدف إلى تخفيف أزمة المياه في العراق، من خلال التركيز على مشاريع تحلية المياه ومعالجتها، وبناء السدود لإدارة تدفق المياه عبر الحدود. إلا أن ذلك لم يقلل من حجم التحديات المائية الجسيمة التي يواجهها العراق، ويسعى بسببها إلى الحصول على مزيد من المساعدة من جارته الشمالية، التي تطالبه باعتماد أساليب ري حديثة، كإنشاء أنظمة ري مغلقة لمنع تسرّب المياه إلى التربة وتبخرها، لا سيما مع ارتفاع درجات الحرارة في العراق خلال أشهر الصيف.
الجفاف والنزوح
واختتم الموقع تقريره بالإشارة إلى أن الأمم المتحدة كانت قد صنّفت العراق ضمن أكثر دول العالم عرضة لتغير المناخ، محذّرة السلطات من انخفاض مخزون المياه إلى مستويات خطيرة، ما يجعل الحفاظ على المياه وإدارتها بحكمة أمرًا بالغ الأهمية. فيما أفادت المنظمة الدولية للهجرة بأن تغير المناخ تسبب في نزوح أكثر من 170 ألف شخص في 12 محافظة، نتيجة الجفاف، وانخفاض منسوب المياه، وتوسّع التصحر.
النهج التركي تجاه الأزمة في العراق
نشرت قناة TRT تقريرًا عن ملتقى استضافته مؤسسة البحوث السياسية والاقتصادية والاجتماعية (SETA) في أنقرة، جرت فيه مناقشة مسار العلاقات التركية – العراقية المستقبلية، بمشاركة خبراء من العراق وتركيا. وذكر التقرير أن الملتقى أكّد أن تعزيز التعاون المؤسسي والمخاوف الأمنية المشتركة باتا يشكّلان ملامح العلاقات بين البلدين الجارين، حيث عبّر الخبراء الأتراك عن أن العراق يحتل موقعًا محوريًا في المنطقة، وأن التطورات فيه تؤثر بشكل مباشر على تركيا، وأن سياسة أنقرة تعطي الأولوية للوحدة السياسية العراقية.
وبيّن الباحثون الأتراك أن مواقف بلادهم كانت الأكثر مؤسسية وضبطًا للنفس خلال احتجاجات العراق المناهضة للحكومة عام 2019، مما ساهم في تعزيز صورة أنقرة كفاعل توازن، داعين إلى أن تتقدم العلاقات الثنائية بمعزل عن التنافس بين أطراف الإقليم المتعددة.
علاقات حساسة
وتوصل الملتقى إلى أن العلاقات ما تزال حساسة للتوترات الإقليمية، رغم دخولها مرحلة من التشكل المؤسسي، مما يجعل للتطورات الإقليمية الأخيرة دورًا قد يكون إيجابيًا في تسريع التقدم التراكمي، أو سلبيًا يعرقل التعاون.
من جهتهم، طرح الخبراء العراقيون رأيهم بأن التوترات في منطقة الخليج العربي، والاحتكاكات بين الولايات المتحدة وإيران، تخلق بيئة أمنية هشة تؤثر على كلا البلدين، اللذين يمتلكان إمكانات كبيرة لتعزيز التعاون الإقليمي، بما في ذلك عبر مشروع طريق التنمية، الذي يهدف إلى دعم التجارة والتواصل.
وأشاروا إلى أن تركيا تُعد رابع أكبر شريك تجاري للعراق، وأن عدم الاستقرار في العراق سيُلحق ضررًا بالاقتصاد التركي أيضًا. ولم يتطرق الملتقى إلى مشكلة المياه العالقة بين البلدين إلا حين ادّعى الجانب التركي وجود تضخيم للمشكلة لأسباب سياسية، كما ورد في التقرير.
عين على الأحداث
غفلة واستغفال
اعتبرت بعض القوى المتنفذة الخشية من فرض واشنطن لحصار اقتصادي على بلدنا مجرد طرح ساذج في التفكير لأن توازن السوق العالمية لا يحتمل ابعاد النفط العراقي عنها في وقت يدير فيه البيت الأبيض السياسات بمنطق المصالح والتوازنات. الناس الذين لا تقلقهم تهديدات ترامب الرعناء بل عجز منظومة المحاصصة عن التعامل معها، يرون في هذه الثقة المفرطة وبلاهة، لأنها لا تقف على أرضية راسخة كاقتصاد انتاجي قوي ومجتمع يتمتع بالحريات والعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص ودولة موحدة وقانون مهاب ومؤسسات فاعلة، مندهشين من تحليل يتوقع اصحابه أن يدخل العالم في نشيج جماعي إذا ما أوقف نفطنا عن التصدير!
استثمار واستكبار
يسعى عدد من النواب إلى استجواب رئيس الهيئة العامة للاستثمار حول ملفات فساد إداري ومالي، توفرت لديهم بشأنها مجموعة من الأدلة والوثائق. وفيما يعاني جذب الاستثمارات من مشاكل متعددة، كالبيروقراطية والروتين وغياب البنية التحتية وتضارب التشريعات والقوانين، وضعف الوضع الأمني وعدم حماية المستثمرين من اللوبيات والسلاح المنفلت، يُعَدّ الفساد من أكثر تلك المشاكل تعقيدًا، إذ تشير تقارير متعددة إلى أن القطاع الاستثماري يعاني من فساد وهدر وانعدام الشفافية، ويُستغل كغطاء لغسل الأموال أو الحصول على امتيازات غير قانونية، لا سيما في ظل وجود منظومة واسعة تحمي هذا الفساد وتعرقل أي مساعٍ للإصلاح.
عطّالة بطّالة
للمرة الرابعة على التوالي، فشل مجلس النواب في عقد جلسته الاعتيادية بسبب عدم اكتمال النصاب القانوني، مرتكبًا مخالفة دستورية صريحة، ومُظهرًا عجزه عن تنفيذ التزاماته في انتخاب رئيس للجمهورية، والضغط على الحكومة لإرسال مشروع الموازنة، وتشكيل لجانه المختلفة. هذا وفي الوقت الذي سُجّل فيه غياب 130 نائبًا بشكل شبه دائم لعرقلة عمل البرلمان، يشير المراقبون إلى أن المجلس يواصل في دورته الحالية ما دأب عليه في دوراته السابقة من ضعف الأداء التشريعي، وتأجيل إقرار عشرات القوانين، وغياب دوره الرقابي بمساءلة الحكومة، وسيادة سلوكيات غير مؤسسية، كما تشهده جلساته من فوضى، إضافة إلى تباطؤه في محاربة الفساد.
وين راحت الفلوس؟!
بسبب الأزمة المالية ونقص التمويل، توقفت أعمال تشييد أكبر مستشفى حكومي، بسعة 100 سرير، في مناطق شرقي محافظة ديالى، كان من المقرر أن يقدم الرعاية الصحية لستين ألفًا من سكان قضائي مندلي وبلدروز وناحية قزانية. ورغم أن الناس باتوا يرون أن وزارة الصحة قد حققت “إنجازًا” جديدًا بإيقاف بناء أكبر مستشفى قبل أن يُزعج الميزانية أو يُربك الفساد، خاصة وأن المرضى “قادرون” على العلاج خارج البلاد، أو التطبب بالبابونغ، أو حتى عند المشعوذين وفتّاحي الفال، فإنهم يتساءلون عن مصير المبلغ الذي كان مرصودًا لبناء المستشفى، يوم وضع “السادة المسؤولون” حجر أساسه في حفل “مهيب”.
شصار بالجسور؟!
عادت الازدحامات الشديدة إلى شوارع العاصمة، مربكةً أعمال الناس وحياتهم، ومثيرةً سخطهم وتساؤلاتهم عن سر عدم حل المشكلة التي تقضّ مضاجع ملايين المواطنين، عبر وضع استراتيجية وطنية تتضمن بناء منظومة نقل حديثة ومنظمة بمسارات واضحة، كالباصات والقطارات والنقل النهري، وإطلاق شبكة حافلات حكومية بأسعار مدعومة، واعتماد بطاقات اشتراك شهرية مخفضة، وتنظيم عمل القطاع الأهلي تحت رقابة صارمة، إضافة إلى الحد من استيراد السيارات وترقين القديمة منها. هذا ويشير المراقبون إلى أن الحلول الفاشلة التي اعتمدها “أولو الأمر” حتى الآن لم تهدر ثروة مالية فحسب، بل زادت أيضًا من الكلفة الاجتماعية والبيئية للمشكلة.
*************************************
الصفحة الرابعة
خطر يتجدد كل شتاء.. المدافئ المتهالكة قنابل موقوتة في بيوت الفقراء
متابعة – طريق الشعب
تتسبّب المدافئ العاملة بالنفط الأبيض والغاز، لا سيما المتهالكة منها، سنويا في حوادث تخلف إصابات خطيرة ووفيات، غالبا في صفوف الفقراء العاجزين عن امتلاك وسائل تدفئة آمنة.
وتتجدد مخاطر تلك المدافئ في العراق مع اشتداد برودة الطقس. حيث يتزايد استخدامها ليس في التدفئة وحسب، إنما في تسخين الأطعمة والمخبوزات. وبينما تتوفر أجهزة تدفئة كهربائية بأسعار مناسبة نوعا ما، إلا أن المواطن لا يجد فيها جدوى وسط تدهور التيار الكهربائي في الشتاء مثلما في الصيف.
وعلى الرغم مما يُطلق من تحذيرات بشأن تلك المدافئ، تُسجّل حوادث اختناق تصل إلى الموت بسبب استنشاق الانبعاثات السامة الناجمة عنها، فضلا عن نشوب حرائق نتيجة ترك المدافئ مشتعلة خلال فترة النوم.
ولا يمرّ موسم الشتاء من دون وقوع حوادث من ذلك النوع في أماكن مختلفة من البلاد. إذ سُجّلت خلال الأسابيع الماضية وفيات وإصابات عدة نتيجة انبعاثات المدافئ والحرائق الناجمة عنها، كان أغلبها في بغداد وفي دهوك. وبين التحذير والواقع، تتكبد العائلات خسائر جسيمة تتراوح بين إصابات خطيرة ووفيات. وعلى الرغم من إدراك الكثيرين من الأهالي مخاطر مدافئ الغاز والنفط الأبيض، غير ان عدم انتظام التيار الكهربائي يدفعهم إلى الاعتماد عليها، خصوصاً أن المدفأة الكهربائية تحتاج إلى تيار كهربائي عالٍ لا يمكن توفيره باشتراك المولدات. حيث لا يقوى على تأمين تلك التكاليف سوى العائلات المقتدرة، فيما يُترك الفقراء أمام خيارات محفوفة بالمخاطر.
وما يزيد الأمر سوءا، هو أن المدافئ التي يمتلكها الفقراء، غالبا ما تكون قديمة ومتهالكة تكرر تصليحها مرات عدة. فهؤلاء لا يمكنهم شراء مدافئ حديثة آمنة.
ليلة من ليالٍ قاسية!
يستعيد أحمد هادي (34 عاماً) تفاصيل ليلة قاسية لن ينساها. فقد استفاق على صراخٍ مفاجئ، حيث كان بيت جاره يحترق.
يقول في حديث صحفي: "كانت المدفأة مشتعلة طوال الليل، وفجأة أمسكت النيران بالسجاد، ثم امتدت إلى السقف، وخلال دقائق امتلأ المنزل والشارع المحاذي بالدخان".
ويشرح أحمد كيف اندفع الجيران لمحاولة إنقاذ العائلة، قائلاً: "كسرنا النوافذ وبدأنا بالصراخ ومناداتهم بأسمائهم، فكان أن هرع الأطفال وهم يسعلون، بينما كان الوالدان شبه فاقدَي الوعي".
وعلى الرغم من نجاة العائلة، إلا ان القصة لم تنتهِ عند هذا الحد. إذ امتدت النيران – وفقا لأحمد - إلى بيت مجاور، وأتت على إحدى الغرف، وكادت تنتشر أكثر، غير أن الأهالي تمكنوا من السيطرة عليها.. كل ذلك بسبب مدفأة واحدة!
حريق مُرعب!
لم تكن الحادثة التي رواها أحمد إلا واحدة من سلسلة حرائق تشهدها مدن البلاد وتُلقي بثقلها على السكان. وبينما خرجت تلك العائلة حيّة، فإنّ حوادث أخرى في أحياء قريبة حملت نهايات أقسى!
ومن هذه الحوادث تلك التي يرويها ماجد علي (39 عاماً). إذ يقول في حديث صحفي انّه شاهد على حريق مُرعب التهم منزلاً في حيّهم "فقد استفقت على أصوات وجلبة في الزقاق، قبل أن أكتشف أن الجيران هرعوا للإنقاذ والمساعدة. وتبيّن أن سبب الحريق ترك المدفأة مشتعلة بينما العائلة غفت".
ويتابع قائلا: "فقدنا طفلة صغيرة، وأُصيب الوالدان بحروق، فيما نجا أربعة أطفال بأعجوبة".
ولم تمرّ الحادثة بشكل عابر في الحيّ، بل تركت أثراً نفسياً عميقاً - بحسب علي - مبيّناً أن "الرعب الذي عمّ المكان، وصراخ الأطفال، ورائحة الاحتراق، كل ذلك جعل كثيرين يعيدون التفكير في عاداتهم اليومية. حيث أصبحت العائلات على يقين بأن لحظة نوم عميق تفصلها عن خطر كبير، في حال بقاء المدفأة مشتعلة".
وفي السياق، تُحذر المواطنة سلوان جعفر (47 عاماً)، من مخاطر الإهمال وترك المدفأة مشتعلة أثناء النوم، موضحةً أنّها تعرضت لحريق قبل نحو 20 عاماً بسبب المدفأة، وأُصيبت بحروق في يديها "ومنذ ذلك الحين، لا أشغّل المدفأة أثناء النوم. حيث أضعها في مكان آمن وأراقبها باستمرار".
نتائج الضغط الاقتصادي كارثية!
وبين القلق والبرد، تقف عائلات عراقية كثيرة أمام واقع اقتصادي ضاغط. حيث يصبح تشغيل المدفأة ضرورة لا خياراً، حتى وإن كانت النتائج كارثية، خصوصاً حين يكون الأطفال في مواجهة بردٍ لا يُحتمل. هذا ما يؤكده زيد الشمري (41 عاماً) في حديث صحفي، مبينا أنه "على الرغم من مخاطر تلك المدافئ، لكن شريحة كبيرة من العراقيين لا يمكنها الاستغناء عنها. وأنا بدوري لا أملك بديلاً، ولا أستطيع شراء مكيّفات الكهرباء بخاصية التبريد والتدفئة. كذلك ان تشغيل هذه الأجهزة يتطلب سحب أمبيرات كثيرة من المولدات الأهلية، وهي كلفة باهظة، في ظل تردي الكهرباء الوطنية".
ويتابع الشمري، وهو أب لخمسة أطفال، قائلا أنه "في الأيام والليالي التي تشهد برودة قاسية، أجمع أطفالي في غرفة واحدة، وأشغّل المدفأة، وأراقبها طوال الليل. أحرم نفسي من النوم أحياناً كي لا يبردوا".
وتتكرر قصة الشمري في منازل كثيرة في البلاد. حيث تتحول المدفأة من جهاز للتدفئة إلى عبء نفسي يومي. ومع غياب الحلول المستدامة، يبقى السؤال معلقاً عن مسألة الأمان والسلامة العامة.
الفقراء زبائن مصلّحي المدافئ
يعمل قُصي فلاح في صيانة المدافئ منذ نحو 30 عاماً. ويقول في حديث صحفي انّ أغلب زبائنه من الفقراء، مبيّناً أنه ينصح المستهلكين دائماً باختيار نوعية وقود آمنة وغير مغشوشة، تفادياً لتسرب غازات خطيرة من المدافئ، قد تتسبّب في حالات اختناق داخل المنزل.
ويشير إلى أن "العراقيين يعتمدون على هذه المدافئ منذ عقود طويلة، وان كثيرين منهم يعرفون أعطالها وكيفية الاعتناء بها، لكن هناك تفاصيل صغيرة قد تؤدي إلى وقوع كارثة".
وإذ يؤكد فلاح أن "المدافئ غير آمنة صحياً"، يلفت إلى أن "الخطر يرتبط بكيفية التعامل معها، خصوصاً أن كثيرين يستخدمون مدافئ خرجت عن الخدمة، لعدم قدرتهم على شراء أخرى جديدة".
***********************************
الأزمة المالية تُعرقل إنجاز أكبر مستشفى في شرقي ديالى
متابعة – طريق الشعب
كشفت الإدارة المحلية لقضاء مندلي في ديالى، عن توقف أعمال تشييد أكبر مستشفى حكومي في مناطق شرقي المحافظة، بسبب الأزمة المالية ونقص التمويل.
وقال قائم مقام مندلي علي ضمد، أن "مستشفى مندلي الحكومي بسعة 100 سرير يعد أكبر مؤسسة صحية جديدة في مناطق شرقي ديالى ضمن القضاء وناحية قزانية"، مبينا في حديث صحفي أن "نسبت إنجاز المستشفى وصلت إلى مراحل متقدمة تقدر بنحو 90 في المائة خلال الفترة الماضية، قبل أن يتعثر المشروع بسبب نقص التخصيصات المالية، ما أدى إلى توقف العمل لحين توفير التمويل اللازم".
وبين أن "هذا المستشفى يعتبر ركيزة أساسية تُعلق عليها الآمال لدعم القطاع الصحي وتقديم العلاج لأكثر من 60 ألف نسمة في قضاء مندلي والمناطق المحيطة به من الحدود العراقية - الإيرانية وصولاً إلى قضاء بلدروز شرقي ديالى، لا سيما في ظل الحاجة المتزايدة إلى الخدمات العلاجية وتقليل عبء التنقل إلى بعقوبة والمدن الأخرى".
وأشار ضمد إلى أن "مطالبات الأهالي تتزايد لإيجاد حلول تساهم في إنجاز المستشفى في وقت قياسي، وافتتاحه لتقديم الخدمات العلاجية للسكان".
**********************************
السماوة أهالي {الضجرية} يُطالبون بزيادة حاويات القمامة
متابعة – طريق الشعب
طالب عدد من أهالي منطقة الضجرية في مدينة السماوة، بتوفير أعداد كافية من حاويات جمع القمامة، مشيرين في حديث صحفي إلى أن الحاويات المتوفرة قليلة، ولا يجري تفريغها بانتظام، وبعد امتلائها يضطر الناس إلى رمي نفاياتهم إلى جوارها على الأرض.
وأوضحوا أن هذه المشكلة سببت لهم أضرارا بيئية وصحية. حيث تفوح الروائح الكريهة في الأزقة، وحتى في الشارع العام، ما يجذب الحيوانات السائبة، لافتين إلى انهم ناشدوا أكثر من مرة الجهات ذات العلاقة، معالجة هذه المشكلة، لكنها لم تتخذ أي إجراء حتى الآن.
وشدد الأهالي على ضرورة توفير أعداد كافية من الحاويات، مع توجيه فرق البلدية بتنظيف المنطقة بانتظام، كي لا تتراكم النفايات فترات طويلة.
*********************************
اگول.. الجامعات بين العلم والسيطرة الطائفية!
ياسين أسعد ياسين
في الوقت الذي يُفترض فيه أن تكون الجامعات فضاءاتٍ للعلم، والفكر الحر، والنقد البنّاء، يبرز في بعض الجامعات العراقية مسارٌ يثير القلق، يتمثل في استضافة شخصيات وشعراء معروفين بخطابهم الطائفي وعدم احترامهم لمعتقدات الآخرين. وقد جرت مثل هذه الاستضافات ضمن مهرجاناتٍ وفعالياتٍ تُدرَج شكلياً تحت عنوان "الثقافة"، في حين تفتقر في مضمونها وروحها إلى أي قيمة ثقافية حقيقية.
المشكلة ليست في المهرجانات أو الفعاليات بحد ذاتها، بل في طبيعة الضيوف الذين يتم اختيارهم، وفي الرسائل الفكرية الضمنية التي تُمرَّر من خلالهم داخل مؤسسات أكاديمية يُفترض أن تكون محايدة، جامعة، ومنفتحة على جميع مكوّنات المجتمع دون تمييز أو إقصاء. الجامعة ليست منصةً لأي خطابٍ إيديولوجي ضيق، ولا فضاءً لتكريس الانقسامات، بل هي مكان لتكوين العقل النقدي، وتعزيز قيم المواطنة، والاحترام المتبادل، والتعددية الفكرية. استضافة شخصيات اشتهرت بخطاب طائفي أو بإساءات رمزية لمقدسات الآخرين، يضع علامة استفهام كبرى حول المعايير التي تعتمدها الإدارات الجامعية في اختيار ضيوفها، وحول حدود المسؤولية الأخلاقية والثقافية للمؤسسات الجامعية. الطلبة، وهم في مرحلة حساسة من التشكّل الفكري، يتأثرون بما يُقدَّم لهم داخل الحرم الجامعي، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. وعندما يُمنَح الخطاب الطائفي مساحة أكاديمية، فإن ذلك يفتح الباب أمام ترسيخ الانحياز، وتطبيع الإقصاء، بدل ترسيخ الحوار العقلاني والتفكير المستقل. فالعلم والبحث الأكاديمي لا يمكن أن يزدهرا في بيئةٍ تُغلَّب فيها الاعتبارات الطائفية أو الولاءات الضيقة.
الجامعات العراقية مطالَبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بحماية استقلالها الفكري، والابتعاد عن أي ممارسات قد تُفسَّر بوصفها انحيازاً أو تبنّياً لخطابٍ يقوّض السلم المجتمعي. وإذا كانت الجامعات حريصة على سمعتها الأكاديمية ودورها التنويري، فإن مراجعة سياسات الاستضافة والفعاليات باتت ضرورة ملحّة، على أن يكون الاحترام، والتنوّع، والنقد العلمي الرصين هي المعايير الحاكمة. فالمسؤولية هنا لا تقع على الإدارات وحدها، بل على الجسم الأكاديمي بأكمله، دفاعاً عن الجامعة بوصفها بيتاً للعلم، لا ساحةً للصراع الطائفي، وحصناً لمستقبل الطلبة، لا عبئاً عليه.
************************************
عبور شارع الزبير محنة محفوفة بالمخاطر
متابعة – طريق الشعب
يواجه الكثيرون من البصريين معاناة يومية عند عبورهم "شارع الزبير" سيرا على الأقدام، والذي يمتد من ملعب جذع النخلة حتى مدخل مركز القضاء الواقع غربي البصرة. فهذا الشارع الذي يُعد من الطرق المهمة ويشهد حركة كثيفة للسيارات ذهابا وإيابا، يخلو من جسور لعبور المشاة، رغم وجود مناطق حيوية على جانبيه. ويؤكد مواطنون في حديث صحفي أن السيارات تسير بسرعات كبيرة على هذا الشارع، في حين يضطر المشاة إلى المجازفة بالعبور، لعدم توفر بدائل آمنة، الأمر الذي يشكل تهديدا مباشرًا على حياتهم، لا سيما الأطفال وكبار السن. ويطالب المواطنون الجهات المسؤولة بإيجاد حلول عاجلة، عبر إنشاء جسور لعبور المشاة، أو نصب إشارات مرورية وتنظيم السرعة، أو وضع مطبات في الأماكن التي تشهد حركة للسابلة، بما يضمن سلامة الجميع.
*********************************
مطالبات بترميم شارع في الرميثة
متابعة – طريق الشعب
طالب مواطنون في قضاء الرميثة بمحافظة نينوى، بترميم "شارع الهيمة" في القضاء، والذي تقع عليه أحياء سكنية، مبينين في حديث صحفي أن الشارع مليء بالحفر والمطبات، ولم تطرأ عليه أي صيانة. وأوضحوا أن معظم سكان الأحياء الذين يخدمهم هذا الشارع، من ذوي الدخل البسيط. حيث يعمل كثيرون منهم سائقي مركبات أجرة، وبسبب كثرة الحفر والمطبات تتضرر مركباتهم، ما يكبّدهم خسائر كبيرة. ويأمل المواطنون من الجهات المعنية الإسراع في ترميم الشارع خدمة للصالح العام.
*************************************
الصفحة الخامسة
النساء ومرض السرطان حكايات صمود وتحديات يومية
بغداد- نورس حسن
لمناسبة اليوم العالمي للمرض الخبيث، سجل مجلس السرطان العراقي مؤخراً 46 ألفاً و390 إصابة خلال عام 2024، مقارنة بـ 43 ألفاً و62 إصابة في عام 2023، ما يعكس استمرار ارتفاع الحالات، خاصة بين النساء اللواتي يعانين بشكل رئيسي من سرطانات الثدي والغدة الدرقية.
المواطنة أمل قاسم تقول لـ "طريق الشعب" إنها: "عندما تم تشخيص إصابتي بسرطان الثدي، شعرت أن العالم انهار. لم أكن مستعدة نفسياً ولا مالياً لذلك، خاصة أن المستشفيات الحكومية غالباً ما لا توفر العلاج الكامل، فيما تفرض المستشفيات الخاصة تكاليف باهظة، ليس فقط للعلاج الرئيسي، بل وللعلاجات الداعمة للمناعة التي أحتاجها لتقوية جسدي أثناء العلاج الكيميائي".
صراع مع المرض
المواطنة نورس محسن، المصابة بسرطان الدم، تقول إن: "العلاج طويل ومكلف، والمستشفيات الحكومية لا توفر كل أنواع الأدوية أو العلاجات الداعمة للمناعة. أحياناً أضطر للسفر إلى أربيل للحصول على هذه الأدوية، وهذا يرهقني نفسياً ومالياً. كل يوم أصارع المرض مع الخوف من المستقبل وعدم اليقين بشأن العلاج". تصريح نورس يوضح أن المعاناة لا تقتصر على المرض نفسه، بل تشمل صعوبة الحصول على الأدوية المكمّلة التي تدعم المناعة وتحسن فرص النجاح العلاجي.
المرض والخوف الاجتماعي
بدورها، تقول المواطنة هند كريم لـ "طريق الشعب" إن "إصابتي بالسرطان لا تؤثر على وضعي الصحي فقط، بل على حياتي بالكامل. كثير من النساء يتجنبن الكشف المبكر خوفاً من تكاليف العلاج الأساسية، إضافة إلى العلاجات الداعمة للمناعة، أو من نظرة المجتمع، وهذا يجعل رحلة المرض أشد صعوبة".
ما هي الأسباب؟
بدوره، يوضح د. أحمد عبد الرحمن، أخصائي الأورام، لـ "طريق الشعب" أن "ارتفاع الإصابات يعود إلى نمط الحياة، وتلوث البيئة، وقلة الكشف المبكر في بعض المحافظات. النساء أكثر عرضة لبعض أنواع السرطان، ويعانين ضعف الوصول إلى العلاج الأساسي والداعم للمناعة". وأشار د. عبد الرحمن إلى وجود جهود تُبذل من قبل وزارة الصحة لتوفير علاجات الأمراض السرطانية، إلا أن هناك حاجة إلى فتح المزيد من المراكز المختصة لاستيعاب أعداد الحالات، فضلاً عن حاجة المرضى إلى مراكز خاصة للتأهيل النفسي، الذي يُسهم في زيادة نسب الشفاء.
أما د. سعاد ميرزا، استشارية الصحة العامة، فتضيف: "ارتفاع تكاليف العلاج في المستشفيات الخاصة، مع نقص الأدوية والمعدات، بما فيها العلاجات الداعمة للمناعة في المستشفيات الحكومية، يجعل النساء يضطررن إلى التأجيل أو التوقف عن العلاج، ما يزيد المخاطر ويضاعف الضغط النفسي".
الأمهات والمرض
المواطنة مريم عبد الله، أم لطفلين، تقول لـ "طريق الشعب": "كنت أوازن بين العلاج ورعاية أطفالي، وفي كل يوم كنت أعيش صراعاً بين تحمل المرض وتحمل تكلفة العلاج، خاصة في المستشفيات الخاصة والعلاجات الداعمة للمناعة، لأن المستشفيات الحكومية غالباً لا توفر كل ما أحتاجه".
الأرقام تكشف الواقع المؤلم
الإحصاءات الرسمية تشير إلى أن عدد الإصابات في بغداد كان الأعلى، حيث بلغ 11,642 حالة، تلتها أربيل التي سجلت 3,194 حالة، فيما بلغ عدد المرضى في البصرة 3,558 شخصاً. كما سُجلت 1,923 حالة بين الأطفال والمراهقين، وكانت الإصابات بينهم في السليمانية الأعلى، حيث بلغت 116 حالة، رغم أن هذه الأرقام لا تعكس العدد الحقيقي للإصابات، إذ إن قصور الفحوصات والمراكز الطبية في بعض المحافظات يخفي حالات كثيرة.
حاجة عاجلة للدعم والرعاية
النساء في العراق يواجهن السرطان بجهود كبيرة، لكنهن بحاجة إلى أكثر من الشجاعة؛ بحاجة إلى رعاية صحية متكاملة، ودعم نفسي، وعلاج شامل يتضمن العلاج الرئيسي والعلاجات الداعمة للمناعة. إن توفير العلاج في المستشفيات الحكومية، ودعم الأدوية، وخفض تكاليف المستشفيات الخاصة، إلى جانب برامج التوعية والكشف المبكر، هو الطريق لإنقاذ أرواح أكثر وضمان ألا تتحول تجربة المرض إلى عبء مضاعف على المرأة وعائلتها.
***********************************
شبكة المرأة للسلام تعقد اجتماعها السنوي
أربيل - طريق الشعب
عقدت شبكة المرأة للسلام اجتماعها السنوي يوم الاثنين الموافق 9 شباط 2026 في مدينة أربيل، تحت شعار (نساء تشارك.. تقرر.. وتبني السلام)، بمشاركة 34 ممثلا وممثلة عن المنظمات الأعضاء في الهيئة العامة من مختلف المحافظات العراقية، بما فيها إقليم كردستان العراق.
وتركزت أعمال الجلسة الأولى على تقديم عرض شامل وتقييم لأبرز إنجازات الشبكة خلال الفترة الماضية، إلى جانب استعراض التقرير السنوي للنشاطات والتقرير المالي. وتخللت الجلسة مجموعة من الأسئلة والاستفسارات من قبل المشاركين، أجابت عنها اللجان المعنية، مع اعتماد التوصيات والدروس المستفادة بهدف تطوير العمل الإداري والمالي وتعزيز كفاءة الأداء المؤسسي للشبكة.
أما الجلسة الثانية، فقد خصصت لانتخابات مجلس إدارة الشبكة، حيث قدّمت اللجنة التحضيرية المكلفة تفاصيل العملية الانتخابية، تلتها عملية التعريف بالمرشحات والمرشحين. وجرت الانتخابات في أجواء ديمقراطية وبحضور محامية للإشراف على سيرها، وأسفرت عن انتخاب مجلس إدارة جديد، عقد لاحقا اجتماعه الأول وانتخب رئيسة للشبكة.
وفي الجلسة الثالثة، ناقش المشاركون أوضاع النساء والتحديات الوطنية والدولية، واستعرضوا أبرز المستجدات المرتبطة بحقوق المرأة، بما في ذلك تقارير الظل المقدمة من منظمات المجتمع المدني، وما تضمنته من مؤشرات تعكس تحديات كبيرة وتراجعاً ملحوظاً في مستوى حقوق النساء. كما جرى بحث التقرير الحكومي الخاص باتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد النساء والفتيات (سيداو)، إلى جانب أهم الملاحظات المقدمة من اللجنة المعنية بشأنه.
وعقب النقاشات، تم تحديد التوجهات المستقبلية لعمل الشبكة في ضوء الملاحظات المطروحة وعدد من المقترحات الهادفة إلى تحسين أدائها على المستويين الداخلي والخارجي.
واختتم الاجتماع السنوي بإقرار مجموعة من التوصيات والخطوات اللاحقة، استنادا إلى استراتيجيات عمل الشبكة وخطط المناصرة والسياسات الداخلية، بما يعزز جهودها في دعم مشاركة النساء، ورفع مستوى التمثيل النسوي في مواقع صنع القرار، والمساهمة في بناء حياة آمنة للجميع، ومجتمع مستقر، وسلام مستدام.
***********************************
حقوق النساء بين الدين والسياسة
لا يبدو الجدل حول تشريع مدونة الأحوال الشخصية مجرد نقاش فقهي أو قانوني، بل هو اختبار حقيقي لمدى التزام الحكومة بحقوق النساء والمساواة أمام القانون. فالمسألة تتجاوز "الخصوصية المذهبية" لتلامس جوهر فكرة الدولة المدنية، وحدود فرض تفسيرات البعض الخاصة للقيم الروحية دون غيرهم على مجتمع برمته.
الموقف النقدي الذي عبّرت عنه المنظمات الدولية، من الأمم المتحدة إلى هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية، لا يأتي من فراغ أو من "تدخل خارجي" كما يحلو للبعض تصويره، بل يستند إلى معايير حقوقية واضحة، وإلى سجل طويل من الانتهاكات التي تعانيها النساء تحت أنظمة قانونية غير عادلة. هذه المنظمات ترى في المدونة خطوة إلى الوراء، لأنها تمنح التشريع القانوني لزواج القاصرات، وتقلص حقوق النساء في الطلاق والحضانة، وتعمق اللامساواة داخل الأسرة.
لكن الإشكالية الأكبر ليست في موقف الخارج فقط، بل في الخطاب الداخلي الذي يحاول تبرير هذه التشريعات باسم الهوية أو العقيدة، متجاهلا أنها تسنّ على أساس تفسيرات محددة وإن النساء هنّ أول من سيدفع الثمن، خاصة حين يعاد تعريف الحقوق على أساس طائفي، حيث تصبح العدالة نفسها مجزأة، وتتحول القوانين من أدوات حماية إلى وسائل ضبط اجتماعي تقّيد الأضعف.
إن الدفاع عن قانون أحوال شخصية، مدني وموحّد لا يعني التعارض مع الدين، بل لحمايته من التوظيف السياسي، وضمان أن تكون حقوق النساء غير خاضعة للمساومة أو للتوازنات الطائفية. فالمرأة ليست ملفا تفاوضيا، ولا ورقة تستخدم في صراعات النفوذ.
المفارقة المؤلمة أن العراق، الذي شهد عقودا من الحروب والأزمات، يحتاج اليوم إلى توسيع مساحة الحرية والعدالة لا تقليصها. وإذا كانت المنظمات الدولية تحذّر من مخاطر المدونة الجعفرية، فإن المسؤولية الحقيقية تقع على عاتق القوى السياسية والمؤسسات التشريعية، وعلى المجتمع نفسه، في الدفاع عن حق النساء في قانون عادل يحفظ كرامتهن ومستقبلهن.
المحرر
**************************************
كيف فقدت النساء القدرة على التحكم بمصائرهن؟
حوراء فاروق
تقدم إيفلين رييد في كتابها "مشاكل تحرير المرأة – رؤية ماركسية" تفسيرا جذريا لأسباب فقدان النساء السيطرة على مصائرهن عبر التاريخ، مؤكدة أن اضطهاد المرأة ليس قدرا بيولوجيا ولا نتيجة "طبيعة أنثوية" مزعومة، بل نتاج تحولات اجتماعية واقتصادية مرتبطة بصعود الملكية الخاصة والمجتمع الطبقي. ومن خلال منظور ماركسي مادي، تفكك رييد الأساطير التي صوّرت المرأة ككائن أدنى، وتكشف كيف جرى سلبها دورها الاجتماعي واستقلالها التاريخي.
لم تكن المكانة دونية
تنطلق رييد من فكرة أساسية مفادها أن دونية المرأة ليست حالة أزلية. ففي المجتمعات الإنسانية المبكرة، ولا سيما المشاعية البدائية، كانت النساء يلعبن دورا محوريا في الإنتاج الاقتصادي وتنظيم الحياة الاجتماعية. فقد أسهمن في الزراعة الأولى، وإدارة الموارد الغذائية، وتنشئة الأجيال، ما منحهن مكانة قوية ونفوذا في اتخاذ القرار داخل الجماعة.
وتؤكد رييد أن العلاقات بين الجنسين في تلك المجتمعات لم تكن قائمة على الهيمنة الذكورية الصارمة، بل على قدر من التوازن والتكامل. غير أن هذا الواقع بدأ بالتغيّر مع تطور أدوات الإنتاج وظهور الفائض الاقتصادي، ما مهد لتحولات اجتماعية عميقة أثّرت مباشرة في وضع المرأة.
الملكية الخاصة وبداية التهميش
ترى رييد أن اللحظة الحاسمة في تراجع مكانة المرأة جاءت مع نشوء الملكية الخاصة وتراكم الثروة لدى فئات محددة. فمع ظهور المجتمع الطبقي، أصبح الحفاظ على الملكية ونقلها عبر الوراثة هدفا مركزيا للطبقات المالكة، ما أدى إلى فرض سيطرة متزايدة على النساء، خصوصاً في ما يتعلق بحياتهن الإنجابية.
وفي هذا السياق، نشأت الأسرة الأبوية كنظام اجتماعي يخدم حماية الملكية الخاصة وضمان انتقالها عبر النسب الذكوري. وبذلك، لم تعد المرأة شريكا متساويا في الإنتاج الاجتماعي، بل جرى حصرها في دور منزلي وإنجابي، وتحويلها تدريجيا إلى كائن تابع اقتصاديا واجتماعيا.
صناعة أسطورة الدونية: أداة لتبرير الهيمنة
تؤكد رييد أن فقدان النساء لسلطتهن لم يقتصر على الجانب الاقتصادي، بل رافقته عملية أيديولوجية واسعة هدفت إلى تبرير هذا الواقع الجديد. فجرى الترويج لفكرة أن المرأة أضعف عقليا وعاطفيا، وأقل قدرة على القيادة واتخاذ القرار، في محاولة لإضفاء طابع "طبيعي" على خضوعها.
وترى رييد أن هذه الأسطورة لم تكن انعكاسا للحقيقة، بل أداة سياسية وثقافية تخدم مصالح الطبقة المسيطرة، عبر تكريس تقسيم العمل القائم على النوع الاجتماعي، وإبعاد النساء عن المجال العام والعمل المنتج.
الاضطهاد الاقتصادي أساس التمييز
وفق تحليل رييد، فإن العامل الأساسي في فقدان النساء السيطرة على مصائرهن هو إخراجهن من مواقع الإنتاج الاجتماعي الأساسي، وتحويل عملهن إلى نشاط منزلي غير مدفوع وغير معترف بقيمته الاقتصادية. وبهذا، فقدت النساء استقلالهن المادي، وأصبحن معتمدات اقتصاديا على الرجال، ما عزز تبعيتهن الاجتماعية والنفسية.
كما تشير رييد إلى أن إدماج النساء في سوق العمل في ظل الرأسمالية لم يؤد تلقائيا إلى تحررهن، إذ غالبا ما يستغل عملهن بأجور أقل وظروف أسوأ، فيما يستمر تحميلهن عبئ العمل المنزلي والرعائي.
تحرير المرأة في نظر رييد
ترفض رييد اختزال قضية المرأة في مطالب قانونية أو إصلاحات جزئية، معتبرة أن التحرر الحقيقي لا يمكن تحقيقه ضمن بنية اجتماعية قائمة على الاستغلال الطبقي. فبرأيها، لا يمكن للنساء استعادة السيطرة على مصائرهن ما دامت علاقات الإنتاج غير عادلة، وما دام العمل المنزلي والرعائي يعامل كمسؤولية خاصة بدلا من كونه وظيفة اجتماعية جماعية.
كيف تستعيد النساء زمام مصائرهن؟
بحسب رؤية رييد، فإن استعادة النساء لسيطرتهن على مصائرهن تتطلب مسارات متكاملة، في مقدمتها:
الاستقلال الاقتصادي الحقيقي: من خلال ضمان مشاركة النساء الكاملة في الإنتاج الاجتماعي، وتمتعهن بحقوق متساوية في الأجور والعمل والضمان الاجتماعي.
إعادة تنظيم العمل المنزلي: عبر تحويله من عبئ فردي تتحمله النساء إلى مسؤولية اجتماعية مدعومة بخدمات عامة، مثل دور الحضانة والمرافق الصحية والتعليمية.
النشاط ضد الاستغلال: وترى أن انخراط النساء في الحركات العمالية والتنظيمات الجماهيرية شرط أساسي لتحررهن، لأن قضيتهن مرتبطة عضويا بتحرر المجتمع ككل.
تفكيك الأساطير الثقافية حول المرأة: من خلال مواجهة الخطابات التي تكرّس صورة المرأة ككائن أدنى، ونشر وعي تاريخي يثبت أن اضطهادها ليس قدرا أبديا.
واخيرا، تكشف قراءة كتاب إيفلين رييد أن فقدان النساء السيطرة على مصائرهن لم يكن نتيجة طبيعية أو حتمية، بل نتاج مسار تاريخي مرتبط بتطور الملكية الخاصة والمجتمع الطبقي. وبالمقابل، فإن استعادة هذه السيطرة ليست حلما، بل مشروعا تحرريا يتطلب تغييرا جذريا في البنية الاقتصادية والاجتماعية.
**************************************
عيم المرأة.. دفاعا عن المنظمات النسوية وناشطاتها
انتصار الميالي
تواجه المنظمات النسوية في العراق اتهامات من بعض الجهات، بكونها تشكل تهديدا للقيم والعادات والتقاليد المجتمعية، وتبعا لذلك تواجه تلك المنظمات وناشطاتها تهميشاً وتمييزاً متعمدين، وادعاءات بمحاولتها فرض مُثل ومفاهيم غربية. وطبيعي ان يدفع هذا النسويات العراقيات الى بذل جهود مضاعفة لإثبات انتمائهن الثقافي الوطني، واحترامهن لقيم المجتمع، والى الحرص على الجمع بين المُثل النسوية والقيّم المحلية تجنباً لخطاب الكراهية الذي يزعزع الثقة بين المنظمات والمجتمعات المحلية في الريف والمدينة.
ويأخذ الخطاب الإعلامي والسياسي مساراً أشدُ خطورة، حين تساهم شخصيات سياسية واجتماعية وقنوات تلفقزيونية ومنصات تواصل اجتماعي في التشويه، عبر السعي لشحن المجتمع ضد عمل هذه المنظمات، ما يرهب النساء المدافعات عن حقوقهن ويحد من فاعليتهن وحماسهن للعمل في بيئة وظروف غير آمنة كهذه.
هذا التحدي الخطير يتطلب نشاطا منظما، يتضمن حملات إعلامية وتثقيفية واسعة، وتدخلاً تشريعياً ضد التمييز ولمواجهة خطابات الكراهية، في مرحلة تواجه فيها المنظمـات المصاعب الماليـة ومخاطـر الاساءة للسـمعة والتهديدات الرقمية. وقد تجلت المواقــف العامــة بمسـتويات مرتفعـة مـن الغضـب وانعـدام الثقـة مـن جانب المجتمعـات، وبدعم سعي المنظمات الى تحقيـق التـوازن الصحيـح، واتبـاع نهـج متكامـل يراعـي الفـروق بيـن الجنسـين ويحقق العدالة ويوفر المساحات الآمنة.
إن خبـرة منظمـات المجتمـع المدنـي التـي تقودهـا النسـاء ضروريـة لضمـان فعاليـة التشـريعات والسياسـات الوطنيـة، وتنفيذ الخطط الوطنية بما يضمن الاسـتجابة للاحتياجـات الملحة للنسـاء والفتيـات فـي برامـج إعـادة التأهيـل وإعـادة الأدمـاج، وعلـى نطـاق أوسـع فـي مجـال منـع العنف والتطـرف، وحل النزاعات وبناء السلام. ومعلوم ان كلا مـن خطـة عمـل الأمم المتحـدة لمنـع التطـرف العنيـف 2016، وقـرار مجلـس الأمـن رقـم ٢٢٤٢، يؤكدان الحاجـة إلـى الشـراكة مـع منظمـات المجتمـع المدنـي التـي تقودهـا النسـاء، فـي الجهـود المبذولـة لمنـع التطـرف العنيـف وخطابات الكراهية، ولمعالجة دوافعها الجوهرية، وأن ينظـر إلى هذه المنظمات وقياداتها كحلفـاء ومسـاهمين فـي مواجهة هـذا التحـدي المعقـد.
*****************************************
الصفحة السادسو والسابعة
شهداء الشعب والوطن
محمـد الكحـط
يبقى شهداؤنا هم نبض الوطن، وروحه التي لا تموت، وهم القصة الأصدق التي تُروى حين تعجز الكلمات عن وصف معنى التضحية الحقيقية من أجل المبادئ والقيم العظمى، إنهم الذين وقفوا في وجه الموت بثبات، وواجهوا في المعتقلات ظلم وجبروت المجرمين بصدور عارية، واختاروا أن يقدّموا أرواحهم قربانا للوطن وللمبادئ الإنسانية السامية، ليحيا الشعب حرا كريما سعيدا، وبدمائهم الطاهرة كُتبت صفحات المجد، وبأرواحهم بقيّ حزبهم عاليا رغم الجراح.
لم يكن شهداؤنا عشّاق حرب ولا طالبي موت، بل كانوا عشّاق حياة كريمة لشعبهم، آمنوا بأن الوطن لا يُبنى بالخوف، ولا تُصان كرامته بالصمت، بل بالتضحية والشجاعة والإيمان بالحق، وحين نادى الواجب، لم يتراجعوا ولم يترددوا، بل تقدّموا الصفوف في قمم جبال كردستان وفي أهوار الجنوب، وهم يدركون أن الطريق قد لا يعودون منه، لكنهم كانوا على يقين بأن وراءهم حزباً ومبادئ وشعبا، يستحق الفرح والأمان والمستقبل الأفضل.
لقد وقف الشهداء في جميع ميادين، وفي ساحات النضال، وفي وجه الاستبداد والطغيان، يدافعون عن العدالة والحرية، كانوا يدركون أن صمتهم يعني استمرار الظلم، فاختاروا أن تكون صرختهم الأخيرة صرخة حق تهزّ الضمائر، وتوقظ الجميع، وهكذا تحوّلت دماؤهم إلى رايات، وجراحهم إلى وسام شرف، وأسماؤهم إلى أناشيد تتردد على شفاه الأحرار.
ولا تقتصر عظمة شهدائنا على حدود العراق فحسب، بل تمتد إلى آفاق الإنسانية جمعاء، فقد سقط لنا شهداء خارج الوطن دفاعاً عن القيم، فقد ضحّوا من أجل مبادئ سامية توحّد البشر، من أجل العدالة والمساواة ومن أجل الحقوق، كحق الإنسان في الحرية والتعبير، والدفاع عن الكرامة الإنسانية، لقد أثبتوا أن القيم لا تموت بموت أصحابها، بل تزداد حياة وتأثيرا، وأن المبادئ العادلة أقوى من الرصاص، وأبقى من الطغاة، كما قال الرفيق الخالد فهد ((الشيوعية أقوى من الموت وأعلى من أعواد المشانق)).
وما أعظم الألم الذي خلّفه الشهداء في قلوبنا، لكن ما أعظم الفخر الذي يرافق هذا الألم، فهؤلاء الشهداء تركوا تاريخا ناصعا، ورسالة عظيمة مفادها أن الوطن يستحق التضحية، وأن سعادة الشعب تستحق التضحية.
إن دماء الشهداء لم تُسفك عبثا، بل كانت البذرة الأولى لشجرة الحرية، وخطوة نحو العدالة، وكل راية حرية تُرفع، وكل كلمة حق تُقال، إنما هي صدى لتضحياتهم، ووفاء لرسالتهم الخالدة. وهم اليوم يعيشون في ضمير الأحرار، ومن واجبنا تجاه الشهداء أن نكون على قدر تضحياتهم، نستمر بدربهم الذي ضحوا بحياتهم من أجله، وندافع عن مبادئ العدالة والإنسانية، ونبني مستقبلًا يليق بتضحياتهم. فالوفاء الحقيقي للشهداء لا يكون بالخطابات بل بالعمل والنضال الدؤوب، وبالسعي الدائم لإسعاد الشعب الذي حلموا به وضحّوا من أجله.
سيبقى الشهداء منارات تهدي دروب الحرية، وعلينا أن نعلم بأن سعادة الشعوب التي وصلت لها بعض الدول كُتبت بدماء طاهرة وأرواح عظيمة.
فسلام على شهداء حزبنا الشيوعي العراقي، وستظل أرواحهم تشعل فينا طريق النضال، وتزرع في قلوبنا جذوة الأمل والدفاع عن القيم الإنسانية ما بقي فينا عرق ينبض.
**************************************
مجداً لذكرى الشهيد منقذ عبد المجيد المبارك
كمال يلدو
ولد الشهيد منقذ عبد المجيد المبارك في (حي المعرفي) بمدينة البصرة عام 1961. اعتقل والده في انقلاب 8 شباط 1963 الذي كان معلما ونائب رئيس نقابة المعلمين، وبعد إطلاق سراحه تم نقله إداريا مع زوجته (المعلمة أيضا) إلى قضاء الدغارة في الديوانية، ثم انتقلت العائلة إلى بغداد عام 1967. أنهى منقذ الابتدائية في (مدرسة النبوغ) بمنطقة المشتل ببغداد، ولكون والدته كانت معلمة فيها. كان مستواه الدراسي جيدا وكان يجيد العزف على آلة الكيتار ويغني ويملك صوتا رائعاً. تفتحت عيون الشهيد منقذ في عائلة يسارية الهوى والفكر والمعتقد والنشاط ! كانت ثلاث من عماته ناشطات شيوعيات، واشتركت اثنتان منهن في مؤتمر السلام بموسكو عام 1957، وتم اعتقالهن بعد عودتهن للعراق بشكل سري عن طريق الكويت. واحدة من العمات مازلت على قيد الحياة (ناطقة المبارك) وهي تعيش في أقصى نقطة بعيدة عن العراق، نيوزيلندا . أما أعمامه فكانوا يساريين أيضا، العم الأوسط توفي مبكرا بحادث حرق، والأصغر عدنان المبارك كان ناقدا سينمائيا أكمل دراسته للفيزياء الذرية في كييف / أوكرانيا وكان قد توفي ودفن هناك منذ حوالي عشر سنوات .
أمام هذه الأجواء اليسارية المحيطة بالأسرة، جاء التأثير الأكبر من شقيقه (ثائر) الذي كان له شرف ربطه بالتنظيم عام 1977، ولسوء الحظ، فإن تلك الأجواء سرعان ما انقلبت وتلبدت سماء العراق بالإرهاب البعثي من جديد مع نهاية العام 1978، لكن اسم منقذ أو وضعه لم يكن معروفاً مما جنبه الملاحقة المباشرة. تمضي الأيام والليالي ثقيلة على الموجودين في السجون أو خارجها، وبالنسبة إلى منقذ الذي استمر عمله الحزبي ولو بوتيرة أبطأ، لكن يوم 9 آذار 1981 كان يوما مشهوداً ، فقد جرت محاولة اعتقال شقيقته ( سحر – الشهيدة لاحقاً) من الشارع ، لكنها افلتت من رجال الأمن بأعجوبة، وروت الحادثة لعائلتها، فنصحوها بالذهاب إلى بيتها، إذ أنها كانت متزوجة، وبيتها أصلاً لم يكن بعيدا، وفي الأثناء ذهب معها شقيقها الأصغر منقذ، وحينما حل المساء، داهمت قوة كبيرة من الأمن منزل (سحر) بغية اعتقالها، وما كان من شقيقها (منقذ) إلا أن يهب دفاعا عنها ووصل الأمر حد تبادل اللكمات مع رجال الأمن، وفي الأثناء اعتقلوه أيضا. انقطعت أخبارهما بشكل نهائي رغم المحاولات اليائسة من العائلة لمعرفة أيّ شيء، لكن لم يكن هناك ما يطمئن حتى نهاية العام 1983، إذ تم تبليغ والده بإعدامهما (منقذ وشقيقته سحر)، مع رفض تسليم جثمانيهما، ولم يدم وضع الوالد طويلا بعد هذا الخبر الذي وقع كالصاعقة عليه، إذ تدهورت صحته حتى رحل عن عالمنا عام 1986 في بغداد.
لم تكن أوضاع العوائل سهلة في تلك الظروف، فكان ممكنا ان يؤدي أي موقف تعاطف او تضامن مع تلك العائلة إلى مصير غير معلوم، كانت الناس خائفة ومرعوبة عدا عمة الشهيد (ناطقة المبارك) التي لم تكن تخشى شيئا، اذ بقيت على تواصل دائم مع العائلة.
لقد قُلبت حياة هذه العائلة رأساً على عقب نتيجة اعتقال سحر ومنقذ، وتغّييبهما ومن ثم إعدامهما وعدم تسليم جثمانيهما، فالوالد توفي والوالدة والأخوة اضطروا لمغادرة العراق .
بعد سقوط النظام عام 2003، وظهور قائمة شهداء الحزب الشيوعي العراقي ال (167) ، سعت العائلة لمعرفة مكان دفنهما، وكانت النتيجة أنهما دفنا جماعيا مع رفاقهما ورفيقاتهما في مقبرة (محمد السكران) ببغداد .
** هذه المعلومات والصور تكرم بتقديمها لي شقيق الشهيدة الأستاذ ( ثائر) : مواليد العام 1959، ترك الجامعة المستنصرية وهو في الصف الثالث عام 1979، وصل بعدها إلى العاصمة الجيكية براغ ، درس وحصل على درجة الماجستير في العلاقات الاقتصادية الدولية، متزوج من زميلته في الدراسة الجزائرية الجنسية ، ولديهم ابنتان غاليتان ، عالية وياسمين، اما عالية فهي الأخرى متزوجة ولديها ابنة اسمها (إيلا) ذات الأربع سنوات.
يختم ثائر حديثه بالقول : لسنا نادمين على أي شيء، العراق عراقنا وحكام الأمس واليوم طارئون، العراق عراقنا نحن، نحن من معدن آخر، لا علاقة له بمعدن حكام اليوم الذين ينظرون للعراق كغنيمة حرب، المرة الوحيدة التي قال فيها العراقيون رأيهم بصدق منذ سقوط النظام الدكتاتوري، هي في انتفاضة تشرين المجيدة 2019، والتي أرعبت السلطة البرجوازية الطفيلية تماما، المستقبل لنا لأنه لا خيار للعراق غير ذلك.
***********************************
اغتيال زنبقة في الحرم الجامعي
منور ناهض الخياط
عندما جاء حزب البعث في إنقلابه الثاني سنة 1968، أتبع أسلوب (الخنجر والعباية) لتثبيت حكمه، عكس ما جاء به أول مرة سنة 1963 على طريقة الكابوي وممارسة القتل في العلن.
وكان همه الأول هو إعادة ضرب الحزب الشيوعي العراقي ثانية، لأنه رغم مجازر شباط، قد عاد إلى نشاطه بقوة إلى الشارع، وكان مرشحا لإستلام السلطة، فأول ما فكر به، هو تصفية كوادره النشطة، عبر الاغتيالات وتسجيل الحوادث ضد مجهول، أو عبر التغييب في المعتقلات السرية والعلنية ومنها قصر النهاية والأمن العامة وغيرها. ومن هذه الاغتيالات، تصفية الدكتور عبد الرزاق مطلك في الموصل، فجر يوم 12-10-1968 بعد أن تسللت قوى إجرامية من السلطة داخل الحرم الجامعي حيث يسكن، وقتلوه بوحشية، ومرد ذلك إلى تاريخ الشهيد الحافل بالنشاط والتضحيات، ودوره المتميز في المطالبة بحقوق خريجي الدول الاشتراكية ومعادلة شهاداتهم، وإصراره، ولم يأبه لتحذيرات العائلة وخصوصا من أخيه الأصغر (أكرم) الذي كان طالبا في الجامعة، من إنتقام القوى المعادية للحزب وخصوصا في عمادة الجامعة.
وذكر أخوه أن الجو كان باردا فجرا ومظلما ذلك اليوم، حين سمعنا أصوات الطلقات في شقق المدرسين، وعلمنا أن أحد الرفاق من خريجي الدول الإشتراكية قد أغتيل، ثم انبأني المشهد المفزع بالحقيقة المؤلمة.
ويذكر أن الشهيد ولد في قضاء الشطرة محافظة ذي قار عام 1929، وأنهى دراسته الابتدائية فيها، ثم أكمل مرحلته الثانوية في الكوت، والتحق بكلية التجارة في بغداد عام 1946، ودفعته الظروف الإقتصادية الصعبة للعمل كقاطع تذاكر في سينما الحمراء، وعمل مدرسا في إعدادية التجارة في محافظة النجف، ثم أبعد منها لاحقا لنشاطه السياسي، وترأس فيها منظمة إتحاد الشبيبة الديمقراطي العراقي، وفي عام 1959 كان ضمن وفد الشبيبة إلى الاتحاد السوفيتي. وفي عام 1961 حصل على زمالة من الحزب إلى المانيا الديمقراطية لإكمال دراسته العليا التي توجت بالنجاح وبامتياز، تزوج من سيدة ألمانية وأنجب منها ولده الوحيد ( أكرم) الذي كان شاهدا على الجريمة وهو بعمر أربعة أعوام . وظلت زوجته مخلصة ووفيه لذاكره، فدرست العربية وحصلت على شهادة الدكتوراه فيها، لتكن صلة بين ابنها ووالده وكي يعرف تاريخه الشخصي ونضالات حزبه.
طلقات غادرة أنهت حياة المناضل الشيوعي د. عبد الرزاق مطلك وهو بعمر 39عاما.. لكن ذكراه ما تزال شاخصة في ضمائر عاشقي هذا الوطن..
*************************************
شباط الأسود
مصطفى محمد غريب
ماذا يريد الحزن؟
في شهرنا المنحوس
كأنه قاموس
يجند النفوس
بأحرف العَفَنْ
ليمتطي المحن
يُسَير الزمن
لوجهه المغموس
بالدم والفتن
***
ماذا يريد القهر؟
من رجس ما موقوت
من زمهرير الموت
وقِلة الفِطَنْ
في لحظةٍ من وقت
قامت سموم السحت
وكثرة الوَهَنْ
كعلة البدن
***
شهرٌ أذل الناس
عث أصاب القوم
في غفلة المحن
كأنه المأموت
حيث السجون
في بؤبؤ العيون
حيث السبايا القوم
وموجعات النزف
فوق الرؤوس
من صَنعة الديوث
والقتل صار القتل
في عرفهمْ ناموس
فدمروا الوطن
***************************************
شهداء
حميد مطلب - أبو نغم
تطوف إرواحكم وي
الحمامات.
تمر ببيوتنا وتنشد
سلامات…
وطنه وناسنه
وشعبه سلامات..
تطوف رواحكم..
تروي الروايات.
روايه عل المشانق
و البدايات.
روايه للأنصار
وللقواعد
والمحطات.
روايه للرصاص الصبح
چلمات.
عله بیوت النضال
اول الخطوات..
عله ذيچ الزلم
عشگت الكلفات
وعشگت گاعها
وشدت الرايات..
عله ذیچ المضایف
والولایات..
بخشوع وهيبه نذكركم
ياقامات…
قامات…
صعدت للمشانق عاليه
الهامات..
هلاهل علت
وعلت هتافات..
مامات..مامات
سالم حزبنا والشعب
حي مامات.
سلامي للنجوم
الطشت النور..
سلامي للأرواح
المدت جسور..
سلامي عل الشهيد
عل الشهيدات..
*****************************************
الشيوعيون رمز النضال والتضحيات
أحمد علي عبد الله
يحتفي الشيوعيون العراقيون وأصدقاؤهم في يوم 14 شباط من كل عام، بمناسبة حزينة على قلوبهم وهي ذكرى إعدام قادة حزبهم الأماجد (فهد – حازم – صارم) والذي أصبح يوما أيضا لإستذكار شهيدات وشهداء الحزب الذين رووا سنديانة حزبهم وسعبهم بدمائهم الزكية.
ونستذكر بهذه المناسبة، الشهيد البطل حبيب عبد محمد فرج الزبيدي من مواليد بغداد /1946 الذي درس في متوسطة النظامية ثم أكمل دراسته في إعدادية النضال للبنين عام 1965 ليلتحق بعدها بكلية التجارة حيث تخرج منها عام (70- 71) بكالوريوس- محاسبة وتم تعيينه بدرجة محاسب في وزارة التجارة / الشركة العامة للأسواق المركزية .
والشهيد حبيب وجد نفسه ومنذ صباه ،منخرطا في صفوف الحزب، أذ انضم إليه عام 1963 لروحه الثورية، وقد لعب وجوده في مدينة الكادحين والفقراء ومعقل الشيوعيين العراقيين أنذاك، أثرا كبيرا في توجهه. أذ كان ملتزما بعمله وانموذجا يقتدى به ومحبوبا بين عائلته ورفاقه وأصدقائه.
وخلال حياته الدراسية تم توقيفه عدة مرات لمشاركته في التظاهرات الجماهيرية التي اندلعت آنذاك ضد سلطة القمع التي ابتلى بها العراق، مما أدى إلى مضايقته من قبل سماسرة البعث الفاشي وتحمل الكثير من العذاب والاضطهاد النفسي والمعنوي. وفي 15-5- 1980 اعتقل في منطقة باب المعظم عندما كان يروم زيارة زوجته في مستشفى مدينة الطب (قسم النسائية) لرقودها في المستشفى المذكور
ويذكر انه زوجته أعتقلت عام 1979 ولمدة شهرين، ومرة أخرى تم اعتقالها عام 1980 ، أذ جرى خلاله ممارسة شتى أنواع التعذيب بالكهرباء عليها وكانت حينها حاملا، ووضع الجلادون العصا الكهربائية على رجلها اليسرى واسقطوها أرضا وتعرضت من جرائها إلى تخثر بالدم في الساق اليسرى إضافة إلى سحب الطفل منها ميتا وكان في الشهر الخامس إثر التعذيب الذي تعرضت له .
ومنذ اعتقال الشهيد حبيب في ذلك اليوم، لم يصل أي خبر عنه إلى عائلته بالرغم من مراجعتهم المستمرة لدوائر الأمن آنذاك، لكن بعد فترة حصلوا من الدوائر الرسمية على شهادة وفاة بإعدامه بتاريخ 1-7-1980 بالرغم من عدم تبليغهم من قبل الأجهزة الأمنية بإعدامه ولم يتم تسليم رفاته لعائلته. ورحل عنا هذا البطل إلى الأبد وهكذا أنتهت مسيرته النضالية .
انهض يا حبيب حتى ترى بأم عينيك كيف تهاوت دولة الهراوات والتعذيب والاغتيالات والمقابر الجماعية بعد ثلاثة عقود مرت مليئة بالفصول الدامية والمرعبة والتي عشناها سوية وليس لدينا أي رد على جريمة إعدامك غير مواصلة المسير في درب النضال الشيوعي .
نم يا قرير العين وسوف نواصل المسيرة من أجل وطن حر وشعب سعيد.
****************************************
سناء السوداني.. زهرة وطن غيبها القمع
عامر عبود الشيخ علي
في يوم الشهيد العراقي، يقف أبناء الوطن بخشوع أمام ذاكرة لا تنسى، ذاكرة رجال ونساء حملوا أحلام العراق على أكتافهم وواجهوا القمع والاستبداد من أجل كلمة حق، إنه يوم تتجدد فيه حكايات الخالدين التي اكتملت في ضمير الشعب، وانضمت إلى سجل خالد من التضحيات التي صانت كرامة الوطن ودافعت عن حرية أبنائه.
ومن بين هؤلاء تأتي سيرة الشهيدة سناء السوداني مواليد عام 1957، زهرة من زهرات العراق التي خطفها النظام الدكتاتوري عشية احتفالات رأس السنة عام 1979، وهي تردد أغنية (ياعشكنا فرحة الطير اليرد لعشوشه عصاري) مع المحتفلين من أهلها وأصدقائهم، سناء خريجة إعدادية الصناعة فرع الكهرباء، ملامحها عراقية ناصعة، بشعر أشقر مجعد وابتسامة تعرفها بيوت حي الخضراء قبل أن تعرفها المعتقلات، أحبها الناس لتعاونها معهم وخدمة جيرانها ولسخائها الإنساني الذي لم ينتظر مقابلا، نشأت سناء في عائلة لها تاريخ وطني مجيد، فأبوها المناضل عبد المحسن كاظم، وجدها لأمها الشخصية الوطنية الشيخ حسين الساعدي، وخالتها المناضلة نجية الساعدي، وعمها الدكتور محمد رضا السوداني، ومن هذا الإرث العائلي السياسي الشيوعي من الطبيعي، أن تمتد إلى هذا الإرث وتنضم إلى صفوف الحزب، وفي البداية انضمت إلى اتحاد الطلبة العام، وناضلت من أجل توعية الطلبة بحقوقهم، سواء كانت تلك الحقوق مطلبية على نطاق الطلبة، أو الحقوق الوطنية بشكلها عام ، وبعد تخرجها انضمت إلى إتحاد نقابات العمال مع إتساع وعيها وانغماسها في هموم الكادحين، دفاعاً عن حقوقهم في المصانع والدور والدوائر، وكانت موظفة في وزارة الزراعة، تحظى بإحترام رؤسائها وزملائها، حتى مع الذي يختلف معها بالفكر، وعملت على تنظيم العمال والنساء، وفي الوقت نفسه فتحت بيت العائلة لخدمة الناس، أذ أقامت في منزلهم ورشة صغيرة لإصلاح مضخات الماء الكهربائية مجانا، وتحولت في نظر جيرانها إلى مصدر للعون والثقة والأمل، وأخذت تشكل اللجان النقابية مع رفاقها سرا، لكن طريق الحزب لم يكن مفروشا بالورود، فتعرضت سناء، للملاحقة والإستجوابات والاستدعاءات المتكررة من أجهزة الأمن في حي الخضراء ومركز شرطة 17 تموز. تحايلت على المراقبة، ونجت مرات من التربص بفضل يقظتها، قبل أن تختطفها الأجهزة القمعية في يومها الأخير من عام 1979. غيبت في أقبية لا أسماء لها، ولم يعد جسدها إلى بيتها، لكن روحها عادت أوسع من كل البيوت، لم يضع رفاقها أسمها بين الأسطر المنسية، بل شيد لها شاهد ذكرى وتاريخ في مقبرة شهداء الشيوعيين في محافظة أربيل، وحفر أسمها في ذاكرة الوطن.
إن سناء السوداني، وكل شهداء العراق، ليسوا ذكرى تمر، بل نبراسا يدفعنا إلى الإيمان بأن الوطن يصبح حراً حين لا يخاف شعبه، ويصبح الشعب سعيدا حين لا يظلم فيه أحد.
إن استذكار الشهيدة سناء السوداني وسائر شهداء العراق هو حفظ لصفحات مشرقة من تاريخ الوطن، فراية التضحية لا تسقط ما دام في هذا البلد من يؤمن بالعدالة وكرامة الإنسان. لقد حاول الجلادون إطفاء صوتها وصوت رفاقها، لكنهم لم يدركوا "أن الأفكار لا تعتقل، وأن ذاكرة الشعوب أقوى من سياط الطغاة"،
وأن مسؤوليتنا اليوم أن نصون هذا الإرث، وأن نستمد من تلك التضحيات عزيمة لمواصلة النضال والسير على خطى حزبنا من أجل الوطن الذي حلمت به سناء ورفاقها، عراق مدني ديمقراطي خال من المحاصصة والفساد يحيا فيه العامل، والمرأة، والطالب، بلا خوف أو قيد.
سلام على شهيدات وشهداء الحزب الشيوعي العراقي والحركة الوطنية جميعا، وسلام على طريق الحرية نحو وطن حر وشعب سعيد.
**************************************
استشهاد (خالي) فرج وبحث جدتي (أم ناصر) عن جثته
نزار ياسر الحيدر
في صباح اليوم الثاني لانقلاب 8 شباط 1963 المشؤوم وخلال الساعات القليلة التي سبقت منع التجوال، بدأ العراقيون بتفقد أهاليهم وأقاربهم والسؤال عن سلامتهم من هول المجازر التي حصلت في يوم الإنقلاب وخاصة في منطقة الصالحية المتاخمة لمبنى الإذاعة والتلفزيون، زارتنا جدتي خالة والدتي (أم ناصر) وهي أرملة خمسينية جميلة الملامح لها شخصية قوية متميزة تجيد نظم الشعر الشعبي، وكانت تسكن هي وولداها (الكبير كان سجينا سياسيا في سجن الكوت)، في محلة الشواكة القريبة من بيتنا في الصالحية حيث كنا نسكن، وبعد أن أطمأنت علينا ودار الحديث عن ما حصل يوم أمس، تساءلت إن كنا قد شاهدنا إبن عمها الشاب (فرج شجر الزهيري) الذي يعمل كاسبا ويعيش في دار بجوار جدتي في محلة الشواكة أيضا، وقد خرج صباح أمس من داره بعدما سمع بالانقلاب من خلال الراديو ولم يعد لبيته!!؟ فزوجته الشابة المسكينة وأم طفليه قلقة جدا عليه ولا تعرف مصيره...؟؟ فرد أخي (ناجي) على جدتي بأنه قد شاهده صباح أمس أثناء تجمع الناس المتظاهرين في الصالحية قرب ساحة (الملوية) وكان يحمل بيده عصا وهو يهزج ويهتف مع حشود المتظاهرين تأييداً للزعيم عبد الكريم قاسم، ولكن بعد أن اقتحمت الدبابات شارع الصالحية وساحة الملوية وسيطرت على الإذاعة وهي تحمل صور الزعيم، تفرقت الحشود وطاردتهم الدبابات في أزقة الصالحية وفر الجميع ولم يعد يراه، أخي ناجي بعدها الذي عاد مسرعا لبيتنا بعد أن نجا مع من نجوا بأعجوبة من القتل ، عندها لطمت جدتي على خدودها وصرخت وقالت (هذا شاب فقير ومسكين كيف سيكون مصير زوجته وطفليه أن حصل له اي مكروه) بعدها غادرتنا جدتي مسرعة .
وفي اليوم التالي علمنا بخبر مقتل خالي (فرج) فأسرع والدي ووالدتي وأنا اصطحبهم مسرعين لبيت خالي ، وبعد برهة سألت والدتي خالتها مستفسرة عن كيفية مقتله وأين هو الآن...؟، فقالت جدتي (أم ناصر) لقد عقدت العزم بالبحث سيراً على الأقدام عن إبن عمها (فرج) في مراكز الشرطة بمنطقة الكرخ لكنها، لم تصل إلى أيةِ نتيجة لأنها كانت تظن أنه قد اعتقل وربما تجده في مراكز الشرطة لكنها واصلت البحث وهي تدور على مستشفيات الكرخ لعلها تجده مصابا او جريحا، فلم تجد له أثرا فيها أيضا، وكانت تشاهد مناظر القتلى المكدسين في ممرات وساحات المستشفيات وهي مهشمة ومقطعة وتقلب بهم لعلها تجد خالي بين هذه الجثث، فكم كانت قوية هذه المرأة ،وهي تبحث بجرأة وصلابة قل نظيرها، وكانت تسأل كل من تصادفه عن مكان وجود جثث قتلى آخرين حتى حل الليل الشتائي البارد في ذلك اليوم المشؤوم الذي يمنع به التجوال وتسمع بين الحين والآخر رشقات من الإطلاقات النارية تهز سماء وسكون ليل بغداد، لعلها كانت لأصداء المقاومة الشعبية للانقلاب في بعض محلات الكرخ، لقد نصحها بعض من صادفتهم أن تبحث عنه في المستشفى الجمهوري (المجيدية) في الباب المعظم فاضطرت لعبور الجسر إلى جانب الرصافة حتى وصلت المستشفى الجمهوري فوجدت المزيد من أكداس القتلى في ساحة وممرات المستشفى وبمناظر مخيفة لجثث مشوهة غارقة بدمائها واضطرت لأن تقلبها ربما تجد ما تبحث عنه لكنها لم تجده وكم كانت متعبة ومرعوبة لهول ما شاهدته، لقد كانت مصممة أن تجده مهما حصل، ، فنصحها أحد العاملين بالمستشفى بأن تبحث عنه في الطب العدلي والذي تقع بنايته بجوار المستشفى الجمهوري، فذهبت هناك لترى نفس المأساة وأكداس الجثث وبدأت بتقليبها وبعد عناء وتعب وجدت ابن عمها فرج بين الجثث وهو غارق بدمه، فصرخت وبكت وطلبت من بعض الموجودين أن يساعدوها بسحبه ووضع جثته عند باب الطب العدلي، لكن كانت هناك مشكلة أكبر وأعقد كيف ستتصرف بعد أن وجدت جثمانه وكيف ستحمله...؟؟ وأين ستذهب به والشوارع خالية والكل يتحاشى السير فيها، فنصحها أحد العاملين بالطب العدلي بأن تدفنه بمقبرة الشهداء المقابلة لبنايتهم في باب المعظم، فهرولت مسرعة إلى المقبرة لتطرق باب غرفة حارس المقبرة لتطلب منه أن يساعدها هو وأولاده الصبيان وقامت بإسماعه، شعرا تنتخي به رجولته وتحثه لمساعدة امرأة تطلب مساعدته وهي وحيدة، فقام هو وأولاده بحمل أحد التوابيت المتروكة في إحدى زوايا المقبرة وأسرعوا إلى بوابة الطب العدلي ونقلوا جثمان خالي إلى المقبرة وقاموا على الفور بحفر قبر في أحدِ أركان المقبرة ودفنه فيه وبدون أي مقابل فقامت جدتي بوضع علامة لتمييز قبره.
لقد رحل خالي فرج شهيدا لكنه سيبقى في ضمائر العراقيين الشرفاء مع من استشهدوا في تلك الاحداث المؤلمة الدامية.
****************************************
شيوعيو بابل يزورون عائلات الشهداء
الحلة – مائدة جميل
زار وفد من اللجنة المحلية للحزب الشيوعي العراقي في بابل عائلة الشهيد محسن حسن السعدي، في مناسبة يوم الشهيد الشيوعي 14 شباط.
وقدم الوفد إلى العائلة باقة ورد وشهادة تقدير باسم المحلية. فيما أعربت العائلة عن شكرها إلى الزائرين.
كذلك زار الوفد عائلة الشهيد محمد النعمان، سكرتير منظمة الحزب في القاسم إبان سبعينيات القرن الماضي، والذي استشهد بداية الثمانينيات بعد القاء القبض عليه وتغييبه.
وكان في استقبال الوفد ابن اخ الشهيد الدكتور محمد عباس النعمان، برفقة زوجته ابنة الشهيد. وقد عبرا عن الامتنان والشكر إلى الحزب على الزيارة والتواصل المستمر.
الوفد الذي ضم الرفيقة مائدة جميل نصيف والرفيق علي الويسي، قدم إلى العائلة باقة ورد مع رسالة اللجنة المركزية في المناسبة.
***********************************
بابل.. مباراة ودية في مناسبة يوم الشهيد الشيوعي
الحلة- علي الويسي
في مناسبة يوم الشهيد الشيوعي 14 شباط، نظمت المختصة الرياضية في اللجنة المحلية للحزب الشيوعي العراقي في بابل، الاثنين الماضي مباراة كرة قدم ودية بين فريقي حي الزهراء والشهيد رضا عزيز.
المباراة التي أشرف عليها سكرتير المختصة الرفيق علي عبد الزهرة، انتهت بفوز فريق حي الزهراء بضربات الترجيح.
وفي الختام، جرى توزيع "دريسات" على الفريقين.
*************************************
إلى الشهيد الشيوعي
سعد الشريفي
اليوم روحي اتطوف مسكونه بحزنها
اتطوف يمك
تشتم ترابك الحار وتذوب وتناديك باسمك
***
جيت اكلك
استحه الحفار من شافك
وغطاك بدمع عينه وبجاك وغاب
جرحك يدوي بضلوعي
وابد ما ينطفي بعطاب
من غبت لليوم ماشافت أهلنا الحنه
ولاحنوا الباب
الرصاص اتوشم اعله الباب
بينا جم سلام الغاب ..جم حسين
جم ستار .. جم محمود ..جم ابو كريم
ينده بصوته علينه.. وغاب بخيوط السراب
***
رادوا يحركون اسرارك بنار
وظلت المعاني وظلت الأسرار
لأن كطرة دمك الصافي
نبتت فوك كاع احرار.
***
* ياشهيد
* اليوم اكتبلك وصيتي
* اني ماشي عله دربك
* ودربك مواسم عيد
* انت الشهادة
* وجرح الشهادة يهلهل بطوله ويعيد
* تحزن وي النهر لو جرفه نكص
* وتفرح من يزيد
* اني ماشي اعله صوتك
* وصوتك بدمي نشيد
* ضميرك ماسكن غيمه ولا غيم
* نهر انت اعبرت كل المسافات وعمرك بالشهادة يطول
* واحنا من عندك ندى وتبقى النهر
* ويبقى الندى بكل الفصول ويبقى الندى بكل الفصول
****************************************
شيوعيو الثورة يواصلون زيارة عائلات الشهداء
بغداد – طريق الشعب
في مناسبة يوم الشهيد الشيوعي 14 شباط، واصلت اللجنة المحلية للحزب الشيوعي العراقي في مدينة الثورة زيارة عائلات شهداء الحزب وتوجيه الدعوات للاحتفاء بذكرى الشهداء في المناسبة.
وزارت اللجنة المحلية أول أمس الثلاثاء عائلات الشهداء جبار شنين وصفر شنين وكريم وأخيه رحيم عبعوب حطاب. واستذكرت مع العائلات مآثر أبنائها وبطولاتهم في مواجهة السلطات الدكتاتورية من أجل كرامة الوطن والشعب.
ضم وفد المحلية الرفاق عزت أبو التمن ووجيه جبار وسميرة علي (أم لينا) وهادي موله (أبو عمار) وجاسم جابر (أبو عصام) والصديق حيدر.
***************************************
الصفحة الثامنة
حصيلة الإبادة الإسرائيلية قد تتجاوز 200 ألف قتيل الأونروا: إجراءات إسرائيل بالضفة
ضربةٌ جديدة للقانون الدولي
رام الله – وكالات
حذرت وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا"، أمس الأربعاء، من أن الإجراءات الإسرائيلية الجديدة بشأن الضفة الغربية المحتلة تقوض مستقبل الفلسطينيين وتمثل ضربة جديدة للقانون الدولي.
تقويض مستقبل الفلسطينيين
الوكالة قالت عبر حسابها بمنصة "إكس": "تمهد الإجراءات الإسرائيلية الجديدة الطريق أمام تسارع توسيع المستوطنات في الضفة الغربية، بما يقوض أكثر مستقبل الفلسطينيين".
وأضافت أن تلك الإجراءات الإسرائيلية "وصفة لمزيد من السيطرة واليأس والعنف، كما تمثل ضربة جديدة للقانون الدولي، وترسيخا لسوابق خطيرة ذات تداعيات عالمية".
وأقر المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر للشؤون السياسية والأمنية "الكابينت" قرارات تستهدف إحداث تغييرات في الواقع القانوني والمدني بالضفة، لتعزيز السيطرة الإسرائيلية عليها.
ومن بين هذه القرارات: توسيع صلاحيات الرقابة والإنفاذ الإسرائيلية لتشمل مناطق مصنفة "أ" و "ب"، بذريعة وجود مخالفات تتعلق بالبناء غير المرخص، وقضايا المياه، والإضرار بالمواقع الأثرية والبيئية.
ويتيح هذا القرار الأخير لإسرائيل تنفيذ عمليات هدم ومصادرة لممتلكات فلسطينية حتى في مناطق تخضع إداريا وأمنيا للسلطة الفلسطينية، وفقا لاتفاقية "أوسلو 2" لعام 1995.
رفض إقليمي ودولي واسع
وبموجب هذه الاتفاقية، الموقعة بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، قُسّمت الضفة الغربية المحتلة مؤقتا إلى ثلاث مناطق هي "أ" و "ب"، وتشكلان نحو 39 بالمئة من مساحة الضفة، ونُقلتا إلى السيطرة والإدارة الفلسطينية.
أما المنطقة الثالثة "ج" فتشكل حوالي 61 بالمئة من مساحة الضفة الغربية، وتظل تحت السيطرة الإسرائيلية إلى حين توقيع اتفاقية الوضع الدائم، والتي كان من المفترض، بسحب الاتفاقية، توقيعها بحلول أيار 1999.
وأثارت القرارات الإسرائيلية الجديدة رفضا فلسطينيا وإقليميا ودوليا، وسط دعوات إلى تدخل المجتمع الدولي، وتحذيرات من توجه إسرائيل نحو ضم الضفة الغربية رسميا إليها.
خسائر بشرية هائلة
في الأثناء، رجّحت أكاديمية جنيف للقانون الدولي الإنساني أن يكون عدد القتلى جراء الإبادة الإسرائيلية قد تجاوز 200 ألف شخص، استنادًا إلى تقديرات بانخفاض عدد الفلسطينيين بقطاع غزة بأكثر من 10 بالمئة منذ تشرين الأول 2023.
ويقول ستيوارت كيسي ماسلن، رئيس مشروع التركيز على القانون الدولي الإنساني في الأكاديمية، إن هذا التراجع السكاني يعني فقدان نحو 200 ألف شخص، مشيرًا إلى أن الأرقام المتداولة حتى الآن لا تعكس الحجم الكامل للخسائر البشرية.
وجاءت تصريحات ماسلن في سياق تقرير مرصد النزاعات المسلحة War Watch الذي نشرته أكاديمية جنيف للقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، وتناول أوضاع قطاع غزة إلى جانب 23 نزاعًا مسلحًا شهدها العالم خلال الأشهر الثمانية عشر الماضية.
ظروف مقلقة
ويوضح ماسلن أن الوضع في غزة لا يزال خطيرًا للغاية، قائلًا: "نرحّب بعدم تكرار الاشتباكات العنيفة التي سبقت وقف إطلاق النار العام الماضي، لكن هذا لا يعني أن معاناة الفلسطينيين في غزة قد انتهت".
ويضيف: "الجميع في غزة - لا سيما الجرحى الذين يحتاجون إلى إجلاء آمن وعلاج مناسب - يواجهون ظروفًا مقلقة، الناس ما زالوا يموتون في غزة".
ويشدّد على الحاجة الملحّة إلى زيادة المساعدات الإنسانية، خصوصًا الغذاء والمياه، إلى جانب توفير المأوى والحماية من الظروف الجوية القاسية والعلاج الطبي.
ويشير ماسلن إلى وجود توافق عام على أن أكثر من 70 ألف مدني قُتلوا في غزة منذ تشرين الأول 2023، لكنه يؤكد أن الرقم لا يمثل الحصيلة النهائية.
ويوضح أن هذه الأعداد تعكس فقط الجثث التي جرى العثور عليها، فيما يُرجّح وجود عدد أكبر تحت الأنقاض.
إحصائية حديثة
وكانت وزارة الصحة بقطاع غزة، أعلنت الثلاثاء، أحدث إحصائية للضحايا الفلسطينيين وقدرتها بـ 72 ألفا و37 قتيلا و171 ألفا و666 مصابا، وأشارت إلى وجود آلاف من الضحايا تحت الركام بسبب عجز طواقم الإسعاف والدفاع المدني عن الوصول إليهم.
ويضيف ماسلن أن تقريرًا صادرًا عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني أظهر أن عدد المواطنين بغزة انخفض بأكثر من 10 بالمئة.
ويؤكد أن هذه التقديرات بحاجة إلى تحقق، لكنها – إن صحت – تعني أن عدد الضحايا يتجاوز بكثير الأرقام المتداولة حاليًا، وقد يصل إلى أكثر من 200 ألف شخص.
************************************
فنزويلا تنفي بيع نفط خام للاحتلال الإسرائيلي
كاراكاس – وكالات
نفى وزير الاتصالات في فنزويلا ميغيل أنخيل بيريز، تقارير إعلامية تحدثت أن كاركاس باعت نفطا خاما للاحتلال الإسرائيلي. وأوضح بيريز عبر منصة "تلغرام" أن ما تناقلته بعض وسائل الإعلام بشأن هذا الموضوع "عار عن الصحة". ونشر الوزير الفنزويلي صورة لصحيفة بلومبيرغ التي ذكرت الادعاء، وأرفقها بكلمة "مُزيّف". وزعمت بلومبيرغ أن شحنة النفط الخام بيعت حديثاً إلى مجموعة بازان، وأنها أول عملية بيع نفط من فنزويلا إلى إسرائيل منذ قطع العلاقات الدبلوماسية معها عام 2009. تأتي هذه الادعاءات بعدما شن الجيش الأمريكي في 3 كانون الثاني الماضي، وفي انتهاك للقانون الدولي، هجوما على فنزويلا أسفر عن قتلى واعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته واقتيادهما إلى الولايات المتحدة. وأعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لاحقا أن بلاده ستتولى إدارة شؤون فنزويلا خلال فترة انتقالية، وسترسل شركاتها للاستثمار في قطاع النفط، دون تحديد جدول زمني.
************************************
السلطة تخنق اتحاد الشغل التونسي بتجفيف التمويل
تونس – وكالات
يثير قرار وقف اقتطاع (الاشتراكات) النقابية آلياً من أجور العمال لصالح الاتحاد العام التونسي للشغل جدلاً واسعاً في الأوساط النقابية والاقتصادية في تونس، وسط مخاوف من تأثيراته في تمويل أكبر منظمة عمالية بالبلاد، وعلى قدرتها في الدفاع عن حقوق العمال والموظفين.
ويأتي هذا التطور في سياق علاقة متوترة بين السلطة التنفيذية والاتحاد، ما يضفي على القرار أبعاداً سياسية ونقابية تتجاوز الجانب المالي البحت. وأعلن أعضاء من المكتب التنفيذي لاتحاد الشغل التونسي أن السلطات التنفيذية أوقفت فعلياً الاقتطاع الآلي للاشتراكات النقابية بداية من شهر شباط الحالي، فيما لم تصدر الحكومة أي منشور توضيحي بشأن ذلك. وتعتمد المنظمات النقابية، وعلى رأسها الاتحاد العام التونسي للشغل، على اشتراكات المنخرطين مصدراً رئيسياً لتمويل أنشطتها، إذ يوفر نظام الاقتطاع المباشر من الأجور تدفقاً مالياً منتظماً، يضمن للمنظمة الاستقرار المالي، وقدرة التخطيط لأنشطتها النقابية والتكوينية والاجتماعية. منذ أشهر، تسعى سلطات تونس إلى تحجيم دور الاتحاد العام التونسي للشغل؛ حيث أقر قانون الموازنة للعام الحالي لأول مرة بنداً يتعلق بالزيادات في رواتب العاملين ومعاشات المتقاعدين لسنوات 2026 و2027 و2028، سيجري تحديد قيمتها بموجب أمر حكومي دون إبرام اتفاق مع النقابات، خلافاً لما جرت عليه العادة في جولات المفاوضات الاجتماعية السابقة.
**************************************
تركيا.. تعيين وزير عدل مسؤول عن حملة قمع واسعة
انقرة – وكالات
عين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، المدعي العام السابق لإسطنبول، أكين جورليك، في منصب وزير العدل. وكان جورليك المسؤول عن حملة قمع واسعة استهدفت حزب المعارضة الرئيسي وأثارت انتقادات حادة. ومنذ تعيينه مدعيا عاما في 2024، أشرف جورليك على سلسلة من الاعتقالات والاتهامات التي استهدفت حزب الشعب الجمهوري، إلى جانب التحقيقات مع رئيس بلدية إسطنبول المسجون أكرم إمام أوغلو. وجرى اعتقال المئات من أعضاء الحزب ومسؤولين منتخبين في حملة القمع الواسعة التي وصفت على نطاق واسع بأنها مُسيسة، وهو ادعاء ترفضه الحكومة. وقالت نائبة رئيس حزب الشعب الجمهوري جول جفتجي في بيان على منصة إكس إن تعيين جورليك "مكافأة صريحة على العمليات التي نفذها ضد حزبنا". ويشكل تعيين أردوغان لجورليك وزيرا للعدل، خلفا ليلماز تونج، أول تعديل وزاري منذ الانتخابات التي جرت منتصف عام 2023. وصدر الإعلان عبر بيان نشرته الجريدة الرسمية. وجاء في البيان أيضا أن أردوغان عين حاكم أرضروم مصطفى جفتجي وزيرا للداخلية خلفا لعلي يرلي قايا.
*****************************************
معلنةً التضامن مع نضال الشعب الإيراني.. أحزاب شيوعية وعمالية دولية تدين التدخل الإمبريالي
متابعة ـ طريق الشعب
أصدرت عشرات الأحزاب الشيوعية والعمالية حول العالم بيانًا مشتركًا أدانت فيه بشدة التهديدات الأمريكية والإسرائيلية بشن عدوان عسكري على إيران، مؤكدة تضامنها الكامل مع نضال الشعب الإيراني من أجل السلام والسيادة والحقوق الديمقراطية والعدالة.
وحمل البيان تواقيع 51 حزبا شيوعيا وعماليا في ارجاء العالم، في تعبير عن موقف تضامني أممي يرفض العدوان الإمبريالي ويدعم حق الشعوب في تقرير مصيرها.
وأشار البيان إلى الاحتجاجات الشعبية التي اندلعت في 28 كانون الأول في طهران، والتي بدأت باحتجاجات تجّار البازار على الانهيار الحاد للعملة الوطنية، قبل أن تمتد إلى مدن إيرانية أخرى. واعتبر الموقعون أن هذه الاحتجاجات تعبّر عن سخط جماهيري واسع ناجم عن الفساد البنيوي، وتدهور الأوضاع المعيشية، وتطبيق سياسات اقتصادية نيوليبرالية، إضافة إلى الآثار الكارثية للعقوبات الإمبريالية على حياة المواطنين.
ووفقًا لتقارير نشرها حزب توده إيران، أدان البيان القمع الذي مارسته السلطات الإيرانية ضد المحتجين السلميين، مشيرًا إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا منذ 8 كانون الثاني، بينهم شباب وعناصر من قوات الأمن، فضلًا عن فرض إغلاق شبه كامل للإنترنت بهدف منع تداول المعلومات حول حجم العنف.
كما حذّر البيان من محاولات الولايات المتحدة والحكومة الإسرائيلية الاجرامية استغلال الاحتجاجات الشعبية ودفعها نحو العنف، وتهيئة الأجواء لتدخل عسكري مباشر في إيران، إلى جانب الترويج الإعلامي لخطاب مضلل يدّعي مطالبة الشعب الإيراني بعودة النظام الملكي.
وأكدت الأحزاب الموقعة إدانتها الشديدة للتهديدات الأمريكية والإسرائيلية بشن عدوان عسكري على إيران، معلنة تضامنها الكامل مع الشعب الإيراني، وحزب توده إيران، والقوى اليسارية والتقدمية، ومشددة على أن مستقبل إيران شأن يقرره الشعب الإيراني وحده.
****************************************
أهمية هزيمة الفاشيين الجدد في انتخابات رئاسة جمهورية البرتغال
رشيد غويلب
أسفرت الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية البرتغالية التي جرت الأحد الفائت عن هزيمة المعلق الرياضي السابق ومؤسس حزب "شيغا" ومرشحه الفاشي الجديد أندريه فينتورا، الذي حصل على 33.2 في المائة من الأصوات، فيما حقق منافسه أنطونيو خوسيه سيغور، الأمين العام السابق للحزب الاشتراكي الديمقراطي الاجتماعي نصرا واضحا، بحصوله على 66.8 في المائة من أصوات الناخبين، أي قرابة 3.5 مليون صوت، مثلت قوى البلاد السياسية المناهضة للفاشية، حصل سيغور على أعلى عدد من الأصوات منذ انتصار ثورة القرنفل في نيسان 1974، وعودة البرتغال إلى الديمقراطية، وخلف سيغور الرئيس المنتهية ولايته اليميني المحافظ مارسيلو ريبيلو دي سوزا، الذي أمضي دورتين رئاستين، ووفقًا للدستور النافذ، لا يحق له بعدها الترشح لدورة ثالثة.
لقد أعلن سيغورو بعد فوزه: "أنا حرٌّ وغير مقيد، وسأتصرف وفقًا لذلك خلال فترة ولايتي التي تمتد لخمس سنوات". هنأ رئيس الوزراء البرتغالي لويس مونتينيغرو، الذي يقود حكومة أقلية تضم الحزب الاشتراكي الديمقراطي المحافظ الليبرالي وحزب الشعب الديمقراطي اليميني، سيغورو. وأعلن، نيابةً عن الحكومة، "استعدادنا التام للتعاون من أجل مستقبل البرتغال"، ووعد بـ "التعاون الكامل". وعندما سُئل عما إذا كان موقف أندريه فينتورا اليميني المتطرف قد تعزز، أجاب رئيس الوزراء بأنه لم يتغير شيء. وعلى الرغم من هزيمته، صرّح فينتورا لأنصاره: "نحن نقود اليمين في البرتغال، وسنحكم هذا البلد قريبًا".
لم يحصل أي من المرشحين الأحد عشر على الأغلبية المطلقة في الجولة الأولى التي جرت في 18 كانون الثاني الفائت. وكان سيغور متقدماً بنسبة 31.1 قي المائة، متفوقاً على فينتورا الذي حصل على 23.5 في المائة. يعد تأهل مؤسس حزب شيغا إلى جولة الانتخابات الحاسمة خطوة رسخت صعود الفاشيين الجدد. لقد أنهى هذا الحزب، الذي تأسس عام 2019 فقط، هيمنة الحزب الاشتراكي الليبرالي PSD والحزب الديمقراطي الاجتماعي SP التي دامت عقوداً. ومنذ الانتخابات البرلمانية التي جرت في أيار الفائت أصبح شيغا ثاني أكبر حزب بعد حزب المحافظين.
احذروا التراخي
لا يدعو انتخاب سيغور إلى التراخي. فبعد مرور نصف قرن من سقوط الفاشية والاستعمار في البرتغال، يعود حزب فاشي جديد عنصري ذو قيم رجعية وقومية إلى الظهور مجدداً. والإعلام والسياسيون اليمينيون المحافظون يمهدون الطريق له. لقد أدلى ثلث الناخبين بأصواتهم لصالح فينتورا في الجولة الثانية، الذي يدّعي محاربة النظام الفاسد والنخب الحاكمة، بينما حزبه مدعوم من قبل أصحاب الملايين. ثمة أسباب وجيهة كثيرة للسخط المتضررين واحتجاجهم: الفجوة الصارخة بين الأغنياء والفقراء، وانخفاض الأجور وأزمة السكن، ونقص تمويل نظام الرعاية الصحية، والاعتداءات على الحقوق الاجتماعية والعمالية.
إن فوز رئيس الجمهورية الجديد، لا يعني تحولا نحو اليسار، فهو من ممثلي الجناح التقليدي في الحزب الديمقراطي الاجتماعي، بالإضافة إلى أن النتائج الضعيفة لليسار الماركسي، إذ حصل مرشحو الحزب الشيوعي البرتغالي، وحزب كتلة اليسار، وحزب الحرية مجتمعين على أكثر من 4 في المائة فقط، مما يرفع الضغط عليه من اليسار.
نظام سياسي هجين
بالنظر إلى دور رئاسة الجمهورية في نظام البرتغال السياسي، فإن حالة عدم اليقين الراهنة لها عواقب وخيمة. فالنظام ليس برلمانيًا بالكامل، بل شبه رئاسي: فبينما لا يحكم الرئيس ولا يعيّن الوزراء، إلا أنه يملك صلاحية حلّ البرلمان، ونقض التشريعات المُقرّة، والطعن فيها أمام المحكمة الدستورية، والدعوة إلى استفتاءات. وقد استغلّ الرئيس المنتهية ولايته، ريبيلو دي سوزا، هذه الصلاحيات إلى أقصى حدّ من خلال الجمع بين الخيارات الدستورية، كحلّ البرلمان، لذا، من الأهمية بمكان عدم النظر إلى هذه الانتخابات من منظور رمزي فقط، ولا نقلل من تأثيرها الكبير على المشهد السياسي المضطرب في البرتغال.
وبينما تحتفل النخبة الأوروبية بفوز حزب سيغورو الاشتراكي المعتدل، يعاني الوسط السياسي في البرتغال من استنزاف حادّ مع انهيار التحالفات السياسية والانتخابية التقليدية. هذه أزمة حقيقية، يستغلها اليمين المتطرف كصوت احتجاجي لتعزيز نفوذه وكسب المزيد من التأييد: من قيادة المعارضة في الانتخابات البرلمانية في ايار2025 إلى فوزه التاريخي في انتخابات كانون الثاني من العام الحالي، والذي ضمن وصول مرشحه إلى جولة من الانتخابات الرئاسية الثانية.
في تشرين الأول الفائت، اعتلى فينتورا منصة الجمعية الوطنية البرتغالية، مستحضرًا ذكرى الديكتاتور البرتغالي أنطونيو سالازار، داعيًا إلى "سالازار واحد، أو اثنين، أو حتى ثلاثة" لإعادة البرتغال إلى مسارها الصحيح. وبهذا، أظهر نزعات ديكتاتورية وتحدى التقاليد الديمقراطية لثورة القرنفل، وهو أمر لم يكن أحد يتصوره قبل بضع سنوات فقط، كاشفًا عن عمق الأزمة الديمقراطية في البرتغال.
**********************************
الصفحة التاسعة
في ذكرى رحيل البروفيسور عز الدين مصطفى رسول
حسين الجاف
المعلم والأستاذ والمفكر الراحل عز الدين لم يرحل، فلا يزال الرجل حيًّا بيننا بكتبه التي اقتربت من المائة، باللغات الكردية والعربية والروسية، وبجهاد جده المرحوم الحاج ملا رسول الديليزه يي (أحد خلفاء الصوفي الكردي الشهير كاكه أحمد الشيخ، رئيس الطريقة الصوفية القادرية في العراق والعالم)، وكان الديليزه يي من أبرز داعمي الملك محمود الحفيد في جهاده الطويل ضد الاحتلال البريطاني في عشرينيات القرن المنصرم. فضلًا عن ذلك فإن عز الدين مصطفى رسول كان وارث تراث أبيه، عالم الدين المستنير، الشاعر والأديب الملا مصطفى رسول الملقب (صفوة)، الذي كان يحشد الحشود من الشباب الكردي لدعم قضية فلسطين بالدم والمال والسلاح إبان الحرب العربية – الإسرائيلية عام ١٩٤٨، مثلما كان مشهودًا له بنضاله الوطني المخلص كشخصية فكرية مرموقة في مضامير السياسة والثقافة والتعليم الجامعي والصحافة ، سريتها وعلنيتها، والإذاعة والعمل النقابي التعليمي واتحاد الأدباء العراقيين، ناهيك عن عمله في صفوف الحزب الشيوعي العراقي والمنظمات الطلابية العراقية والعالمية، فكان صوتًا واعيًا متفردًا بالإخلاص والوطنية داخل الوطن وخارجه، مرتبطًا بأقوى العلاقات مع أشهر الأدباء العراقيين كالجواهري والسياب والبياتي ونازك الملائكة وبلند الحيدري وحسين مردان وفاضل ثامر ومظفر النواب وصلاح خالص ومهدي المخزومي وعبد الملك نوري وعبد الله كوران وشيركو بيكس وعبد اللطيف بندر أوغلو، ومن العرب أدونيس وحسين مروة وأحمد سليمان الأحمد وسميح القاسم ومحمود درويش وحنا مينا وغيرهم.
وأذكر، وقد كنت قريبًا منه جدًا أنا والشاعر الكردي الراحل محمد البدري والدكتور رؤوف والدكتور فؤاد حمه خورشيد أيام سكن رسول في بغداد في السبعينيات والثمانينيات الماضية، حيث كنا نلتقيه تقريبًا بشكل شبه يومي في صالة جمعية الثقافة الكردية ليحدثنا بحديثه الشجي عن أمور الأدب والحياة ووقائع الأمور النضالية في عراقنا العزيز، وعن ذكرياته الأدبية في كوردستان الحبيبة والعالم، حديث العالم لمحبيه، والأستاذ لتلامذته، والأب لأبنائه. وبالإضافة الى شيوعيته كان اعتزازه عميقا بقوميته الكردية الذي كان يسير مع فكره الأممي الإنساني في خط متوازٍ.
وكانت الجمعية الكردية الشهيرة منتدى فكريًا مرموقا تُطرح فيه الأمور بهدوء وشفافية من قبل أعلام مفكري الكرد ومشاهير مثقفيهم، منهم د. مكرم الطالباني، ود. عز الدين مصطفى رسول، ومحمد الملا عبد الكريم، ود. معروف خزندار، ود. كاوس قفطان، ود. عبد الرحمن حاج معروف، ود. وريا عمر أمين، ود. حسين قاسم العزيز، ود. أحمد عثمان أبو بكر، ود. عبد الستار طاهر شريف، ود. سامال مجيد فرج، وغيرهم.
وفي تلك الفترة تم تشكيل الهيئة الإدارية لاتحاد الأدباء الكرد ببغداد للمرة الثانية بعد تأسيسه الأول عام ١٩٦٩ على ما أذكر، وفي التأسيس الثاني كانت الهيئة الإدارية قد تشكلت برئاسة الراحل العزيز د. عز الدين وعضوية الراحلين الملا شكور مصطفى وعبد الستار طاهر شريف ومحمد البدري، والأساتذة لطيف هلمت وصلاح شوان وبدر خان السندي وآخرين.
وأذكر، وبعد زيارة صدام حسين إلى منطقة (قشقولي) في كوردستان العراق في نوروز عام ١٩٧٨، ولما لم تجد الزيارة صداها في كتابات الأدباء الكرد، أغاظ هذا الموقف المشرف لأدبائنا تجاه الزيارة (غير المرحب بها من قبل الكرد) تلك السلطات الحاكمة الجائرة، وفي مقدمتهم وزير شؤون الشمال يومئذ المدعو خالد عبد عثمان الكبيسي، الذي استدعى الهيئة الإدارية لاتحاد الأدباء الكرد المتواجدين في بغداد (على غير عادة مسؤولي البعث في حينها) إلى اجتماع غير اعتيادي، وقد أثارت الدعوة استغراب أدبائنا، ولغرض إظهار التفاف الأدباء الكرد حول اتحادهم ذهب حتى بعض الأدباء من غير أعضاء الهيئة الإدارية معهم في اللقاء، وكنت أنا ومحمد زامدار من بينهم.
وكان موقع الوزارة في بداية مدخل شارع الجمهورية قرب نفق العبور من جهة ساحة التحرير، وعند دخولنا مكتب الوزير الفخم أحسسنا من تقاطيع وجهه المتجهم وبرودة استقباله لنا بأن ثمة أمرًا غير ودي في الطريق إلى إسماعنا، حتى قال د. عز الدين بهمس وكنت قريبًا منه: (يا ربي سترك). ولم تمضِ على جلوسنا إلا دقائق قليلة جدًا، وحتى قبل فراغنا من تناول أقداح شاي الضيافة، حتى قال الوزير (الدميم قصير القامة) بدون مقدمات، موجهًا كلامه بشكل مفاجئ إلى رئيس الوفد: صدك دا أكلك يا دكتور عز الدين، تره آني عاتب عليك أولًا بشدة وعلى ربعك الأدباء الجايين وياك، ثانيًا شلون ما انعكس إنزال السيد النائب في منطقة قشقولي في الشمال في أشعار وترحيبات أدبائكم بهذا الإنزال البطولي في عيد نوروز؟ شيء غريب وغير متوقع جدًا جدًا منكم.
وهنا تصدى أديبنا الكبير للهجوم العدواني غير المبرر والاتهام السافر لأدبائنا، ورد عليه بعصبية وبكل جرأة: سيادة الوزير المحترم، كلامك لا داعي له وغير مقبول مع احترامي الشديد لسيادتك. فانفعل الوزير بتصنع وانفعال ظاهرين وقال بعصبية: قائد يذهب إلى منطقة خطرة للتهنئة ولا يكون لفعله البطولي أي صدى في أدبياتكم؟ وهنا رد الدكتور له الصاع صاعين وقال له: هل كوردستان أرض غير عراقية يا سيادة الوزير؟! وهل أهلها أعداء للسيد النائب حتى تصفها وأهلها بهذا الشكل؟! ، فالرجل كان في وطنه وبين أهله وناسه، ولا أظنه سيقبل بكلامك هذا مطلقًا إن سمع به.
وهنا أدرك الوزير الحاقد (الذي أُعدم بعد فترة قصيرة جدًا من لقائنا به فيما أُطلق عليها بمجزرة قاعة الخلد) خطل ما قال وخطأ ما وقع فيه، وقال نادمًا مخافة أن يحاسبه سيده الدكتاتور الكبير: عفوًا عفوًا عفوًا، أنا لم أقصد ذلك نهائيًا وأعتذر جدًا عن سوء الفهم، فالسيد النائب يحب الكرد. لكن د. عز الدين أصر على موقفه المنتصر: ولكن يا سيادة الوزير هذا ما فهمناه بكل أسف من كلامك. وهنا وجه كلامه إلينا وقال: بالله عليكم أليس هذا ما فهمتموه من كلام سيادة الوزير أيها الزملاء؟ فقلنا نكاية بالوزير البعثي وبصوت واحد: "نعم". ثم تابع د. عز الدين قائلًا: إني كرئيس للاتحاد ليس عندي منفاخ لأنفخ في أدبائنا روح الوطنية التي تريدها منهم، فهم أحرار.
وهكذا انقلب السحر على الساحر، فألقم رئيس وفدنا الوزير البعثي الحاقد درسًا لن ينساه.
وهناك موقف اخر مشهود لمسته من أستاذي ومعلمي الدكتور عز الدين، فهو عندما كرمه الاتحاد الوطني الكردستاني بالميدالية الذهبية للمفكر والمناضل السياسي الكبير إبراهيم أحمد، التي قدمها له فخامة الرئيس الراحل مام جلال وزوجته السيدة الأولى هيرو إبراهيم كونه أديبًا كرديًا بارزًا ومناضلًا من أجل قضية وطنه وشعبه، إذ شكر الدكتور عز الدين الاتحاد الوطني المناضل على هذا التكريم، كما شكر فخامة الرئيس مام جلال وزوجته بقوله: فخور جدًا جدًا بهذا التكريم العظيم من لدن فخامة الرئيس المناضل وزوجته الكريمة والاتحاد الوطني المناضل، وبهذه المناسبة السعيدة جدًا أشكر الحزب الشيوعي العراقي المناضل العنيد والمدافع العتيد عن حقوق شعبنا العراقي العظيم بعربه وكورده وباقي مكوناته المتحابة، إذ لولا تشبعي بمبادئه الإنسانية العظيمة ونضالي لما يقرب من خمس وستين عامًا (لحد الآن) في صفوفه، وإيماني بعظمة القضايا التي ينادي بها ويسعى لتحقيقها، لما وصلت إلى هذه الدرجة التي استحققت فيها أن أُكرم بهذه الميدالية النضالية الكردية القيمة... ذلك الحزب العظيم الذي لم أنقطع عن العمل في صفوفه والنضال من أجل تحقيق أهدافه حتى ولا يوم واحد خلال السنوات الخمس والستين من عمر انتمائي إلى صفوفه، بالرغم من كل الظروف التعسة التي مر بها البلد والظلم والإرهاب والاضطهاد الذي تعرض لها أعضاؤه.
وبعد فترة قصيرة من هذه المناسبة التقيت شخصيًا مصادفة في أروقة مقر الحزب الشيوعي المناضل ببغداد بالمناضل التاريخي أبي داود (حميد مجيد موسى)، وكان في حينها سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي المناضل، فقلت له ما سمعناه من أديبنا الكبير، فقال بأريحيته المعهودة: إذا قال عزي إنه لم ينقطع ولا يوم واحد عن التواصل مع حزبنا فأنا أضيف: إن عزي لم ينقطع حتى ولا ساعة واحدة من التواصل مع حزبنا.
وقد علمت أيضًا شخصيًا من الأديب الكردي الدكتور رؤوف عثمان عضو البرلمان العراقي الأسبق، بأنه وأثناء عضويته في البرلمان العراقي كان المناضل أبو داود يحمله تحياته الحارة لمفكرنا الكبير عزالدين مصطفى رسول كلما عاد في إجازة إلى بلدته (السليمانية) بقوله: بلغ أحر تحياتي وأطيب تمنياتي للرفيق الكبير العزيز المناضل عز الدين.
*************************************
المجد والخلود لشهداء الشعب ضحايا الانقلاب الدموي في 8 شباط ١٩٦٣
بشار قفطان
يبقى ما حصل في شهر شباط عام ١٩٦٣ من ذكريات مؤلمة ومأساوية يشيب منها الطفل، وهي يمكن تكون امتدادا لشباط عام ١٩٤٩ الذي تم فيه إعدام مؤسس الحزب الشيوعي العراقي الرفيق الخالد فهد ورفيقيه عضوي المكتب السياسي حازم وصارم،
يوم الثامن من شباط عام ١٩٦٣ حصل فيه استهداف المنجزات التي حققتها ثورة الرابع عشر من تموز عام ١٩٥٨ التي كانت حصيلة نضال القوى الوطنية والديمقراطية وتصفية خيرة الكفاءات والشخصيات الوطنية والتقدمية من مدنيين وعسكريين الذين ساهموا في وضع الأسس الوطنية للثورة تلك المنجزات، يوم الثامن من شباط من ذلك العام يبقى وصمة خزي وعار على جباه منفذي ذلك الانقلاب الدموي.
الثامن من شباط عام ١٩٦٣المصادف في الرابع عشر من رمضان كان يوما تاريخيا مشؤوما في طبيعة الجرائم التي ارتكبت يسجل في العراق، أريق فيه الدم العراقي على يد طغمة مستبدين بدعم إقليمي وأجنبي معادين لمصلحة البلد راهنوا على قتل وتصفية كل من أحب التقدم والبناء والدفاع عن منجزات تموز ١٩٥٨ الوطنية.
لقد كان القتل في ذلك اليوم وما تلاه مجانيا ومشرعنا وفق بيانات ونداءات وتحريض من قبل الانقلابيين، وكانت تصدر من أعلى السلطات الحاكمة بدلالة البيان سيء الصيت رقم ١٣ الصادر من قبل الحاكم العسكري عبر وسائل الإعلام المسموعة والمقروءة الذي أباح فيه قتل الشيوعيين وأنصارهم وكل من يقف بوجههم.
ولم ينج من تلك الهجمة السوداء كل من اتهم بمعاداتهم او من وقف بوجههم، وكانت المعتقلات والسجون والنوادي والسينمات تغص بالمئات لا بالآلاف من خيرة أبناء الشعب من ذوي الرأي والعقيدة.
كانت حقا اياما سوداء رهيبة عشناها، المقاومة الباسلة التي خاضها الشباب ضد الانقلابيين في عگد الأكراد، في شارع الكفاح، وأمام وزارة الدفاع والصالحية، والكريمات والمقاومة البطولية المسلحة في مدينة الكاظمية تعبير لا يمكن تجاهله عن رفض جماهير واسعة من أبناء الشعب للانقلاب، تلك المقاومة الجماهيرية كلفت أبناء شعبنا ثمنا باهضا من الضحايا من خيرة بنات وأبناء شعبنا من مدنيين وعسكريين ومن شخصيات سياسية وطنية مرموقة وخصوصا من قادة الحزب الشيوعي العراقي، سلام عادل ورفاقه جمال الحيدري وحسن عوينة وعبد الرحيم شريف ومحمد حسين ابو العيس وغيرهم من خيرة العسكريين، وما تميزت به المسالخ البشرية في مديرية الأمن العامة والنادي الأولمبي وقصر النهاية في التصفية الجسدية وممارسة كل أشكال التعذيب بحق الخصوم السياسيين .والمنظر المقزز الذي عرضه تلفزيون بغداد في تنفيذ حكم الإعدام بحق الزعيم الوطني عبد الكريم قاسم ورفاقه العقيد فاضل عباس المهداوي والعقيد طه الشيخ أحمد وكنعان حداد في دار الاذاعة ظهر يوم التاسع من شباط عام ١٩٦٣، كل ذلك يصادف يوم الرابع عشر من شهر رمضان الذي يحرم فيها سفك الدم.
تبقى ذكرى الانقلاب الدموي وصمة خزي على جباه المنفذين.
المجد والخلود لشهداء الشعب من جراء الانقلاب الفاشي.
*************************************
بين عبد الكريم قاسم وحكام ما بعد 2003 منطق الدولة يُسقِط الذرائع
إحسان باشي العتابي
ليس من باب الحنين إلى الماضي، ولا من زاوية التقديس او الشيطنة، تستحضر التجارب السياسية في تاريخ الدول، بل من باب القياس العقلي ومعيار الدولة بوصفها فعلا ومسؤولية لا خطابا وذرائع. فالتاريخ، حين يقرأ بإنصاف، يتحول إلى مرآة كاشفة تفضح منطق الحكم، وتسقط المبررات الجاهزة التي يتكئ عليها الفشل. ومن هذا المنطلق، تفرض المقارنة بين تجربة عبد الكريم قاسم وتجارب من حكموا العراق بعد عام 2003 نفسها، لا بوصفها مقارنة اشخاص، بل مقارنة منطق دولة مقابل منطق أعذار.
منذ انطلاق ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958، واجه مفجرها عبد الكريم قاسم واقعا سياسيا شديد التعقيد، اذ لم يكن محاطا بالإجماع أو القبول، بل على العكس تماما؛ فقد اصطفت ضده قوى متعددة ومتباينة، بدءا من اتباع النظام الملكي، مرورا بالقوميين والبعثيين، وصولا إلى أطراف إقليمية ودولية لم تكن راغبة بقيام جمهورية عراقية مستقلة القرار. ورغم هذا المشهد المليء بالخصومات والمؤامرات، لم يتخذ عبد الكريم قاسم من كثرة الأعداء شماعة يعلق عليها الفشل إذا ما وقع ، بل انصرف إلى العمل الميداني، وترك أثرا ملموسا على الارض في مختلف القطاعات إلى يومنا هذا، واضعا خدمة العراق فوق كل اعتبار، إلى أن اطيح بحكومته بانقلاب قادته قوى داخلية، كانت بوعي أو بدونه، ادوات لمشاريع دول معادية للعراق.
في المقابل، ومنذ عام 2003 وحتى اليوم، اعتاد الرأي العام على سماع خطاب متكرر من الطبقة الحاكمة، مفادها "أعداء الشيعة" لم يسمحوا بإعمار المحافظات ذات الغالبية الشيعية فضلا عن بقية محافظات العراق، في تبرير دائم للفشل وسوء الإدارة. هذا الخطاب يثير تساؤلات مشروعة، خصوصا وأن هذه القوى نفسها تعلن ليلا ونهارا، أنها تمثل الأغلبية وتمسك بمفاصل الدولة كافة: تشريعا، وتنفيذا، وقرارا.
هل الاعداء - المزعومون - هم من دفعوا بعض الجهات إلى مساومة الشركات المنفذة للمشاريع التي من شأنها أن تنهض بالبلد؟
هل الاعداء هم من جعلوا المناقصات تباع من شخص إلى آخر ومن جهة إلى اخرى؟
هل الاعداء هم من أنتجوا مشاريع فاشلة لا ترقى حتى لأن تقدم كمساعدة رمزية او منحة تقديرية لدولة تحترم؟
إن ما يجري لا يخرج عن احتمالين لا ثالث لهما:
إما أن هذه الطبقة غير مؤهلة اصلا لإدارة بلد بحجم العراق وتعقيداته.
وإما أنها مجرد أدوات جاءت بها ظروف الاحتلال لتنفيذ أجندات خارجية غايتها إفراغ العراق من مقوماته، وإنهاؤه كدولة فاعلة على المستويات كافة.
هكذا يحكم منطق العقل، وما عدا ذلك ليس سوى ذرائع مستهلكة، وترهات مكرورة، وأكاذيب مكشوفة لا يمكن ان تنطلي حتى على طفل مميز برجاحة عقله.
***************************************
الصفحة العاشرة
لا يا سيد ترمب.. غرينلاند أرض الروائيين والشعراء
عبده وازن
في المكتبة العربية لم أجد أي كتاب من غرينلاند مترجماً إلى لغة الضاد، وكان عليَّ، أنا الذي يجهل هذا الأدب تمام الجهل، أن أعود إلى المواقع الأدبية الفرنسية التي تُعنى بـ"أدب الشعوب"، فأحصيت أكثر من 200 كتاب مترجم من اللغة الغرينلاندية، التي تعد اللغة الرسمية منذ عام 1979 بعدما رافقتها اللغة الدانماركية عقوداً. هذه الكتب المترجمة تتوزع بين الرواية والقصة والشعر والتاريخ والسياسة والجغرافيا والسياحة الثلجية، وقد صدرت في دور فرنسية مهمة مثل غاليمار وسوي وأكت سود وسواها، عطفأ على دور اخرى في الدول الفرنكونية مثل كندا وسويسرا وبلجيكا...
علماً أن غرينلاند التي تعني باللغة الأصلية "أرض الناس" وبالدنماركية "الخضراء"، والتي تعد ثاني أكبر جزيرة في العالم بعد أستراليا، لا تضم سوى 65 ألف مواطن. غرينلاند إقليم دنماركي يتمتع بالحكم الذاتي، يقع بين شمال المحيط الأطلسي والمحيط المتجمد الشمالي. يغطي الجليد جزءاً كبيراً من سطحها، بينما تعيش غالبية سكانها على امتداد السواحل الخالية من الجليد والمطلة على المضايق، ولا سيما في الجنوب الغربي.
الصراع على غرينلاند في رواية
بالطبع، لست هنا لأبحث في تاريخ غرينلاند وجغرافيتها والصراع الأممي عليها، فهذا من شأن الباحثين. وبالصدفة وقعت على رواية بوليسية بعنوان "غرينلاند البلاد التي لم تكن للبيع" (دار سوي) كتبها روائي يدعى مو مالو، هو اسم مستعار لروائي فرنسي يُدعى فردريك مارس، ينحاز إلى شعب غرينلاند، وخصص أدبه وحياته في سبيله. تنطلق الرواية من إنذار وُجِّه إلى حكومة غرينلاند مدته خمس ساعات كحد أقصى، مُنحت لطرح بلد وشعب في مزاد علني: غرينلاند. تبرز في قلب اللعبة أربع دول: الولايات المتحدة والصين وروسيا والدنمارك. وأمام أنظار ملايين المشاهدين المذهولين في العالم، يعطي رئيس وزراء غرينلاند فريديريك كارلسن إشارة الانطلاق. خيانة؟ لا. إنه مكبل إلى كرسيه بالأصفاد. محتجز في زاوية بعيدة، زوجته وابنته رهينتان، معلقتان على كابل فولاذي، فوق الجليد القطبي. تمثل هذا الرواية البوليسية المأزق الذي تعيشه غرينلاند اليوم، إزاء إصرار الولايات المتحدة على ضمها، وسط صراع عميق مع أوروبا وروسيا خصوصاً.
لا شك في أن الأدب الغرينلاندي، على رغم صغر عدد الشعب، يحتل مكانة خاصة في خريطة الآداب العالمية، لا يمكن تجاهلها. هذا الأدب نشأ طوال حقبات في إطار الإرث الشفهي، ويتكئ مثل آداب الشعوب النائية على الأساطير والحكايات التي تداولتها جماعة الإنويت الأصلية (شبيهة جماعة الإسكيمو)، قبل أن يشرع الكتّاب في جعله يتحول تدريجاً إلى أدب مكتوب يسعى إلى الانصهار والتكامل اللغوي. ومعروف أن هذا الأدب تتقاطع فيه قضايا اللغة والاستعمار والهوية والحداثة.
أما اللغة الأساس التي يُكتب الأدب بها فهي الغرينلاندية (الكالاليسوت)، ويكتب أحياناً بالدنماركية وبالإنجليزية، ويعكس التاريخ المعقد لإقليم غرينلاند، الإقليم القطبي الذي تشكلت ثقافته عند تخوم التقاليد العريقة والتأثيرات الأوروبية.
التقليد الشفهي
قامت الثقافة الغرينلاندية على تقليد شفهي غني للغاية مثل بقية الثقافات العريقة. فقد كانت أساطير شعب الإنويت تروي نشأة العالم، وأصل الحيوانات، وقوى الطبيعة الخفية، والعلاقات بين البشر والأرواح. ولم تكن هذه الحكايات مجرد سرد خيالي، بل كانت تؤدي دوراً تربوياً واجتماعياً أساسياً، فتنظم رؤية العالم وتنقل القيم وتعلم مهارات البقاء في بيئة ثلجية وجليدية.
ويُقال إن الأغاني شكلت جزءاً مركزياً من هذا التراث الشفهي. فقد استخدمت في الطقوس، وفي السرد، وأحياناً في السخرية وتسوية النزاعات داخل الجماعة. وترك هذا الإرث الشفهي أثراً عميقاً في الأدب المكتوب لاحقاً، من حيث الإيقاع والبنية الدائرية للسرد وكثافة الرموز المستمدة من الطبيعة.
من المعروف تاريخياً أن الكتابة دخلت إلى غرينلاند خلال القرن الـ18 مع المبشرين الدنماركيين والألمان، وكان هدفهم الأساس دينياً يتمثل في ترجمة الكتاب المقدس والنصوص الليتورجية إلى اللغة الغرينلاندية. وأسهمت هذه الترجمات الأولى في تثبيت شكل اللغة المكتوبة ووضع أسسها.
ثم بدأ الغرينلانديون أنفسهم خلال القرن الـ19 باستخدام الكتابة للتعبير عن حياتهم وتجاربهم. فظهرت نصوص تاريخية وسير ذاتية وقصائد، متأثرة بالنماذج الأوروبية ولكن مشبعة بموضوعات محلية. وهكذا تحول الأدب إلى مساحة حوار بين الثقافة الإنويتية والثقافة الغربية. ثم ما لبث أن برز وعي وطني غرينلاندي مع بدايات القرن الـ20، وسعى الأدباء إلى تأكيد هوية ثقافية مستقلة عن الدنمارك. وأصبحت اللغة الغرينلاندية في قلب هذا المشروع، وغدا اختيار الكتابة بها فعلاً ثقافياً وسياسياً.
بعد الحرب العالمية الثانية، شهدت غرينلاند تحولات اجتماعية وسياسية عميقة، شملت التمدن والتعليم باللغة الدنماركية وسياسات تحديث واسعة. وتركت هذه التحولات أثراً بالغاً في الأدب. فانشغل الكتاب بقضايا فقدان المرجعيات الثقافية والاغتراب اللغوي، والآثار النفسية للاستعمار. وأصبح الأدب فضاءً نقدياً يعبر فيه عن الإحساس بالاقتلاع الداخلي والسعي إلى ترميم هوية مجروحة.
الشعر القديم والحديث
يحتل الشعر مكانة محورية في الأدب الغرينلاندي المعاصر، لما يتيحه من تعبير مباشر ومكثف، وغالباً ملتزم. ويبرز الشاعر والموسيقي أقالوك لينغه (مواليد 1947) بوصفه صوتاً ثقافياً وسياسياً بارزاً، إذ تدافع قصائده عن حقوق الشعوب الأصلية وتحتفي بالعلاقة العضوية بين الإنسان والطبيعة القطبية.
ويعمد الشعر الحديث إلى استعادة عناصر من الشفاهة القديمة، مثل الإيقاع التكراري والصور الطبيعية القوية، محققاً استمرارية جمالية بين الماضي والحاضر. أما السرد الغرينلاندي المعاصر فيتميز بتنوع في الأشكال والموضوعات. فهو يعالج الصدمات الفردية مثل العنف والإدمان والوحدة، إلى جانب القضايا الجماعية المرتبطة بالتاريخ الاستعماري والسعي إلى الحكم الذاتي.
تعد مسألة الترجمة من أبرز التحديات التي تواجه الأدب الغرينلاندي، نظراً إلى كونه مكتوباً بلغة محدودة الانتشار. وتزداد صعوبة الترجمة بسبب الطبيعة التركيبية المعقدة للغة الغرينلاندية وخصوصياتها الثقافية. ومع ذلك، شهدت الأعوام الأخيرة اهتماماً متزايداً بترجمة هذا الأدب إلى الدنماركية والإنجليزية والفرنسية وغيرها، مما أسهم في توسيع دائرة قرائه عالمياً.
ولا غرابة في أن تحتل القضايا البيئية والمناخية محوراً أساساً في الأدب الغرينلاندي المعاصر. فذوبان الجليد وتحول المناظر الطبيعية وتهديد أنماط العيش التقليدية ليست مجرد خلفية سردية، بل تجربة وجودية مباشرة. ويتناول الكتاب هذه التحولات من منظور معيشي، فالطبيعة لا تفصل عن الإنسان بل تعد ذاكرة ولغة وشريكاً في البقاء. وتمنح هذه الرؤية الأدب الغرينلاندي طابعاً إيكولوجياً مميزاً، مختلفاً عن كثير من الأدبيات البيئية الغربية. ويعد الكاتب ماتياس ستورش (1883–1957) من أبرز الرواد، ولا سيما بروايته Singnagtugaq الصادرة عام 1914، وتعد غالباً أول رواية غرينلاندية، وتعالج الرواية تحولات المجتمع الإنويتي في مواجهة الحداثة والاستعمار، وتكشف التوتر بين التقاليد القديمة ومتطلبات التقدم.
ظل الأدب الغرينلاندي طوال حقبة على هامش المشهد الأدبي العالمي، لكنه بدأ يحظى باهتمام متزايد بفضل الترجمة والمهرجانات الأدبية والدراسات الأكاديمية. وتكمن أهميته في قدرته على ربط تجربة محلية قصوى بقضايا إنسانية كونية، مثل الهيمنة الثقافية وأزمة الهوية والعلاقة مع الطبيعة، والعولمة. ومن هذا المنظور يدخل في حوار مع آداب الشعوب الأصلية الأخرى، كآداب السكان الأصليين في كندا أو أستراليا.
يقدم الأدب الغرينلاندي اليوم مختبراً ثقافياً وأدبياً مهماً. فهو أدب متجذر في شفاهة إنويتية ضاربة في القدم، وموسوم بتجربة استعمارية عميقة، ومنفتح خلال الوقت نفسه على أكثر الأشكال المعاصرة حداثة. وهو يشكل مفتاحاً أساساً لفهم تحولات العالم القطبي، ولتأمل قضايا الهوية واللغة والعلاقة مع المكان في زمن العولمة. ومن حيث غناه الجمالي والرمزي، يمكن اعتباره واحداً من الآداب الكبرى خلال القرن الـ21.
روائيون وروايات
اليوم، يقدم الأدب الغرينلاندي مزيجاً فريداً من الأصوات التقليدية والمعاصرة، عاكساً تحول هوية الأمة. ويتناول قضايا اجتماعية متنوعة، منها تغير المناخ وثقافة الشباب وهوية الجندر، والهشاشة النفسية. وخلال الوقت نفسه، تظل الطبيعة عنصراً جوهرياً، بوصفها مسرح الأحداث ورمزاً لنمط الحياة الغرينلاندي المتغير. وتعد نيفياك كورنيليوسن (مواليد 1990) من أبرز أصوات الجيل الجديد. ففي روايتها Homo sapienne (2014) تتناول قضايا الهوية الجنسية والشباب والتواصل الرقمي في المجتمع الغرينلاندي الحديث، مستخدمة أسلوباً تفكيكياً متعدد الأصوات يضع الأدب الغرينلاندي في قلب الحداثة العالمية. وتُرجمت روايتها إلى لغات عدة منها الفرنسية.
ومن الروائيين أيضاً ماتياس ستورشورش صاحب رواية "حلم غرينلاندي". صدرت الرواية عام 1914، وهي أول رواية وطنية، تدرس في الثانويات وفي جامعة غرينلاند. وماتياس ستورش (1883–1957)، قس تقدمي وأحد أوائل كبار الساسة في البلاد، ناضل من أجل تعميم التعليم. تسرد الرواية حياة شاب إنويتي في قرية مجاورة لمستعمرة دنماركية، يحلم بمجتمع متساوٍ يعيش فيه الغرينلانديون والدنماركيون في وئام. تساعد الرواية القارئ المعاصر في إعادة النظر في العالم الإنويتي عبر صوت صادر من الداخل. وثمة رواية عنوانها "بعد 300 عام" للكاتب أوغو لينغه، رواية ذات رؤية استشرافية كُتبت عام 1931، وتدور أحداثها عام 2021، أي بعد 300 عام على بدء الاستعمار الدنماركي. وترسم، على خلفية نقد اجتماعي، بلداً يدفع قسراً نحو التقدم التقني. كثير من استبصارات أوغو لينغه، المعروضة ضمن حبكة بوليسية بين قرى متشبثة بحواف صخرية وبياض لا نهائي لغطاء جليدي داخلي، تحقق فعلاً بعد زمن طويل من صدور الرواية.
وكذلك رواية "أغمض عيني لأغطي الظلام " للكاتبة كيللي بيرثيلسن. وعلى خلاف المخيال الشمالي/القطبي الذي صاغته قرون من الثقافات الأوروبية والأميركية الشمالية، تأتي أقوال كاتبة غرينلاندي ملحة عن بلده، تتوالى في هذه المجموعة القصصية القاتمة (2001) أحوال اليأس والكحول والمخدرات، وأعلن التمرد على مستقبل غرينلاند وتسخر منه. وتبقى رواية "مغامرة في غرينلاند" للكاتب فليمنغ جنسن مارتن. البطل معلم دنماركي في الـ40 يبحث عن معنى، يطلب نقله إلى غرينلاند. يتسلم عمله في موقع يبعد أكثر من 500 كيلومتر شمال الدائرة القطبية. هناك يكتشف مجتمعاً متضامناً فينظم حياته وفق الطبيعة المحيطة. رواية إنسانية تدين خراب الاستعمار، وتمثل نشيداً للتسامح، مشحوناً بروح دعابة لا تقاوم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"اندبندنت عربية" – 24 كانون الثاني 2026
***********************************
موسيقى قتلها بينوشيه: فيكتور جارا الذي أرعب الديكتاتورية
مروة صلاح متولي
تتعدد قصص الصدام بين الفن والديكتاتورية، ومن أبرز تلك القصص قصة الفنان التشيلي فيكتور خارا، مع ديكتاتور بلاده بينوشيه، ولد فيكتور خارا عام 1932 واغتيل عام 1973 عندما كان في الأربعين من عمره، وكان ذلك بعد وقت قصير من سيطرة بينوشيه على تشيلي. وبينوشيه ذاته قصة من قصص الديكتاتورية المروعة في العالم، وحكاية بشعة من حكايات الدم، كان بينوشيه شبحاً هائلاً من الخوف، تجسد على أرض تشيلي أرعب الشعب طيلة 17 عاماً، لكن هذا الخوف المتجسد كان يخاف من نغمة موسيقية تعزفها أصابع موسيقار، وكلمة تنطلق مغناة من حنجرته، بعد أن خطها بقلمه، كانت الموسيقى تثير أعصابه وتزعزع جوانب نفسه، فكان قضاؤه عليها أمراً محتوماً.
امتلأت تشيلي بالرعب بعد أن امتلكها بينوشيه بانقلابه الدموي عام 1973، واغتال رئيسها المنتخب ديمقراطياً سلفادور أليندي، وقصف قصر الرئاسة بنيران الدبابات وقذائف الطائرات. لكنه كان يخاف، وللخوف سلطة تفوق سلطة الديكتاتورية، لذلك يدرك كل ديكتاتور أهمية إشاعة الخوف في النفوس، بل ضرورة أن يغرق الجميع في بحور الخوف، ليبحث الشعب عن طوق النجاة، في طرقات الصمت والجبن وخيانة الحق التي لا مفر منها، ولأن الديكتاتور أيضاً يخاف، يدرك جيداً حتمية القضاء على كل ما يخيفه، ومطاردة جميع الأشباح من حوله والتخلص منها. لذا أخذ بينوشيه يحرق الكتب في الشوارع ويخرس الموسيقى، ومضى يقتلع الشعر والفن والأدب من أرض تشيلي، ويغلق جميع منافذ الوعي والجمال على الشعب، ليتركه وحيداً مع خوفه في ظلمة العقل وخواء الروح.
خمسة أيام مع بينوشيه
كرس فيكتور خارا حياته القصيرة للنضال السياسي والموسيقى والغناء والمسرح، ليتحول إلى أيقونة عالمية للمقاومة بالفن، لا يزال إشعاعها يمتد خارج تشيلي. عندما نطالع سيرة فيكتور خارا نجد أنه كان مسرحياً في المقام الأول، درس الإخراج المسرحي بشكل أكاديمي، وعمل أستاذاً للمسرح في الجامعات التشيلية، وقام بإخراج أهم القطع المسرحية، سواء للمؤلفين العالميين، أو الكتاب المحليين في بلاده، ونظراً لخلفيته اليسارية كان يميل إلى الواقعية الاشتراكية كمذهب فني، وإلى الأعمال التي تسلط الضوء على كفاح ومعاناة الطبقات الكادحة. وفي الموسيقى أسس خارا ما يعرف باسم «الأغنية التشيلية الجديدة»، وهي حركة فنية أعادت تشكيل الأغنية التشيلية من خلال إحياء الفولكلور ودمجه بالمضامين السياسية والاجتماعية. كان يكتب كلمات أغانيه ويلحنها بنفسه ويؤديها بصوته الجميل، كما كان يعزف على الغيتار الكلاسيكي، وكان رفيقه الدائم، الذي يكمل صورته الأيقونية، لكنه استخدم الغيتار الكهربائي في بعض أعماله التجريبية أيضاً.
ترك فيكتور خارا عدداً كبيراً من الأغنيات، من أشهرها أغنية «مانيفيستو» وهي قطعة رائعة لحناً وغناءً، أما كلماتها الخالدة فتعكس مفهومه للفن ورؤيته له كوسيلة لقول الحق ومساندة المظلومين، هي فلسفته الفنية وبيانه الخاص، بأن الغناء رسالة وليس ترفاً. على الرغم من عنوان الأغنية، الذي يبدو سياسياً جافاً، إلا أن الأغنية رقيقة اللحن عميقة الأداء التعبيري، فالمانيفيستو هنا ليس قائمة مطالب سياسية، بل هو إعلان خارا عن أن الفنان لا يملك صوته، وأن صوته هذا يجب أن يكون صوتاً لمن لا صوت لهم، كما أنه إعلان براءة من النجومية الزائفة والتمحور حول الذات، وأن علاقته بالموسيقى ليست طلباً للشهرة والمجد العابر، وإنما هي التزام بالصدق المطلق، حتى لو كان الثمن هو حياته، ويمكن القول، إن خارا تنبأ بمقتله ومصيره المحتوم في هذه الأغنية، التي قال فيها كلمته لتبقى بعد موته.
ومن أجمل أغانيه الأخرى أغنية «أنا أتذكرك يا أماندا»، التي تحكي قصة حب بين عامل وعاملة في مصنع، وتصور آلام وآمال الطبقة العاملة، وأماندا هو اسم والدته، لكنه جعله رمزاً لكل امرأة عاملة تكافح مع حبيبها. وأغنية «الحق في العيش بسلام» التي غناها تحية لنضال شعب فيتنام، وصارت من أهم أناشيد الاحتجاج والدعوة للسلام في العالم، وصرخة فنية ضد الحروب في كل زمان ومكان. وأغنية «صلاة لفلاح» التي غناها لفلاح يحرث الأرض، حيث يدعو الفلاحين للاتحاد والمطالبة باسترداد أراضيهم. وللفلاح أيضاً قدم أغنية «المحراث»، التي تمجد العمل اليدوي، وتصف العمل الشاق والمعاناة اليومية للفلاح، وارتباطه الوثيق بالأرض. وأغنية «سننتصر» التي تعد من الأناشيد السياسية البارزة في تشيلي، ويقال إنها كانت النشيد الرسمي لتحالف الوحدة الشعبية، الذي أوصل سلفادور أليندي إلى الحكم. وأغنية «الطيف العائد» التي كتبها عن تشي غيفارا المقاوم الذي كان يطارد كطيف يصعب الإمساك به. وأغنية «المتدينة»، التي حملت نقداً لاذعاً لمظاهر النفاق الديني وادعاء الورع، ويقال إن هذه الأغنية سببت له بعض المشكلات مع الكنيسة في ذلك الوقت. وكانت قصيدة «ستاد تشيلي» آخر ما كتبه خارا في مكان مقتله.
لم تكن موسيقى فيكتور خارا ترفاً فكرياً، بل كانت انعكاساً لمبادئه ومواقفه التي دفع حياته ثمناً لها، ووقف بكل ثقله الفني خلف مشروع سلفادور أليندي، مؤمناً بأن الفن يجب أن يكون في خدمة الإنسان وقضايا الشعب العادلة. هذا الالتزام القوي جعل منه خطراً كبيراً في نظر الديكتاتور بينوشيه، الذي لم يحتمل وجوده أكثر من خمسة أيام، حيث ارتعد الرصاص أمام الأغنية. في يوم الانقلاب 11 سبتمبر/أيلول 1973 توجه خارا إلى الجامعة التي كان يعمل فيها، وأقام وقفة لدعم الرئيس سلفادور أليندي، فحوصرت الجامعة وقصفت بواسطة الدبابات، وتم اعتقال خارا مع الآلاف من الطلاب والأساتذة والشعب، واقتيدوا جميعاً إلى ستاد تشيلي، الملعب الذي تحول إلى معتقل وساحة قتل. تعرض خارا خلال أيام اعتقاله القليلة إلى تعذيب وحشي مروع، فتم سحق أصابع العازف الماهر بقواعد البنادق، وسخر منه الجنود قائلين «اعزف الآن إن كنت تستطيع» فغنى بصوت عال نشيد «سننتصر» لتشجيع رفاقه. وفي يوم 16 سبتمبر 1973 تم إعدام خارا وقتله بواسطة 44 رصاصة استخرجت من جثمانه في ما بعد، وتم إلقاء جثته في طريق عام ليعثر عليها بعض المواطنين ويتعرفوا على شخصية خارا ويبلغون زوجته.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"القدس العربي" – 13 كانون الثاني 2026
************************************
"سياسات عربية" 76: قضايا في الدولة والحكم والحرب في السودان
صدر حديثا عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ومعهد الدوحة للدراسات العليا العدد السادس والسبعون من الدورية العلمية المحكّمة "سياسات عربية"، التي تُعنى بالعلوم السياسية والعلاقات الدولية، وتصدر كل شهرين. وقد تضمن العدد ملفا خاصا بعنوان: "قضايا في الدولة والحكم والحرب في السودان"، قدّم له حسن الحاج علي، محرر الملف. وضم الدراسات الآتية: "’الغابة للأشجار‘: حرب 15 نيسان/ أبريل 2023 وتحدي بناء الأمة والدولة في السودان" لمحمد محجوب هارون إبراهيم، و"تفكك الدولة في السودان: دراسة في الأسباب والعوامل (1821–2025)" لمتوكل دقاش، و"اتفاقيات السلام السودانية (1972–2020): إرث المنشأ وتحديات الاستدامة" لأحمد إبراهيم أبو شوك، و"العلاقات المدنية - العسكرية في السودان: إعادة تعريف دور المؤسسة العسكرية" للبدوي عبد القادر البدوي، و"التوجه نحو اللامركزية في السودان ما بعد الحرب: بين الفرص والمحدّدات البنيوية والاستراتيجية" لحسام إبراهيم وجوليا بربر. وفي باب "دراسات" نُشرت دراسة بعنوان "توسّع مجموعة ’بريكس‘ نحو مصر والسعودية والإمارات: تحليل استجابة الرأي العام العربي على منصة ’إكس‘ باستخدام مقاربة التلقين العميق" لأيوب عصري ونصيرة أودية وعبد الهادي بعيش. أما باب "دراسة مترجمة"، فتضمّن ترجمة عادل زقاغ لدراسة إنغفيلد بود "تكنولوجيات الذكاء الاصطناعي وحقل العلاقات الدولية: هل نحتاج إلى أطر تحليلية جديدة؟". وشمل باب "التوثيق" أهم "محطات التحول الديمقراطي في الوطن العربي" ووثائقه و"الوقائع الفلسطينية"، في المدة 1 تموز/ يوليو - 31 آب/ أغسطس 2025. وفي باب "مراجعات الكتب"، قدّمت سجى طرمان مراجعة لكتاب "حين يقتل السلام السياسة: التدخل الدولي وحروب لا تنتهي في السودانَين"، لشاراث سرينيفاسان.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"ضفة ثالثة" – 16 كانون الثاني 2026
****************************************
الصفحة الحادية عشر
الجديد في المكتبة
• متلازمات الفساد/ الثروة والسلطة والديمقراطية/ تأليف: مايكل جونستون، ترجمة د. نايف الياسين، اصدار: العبيكان.
• سلطة الاستبداد والمجتمع المقهور/ تأليف صاحب الربيعي.
• ايتها القبرة/ رواية الحبيب السالمي، اصدار: دار الآداب- بيروت.
• جمرات المكان/ نصوص سيرية: نصير الشيخ، اصدار: دار توليب- بغداد.
• البربرية الثقافية.. وقائع الانهيار/ مقالات في الفكر والثقافة والادب واللغة. تأليف فاضل سوداني، اصدار: دار خطوط وظلال- عمان/ الاردن.
• الاعلام والازمات/ فن التلاعب والتضليل والدعاية/ تحرير أ. د محمد فراط و د. نور الدين الميلادي، الناشر/ مكتبة الفلاح.
• مذكرات مترجمة/ اعدها عبد الله جدعان عن روايات انعام كجه جي، اصدار: دار التميز.
• للنساء حكايات/ قصص سلام القريني، اصدار: دار توليب- بغداد.
**************************************
الذاكرة: رؤية ونقد.. العواقب الاجتماعية لانشطار الذاكرة التاريخية
ثامر عباس
تجمع غالبية المصادر السوسيولوجية الانثروبولوجية على حقيقة مفادها؛ أن الإنسان ليس فقط (صانع للرموز) وإنما هو كائن مغمور بها ومتماهي معها ، بحيث لا يمكن له أن يأتي بأي نشاط اجتماعي أو يبادر بأي فاعلية ثقافية من دون أن تكون مشحونة بالرموز ومعززة بالتمثلات، التي عادة ما تكون رابضة في قيعان الذاكرة التاريخية وراكزة بين ثنايا المتخيل الجمعي . وعلى هذا الأساس لا تألوا نظم الحكم السياسي جهدا"في توظيف تلك الرموز واستثمار تلك التمثلات، كلما دعتها الحاجة لتبرير مواقفها وتسويغ سياساتها وشرعنة سلطتها، واضعة نصب عينيها حقيقة ان الإجماع الذي توفره تلك الرموز والتمثلات يصعب على أية جهة معارضة أو معادية اختراق شباكه وتفكيك عناصره، حتى وان كانت ترزح تحت وطأة مظاهر الطغيان السياسي والحرمان الاقتصادي والارتهان الإيديولوجي. ولأجل توضيح العواقب الاجتماعية والتداعيات السياسية والتبعات الحضارية التي قد تنجم عن انشطار الذاكرة التاريخية، حري بنا الإشارة الى ضرورة التمييز ما بين مفهوم (الذاكرة الاجتماعية) وبين نظيرة مفهوم (الذاكرة التاريخية)، اللذان يتواتر ذكرهما بكثافة في أغلب البحوث والدراسات السوسيولوجية والانثروبولوجية والسيكولوجية، دون الاهتمام بما يشتملان عليه من فوارق واختلافات دلالية. ذلك أن الفرق بين الذاكرة الأولى والذاكرة الثانية فرق كبير واختلاف نوعي، يستحسن بالباحث المعني ألاّ بجهل أو يهمل تلك الفوارق والاختلافات وإلاّ فإنه سيكون عرضة لارتكاب الكثير من الأخطاء والوقوع في العديد من المغالطات. ولعل ما يحدث في واقع معظم المجتمعات المتصدعة والمفككة من حساسيات نفسية وانقسامات اجتماعية وصراعات سياسية، قمين بإظهار تبعات ما قد ينجم عن ذلك الإهمال أو التجاهل ، ليس فقط في مضمار الخطابات المتشنجة والتصورات المحتقنة فحسب، بل وكذلك في مجال العلاقات المجيشة والسلوكيات المستنفرة. فعلى الرغم من واقعة التشابه بين كلا المفهومين على صعيد الاشتغال في مجالات (الذاكرة السردية)، إلاّ أنهما لا يلبثان أن يفترقا على صعيد الفعل والتأثير في (السياقات الواقعية). ففيما تستمد الذاكرة (التاريخية) أهميتها من كونها مقترنة بالسيرورات التاريخية التي يفترض أن أحداثها وقعت في الماضي وتعاقبت على تناقلها الأجيال كموروث مثخن بالرموز الأمر الذي أكسبها ميزتين أساسيتين ؛ الأولى وتتمثل بطابع (الثبات) النسبي في مضامير الوعي الجمعي والمتخيل التاريخي، بحيث ان دلالاتها القيمية والرمزية لا تسقط أو تضمحل بالتقادم الزمني، وذلك لكونها تعتمد في سردها وتدوينها على مصادر (الدين) و(الأسطورة) بشكل أساسي. والميزة الثانية تتجلى عبر خلقها نوعاً من (التوافق) العرفي والقيمي بين مختلف المكونات التي يتشكل من نسيجها المجتمع. هذا في حين تمتح الذاكرة (الاجتماعية) نسغ ديمومتها ودينامياتها من معين جدليات وتناقضات الواقع المعيش، الذي تتقاطع في إطاره الارادات، وتتصارع ضمن نطاقه الجماعات، من منطلق ارتكازها على ما تستدعيه أهداف (السياسة) من نوازع ومصالح (الاقتصاد) من منافع . وهو ما يسبغ عليها طابع (التغيّر) الدائم في المضامين، و(التبدل) المستمر في الاهتمامات.
وعلى أساس ما تقدم، يمكن القول إنه - على عكس ما يتوقع من الذاكرة (الاجتماعية) - يفترض بالذاكرة (التاريخية) أنها (توحد) أكثر مما (تفرّق)، و(تجمع) أكثر مما (تقسّم). كونها تشتمل على كل يجعل الإنسان فخورا"بماضيه وشديد الاعتزاز بتاريخه، بصرف النظر عن مقدار ما تمثله من أحداث واقعية ومعطيات معاشة، لاسيما وان مواريث كلا المجالين (الماضي) و(التاريخ) غالبا"ما تستوحي قيمتها من (الدين) قداسته ومن (الأسطورة) رمزيتها، بحيث يمنحاها هامشا"لا يستهان به من (الحصانة) الاعتبارية إزاء كل ما يعرضها للنقد الموضوعي ويسوقها للمساءلة المشروعة . ولذلك نجد المجتمعات التي لا توحّد جماعاتها بسردية تاريخية مشتركة ، ولا تجمع مكوناتها، منظومة دينية موحدة نجدها تعتمد الذاكرة (الاجتماعية) لرأب الصدوع وترميم الشروخ الناجمة عن الاختلاف في الرؤى والتباين في المصالح، لتخطي الخلافات الجانبية وتجنب الصراعات البينية التي من شانها إهدار الكثير من الفرص وفقدان الكثير من الامتيازات، كلما تدخلت الذاكرة (التاريخية) لتأجيج تلك الخلافات وتسعير تلك الصراعات، بوازع من دعاوى (الأحقيات) الفئوية و(الأفضليات) العصبوية التي طالما كانت – ولا تزال – السبب الرئيسي بخراب ودمار تلك المجتمعات، ومن ثم إعاقة خروجها من دوامات العنف السياسي والتخلف الاجتماعي والفوات الحضاري.
*****************************************
{الصبّار الأزرق}.. الذاكرة والهوية
سعد عزيز دحام
مقدّمة
تأتي رواية (الصبّار الأزرق) للروائي العراقي ذياب فهد الطائي بوصفها شهادة سردية على مرحلة مفصلية من التاريخ العراقي الحديث، وتحديدًا انتفاضة آذار عام 1991، تلك اللحظة التي التهبت فيها الجغرافيا بالوجع، وارتجف فيها الإنسان بين أمل التحرّر وجحيم القمع. يقدّم الطائي عملاً ينتمي إلى الأدب الواقعي التأمّلي، حيث لا يكتفي بتوثيق الحدث، بل يتوغّل في أعماق الشخصيات، ليكشف عن الوعي الجمعي للأفراد الذين وجدوا أنفسهم وسط الإعصار.
أولاً: البنية السردية بين التوثيق والرمز
يتّخذ السرد في (الصبّار الأزرق) منحىً تعدّديّ الأصوات، فالرواية لا تعتمد على راوٍ واحد، بل على تداخل الرؤى وتنوّع زوايا النظر، ما يمنحها بعدًا دراميًا غنيًّا. يُعيد الكاتب بناء الحدث التاريخي من خلال الذاكرة الفردية، فالشخصيات تسترجع الماضي لا لتبكيه، بل لتعيد مساءلته، وكأنّ الرواية تقول إنّ الذاكرة ليست مكانًا للحسرة، بل حافزٌ للفهم والمقاومة. أما عنوان الرواية، الصبّار الأزرق، فهو علامة رمزية ذات كثافة دلالية؛ فالصبّار، نبات الصبر والتحمّل، يرتدي لون السماء والجرح معًا. اللون الأزرق هنا ليس برودةً، بل سكينةٌ ممزوجة بالألم، تلخّص المزاج النفسي للمرحلة العراقية التي تتحدث عنها الرواية.
ثانيًا: الشخصيات بوصفها مرايا للوعي الجمعي
يبرع الطائي في بناء شخصياته من الداخل، فلا نجد بطلاً نمطيًا أو شريرًا مطلقًا، بل أفرادًا مأزومين يعيشون بين الخوف والكرامة. يمنح الكاتب لكل شخصية صوتها الخاص، ومجالها النفسي، فتغدو الرواية مسرحًا للتجاذب بين الذاكرة والواقع، بين ما ينبغي أن يكون وما هو كائن. من خلال هذه الشخصيات، يرسم الطائي صورة إنسان عراقيّ مثخن بالخذلان، لكنه لا يفقد قدرته على الحلم. فالشخصيات تُقاوم بالذكريات، وتعيش على شفير الأمل، في تماهٍ بين الذاتي والجماعي، بين مأساة الفرد وملحمة الوطن.
ثالثًا: الأسلوب واللغة: من الواقعية إلى الشعرية
تمتاز لغة الرواية بقدرتها على التحوّل من السرد الواقعي إلى النَفَس الشعري دون أن تفقد صدقيّتها. فالجُمل تتّخذ إيقاعًا داخليًا هادئًا، أشبه بأنينٍ متقطّع، لكنها مشحونة بطاقة رمزية عالية. يمارس الكاتب نوعًا من الاقتصاد اللغوي العاطفي، حيث لا إسراف في الانفعال، بل عمق في الإيحاء. تتحوّل اللغة إلى مساحة مقاومة بحدّ ذاتها، تعيد للوجع جماله وللكلمة وظيفتها الإنسانية: التذكّر والشفاء.
رابعًا: المكان بوصفه ذاكرة حية
يبرز المكان في الرواية ليس كإطار للأحداث، بل ككائنٍ يتنفس ويشهد. المدن والقرى والشوارع في (الصبّار الأزرق) ليست ديكورات، بل كيانات لها روح ووجدان. فالمكان العراقي – بترابه وبيوته المهدّمة – يتحوّل إلى ذاكرة متجسّدة، تحاور الشخصيات وتعيد تشكيل مصائرها. ومن خلال هذا التوظيف البارع للمكان، ينجح الطائي في تحويل الجغرافيا إلى نصٍّ موازي، يكتب تاريخًا آخر غير المدوَّن.
خامسًا: دلالة الصبر والمقاومة
العنوان ذاته يكثّف ثيمة الرواية الجوهرية: الصمود في وجه القهر. الصبّار رمزٌ لروحٍ لا تموت، ولقدرة الإنسان على إعادة اختراع ذاته بعد كل انكسار . وفي هذا المعنى، تتجاوز الرواية حدود الزمان والمكان، لتصبح أنشودةً إنسانية ضدّ العنف والنسيان. انها رواية تجمع بين الصدق التاريخي والعمق الإنساني، وبين التحليل النفسي والرمز الفني، بين الشهادة والتأمل، بين الواقعة والحلم، ويجعل من الذاكرة العراقية فضاءً مفتوحًا للحوار والمساءلة. إنها رواية تؤكد أن الأدب ليس مرآة للواقع فقط، بل وسيلةٌ لفهمه وتجاوزه، وأن الصبّار الأزرق سيبقى رمزًا لجمالٍ يولد من الرماد.
*************************************
قصة قصيرة.. عبث
رجاء الجابري
لم يعِ يوما ما العبث ولا كيف سيكون عند قلعة الخابري*، تلك التي اختزن فيها عمره.
لم يعِ العبث انما فعله بدقة اللاجدوى الحمقاء حين دنا من النخلة النشوة لقلعة الخابري.. العبث بدأ قبله، فنشوة النخيل هذه، صارت عِرضة للتجريد من سعفها كله ، بلا أمل أو وعد في زرع او تشجير لسد فضاء كتف النهر، الذي تتوسد تربته وعمقه ومياهه.
عروسة البستان هذه ، النشوة الفتية، كأنها تتهيأ لحُبِيْبات الفحل الأكبر، الأضخم ، الأعجف ، من بين النخيلات كلهن..
الفحل كأنه يفاخر منتشياً بكربه وسعفه وعثوقه ثنائية الجنس الخائبة عن اي ثمر مفيد..
عروسة القلعة ، نشوة النخيلات، حفّزت الغراب الأبيض الوحيد في البستان ، ليتصدر فعل العبث بتمراتها، فقد لَمَّ أصابعَهُ ومخالبه ومنقاره، وراح يبحث بين الحطب والكرب عن ثمار غذائه ، ثم بفقزة طيران واحدة اعتلى قلب النشوة ، القلب بسعفته الخضراء الواحدة وسعفتيه الصفراوتين؛ يستقبل مخالب الغراب بلا وجل ولا ملل.. تلمع سعفاته كشعر فتاة شقراء في السنتين!
الغراب ذي الأربعة والعشرين شهراً يحط عند قلب النخلة النشوى ذات العامين من مواسم إثمارها.. تضامنا ليصنعا أملاً؛ فقد احتضنت النشوة تمرات بقدر (ما)، تمرات تناسب لهوه العبثي! تخزنها برحاب فجوات الكرب لجذعها اليافع القصير، وأذ يحط الغراب الابيض رجليه عند فجوات القلب يخيب ظنه فينتقل الى فجوات الجذع، يمسك حبة التمر، ينقرها، يفلتها ، فتسقط على سطيحة كتف النهر، يطير نحوها ، يلاعبها بأصابعه، بلا اشتهاء ولا ارتواء. يتركها ليطير من جديد الى قلب النشوة ..
الغراب الابيض بفعله العبثي هذا يديم بعثرة تمرات النشوة كمنتشٍ بعمل خارق؛ يمارس فعل الالتقاط والبعثرة بتلقائية وانتظام حيوي الرتابة، يقيم فراشا من التمر على كتف النهر..
حيوانات البرية.. عبثت بالنخيل وتمورها..
فيما كان قلب النخلة النشوى ينبض.. ترك القلب والجذع متجها صوب ضفة جديدة للنهر؛ رصد عندها اسراب نمل وفير!.. حط عندها .. صعد النمل الى ساقيه عبر مخالبه وريشه .. احتار الغراب .. وجد نفسه مغطى بالنمل الاسود حتى صدره ... طار بسرعة خارقة وانتفض ليرمي النمل فلم ينفع حتى داهم دخانا صاعدا من القلعة ؛ اندس فيه فانهزم النمل مثل من أخذ غفلة!
حلق من جديد مستعيدا لونه الابيض!.. حلق ولم يغادر لهوه مجدداً عند نهر يجري فوق كتفه نشوة تتهيأ لموسم تخصيب!.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(*) قلعة الخابري : الاسم الحقيقي هو قلعة صالح، قلعة أثرية.. مقر وسكن عسكري عثماني تم اشغاله عام 1860 ، تأسس على اسمها قضاء قلعة صالح بميسان جنوب العراق على ضفاف نهر دجلة على بعد 40 كم جنوب مدينة العمارة. وقد سميت قلعة صالح بهذا الاسم نسبة الى الضابط صالح النجدي من عشيرة آل السعدون العراقية الذي اتى به العثمانيون للسيطرة على عشائر المنطقة.
*******************************************
قناديل على كتف البصرة
باقر الموسوي
مرهقةٌ وجنتا الصبح
في فينيس الشرق ،
مرهقةٌ أجنحةُ تواصل
الدفيف دون جدوى،
أثقلتها شهقاتُ التراب.
تتقاصر السويعات ،
الأيام ،
السنين
لكن المرهقين يشعلون
سُرُج المدينة العالقة
في حبال الملح
كي لا تنم العتمة وحدها.
يسيرون كالعللِ الكسيحة
نحو شارع الوطن،
نحو ساحة سعد،
يتبعهم التعبُ
وحكمةُ المغيب،
لينالوا بسمةَ السنابل المنتظِرات،
والمناجلُ تشحذُ
أسنانها كالذئاب المتهمة
بسفك الأعمار الفتيّة.
((ولو أنّا، وآباؤنا الأوّلون ،
كدحنا طوالَ السنين،
وادّخرنا لجوعِ أطفالنا الجائعين))
قلوبُهم تراتيلُ قروية،
معجونةٌ بقصص الجنوبيّات،
ومخبوزةٌ بلهيب التنانير الكريمة،
بإيماءات شقائقِ النعمان،
وابتهالاتِ المزامير.
لم يتذوّقوا حفاوةَ طائر الحب،
لكنهم ينظرون إلى السماء
بعيون الآلهة.
وا أسفاه…
كم هي عذريّةٌ آمالُ الكادحين.
وا أسفاه…
تسقط عيونُهم
في مرصادِ ترنيمةِ القبور،
وتسقط أصواتُهم
في مرصادِ العَوَز.
وا أسفاه…
أن يكون العوزُ
عوزَ النقود.
يضيق بهم الذوبان،
يضيق بهم الطين،
يضيق…
يضيق…
يضيق.
يسيرون إلى مقصلةِ الزمن الحادة،
كما سار العراقُ في الضلال،
ما زلنا في التيه نبحث
عن بوصلةٍ عارفة :
((نزوعٌ ولا موت،
نطلقُ ولا صوتَ طَلْق،
ولا ميلاد))
لم يكترث العمّال بما قاله ابنُ عقيل،
ولم ينخروا رؤوسهم
بصليل الخلافات القديمة،
ولم يغرقوا في بحور الفراهيدي الفسيحة،
لكنهم يدركون
أن «الناس سواسية»،
وأن «العفو تاجُ المكارم».
يحفظون أناشيد الرحمة، لا الفتنة،
أناشيد البنفسج
الراقص على ضفّة الفرات،
وأناشيد الثكنات.
لم يسمعوا ما قاله كامو
عن شقاء سيزيف،
لكنهم يدركون سذاجةَ العبث:
((أنا وأنتَ وأصدقائي،
يا أشهلَ العينين،
كنّا كالنجوم بلا سماء،
وكأن بصرتَنا الحزينة،
البصرةَ الخجلى،
تنام على وسائدَ من سكينة))
يسيرون…
وخطاهم تتناثر في الفراغ،
تتبخّر في أزقّةٍ مغمومة.
تنعكس ملامحُهم التعيسة
واحدًا واحدًا
على دموع الطبيعة،
وتنعكس ابتساماتهم
الخالية من القهقهات والأسنان،
وتنعكس ثيابُهم البالية،
والمطارق،
والمعاول.
ويسيرون
كما سار العراقُ إلى القتل…
القتل…
القتل.
لم يسخر الموتُ منهم،
بل احتضنهم
في صدر الفوانيس المقدّسة،
لأنهم لم يُصلّوا صلاةَ الدلال،
ولم يشربوا
«من كأسٍ كان مزاجُها كافورًا»،
ولم يعرفوها
يومًا…
ولا عرفتهم.
وفي آخر الطريق
لم تكن هناك ساعة
تدلّ على الوقت،
بل صدأٌ يتدلّى من المعاصم.
البصرةُ
لم تبكِ…
كانت واقفةً عند حافة الماء،
تغسل أسماء العمّال
بملحٍ لا يشفي.
العراقُ
لم يُطلق رصاصة،
بل فتح فمَهُ
وابتلع أبناءه
واحدًا…
واحدًا…
الزمنُ
لم يقطع أعمارهم،
بل شحذها،
وتركها تتآكل
في جيوب النهار.
وحدها الفوانيس
ظلّت مشتعلة،
لا لتدلّ على طريق،
بل لتشهد
أن هؤلاء
مرّوا من هنا،
وأضاءوا،
ثم انطفأوا
دون أن يُصفّق لهم أحد.
************************************
الصفحة الثانية عشر
معاً لبناء بيت الحزب.. بيت الشعب
دعماً للحملة الوطنية لبناء مقر الحزب الشيوعي العراقي، تبرع الرفاق والأصدقاء:
• صباح فرج الجبوري 100 الف دينار
• مؤيد صاحب 50 الف دينار
الشكر والتقدير للرفاق والأصدقاء على دعمهم واسنادهم حملة الحزب لبناء مقره المركزي في بغداد.
معاً حتى يكتمل بناء بيت الشيوعيين.. بيت العراقيين.
************************************
اما بعد.. من السير النضالية سجن اختياري
منى سعيد
حين تتجسد مفردة التضحية بشخص حبس نفسه مدة ست سنوات، بعيدا عن أعين النظام الدكتاتوري البائد، تعني فقدانا لحريته الشخصية، واختيارا للطريق الأصعب عن طيب خاطر لا طمعا بمجد.
إنها حكاية ضمير لابد أن تروى لأجيال ولأجيال.
أبو نضال ، مهدي صالح ، يكفي أن يوصف بجيفارا العراق أسوة بالمناضلين الشرفاء، ينتمي لقرية قصية على ضفاف الفرات، حيث النخيل والأشجار الوارفة تغذي طيبة أهلها بالنقاء والوفاء والتسامح والرحمة.
في قرية الحصين جنوبي الحلة نشأ مهدي منتميا لعائلة (كاشف الغطاء ) الدينية المتنوّرة .. منذ بواكيره انتبه لحوار بين بعض أهالي القرية، يتحدثون فيه بفخر واعتزاز عن بطولة المناضل الشيوعي عبد الجبار وهبي ( أبو سعيد)، الذي فضل الاستشهاد تحت التعذيب على "الاعتراف"، حتى حين وضعوا رأسه بين فكي كماشة ماكنة "منكنة".
هزته تلك الصورة الشنيعة فقرر الانتماء لفكر المناضل نفسه، والإنضمام الى حزب وطن حر وشعب سعيد. فكان اصغر شيوعي في منطقته، بعمر ست عشر سنة لا اكثر.
واصل نشاطه بدأب وحرص حتى بدأ الحزب " الحليف" مطاردة كل شيوعي. فهرب من قريته وتخفى في أماكن عديدة، لكن الملاحقة لم تتوقف.
فلجأ الى بستان أهله في العام 1981 وشرع بشق حفرة تحت شجرة رمان، واستغرق الحفر أياما وأياما حتى تمكن من توسيع المكان إلى نحو ثلاثة أمتار طولا و مترين ونصف عرضا، (وشتان بين حفرته تلك وحفرة العار لصدام حسين).
حفر في مخبئه أيضا رفوفا لكتبه وكتب الرفاق من أهالي المنطقة، وبعدها شق حفرا أخرى اصغر في إرجاء البستان.
وصارت البستان بعدها ملجأ لعدد آخر من الرفاق، بينهم كامل سعود الجبوري وأخوه الشهيد أنور الذي اعدم فيما بعد، إخوة المناضلة ماجدة الجبوري، وعطا عباس ، وأبو رهيب – كاظم عبيد الذي قاد التنظيم بعد إعدام الشهيد طالب باقر – أبو رياض.
تمر الأيام والسنين، وهو ورفاقه يُمضون نهاراتهم بالقراءة وبإعداد منشورات الحزب ، ويتجرأ بعضهم على الخروج ليلا والذهاب الى الحلة وأبعد منها.
وكانت لليل حكايات أخرى حين يُغطى بجناح عتمته على تركهم المخبأ لكسب قوتهم في جني التمور وتحطيب الأشجار والصيد في النهر القريب.
واحتوت التجربة الفريدة حكايا مدهشة، تصلح لتكوين رواية طويلة بإبطال أفذاذ ونساء من القرية بينهم والدة مهدي وأخواته ورفاقه، الذين كانوا يمدونهم بالطعام ويقومون بتوزيع منشورات الحزب. ومن بينها حكاية المناضلة أم حيدر التي سأتناولها لاحقا.
امضي أبو نضال ست سنوات في سجنه الاختياري، رغم تنقله بين حين وحين من مكان لآخر وتعرضه لمطاردة الشرطة والأمن، حتى تحرر من المخبأ نهائيا بعد ورود معلومات عن وصول قوة كبيرة لمحاصرة المكان. فهرب منه ليواجه متاهات دروب الاختفاء في شمال العراق وجنوبه، ولتمتد سنوات اختفائه الى 15 عاما، حتى استقر في النهاية لاجئا في هولندا.
********************************
شعارات الحزب الشيوعي العراقي لمناسبة يوم الشهيد الشيوعي
• المجد والخلود لشهداء الحزب الشيوعي العراقي
فهد وحازم وصارم وسلام عادل والحيدري وسائر الشهداء
• انصاف عوائل شهداء وسجناء انقلاب شباط الأسود ١٩٦٣ .. مطلب وطني ملح
• الجبهة الشعبية الواسعة .. الأداة الفعالة للتغيير المنشود
• دحر منظومة المحاصصة ونهجها ..انفاذ لشعبنا ووطننا
• نرفض وندين التدخلات الخارجية في شؤون وطننا
• لا للتسويف والمماطلة في حصر السلاح بيد مؤسسات الدولة الدستورية
• لا لالقاء تبعات الازمة الاقتصادية والمالية على كاهل المواطنين
• معا نحو التغيير من اجل دولة المواطنة والديمقراطية الحقة والعدالة الاجتماعية
************************************
5 آلاف كتاب ستوزّع مجانا {الناصرية تقرأ} غدا الجمعة
الناصرية - أيمن عمار
تحتضن مدينة الناصرية غدا الجمعة، مهرجان "الناصرية تقرأ" الثقافي، الذي يُقام بتنظيم مشترك بين اتحادي الشبيبة الديمقراطي العراقي والطلبة العام في جمهورية العراق، وذلك على كورنيش المدينة.
المهرجان الذي يهدف – وفق القائمين عليه - إلى تعزيز الثقافة والقراءة ودعم الفنون والمبادرات المجتمعية، سيشهد توزيع خمسة آلاف كتاب مجانا على الزائرين، إضافة إلى تقديم عرض مسرحي بعنوان "الكتب لديها أرواح" من إخراج رحيل أزهر.
كما يتضمّن المهرجان ندوة ثقافية لمناقشة قضايا تتعلق بالكتب والتاريخ والرواية، يحاور فيها الرفيق كرار أحمد الدحبوش كلاً من الآثاري عامر عبد الرزاق والروائي نعيم عبد مهلهل.
ويحتضن المهرجان أيضاً معرضاً تشكيلياً يضم أكثر من مائة لوحة فنية لمجموعة من فناني الناصرية، فضلاً عن مشاركة أكثر من مائة بازار للأعمال اليدوية والحرفية.
وفي الجانب المجتمعي والبيئي ستُنظم فعاليات لتوزيع مائة وخمسين شتلة ومائة وخمسين ظرف بذور، إلى جانب فعالية لتبني الحيوانات الأليفة، في خطوة تعكس البعد الإنساني والبيئي للمهرجان.
ويأتي هذا المهرجان ليؤكد دور الثقافة كجسر للتواصل المجتمعي ومساحة مفتوحة للإبداع والمعرفة في مدينة الناصرية – حسب القائمين عليه.
***************************************
قف.. انسداد (علامة تعجب)
عبد المنعم الأعسم
توصل العقل السياسي لأركان نظام المرحلة، وفي محاولة لتلطيف الورطة التي يتخبطون بها، الى كلمة "الانسداد" صفةً لاستحالة تشكيل حكومة بوجوه صخّمت وجه العراق، وعند هذا العقل ان كل انسداد وراؤه انفراج، كما هو الحال في انسداد مجاري الصرف الصحي، مثلاً، والحال، لوكان الامر بهذه البساطة ما احتاج اصحاب الانسداد الى كل هذا القلق، والاندياح في متاهات الريبة فيما بينهم، والى الاتهامات المتبادلة بسوء النوايا، وسوء الالتزام بالمواثيق، أو سوء السمعة. وكان اول الضحايا لهذه الورطة هي التوقيتات الدستورية (خطية) التي كتبوها باليد اليمنى ومسحوها باليسرى، وسط احتفال مهيب بحضور مرجعية قضائية، وتصفيق جمهور ملفق، وكان التعبير عن ذلك هو الحضور المُخجل في عدد النواب لجلسة التوقيات الاولى، إذْ قضى معظمهم وقت الجلسة في كافتيريا المجلس، وبعضهم الاخر، في زيارة العِمرة، والبعض الاكثر في غرف نومهم، وتركوا الحل لمن بيده الرشمة.
في الفيزياء، الانسداد هو حركة ارتداد عكسية تحدث للجسم نتيجة انطلاق قذيفة أو رصاصة في الاتجاه المعاكس، وهو تطبيق مباشر لقانون نيوتن الثالث للحركة "لكل فعل رد فعل".. اكرر: لكل فعلٍ رد فعل.. لو يعلمون.
قالوا:*
""المستغني عن الدنيا بالدنيا، كمطفئ النار بالتبن
المزني (فقيه بصري)
**************************************
• دعت الجمعية العراقية لدعم الثقافة والاتحاد العام للأدباء والكتاب، إلى جلسة استذكار للاستاذ الكبير د. علي جواد الطاهر، تُعقد غدا الخميس.
يتحدث في الجلسة د. سعيد عدنان والناقد فاضل ثامر ود. عدنان العوادي ود. علي حداد، ويديرها د. جاسم محمد جسام.
تكون البداية في الساعة الرابعة عصرا على قاعة الجواهري في مقر اتحاد الأدباء - بغداد.
• تُضيّف "منصة إبداع" في بغداد مدينة الإبداع الأدبي – اليونسكو هذا اليوم الخميس، الروائية هدية حسين، لتتحدث في جلسة حوارية عن تجربتها بين السرد والنقد، وعن كتبها الثلاثة الأخيرة.
تبدأ الجلسة التي سيديرها د. سعد التميمي، في الساعة العاشرة والنصف صباحا على "قاعة المدينة (سيتي)" في بيت الحكمة.
• يعقد نادي الشعر في الاتحاد العام للأدباء والكتّاب بعد غد السبت، جلسة أدبية بعنوان "الشعر ووسائل التواصل"، يساهم فيها كل من الشاعرة ليندا ابراهيم، د. حمد محمود الدوخي، الناقد د. خالد سهر والناقدة د. ضحى عميرة. فيما يديرها الشاعر حماد الشايع.
تبدأ الجلسة في الساعة 11 ضحى على قاعة الجواهري في مقر الاتحاد.
******************************
عراقي يُتوّج بلقب أفضل مترافع في التحكيم التجار
متابعة – طريق الشعب
توِّج طالب عراقي من محافظة الأنبار، بلقب أفضل مترافع في المنافسة الدولية للتحكيم التجاري بنسختها السابعة، والتي نُظمت أخيرا في العاصمة السعودية الرياض.
ووفقا لوكالات أنباء، فإن الطالب في جامعة الفلوجة حذيفة محمد خليل، حقق إنجازاً مميزاً بحصوله على لقب أفضل مترافع بعد احتلاله المركز الخامس ضمن العشرة الأوائل في المنافسة، من بين أكثر من 1000 طالب مشارك من 25 دولة، مثلوا كليات الشريعة والقانون والأنظمة والحقوق.
وحسب وكالات الأنباء، فإن جلسات الملتقى ساهمت في تعميق الفهم المشترك لآليات إنفاذ أحكام التحكيم وتعزيز قابلية التنبؤ بالأحكام القضائية بما ينعكس إيجاباً على استقرار المعاملات التجارية وجذب الاستثمارات ويعزز من التكامل المؤسسي بين القضاء الوطني ومنظومة التحكيم.
وشارك في تنظيم الملتقى المركز السعودي للتحكيم التجاري، والمجلس الدولي للتحكيم التجاري (ICCA)، وجامعة الدول العربية، والمركز العربي للبحوث القانونية والقضائية.