اخر الاخبار

الصفحة الأولى

وسط قلق مجتمعي.. تسريح عاملين في شركات عدة خبراء: تداعيات الحرب تضغط على الأسواق المحلية وتعيد أزمات الطاقة والبطالة إلى الواجهة مطالباً بإلغائه فوراً

الشيوعي العراقي يدين قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين

بغداد – طريق الشعب

أكد الحزب الشيوعي العراقي استنكاره بأشد العبارات لقانون إعدام الأسرى الفلسطينيين الذي أقره كيان الاحتلال الصهيوني، واعتبره جريمة حرب وانتهاكا صارخا للقانون الدولي الإنساني، مطالبا بالإلغاء الفوري لهذا التشريع الوحشي والعنصري.

وقال الرفيق حيدر مثنى، عضو المكتب السياسي للحزب، في تصريح لـ"طريق الشعب"، إن "هذا القانون الانتقامي الذي يستهدف الأسرى الفلسطينيين يمثل امتدادا لسياسات الإبادة الجماعية في غزة والتطهير العرقي في الضفة الغربية التي تنتهجها حكومة نتانياهو الفاشية وعصابات المستوطنين ضد الشعب الفلسطيني وتصعيدا للقمع والتنكيل بحق أبنائه في ظل استمرار الاحتلال والعدوان الصهيوني".

وأضاف ان "الحزب الشيوعي العراقي يطالب الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية المعنية بحقوق الإنسان بالتحرك العاجل وتشديد الضغوط على الكيان الصهيوني لإلغاء هذا القانون الوحشي والعنصري فورا، باعتباره جريمة حرب، تضاف إلى سجل جرائم الإبادة، وتوفير الحماية للأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال، ومحاسبته على هذه الجرائم البشعة".

كما دعا الرفيق مثنى الحكومة العراقية، التي دانت قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين، الى تحرك عاجل على صعيد الأمم المتحدة وبالتنسيق مع السلطة الفلسطينية، لتشديد المطالبة بإلغاء هذا القانون الوحشي والعنصري الذي يهدف إلى كسر إرادة الشعب الفلسطيني، وتقديم الدعم الفاعل لنضاله البطولي في مواجهة الاحتلال والاستيطان الصهيوني.

 

بغداد – طريق الشعب

 

يعكس المشهد الراهن على الساحة العراقية تعقيدا كبيرا تتقاطع فيه التطورات السياسية والأمنية مع أزمات مالية واقتصادية وخدمية، لتشكل لوحة متشابكة من التحديات الداخلية والخارجية؛ فمع انطلاق تظاهرات واسعة في عدد من المدن رافضة للحرب ومطالبة بالسلام، تتصاعد تداعيات الحرب الإقليمية، بالتوازي مع أزمة متفاقمة في سوق العمل وملف الطاقة.

تظاهرات السبت رسائل سياسية في الشارع

وشهدت مدن عدة عراقية، يوم امس، تظاهرات واسعة دعا إليها السيد مقتدى الصدر، في تحرك يعكس تفاعلاً شعبياً مع تطورات إقليمية متسارعة.

وتركزت الدعوات على التجمع في ساحة التحرير وسط بغداد، إلى جانب مراكز قرابة 12 محافظة أخرى. وشهدت بعض المدن، مثل الناصرية، استعدادات مبكرة عبر نصب مواكب خدمية وتنظيم مواقع التجمع، خصوصاً في ساحة الحبوبي.

وبالتوازي، فرضت القوات الأمنية إجراءات مشددة، تضمنت إغلاق ساحة التحرير ومحيطها منذ ساعات الصباح الأولى، بهدف تأمين التظاهرات ومنع أي خروقات محتملة.

وتأتي هذه التظاهرات تحت شعار استنكار "العدوان الصهيوأمريكي"، والتضامن مع الشعوب المتضررة من الحرب، في وقت تتزامن فيه ذكرى تهجير الكرد الفيليين، حيث جددت جهات رسمية التزامها بإنصاف ضحايا هذا الملف.

تعطيل حركة التجارة العالمية

في الاثناء، أكد الخبير الاقتصادي محمود داغر، أن حالة عدم الاستقرار الأمني والسياسي تجعل من الصعب إجراء تقييم دقيق للوضع الاقتصادي، مشيرًا إلى أن العراق يتأثر بشكل مباشر بتداعيات الصراعات، في ظل وجود أطراف متعددة تتسبب بزعزعة الاستقرار والإضرار بالواقع الاقتصادي.

وقال داغر لـ"طريق الشعب"، إن ما يشهده السوق من تقلبات وارتفاع في الأسعار يُعد أمرًا طبيعيًا في ظل ظروف مشابهة، لافتًا إلى أن الحروب عادة ما تُنتج أزمات اقتصادية مصاحبة، من بينها أزمات الطاقة والمواد الأساسية.

وأضاف أن بعض الأزمات، كأزمة الغاز، تتفاقم بفعل القلق المجتمعي، ما يدفع المواطنين إلى التهافت على شراء المواد الغذائية والسلع الأساسية وتخزينها، الأمر الذي يزيد من الضغط على الأسواق.

وبيّن أن هذا التهافت الاستهلاكي مسجل في العديد من التجارب، حيث تعاني الأسواق الكبرى ومراكز التسوق حاليًا من ضغط متزايد نتيجة الإقبال الكبير من المواطنين، ما يعكس حالة القلق وعدم اليقين، مشيرا الى أن هذه الظواهر لا تقتصر على العراق فقط، بل تمتد إلى دول أخرى، بما فيها الدول الأوروبية، التي شهدت ارتفاعًا ملحوظًا في الأسعار نتيجة ما يُعرف بـ”صدمة النفط”، الناجمة عن الحروب وارتفاع أسعار الطاقة عالميًا.

وختم بالقول إن عودة الاستقرار الاقتصادي مرهونة بانتهاء حالة عدم الاستقرار، مؤكدًا في الوقت ذاته أن الوضع الاقتصادي في العراق، رغم هذه التحديات، لا يزال “أكثر من مقبول” مقارنة بالظروف الراهنة.

يشار إلى ان إغلاق مضيق هرمز أدى إلى تعطيل حركة التجارة العالمية، خصوصاً في قطاع الأسمدة مثل اليوريا والأمونيا، ما ينذر بموجة ارتفاع في أسعار الغذاء عالمياً، مع تأثيرات مباشرة على الأمن الغذائي للدول المستوردة.

العراق في "عنق الزجاجة"

وقد دخل ملف الطاقة مرحلة حرجة نتيجة تداعيات الحرب واضطراب ممرات الملاحة؛ إذ أعلنت وزارة الكهرباء توقف تدفقات الغاز الإيراني بشكل كامل، ما تسبب بخسارة فورية تقدر بنحو 3200 ميغاواط من الطاقة الكهربائية، الأمر الذي زاد من ساعات القطع وأعاد أزمة الكهرباء إلى الواجهة بقوة.

وفي محاولة لاحتواء الأزمة، تعمل الحكومة على إيجاد بدائل، منها الاعتماد على منصة غاز عائمة في البصرة يُتوقع أن توفر نحو 500 مليون قدم مكعب، إضافة إلى مشروع الربط الخليجي الذي قد يضيف نحو 500 ميغاواط إلى الشبكة.

كما لجأت السلطات إلى إجراءات تقشفية، شملت خفض الحصة الوقودية المخصصة للدوائر الحكومية بنسبة 50%، في محاولة لترشيد الاستهلاك وضمان استمرارية التجهيز.

وعلى المستوى العالمي، تسببت الأزمة في شلل شبه تام لبعض القطاعات الصناعية، خصوصاً تلك المعتمدة على الغاز، مثل مصانع السيراميك في الهند، ومصانع في مصر وسريلانكا.

ارتفاع أسعار الغاز المنزلي

كما سجلت أسعار المحروقات والغاز المنزلي ارتفاعات ملحوظة تراوحت بين 16% و30% خلال شهر آذار، مع توقعات باستمرار ارتفاع أسعار النفط عالميا فوق 100 دولار في حال استمرار التوتر في مضيق هرمز.

ورغم امتلاك العراق موارد غازية كبيرة، لا يزال يعاني من حرق كميات كبيرة من الغاز المصاحب، تُقدر بنحو 30 مليون قدم مكعب يومياً، في وقت يواجه فيه نقصاً في تجهيز محطات الكهرباء، ما يعكس خللاً هيكلياً في إدارة هذا الملف الحيوي.

وبالنسبة للغاز المنزلي، فقد شهدت عدة محافظات، بينها العاصمة بغداد، أزمة حادة، ارتفع معها سعر اسطوانة غاز الطبخ الى 15 ألف دينار، فضلا عن شحتها.

************************************

راصد الطريق.. تجاوزات مرفوضة

في وقت يكثر فيه الحديث عن مشاريع المدن السكنية بوصفها حلولًا لأزمة السكن، كشفت موجة الأمطار الأخيرة واقعًا لا يمكن تجاهله أو التستر عليه. ففي بعقوبة، ظهرت أحياء سكنية تمتد حتى مقتربات نهر ديالى، في تجاوزٍ واضح لكل الضوابط التخطيطية والبيئية، ويتكرر المشهد ذاته في بغداد، لا سيما ضمن محرمات نهر دجلة في منطقة البوعيثة وغيرها.

وفي مقابل هذا الواقع، يستمر الخطاب الرسمي بالحديث عن فرض القانون، ومعالجة أزمة السكن، بينما يواصل متنفذون تجاوزهم على الأملاك العامة دون رادع، محوّلين تجاوزاتهم إلى مصادر ربح ترفد ثرواتهم. فيما يكتفي المعنيون بالتفرج، دون تحرك حازم يوقف الانتهاكات أو يعالجها، ما يعمّق الفجوة بين القانون وتطبيقه على الأرض.

إن مشاهد التعدي على محرمات الانهر وتمدد الأحياء نحو ضفافها، يعرّي تواطؤ منظومة الحكم، حيث يغيب الردع وتحضر المصالح. والأخطر أن هذا الواقع يضرب فكرة “الدولة” في جوهرها؛ فالدولة العاجزة عن حماية فضاءاتها العامة أو المتغاضية عن استباحتها، تفقد تدريجاً قدرتها على فرض القانون بشكل عادل. وعليه، يبقى الحديث عن حلول لأزمة السكن منقوصًا، ما لم يُقترن بإرادة حقيقية لضبط التجاوزات ومحاسبة المتورطين، بغضّ النظر عن مواقعهم ونفوذهم.

***********************************

الصفحة الثانية

في بغداد.. وقفة استذكارية للشهداء الفيليين

بغداد – طريق الشعب

نظم عدد من المواطنين الكرد الفيليين وقفة احتجاجية قرب نصب الشهيد الفيلي في بغداد، استذكروا فيها تضحيات المواطنين الفيليين وحملات التهجير القسري والإبادة الجماعية التي تعرضوا لها في عهد النظام الدكتاتوري.

وتحدث المشاركون في الوقفة عن معاناتهم الحقيقية بسبب سياسات النظام السابق، وكذلك التعقيدات التي واجهتهم للحصول على حقوقهم المشروعة.

وقالت الناشطة صباح نور الدين إن "الفيليين قدموا تضحيات جسيمة، لذلك هذه الفعالية ليست استذكارًا لهذه التضحيات فقط، إنما هي مسؤولية أخلاقية وإنسانية تحتم علينا أن نحفظ حقوق الشهداء وعوائلهم، وأن نواصل المطالبة بالعدالة لهم".

وأضافت نور الدين أن "عائلات الشهداء ما زالت تعيش معاناة كبيرة، خاصة أولئك الذين لم يُعثر على رفات أبنائهم حتى الآن"، ولفتت إلى أن "هذا الملف بحاجة إلى حراك جاد من الجهات المعنية لإنهاء سنوات الانتظار والألم".

وأكدت استمرار التهميش وغياب التمثيل الحقيقي داخل مؤسسات الدولة، وطالبت بمعالجات عاجلة لضمان حقوقهم ودورهم في المجتمع.

وطالب مستشار مجلس النواب العراقي لشؤون الكرد الفيليين، فؤاد علي أكبر، بالتحرك الجاد للكشف عن مصير المفقودين، حيث لم يُعثر حتى الآن إلا على عدد محدود من الرفات، مشددًا على ضرورة تسليط الضوء على هذه المأساة وإحياء ذكرى يوم الشهيد الفيلي.

*******************************

بين اضطراب التقويم وتسارع المناهج  العُطل المفاجئة تعمّق مشاكل المدارس وتضعف مخرجات النظام التعليمي

بغداد – تبارك عبد المجيد

في بلد يعاني من تحديات مركبة في قطاع التعليم، لم تعد العطل غير المخططة مجرد استراحة مؤقتة للطلبة، بل تحولت إلى عامل خفي يهدد كفاءة النظام التعليمي ويثقل كاهل الاقتصاد على المدى البعيد؛ فبين تعطيلٍ بسبب الأمطار، وآخر بدواعٍ تنظيمية أو مناسبات، تتآكل الأيام الدراسية تدريجياً، تاركة فجوة يصعب ردمها مع اقتراب الامتحانات النهائية.

شهدت الأيام الماضية في العراق سلسلة من قرارات تعطيل الدوام الحكومي لأسباب متنوعة، أبرزها الظروف الجوية الطارئة، وأخيرًا احتفالًا بتأهل المنتخب الوطني لكرة القدم إلى كأس العالم 2026، حيث أعلنت الحكومة تعطيل الدوام ليومين متتاليين.

ويرى مختصون أن المشكلة لا تتوقف عند تأخر إكمال المناهج، بل تمتد لتلامس جوهر العملية التعليمية، حيث تُدفع المدارس إلى تسريع الدروس أو اختصارها، ما يضعف الاستيعاب ويزيد الضغط على الطلبة. غير أن القراءة الأعمق تكشف أبعاداً اقتصادية أكثر تعقيداً.

تداعيات اضطراب التقويم الدراسي

في هذا السياق، يقول الباحث الاقتصادي أحمد عيد إن كثرة العطل غير المخططة تمثل، من منظور اقتصادي، تراجعاً واضحاً في كفاءة تخصيص الموارد العامة، موضحاً أن الدولة تستمر في تحمل كلف ثابتة تشمل الرواتب والبنى التحتية والتشغيل، دون أن يقابل ذلك مخرجات تعليمية مكافئة، ما يعني عملياً انخفاض العائد على الاستثمار في رأس المال البشري، الذي يُعد أحد أهم محركات النمو طويل الأمد.

ويشير عيد لـ"طريق الشعب"، إلى أن اضطراب التقويم الدراسي يقود إلى ما يعرف بـ"خسائر التعلم"، وهي خسائر لا تظهر فوراً، لكنها تتراكم مع الزمن، لتنعكس لاحقاً على إنتاجية الأفراد ومستوى دخولهم في سوق العمل. وبحسب الأدبيات الاقتصادية، فإن أي تراجع في جودة التعليم أو مدته الفعلية يترجم إلى انخفاض في الدخل المستقبلي، وهو ما يضع العراق أمام كلفة اقتصادية “صامتة” لكنها عميقة التأثير، في ظل غياب تقديرات دقيقة لحجم هذه الخسائر.

أما الحلول المعتمدة حالياً، مثل تكثيف الدروس أو إضافة دوام في أيام العطل، فيصفها عيد بأنها ذات كفاءة محدودة، إذ لا تعوض بالكامل فاقد التعلم، بقدر ما تنقل جزءاً من الكلفة إلى الأسر، سواء من حيث الوقت أو الجهد أو المصاريف الإضافية، دون أن تعالج السبب الجذري للمشكلة، والمتمثل في ضعف التخطيط وعدم استقرار القرارات.

ويخلص إلى أن المعالجة الفعالة لا تكمن في الترقيع المؤقت، بل في تقليل الانقطاعات وضمان استمرارية العملية التعليمية، بما يعزز من كفاءة الإنفاق العام ويعظم العائد على الاستثمار في التعليم.

تآكل أيام الدراسة يقوض النظام التعليمي

وبين ضغط الوقت وتراكم المناهج، يجد الطلبة أنفسهم الحلقة الأضعف في معادلة غير متوازنة، حيث تتحول كل عطلة غير محسوبة إلى عبء إضافي، ليس فقط على تحصيلهم الدراسي، بل على مستقبلهم الاقتصادي أيضاً.

من جانبه، حذر التربوي حيدر كاظم من تداعيات العطل غير المخططة في العراق، معتبراً أنها لم تعد مجرد فترات توقف مؤقتة، بل تحوّلت إلى عامل مؤثر يهدد كفاءة النظام التعليمي ويُلقي بظلاله على الواقع الاقتصادي مستقبلاً.

وقال كاظم لـ"طريق الشعب"، إن تكرار تعطيل الدوام، سواء بسبب الأحوال الجوية أو المناسبات، يؤدي إلى تآكل فعلي في الأيام الدراسية، ما يخلق فجوة زمنية يصعب تعويضها مع اقتراب الامتحانات النهائية، ويضع المدارس أمام ضغوط كبيرة لإكمال المناهج ضمن سقف زمني محدود.

وأوضح أن تأثير هذه العطل لا يقتصر على تأخر إنجاز المواد الدراسية، بل يمتد إلى جوهر العملية التعليمية، حيث تُجبر المدارس على تسريع الدروس أو اختصارها، الأمر الذي ينعكس سلباً على مستوى استيعاب الطلبة ويزيد من الضغوط النفسية عليهم.

وأشار إلى أن هذه المشكلة تحمل أبعاداً اقتصادية أعمق، لافتاً إلى أن استمرار الإنفاق الحكومي على قطاع التعليم، من رواتب وبنى تحتية وتشغيل، دون تحقيق مخرجات تعليمية متكافئة، يعني تراجع كفاءة استثمار الموارد العامة، وانخفاض العائد على رأس المال البشري، الذي يُعد ركيزة أساسية للنمو الاقتصادي.

وبين كاظم أن اضطراب التقويم الدراسي يقود إلى ما يُعرف بـ"خسائر التعلم"، وهي خسائر تتراكم بمرور الوقت، لتنعكس لاحقاً على إنتاجية الأفراد وفرصهم في سوق العمل، مؤكداً أن تراجع جودة التعليم أو مدته الفعلية يترجم في النهاية إلى انخفاض في الدخل المستقبلي.

وفيما يتعلق بإجراءات التعويض، مثل تكثيف الدروس أو إضافة أيام دوام، فيعتقد انها "حلول محدودة التأثير، إذ لا تعالج فاقد التعلم بشكل كامل، بل تنقل جزءاً من الأعباء إلى الأسر من حيث الوقت والتكاليف، دون معالجة جذور المشكلة المرتبطة بضعف التخطيط وعدم استقرار القرارات".

وشدد على أن الحل يكمن في تقليل الانقطاعات وضمان استمرارية العملية التعليمية، بما يسهم في تحسين كفاءة الإنفاق العام وتعظيم العائد على الاستثمار في التعليم.

وختم بالقول إن الطلبة يبقون الحلقة الأضعف في هذه المعادلة، إذ تتحول كل عطلة غير محسوبة إلى عبء إضافي ينعكس ليس فقط على تحصيلهم الدراسي، بل على مستقبلهم الاقتصادي أيضاً.

الحلول التقنية مقيدة ومحدودة

وتؤكد منى جعفر، ناشطة في مجال التعليم، أن هذه الانقطاعات لم تعد مجرد توقف مؤقت في الدوام، بل تحولت إلى عامل مؤثر يهدد مستوى التحصيل العلمي ويعمّق الفجوات التعليمية بين الطلبة. وتوضح جعفر لـ"طريق الشعب"، أن تأثير هذه العطل لا يقتصر على تأخير إكمال المناهج الدراسية، بل يمتد إلى إضعاف قدرة الطلبة على استيعاب المواد وفهمها بشكل متماسك، خصوصاً في الصفوف النهائية التي تتطلب تركيزاً واستمرارية في التعلم. وتشير إلى أن غياب الانتظام الدراسي يربك تسلسل العملية التعليمية ويجعل من الصعب ترسيخ المفاهيم الأساسية.

وتبين ان  عددا كبيرا من الطلبة يواجهون تحديات حقيقية في الوصول إلى بدائل التعليم، وفي مقدمتها التعليم الإلكتروني، الذي لا يزال غير متاح بشكل عادل لجميع الفئات. فالتكاليف المرتبطة بتوفير الأجهزة مثل الحواسيب أو الأجهزة اللوحية تمثل عبئاً على العديد من الأسر، ما يحرم أبناءها من فرصة متابعة الدروس عند توقف التعليم الحضوري.

كما تسهم الأوضاع الأمنية في بعض المناطق في إضعاف البنية التحتية الرقمية، إذ يؤدي تشويش الإنترنت وانقطاعه المتكرر إلى تعطيل متابعة المحاضرات والامتحانات الإلكترونية، الأمر الذي يزيد من الضغوط النفسية على الطلبة وأولياء الأمور، ويضعف من فعالية الحلول البديلة المطروحة.

وتلفت إلى أن هناك أيضاً عوامل اجتماعية تحد من استخدام الطلبة للتكنولوجيا، حيث تفرض بعض العوائل قيوداً على استخدام الهواتف المحمولة، نتيجة مخاوف تتعلق بالابتزاز الإلكتروني أو الإدمان، فضلاً عن ضعف الوعي بكيفية توظيف هذه الأجهزة في العملية التعليمية.  ويزداد هذا التحدي في المناطق الريفية التي تعاني أساساً من نقص في خدمات الإنترنت والبنية التحتية الرقمية.

وتخلص جعفر إلى أن الحلول التقنية الحالية، رغم أهميتها، تبقى محدودة التأثير ما لم تُدعم ببرامج تدريبية حقيقية تمكّن الطلبة من استخدام التكنولوجيا بشكل فعّال في التعلم. كما تشدد على ضرورة تطوير مناهج وأساليب تعليمية مرنة تستجيب لحالات الطوارئ، وتضمن استمرارية التعليم في ظل الأزمات والانقطاعات غير المخططة.

**************************************

وسط قلق مجتمعي.. تسريح عاملين في شركات عدة

تسريح عاملين في القطاع الخاص

وضمن سلسلة الأزمات التي تمر بها مختلف القطاعات المحلية، يواجه عمال القطاع الخاص في العراق ضغوطاً متزايدة نتيجة تداخل تداعيات الحرب مع الاختلالات الداخلية في سوق العمل؛ ففي البصرة، حذر أصحاب شركات نفطية من احتمال تسريح نحو 40 ألف عامل، نتيجة اضطرابات الإمدادات وفوارق سعر صرف الدولار، ما ينذر بأزمة بطالة واسعة. كما سُجلت حالات تسريح فعلية، منها إنهاء خدمات نحو 80 عاملاً في شركة أجنبية دون إنذار مسبق، وسط مطالبات لوزارة العمل بالتدخل.

وفي قطاع السياحة، شهدت محافظات عدة، بينها واسط، تسريحاً جماعياً لموظفي شركات السياحة، بسبب توقف الرحلات وتراجع النشاط المرتبط بحركة الحدود.

فيما عملت شركات أخرى على خفض أجور العاملين بنسب متفاوتة وصلت الى 50 في المائة.

بالمقابل، تؤكد وزارة العمل أن القانون العراقي لا يسمح بالتسريح التعسفي، إلا أن الواقع يشير إلى فجوة واضحة بين النصوص القانونية والتطبيق، خاصة في ظل ضعف الرقابة واتساع القطاع غير المنظم.

وسجل الربع الأول من عام 2026 أعلى معدلات تسريح منذ سنوات. فيما بررت شركات كبرى مثل أوراكل وجوجل وأمازون تقليص عمالتها بالاعتماد المتزايد على تقنيات الذكاء الاصطناعي، وإعادة الهيكلة لمواجهة التباطؤ الاقتصادي.

ويثير هذا التحول مخاوف إضافية في الدول النامية، ومنها العراق، التي قد تتأثر بشكل غير مباشر بتراجع فرص العمل التقليدية، خصوصاً في القطاعات المرتبطة بالخدمات والتكنولوجيا.

والى جانب ذلك، تتزايد المخاوف من "صدمة مالية" محتملة في موازنة 2026، قد تؤدي إلى تأخر صرف الرواتب، في ظل تذبذب أسعار النفط والضغوط الاقتصادية المتصاعدة.

تفاقم أزمة الثقة بين المواطن والدولة

من جهته، أكد المختص في الشأن الاقتصادي، مصطفى الفرج، أن الأزمات الأخيرة المتمثلة بارتفاع أسعار المواد الغذائية، وأزمة الغاز، وتسريح بعض العاملين في القطاع الخاص، تعكس وجود خلل واضح في إدارة الاقتصاد، سواء على مستوى القطاع العام أو الخاص.

وقال الفرج أن تأثر العراق بالتطورات الإقليمية، رغم عدم كونه طرفاً مباشراً في الصراع، يكشف هشاشة البنية الاقتصادية، مشيراً إلى أن الاقتصاد العراقي ما يزال ريعياً ويعتمد بشكل كبير على العوامل الخارجية ودول الجوار، الأمر الذي يجعله أكثر عرضة للصدمات مقارنة بدول أخرى في المنطقة.

وأضاف أن بعض الأزمات تُفاقم بفعل سلوكيات المضاربة والترويج، حيث يستغل بعض التجار حالة القلق لدى المواطنين لدفعهم نحو شراء المواد الغذائية بكميات كبيرة، ما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار وخلق أزمات مصطنعة في الأسواق.

ولفت إلى أن أزمة الغاز، رغم كونها ناجمة عن خلل فني محدود، إلا أنها تسببت بإرباك الشارع نتيجة ضعف إدارة الأزمة وعدم القدرة على احتواء الشائعات أو طمأنة الرأي العام.

وأشار كذلك إلى وجود أزمة ثقة متفاقمة بين المواطن والدولة، مبيناً أن هذه الفجوة تدفع المواطنين إلى تخزين المواد الغذائية وأسطوانات الغاز تحسباً لأي طارئ، في ظل عدم قناعتهم بقدرة الحكومة على تأمين احتياجاتهم خلال الأزمات.

وأكد أن التصريحات الرسمية، مثل إعلان توفر خزين غذائي يكفي لعدة أشهر، لم تنجح في تهدئة المخاوف الشعبية بسبب هذه الأزمة المتراكمة في الثقة.

ودعا الفرج الحكومة إلى اتخاذ إجراءات عملية وسريعة، من بينها تعزيز مفردات السلة الغذائية، خصوصاً للفئات المشمولة بالرعاية الاجتماعية، والعمل على ضبط أسعار الغاز وتقليل الأعباء عن المواطنين، إلى جانب تحسين إدارة الأزمات الفنية لمنع تحولها إلى أزمات عامة تؤثر على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

وفي ما يتعلق بتسريح العاملين في القطاع الخاص، شدد الفرح على أن القوانين النافذة، ومنها قانون العمل وقانون الضمان الاجتماعي، تكفل حماية العمال، مؤكداً ضرورة تفعيل هذه التشريعات ومحاسبة الجهات التي تقدم على تسريح الموظفين خارج الأطر القانونية، بغض النظر عن الظروف الاقتصادية.

واختتم حديثه بالتأكيد على أن الأزمات الحالية، في جزء منها، تعود إلى ضعف الإدارة الاقتصادية، محذراً من تحميل تبعاتها للفئات البسيطة، سواء في القطاعين العام أو الخاص، ومشدداً على أهمية أن تضطلع الحكومة بمسؤولياتها في حماية المواطنين وتوفير متطلبات العيش الكريم لهم .

***********************************

الصفحة الثالثة

الضمان الصحي يصطدم بواقع هش والمواطن ضحية قرارات ارتجالية غير مدروسة

بغداد - طريق الشعب

لا يزال ملف الضمان الصحي في العراق كواحد من أكثر المشاريع إثارة للجدل، بسبب  آليات تطبيقه وتوقيته؛ فبينما يُفترض أن يشكل هذا النظام خطوة نحو تحقيق العدالة في الوصول الى الخدمات الطبية وتخفيف العبء المالي عن المواطنين، تتكشف في المقابل تحديات معقدة تضع علامات استفهام كبيرة حول قدرته على تحقيق أهدافه في بيئة صحية تعاني اختلالات عميقة.

إذ يصطدم تطبيق الضمان الصحي، بواقع تتداخل فيه محدودية البنى التحتية مع نقص الكوادر الطبية وتذبذب توفير الأدوية، فضلاً عن فجوة واضحة بين الطلب المتزايد على الخدمات الصحية والإمكانات المتاحة فعلياً.

وفي ظل هذا المشهد، تتحول بعض الإجراءات التنظيمية، مثل (نظام الإحالة) وتحديد مسارات العلاج، من أدوات يفترض أن تعزز كفاءة الخدمة الى عوائق قد تعرقل وصول المرضى الى الرعاية في الوقت المناسب.

نماذج مستوردة لا تناسب الواقع!

ويثير اعتماد نماذج تنظيمية مستوردة من أنظمة صحية متقدمة تساؤلات حول مدى مواءمتها للواقع المحلي، في ظل غياب الأرضية المؤسسية القادرة على استيعابها. فنجاح أي نظام ضمان صحي لا يرتبط فقط بالتشريعات، بل يتطلب بنية متكاملة تضمن جودة الخدمة، وسهولة الوصول، واستمرارية الرعاية، وهي عناصر لا تزال موضع اختبار حقيقي في التجربة العراقية.

وبين الطموح في بناء نظام صحي أكثر شمولاً، والواقع الذي يفرض قيوده، تتعاظم الحاجة إلى قراءة معمقة لهذا المشروع، لا بوصفه إجراءً إدارياً أو مالياً فحسب، بل كتحول بنيوي يمس صميم العلاقة بين المواطن والمؤسسة الصحية، ويحدد ملامح الثقة بمستقبل الرعاية الصحية في البلاد

مغامرة صحيّة تهدد سلامة المرضى

في هذا الصدد، حذّر طبيب عراقي مختص، لم يرغب في الكشف عن اسمه، من أن المضي في تطبيق نظام الضمان الصحي بالشكل الحالي يمثل مغامرة غير محسوبة، لافتاً إلى أن أي نظام تأميني صحي لا يمكن أن ينجح ما لم يُبنَ على ثلاثة مرتكزات علمية أساسية: كفاية البنية التحتية، استقرار سلسلة الإمداد الدوائي، وتوفر الكوادر الطبية المؤهلة.

وقال الطبيب في حديث مع "طريق الشعب"، أن الأنظمة الصحية الحديثة تعتمد على مبدأ استمرارية الرعاية وتكامل مستويات الخدمة، وهو ما يتطلب وجود شبكة فعّالة من طب الأسرة قادرة على العمل على مدار الساعة، وليس مجرد عناوين إدارية.

وأضاف أن فرض نظام إحالة في بيئة تفتقر الى هذا التكامل سيؤدي عملياً الى تعطيل وتأخير التشخيص وزيادة معدلات المضاعفات، خصوصاً في الأمراض الحادة والمزمنة غير المسيطر عليها.

وأشار إلى أن أي نظام ضمان صحي يجب أن يضمن الوصول العادل والفوري للخدمة، بينما القيود الإجرائية الحالية، مثل الإحالات المسبقة وتحديد مسارات العلاج، قد تتحول الى حواجز وصول تُقصي شرائح واسعة من المرضى، خاصة في المناطق ذات الكثافة السكانية العالية أو الخدمات المحدودة.

وتابع أنه من الناحية الاقتصادية الصحية، فإن نقل جزء من العبء إلى المواطن تحت غطاء تنظيم الخدمة دون تحسين الجودة، يمثل خللاً في مبدأ القيمة مقابل الكلفة، حيث يُطلب من المريض الالتزام بنظام لا يضمن له نتائج صحية أفضل، بل قد يفاقم من معاناته.

وانتقد الطبيب غياب مؤشرات الأداء الحقيقية في تقييم جاهزية النظام، مؤكداً أن أي إصلاح صحي لا يُقاس فقط بعدد المراجعات أو الإجراءات، بل بمعدلات الشفاء، انخفاض الوفيات القابلة للتجنب، وتحسن جودة الحياة.

وختم بالقول إن فرض الضمان الصحي قبل إصلاح الأساس الطبي للنظام هو أشبه ببناء هيكل إداري فوق أرضية هشة،  محذراً من أن الاستمرار بهذا النهج قد يؤدي إلى فقدان ثقة المواطنين بالمؤسسات الصحية، وهو أخطر من أي عجز مالي أو إداري.

قرارات مستنسخة

من جانبه، اكد الطبيب المختص د. فاضل المندلاوي، أن الحديث عن تطبيق الضمان الصحي في العراق يصطدم بواقع صحي غير مؤهل لتحقيق التغطية الشاملة، مشيراً الى أن أغلب الدول تتجه نحو هذا النظام، إلا أن العراق يفتقر إلى مقوماته الأساسية.

وقال المندلاوي في حديث مع "طريق الشعب"، أن "عدد المؤسسات الصحية الحالية لا يتناسب مع حجم السكان"، موضحاً أن العراق "يمتلك نحو (1700) مركز صحي فقط، في حين أن الحاجة الفعلية تتجاوز (3500 – 4000) مركز، ما يعني وجود عجز يقارب النصف، وهو ما يجعل تحقيق التغطية الشاملة أمراً غير ممكن في ظل هذا النقص".

وأضاف أن الأزمة "لا تتوقف عند البنية التحتية، بل تمتد إلى نقص الأدوية الأساسية"، لافتاً إلى أن "قائمة الأدوية الأساسية تضم نحو (180) دواءً، في وقت لا توفر فيه وزارة الصحة، حتى في أفضل حالاتها، سوى نحو 30 في المائة منها".

وتساءل “كيف يمكن تطبيق نظام ضمان صحي دون توفير الأدوية الأساسية للمواطنين؟”، مشيرا إلى أن نجاح الضمان الصحي يتطلب رفع مستوى الخدمات في المؤسسات الحكومية لتكون قريبة من نظيرتها في القطاع الخاص، إلا أن الواقع الحالي يشير إلى تردي واضح في مستوى الخدمات، ما قد يحول الضمان إلى إجراء شكلي يفتقر إلى مضمون حقيقي.

وفي ما يتعلق بنظام الإحالة، بيّن المندلاوي أنه من حيث المبدأ يبدو النظام منطقيا، لكنه مشروط بتوفر أطباء الأسرة بشكل كافٍ ويعملون على مدار الساعة، وهو ما يفتقر إليه العراق، إذ لا يغطي العدد الحالي سوى جزء محدود من الحاجة الفعلية، فضلاً عن غيابهم في العديد من المراكز الصحية وخارج أوقات الدوام.

وانتقد المندلاوي اعتماد قرارات مستنسخة من أنظمة صحية متقدمة وذات جودة عالية، دون مراعاة خصوصية الواقع العراقي، مؤكداً أن المشكلة لا تكمن فقط في متخذي القرار، بل في صناع القرار الذين لا ينقلون الصورة الحقيقية للواقع الصحي، ما يؤدي إلى إصدار قرارات بعيدة عن التطبيق العملي.

وخلص الى القول إن التقارير الرسمية التي تصل الى الجهات العليا غالباً ما تعكس صورة مثالية ووردية عن المؤسسات الصحية، الأمر الذي يساهم في تعميق الفجوة بين القرار والواقع.

*****************************

العراق في الصحافة الدولية

ترجمة وإعداد: طريق الشعب

العراق.. السير بين الألغام

لمجلة (الشؤون الخارجية) كتب ريناد منصور مقالًا أشار فيه إلى أن الحرب ضد إيران أشعلت أحد كوابيس الشرق الأوسط المقلقة، والمتمثل بحرب إقليمية شاملة، إضافةً إلى ما ينذر به توسع الصراع من عواقب وخيمة على العراق، جارَة إيران الغربية.

وذكر المقال أن العراق، وعلى مدى السنوات القليلة الماضية، تجنب التورط في الاضطرابات التي أعقبت السابع من تشرين الأول 2023، رغم علاقاته الوثيقة مع طهران، وذلك لتعاون العاصمتين في السيطرة على القوى المسلحة ذات النفوذ المتنامي في جميع مفاصل الدولة منذ القضاء على داعش، إدراكًا منهما لضرورة عدم تعريض استقرار العراق النسبي للخطر، وحماية المكاسب الاقتصادية والأمنية التي يحققها هذا الاستقرار.

محاصرون

وذكر الكاتب أن العراق شكّل دومًا منطقة عازلة أمنية بالغة الأهمية، تحمي الجبهة الغربية لإيران من التهديدات العابرة للحدود، كما يُعد شريان حياة اقتصاديًا لها عبر تسهيل حصولها على الدولار أو تقليل ضغوط العقوبات الأمريكية عليها، لا سيما في مجال النفط والغاز. ولهذا حرصت طهران على بقاء العراق خارج ساحة صراعها مع الولايات المتحدة. إلا أن هذا التقييد قد تآكل الآن، حيث تُعيد طهران توجيه استراتيجيتها من التركيز على الحفاظ على الوضع الراهن - الذي يعتبره العديد من المسؤولين الإيرانيين فاشلًا- إلى خوض ما تعتبره صراعًا وجوديًا. وهذا يعني المزيد من الضربات على أهداف أمريكية في العراق. ورغم أن بعض الفصائل العراقية، حسب المقال، ترى بأن توسع الصراع يضر بمصالحها، فإن فصائل أخرى ذات التزامات أيديولوجية وأمنية واقتصادية مختلفة ترى عكس ذلك، فيما تظهر حكومة بغداد عجزًا واضحًا عن التحكم في الأوضاع، لدرجة يتزايد معها خطر اندلاع صراع داخلي أعمق في البلاد.

مأزق اقتصادي خطير

وعلى الصعيد الاقتصادي، وجد الكاتب أن العراق شديد التأثر بتداعيات حرب إقليمية طويلة الأمد، فاستقرار البلاد المالي يعتمد بشكل كبير على صادرات النفط، التي تمثل أكثر من 90 في المائة من إيرادات الحكومة، وتُموّل القطاع العام الذي يُعد من أكبر القطاعات في الشرق الأوسط. ويُشكل أي خلل في إنتاج النفط أو البنية التحتية للتصدير أو خطوط الملاحة في مضيق هرمز مخاطر مباشرة على قدرة الدولة العراقية على دفع الرواتب، والحفاظ على الخدمات العامة، وكبح جماح السخط الشعبي، الذي ما زال يظهر في احتجاجات صغيرة مستمرة، غالبًا ما تقودها فئات مهنية محددة أو مجتمعات محلية، في ظل نمو سكاني سريع للغاية، وارتفاع معدلات البطالة، ودخول أفواج من الشباب سنويًا إلى سوق العمل بأعداد تفوق بكثير الفرص المتاحة في القطاع الخاص أو قدرة القطاع العام على التوظيف.

وإضافةً إلى ما يسببه إغلاق مضيق هرمز من صعوبات اقتصادية للعراق، فإن تراجع استقراره سيؤدي إلى فقدان ثقة المستثمرين به من جديد، خاصة شركات الطاقة العالمية الكبرى، بعد أن كاد العراق أن يستعيدها إثر تحجيمه الكبير للإرهاب وتحقيقه قدرًا من الاستقرار.

ورأى الكاتب أن المشاكل الاقتصادية في بغداد لا تقتصر على الطاقة فحسب؛ فالعراق يعتمد اعتمادًا كبيرًا على واردات الغذاء والدواء والسلع الاستهلاكية التي تدخل عبر حدوده مع إيران أو من خلال موانئه الجنوبية المطلة على الخليج العربي. وقد أدت الفوضى الناجمة عن الحرب بالفعل إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية وزيادة الضغط على الدينار العراقي وارتفاع أسعار الوقود وانقطاع إمدادات الطاقة. وقد تُعيد كل هذه الضغوط لإشعال الاضطرابات التي أثارتها مظالم اجتماعية واقتصادية مماثلة خلال السنوات الأخيرة، عندما خرج المتظاهرون إلى الشوارع ليُقمعوا بعنف.

بلاد بلا حكومة

وتحدث المقال عن استمرار الخلاف الحاد حول تشكيل الحكومة، مما ترك الحكم في يد حكومة تصريف أعمال بصلاحيات محدودة، في ظل أزمة إقليمية متصاعدة، وحاجة ماسة لحماية بنيته التحتية الحيوية وسكانه من ويلات الحرب. وفيما يؤدي الصراع والفراغ السياسي إلى توتر العلاقات بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان، يوسع النقاشات داخل الطبقة السياسية حول علاقة البلاد بإيران.

ما العمل؟!

وخلص الكاتب إلى الإشارة إلى أن الحرب وضعت العراق في وضع أكثر صعوبة مما كان عليه سابقًا، في ظل خيارات محدودة لمواجهة التحديات، وحاجة ماسة لتجنب المزيد من الفوضى وإنهاء الحرب. وحتى ذلك الحين، سيتعين على القادة العراقيين الحد من انخراط البلاد في الصراع قدر الإمكان، وذلك من خلال حماية البنية التحتية الحيوية للطاقة، وإيجاد طرق تصدير بديلة، والحد من الهجمات، وتعزيز التعاون التجاري والطاقي مع الدول المجاورة الأخرى، والبناء على العلاقات التجارية والثقة الهشة التي بدأت تتبلور فيما بينها في السنوات الأخيرة.

********************************

عين على الأحداث

بين الأرقام والواقع

أعلنت وزارة التخطيط عن نجاح الحكومة في تخفيض نسبة الأمية من 20 إلى 10 في المائة، بعد التوسع في التعليم الأساسي وإنشاء 1200 مركز لمحو الأمية. إحصائيات المنظمات الدولية ذات العلاقة لا تتفق مع تفاؤل الوزارة، إذ تحدد نسبة الأميين بأكثر من 15 في المائة، مع بلوغها 20 في المائة بين النساء بشكل عام، و50 في المائة بين الشابات في الريف، الأمر الذي يطالب معه المواطنون الحكومة إلى الكف عن التفاؤل الدعائي، ووضع استراتيجية وطنية بسقوف زمنية محددة ومؤشرات قياس دقيقة لتطبيق قانون محو الأمية رقم 23 لسنة 2011، وربط ذلك بفرص العمل والتدريب المهني.

المستحة كطرة

طالب ممثلو الإيزيديين في مجلس النواب ومراكزهم الثقافية والاجتماعية بتشريع قانون صارم يحد من خطابات الكراهية والتصريحات المسيئة التي تستهدف المكونات الدينية والقومية في البلاد، لما يسببه إطلاقها من آلام وجراح للمواطنين جميعًا، وبشكل خاص لمن تعرض منهم لحملات إبادة جماعية وتهجير قسري، إلى جانب ما تشكله هذه الخطابات من تهديد لأسس التعايش والهوية الوطنية الجامعة. هذا، وفي الوقت الذي يتضامن فيه الحريصون على مصالح البلد ووحدة شعبه وعلى غدٍه الديمقراطي المزدهر، مع هذه الدعوى، يطالبون الادعاء العام بلعب دوره الدستوري في صيانة السلم المجتمعي وردع الطائفيين والفاسدين كائنًا من كان.

لا للحرب

يعرب العراقيون عن رفضهم للحرب ويدعون لحل المشكلات سلميًا، لا باعتبار ذلك ضرورة إنسانية وأمنية فحسب، بل ولما تشكله من أعباء قاسية عليهم. فوفق بيانات منظمة التجارة الدولية التابعة للأمم المتحدة، يُعد العراق أكثر دول المنطقة تضررًا من اضطرابات مضيق هرمز، حيث سجل أكبر ارتفاع في تكلفة الاقتراض بنحو 0.64 نقطة مئوية، ليصل العائد إلى 7.1 في المائة، جراء التوقف شبه الكامل للشحن عبر المضيق، وارتفاع أسعار النفط والغاز والأسمدة بشكل حاد، إلى جانب ارتفاع تكاليف النقل والتأمين بأكثر من 90 في المائة، ما أثر مباشرة على إنتاج الغذاء وأسعاره في العراق والدول المستوردة.

نتفاءل أم نتشاءم؟

أعلنت هيئة النزاهة تفاصيل تقريرها لعام 2025، كاشفةً عن إصدار 3461 أمر قبض و1950 أمر توقيف، إضافة إلى 215 قرار منع من السفر، وعن نجاحها بالمحافظة على 837 مليار دينار و550 مليون دولار. وكانت الهيئة قد حافظت في عام 2024 على 940 مليار دينار و8.7 مليار دولار، وأصدرت 3240 أمر قبض و2276 أمر توقيف و250 قرار منع من السفر. هذا وفي الوقت الذي تكشف فيه هذه الأرقام عن تراجع في عدد أوامر القبض والتوقيف ومنع السفر، وانخفاض حجم الأموال التي جرى حمايتها، يتساءل المواطنون عما إذا كان ذلك دليلًا على تقلص الفساد أم تراجع النشاط.

مگدي وعليجته قديفه

تلمّس العراقيون منذ الأيام الأولى من الشهر الجاري أزمة السيولة التي تعاني منها الدولة نتيجة توقف تصدير النفط، حيث تأخر دفع رواتب الموظفين والمتقاعدين، وانخفض الاستهلاك، وتراجعت قيمة الدينار بما لا يقل عن 15 في المائة، وشهدت الأسواق ركودًا شديدًا، في أصعب اختبار للاقتصاد العراقي منذ سنوات. هذا، وفيما يدفع جياع البلاد وكادحوها ثمن الأزمة، يطالب المواطنون الحكومة بالإسراع في مكافحة الفساد المالي كخطوة عاجلة يمكن أن تسهم في تخفيف المصاعب، خاصةً وقد وجدت الدراسات المختلفة أن إلغاء ازدواج الرواتب وامتيازات كبار المسؤولين سيوفر نحو 3.4 مليار دولار سنويًا، أي ضعف ما توفره المنافذ الحدودية.

**********************************

الصفحة الرابعة

لا إنذارَ مبكراً ولا إجراءاتٍ وقائية العراقيون في دائرة خطر شظايا الحرب

متابعة – طريق الشعب

في ظل استمرار التوترات الأمنية الإقليمية، تزداد حوادث سقوط المقذوفات الحربية وشظاياها في مناطق مأهولة بالسكان في العراق. إذ لم تعد التهديدات الأمنية تقتصر على أهداف عسكرية أو مواقع محددة، بل تشمل مدنيين يتعرّضون وممتلكاتهم إلى شظايا، سواء بسبب سقوط مقذوف بشكل مباشر أو عند اعتراضه في الأجواء.

وقبل ايام أصيب ثلاثة مدنيين في منطقة الإسكان غربي بغداد، وتضررت سيارات عديدة، نتيجة سقوط شظايا. وتكرر ذلك في منطقة الشالجية حيث أصيب شخصان.

أما في أربيل، فقد أصيب مدنيون بشظايا، وتعرّض مقهى شعبي في حي الإسكان الحيوي لسقوط حطام طائرة مسيّرة كانت قد اعتُرضت في الجو، ما خلّف أضراراً كبيرة شملت أيضا منازل ومحال وسيارات، وأثار الذعر والهلع بين الأهالي الذين يخشون أن يتحوّل الأمر إلى ظاهرة متكررة.

الخطر يحوم فوق الرؤوس!

يؤكد سكان في مناطق متضررة أن هذه الحوادث تثير خوفاً شديداً في غياب أي إنذار مسبق أو إجراءات وقائية واضحة.

ويقول سيف عبد الله، وهو من سكان منطقة الشالجية في بغداد: "الخطر لم يعد بعيداً عنا، بل أصبح يحوم فوق رؤوسنا مباشرة، ولا نعرف متى وأين سيسقط المقذوف التالي".

ويتابع قوله في حديث صحفي ان "العائلات باتت تتجنّب البقاء في أماكن مفتوحة ليلاً، خوفاً من سقوط مفاجئ لشظايا".

ومن منطقة الإسكان، يقول جاسم الساعدي أن "الأضرار التي لحقت بالمركبات كانت مفاجئة وصادمة، وكادت تؤدي إلى كارثة بشرية لحظة السقوط لو كان أحد في داخل تلك المركبات".

من يحمي المدنيين؟!

يترافق هذا القلق الشعبي مع تصاعد المطالبات بتحمّل الجهات الحكومية مسؤولية حماية المدنيين وضمان سلامتهم. ويشدد الناشط الحقوقي علي باسم، في حديث صحفي، على أن "الحكومة مطالبة باتخاذ إجراءات عاجلة وفعّالة للحدّ من الظاهرة، سواء عبر تحسين أنظمة الرصد والاعتراض، أو من خلال وضع خطط طوارئ للتعامل مع سقوط الحطام في المناطق السكنية".

ويؤكد أن "استمرار هذه الحوادث من دون معالجة حقيقية يعكس خللاً في منظومة الحماية المدنية، ويضع حياة المواطنين في دائرة الخطر اليومي".

بيئة غير مستقرة

يرى مراقبون أن تعقيد المشهد الأمني في العراق، في ظل تعدد الجهات المسلحة وتداخل مناطق النفوذ، ساهم في خلق بيئة غير مستقرة تزداد فيها احتمالات وقوع أضرار جانبية نتيجة العمليات العسكرية.

ومع تزايد الهجمات، تتكثف عمليات الاعتراض التي قد تنجح في تحييد هدف، لكنها لا تمنع بالضرورة سقوط الحطام على الأرض. وفي كثير من الأحيان تكون هذه البقايا خطرة، سواء بسبب احتوائها على مواد متفجرة غير منفجرة، أو نتيجة سرعتها العالية عند الارتطام. كما أن بعض الهجمات التي تخطئ أهدافها تساهم مباشرة في زيادة المخاطر. حيث تسقط المقذوفات في مواقع غير مقصودة تكون غالباً مأهولة بالسكان.

ويشير الخبير في الشأن الأمني جبار المسعودي، في حديث صحفي، إلى أن "غياب مناطق عازلة أو إجراءات إخلاء في حال حصول تصعيد، يُضاعف الخطر، خصوصاً في المدن المكتظة، مثل بغداد. حيث تقترب الأحياء السكنية من مواقع حساسة".

وعموماً يواجه العراقي حالياً معادلة صعبة بين البقاء في منزله باعتباره ملاذاً آمناً نظرياً، وبين الخشية من أن يتحوّل المنزل نفسه إلى هدف عرضي لسقوط مقذوف أو حطام طائرة مسيرة، وهو ما ينعكس على الحالة النفسية للسكان. إذ زادت مشاعر القلق والتوتر، خصوصاً لدى العائلات التي تضم أطفالاً، في ظل غياب رسائل طمأنة واضحة أو خطط حكومية معلنة للتعامل مع المخاطر.

ويرى المسعودي أن "معالجة الظاهرة تتطلب مقاربة شاملة لا تقتصر على الجانب الأمني، بل تشمل أيضاً تعزيز أنظمة الإنذار المبكر، وتوعية المواطنين بشأن كيفية التصرف في حال سقوط أجسام غريبة، إلى جانب وضع آليات سريعة لتعويض المتضررين"، مضيفا القول أن التنسيق بين الجهات الأمنية يصبح ضرورة ملحة لتقليل احتمال سقوط حطام في مناطق مدنية، عبر تحديد مسارات آمنة لعمليات الاعتراض بقدر الإمكان".

ويجري ذلك في ظل استمرار التصعيد الأمني وتعدد مصادر التهديد. وتشكّل المقذوفات والشظايا واحدة من أخطر التحديات غير المباشرة التي تواجه المدنيين في البلاد اليوم. وبينما تتواصل هذه الحوادث بوتيرة مقلقة، يجد المواطن نفسه في مواجهة خطر لا يمكن التنبؤ به، ما يضع ملف السلامة المدنية على رأس الأولويات التي تتطلب تحركاً عاجلاً وفعّالاً من قبل الجهات المعنية.

**********************************

مع تأخر توزيع الحصة التموينية صعود حاد في أسعار المفردات الغذائية الأساسية

متابعة – طريق الشعب

حذّر الخبير الاقتصادي محمد الحسني من تفاقم الضغوط المعيشية على المواطنين مع استمرار ارتفاع أسعار المواد الغذائية الأساسية، لا سيما تلك الداخلة ضمن مفردات الحصة التموينية والسلة الغذائية.

وقال الحسني في حديث صحفي أن "تأخر وزارة التجارة في توزيع مفردات السلة الغذائية دفع شريحة واسعة من المواطنين إلى التوجه نحو السوق المحلية لتعويض النقص، ما زاد من حجم الطلب وساهم في زيادة الأسعار".

وأضاف قائلا أن "أسعار بعض المواد شهدت ارتفاعات ملحوظة.

إذ ارتفع سعر الزيت ومعجون الطماطم من 2500 إلى 3000 دينار، أي بنسبة بلغت نحو 20 في المائة، ما زاد من الأعباء المالية على الأسر".

وأشار الحسني إلى أن"الوزارة لم توزع سوى حصة واحدة فقط منذ بداية العام، الأمر الذي فاقم الأعباء المعيشية، خاصة مع استمرار ارتفاع أسعار المواد الغذائية وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين في ظل غياب انتظام الإمدادات التموينية".

يأتي هذا في وقت أكدت فيه وزارة التجارة، الثلاثاء الماضي،، استمرارها في تجهيز مواد السلة الغذائية للمواطنين بانتظام، مشيرة إلى امتلاكها "خزيناً استراتيجياً" يعزز استقرار السوق المحلية ويواجه الظروف الطارئة.

ويأتي هذا الموقف من الوزارة في وقت يشكو فيه مواطنون من ارتفاع أسعار المواد الغذائية وتذبذب توزيع مفردات السلة الغذائية، تزامناً مع تصاعد حدة التوترات العسكرية في المنطقة. فيما يحذّر خبراء اقتصاديون من تفاقم معاناة ذوي الدخل المحدود في ظل الأزمات الراهنة. ويواجه ملف الحصة التموينية تحديات مستمرة تتعلق بجودة المواد الموزعة وانتظام مواعيد التجهيز، وسط اتهامات بوجود ملفات فساد عرقلت وصول الدعم الكامل لمستحقيه في بعض الفترات.

********************************

{سبع البور}.. أربعون عاماً من الإهمال الخدمي!

بغداد - عامر عبود            

لم تكن موجة الأمطار الأخيرة حدثا عابرا في ناحية سبع البور شمال غربي بغداد، بل جاءت لتُعرّي إهمالا مزمنا تعيشه المنطقة منذ عقود. فهذه الناحية، التي مضى على نشأتها أكثر من أربعين عاما، لا تزال تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة.

في كل موسم مطر تتحول الأزقة إلى برك موحلة، ما يعيق حركة السكان ويشل حياتهم اليومية. فالطرق غير مبلطة، وشبكات الصرف الصحي غير مكتملة.

ويشكو السكان من هذا الواقع الخدمي البائس. إذ يواجهون صعوبات جمة في التنقل خلال فترات هطول الأمطار، لا سيما بالنسبة لكبار السن وتلاميذ المدارس.

حيث يضطرون إلى الخوض في الوحل! ورغم أن بعض الشوارع الرئيسة قد شهدت تبليطا في فترات سابقة، إلا أن عدم وجود شبكات مجار أدى إلى تدهورها. فمياه الأمطار غير المصرّفة أضرت كثيرا بهذه البنية التحتية البسيطة، وملأتها بالحفر.

أما مشروع مد أنابيب الصرف الصحي، الذي كان من المفترض أن يضع حدا لمعاناة السكان، لا يزال متوقفا منذ مدة. حيث تتضارب الروايات حول أسباب التوقف - حسب ما يذكره البعض - بين تأخر صرف المستحقات المالية للشركة المنفذة، واتهامات بتلكؤها، وصولاً إلى حديث متكرر عن الفساد. وفي ظل تلك الاسباب، يبقى المواطن هو المتضرر الأول ويدفع ثمن سوء الادارة.

وفي الجانب الصحي، لا يزال مشروع المستشفى الذي بدأ العمل فيه منذ أكثر من عشر سنوات، غير مكتمل، ما حرم الأهالي من خدمات طبية أساسية هم بأمس الحاجة إليها، في ظل بعد المسافة عن اقرب مستشفى لمنطقتهم وهو "مستشفى الكاظمية". جدير بالذكر، أن "سبع البور" كانت قد وُزّعت على عائلات الشهداء والأسرى خلال ثمانينيات القرن الماضي.

وحاليا يسكنها آلاف المواطنين من ذوي الدخل المحدود والكادحين، ومع ذلك لا تزال محرومة من الخدمات ومشاريع البنى التحتية. ويؤكد الأهالي أن منطقتهم منكوبة, ومشكلاتها الخدمية لم تعد تحتمل حلولا مؤقتة، مُطالبين بتدخل حكومي عاجل لانتشالهم من واقعهم الصعب هذا، ووضع حد لمعاناتهم المستمرة منذ عقود.

**********************************

باعت مصوغاتها سيدة تكريتية تفتح بيتا للأيتام على نفقتها

متابعة – طريق الشعب

بعد تهالك الدار الحكومي للإيواء في حي الضباط بمنطقة القادسية شمالي تكريت، توجهت السيدة آمنة العباسي لإنشاء دار إيواء أهلية في حي الشهداء داخل منطقة القادسية أيضاً. حيث قامت ببيع مصوغاتها الذهبية لاستئجار منزل وفتح أبوابه لجميع المحتاجين من الأيتام، الأرامل، المرضى، كبار السن والمعاقين. وبدأ الأمر بتمويل شخصي من العباسي، ثم بدعم وتبرعات الخيرين. حيث باعت السيدة مصوغاتها بنحو 35 مليون دينار، واستأجرت منزلا بملغ 250 ألف دينار شهريا، وقامت بتجهيزه. وتبلغ مساحة المنزل 200 متر. ويستوعب 50 شخصاً بينما يسكنه حالياً 30 فرداً جميعهم من صلاح الدين، باستثناء شخص معاق من خانقين تركته أمه في الشارع وتولت الدار إيواءه. وفي نيسان عام 2025، أقر وفد من وزارة العمل والشؤون الاجتماعية بأن الدار الحكومية متهالكة ويجب هدمها وإعادة بنائها. وكان في الدار حينها 10 مقيمين تم إخراجهم لضمان سلامتهم، منهم من ذهب إلى أقاربه وآخرون إلى المخيمات أو دور رعاية في محافظات أخرى. ووفقا لمدير الدار الحكومية خالد أحمد، فإن تكريت حاليا بلا دار أيتام رسمية. إذ ان المبنى لا يوجد فيه اليوم سوى الموظفين. فيما تقول السيدة العباسي في حديث صحفي، أن نزلاء الدار التي افتتحتها، يحصلون على الإيواء والطعام والشراب والعلاج مجانا، مستدركة "لكن المنزل حاليا بحاجة إلى أعمال صيانة. حيث تضرر بفعل الأمطار الأخيرة". وتطالب محافظ صلاح الدين بتخصيص مكان يستقبل المحتاجين إلى الإيواء.

*********************************

"دور الهندية" منطقة بصرية لا تعرف الخدمات منذ 2003

متابعة – طريق الشعب

شكا عدد من أهالي حي دور الهندية التابع إلى منطقة المعقل في البصرة، من استمرار تردي الواقع الخدمي في منطقتهم منذ عام 2003، مؤكدين أن المنطقة تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة وسكانها يعيشون واقعا صعبا للغاية. وقال الأهالي في حديث صحفي أن المنطقة تعاني غيابا شبه تام للخدمات الأساسية. حيث تنتشر النفايات بين المنازل، وتتراكم الأنقاض في الأزقة، ما تسبب في تلوث بيئي واضح وخلّف روائح كريهة لا تُطاق! وأضافوا أن الأزقة لا تزال غير مبلطة، تنتشر عليها برك مياه آسنة، خاصة خلال موسم الأمطار، بسبب انعدام شبكات المجاري، الأمر الذي يعوق حركة المواطنين ويزيد من صعوبة التنقل. وأشار الأهالي إلى أن الأوضاع الحالية تعكس إهمالاً مزمناً، مطالبين الجهات الحكومية المعنية، بإدراج منطقتهم ضمن الخطط الخدمية العاجلة، وتنفيذ مشاريع للبنى التحتية تشمل الطرق وشبكات الصرف الصحي، بما يضع حداً لمعاناتهم المستمرة.

**********************************

شكاوى من غياب كابسات النفايات في حي أور

متابعة – طريق الشعب

شكا عدد من أهالي حي أور شرقي بغداد، من غياب كابسات رفع النفايات التابعة للبلدية عن بعض أزقة المنطقة، ما يدفعهم إلى اللجوء لحلول بديلة مكلفة. وقال المواطنون، وهم من سكان المحلة 729 - الزقاق 18، أن المنطقة لا تصلها آليات حكومية لرفع النفايات بشكل منتظم، ما يُجبرهم على الاشتراك في سيارات أهلية لرفع النفايات، مقابل مبالغ شهرية تصل إلى 10 آلاف دينار، في ظل تكدس النفايات بين الأزقة. وتساءل الأهالي في حديث صحفي، عن أسباب ضعف الجهد البلدي في المنطقة، مطالبين بلدية الشعب بإرسال كابساتها إلى المنطقة بشكل منتظم، مع توفير أعداد كافية من حاويات جمع النفايات.

***********************************

مواساة

• تعزي اللجنة المحلية للحزب الشيوعي العراقي في واسط الصديق التربوي والاديب ياسر ابريسم العطية، بوفاة زوجته.

لها الذكر الطيب دوما ولأسرتها الكريمة الصبر والسلوان. 

• تعزي اللجنة المحلية للحزب الشيوعي العراقي في ديالى الرفيق باسم خضير مسعود السعدي وعائلته، بوفاة ابن عمته مؤيد كريم عبد جمان التميمي.

للفقيد الذكر الطيب ولأهله في بهرز الصبر والسلوان.

كما تنعى المحلية الرفيق وليد جاسم العنبكي (ابو ماهر)، الذي توفي إثر وعكة صحية مفاجئة.

له الذكر الطيب ولأهله ورفاقه في قرية الهويدر الصبر والسلوان.

وتنعى المحلية أيضا الرفيق سامي شكر ناجي العبيدي (ابو ريا)، الذي توفي إثر وعكة صحية لم تمهله طويلا.

للفقيد الذكر الطيب ولأهله ورفاقه في بعقوبة الصبر الجميل.

***********************************

الصفحة الخامسة

وإن اختلفنا، حيّا الله الشيوعيين!

كفاح محمود

كان الشيوعيون العراقيون في طليعة المدافعين عن الحقوق المدنية والسياسية.

الحزب الشيوعي العراقي بقي في الوجدان مدرسة وطنية وأخلاقية دافعت عن العدالة والمواطنة وحقوق الكرد وسائر المكونات العراقية.

في ذكرى تأسيس الحزب الشيوعي العراقي في 31 آذار (مارس)، لا يعود الحديث عن حزب سياسي فحسب، بل عن واحدة من أعرق مدارس الوطنية العراقية وأكثرها تضحية ونبلًا، فثمة أحزاب تُعرف بما بلغت من سلطة، وأخرى تُعرف بما تركته في الضمير العام من أثر، والحزب الشيوعي العراقي من ذلك الطراز الذي خسر كثيرًا في حساب القوة، لكنه ربح مكانة خاصة في وجدان أجيال من العراقيين. فمنذ بداياته، لم يكن هذا الحزب مجرد تنظيم سياسي يسعى إلى موقع في السلطة، بل كان، في أحد أبرز وجوهه، تعبيرًا عن نزعة أخلاقية ووطنية رأت الإنسان قيمة عليا، ورأت العدالة شرطًا لازمًا لكرامة المجتمع، لذلك لم يقتصر حضوره على البيانات والشعارات، بل تجلّى في المعلم والعامل والكاتب والطالب، وفي تلك النماذج البشرية التي منحت السياسة معنى أنظف، وربطت الوطنية بالسلوك اليومي لا بالادعاء الخطابي.

ولعل ما ميّز الشيوعي العراقي، في الذاكرة العامة، أنه لم يكن مجرد حامل لفكرة أيديولوجية، بل كان غالبًا حاملًا لخلق مدني رفيع، كثيرون ممن لم ينتموا إليه، تعلّموا على أيدي شيوعيين أولى معاني احترام الإنسان، وحب الوطن، والانحياز إلى الفقراء، والإيمان بأن المرأة ليست هامشًا في المجتمع بل شريكًا كامل الكرامة، وأن التنوع القومي والديني ليس لعنة على العراق، بل إحدى حقائقه الكبرى التي لا تستقيم الدولة من دون الاعتراف بها وإنصافها.

 ومن بين أكثر المواقف التي تُحسب لهذا الحزب، موقفه الإنساني والوطني المتقدم من القضية الكردية، في زمنٍ كان فيه كثيرون ينكرون على الكرد حتى حقهم في الاعتراف والإنصاف، يوم رفع شعاره المعروف: الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي لكوردستان، لم يكن يطلق عبارة دعائية عابرة، بل كان يعبّر عن فهم مبكر لطبيعة العراق بوصفه وطنًا متعدد القوميات والمكونات، لا يستقر بالقهر ولا يُدار بالإنكار، ومن هذه الزاوية أيضًا، انفتح خطابه على بقية المكونات العرقية والدينية، مؤمنًا بأن المواطنة الحقة لا تتجزأ، وأن العدالة لا تكون عدالة إذا استثنت قومية أو دينًا أو لغة.

لقد دفع الشيوعيون العراقيون أثمانًا باهظة من دمهم وحريتهم وسمعتهم الاجتماعية، سجونًا ومطاردات ومنافي وتشويهًا وتكفيرًا، لكنهم ظلوا، في صور كثيرة، مثالًا لنظافة اليد، ونبل السلوك، والإخلاص لفكرة الوطن العادل، ولهذا بقيت صورتهم، بالرغم من كل ما تعرضوا له، أوسع من حدود التنظيم، وأرسخ من حملات التخوين والإقصاء.

صحيح أننا لسنا شيوعيين، وربما نختلف معهم في بعض الأفكار والمبادئ والرؤى، لكن الإنصاف يقتضي أن يقال بوضوح إن هذا الخلاف لا يلغي كونهم، في جانب كبير من تاريخهم، مدرسة وطنية عراقية رفيعة، بسلوكها المدني، ونظافة انتمائها، وسموّ مواطنتها، وإخلاصها الصادق للفقراء والمظلومين، واحترامها لحقوق الكرد وسائر المكونات العراقية، ولذلك فإن التحية في ذكرى تأسيسهم لا تُهدى إلى حزب فقط، بل إلى تقليد نضالي وأخلاقي علّم العراقيين أن الأوطان لا تُبنى بالغلبة، بل بالعدالة، ولا تصان بالشعارات، بل بالخلق والوفاء والتضحية.

*********************************

في لاهاي.. الشيوعيون العراقيون يحيون ذكرى ميلاد حزبهم

لاهاي - مجيد إبراهيم خليل

أقامت منظمة الحزب الشيوعي العراقي في هولندا وبلجيكا حفلا بهيجا في مناسبة العيد الثاني والتسعين لتأسيس الحزب.

الحفل الذي أقيم في مدينة لاهاي، حضره جمع واسع من أبناء الجالية العراقية وممثلي منظمات المجتمع المدني، فضلا عن السيد رعد الدعموي، رئيس البعثة العراقية في هولندا.

وازدانت قاعة الحفل بشعارات الحزب والشموع والورود والعلمين العراقي والكردستاني. وقد أدار الحفل النصير خيري البدري. وأشار في مستهل تقديمه إلى نضال الحزب المتواصل وأهدافه وتضحياته.

ثم دخل القاعة الرفيقان سعد عزيز وخيرية الخالدي، يحمل كل منهما صينية مزدانة بالشموع والورود والحلوى، احتفاء بالمناسبة.

بعدها ألقى الرفيق مجيد إبراهيم كلمة منظمة الحزب، وأشار فيها إلى أن "الحزب، منذ اثنين وتسعين عاما يخوض نضالا صعبا ويقدم التضحيات من أجل وطن حر وشعب سعيد".

فيما تطرق إلى الأوضاع الإقليمية الراهنة. وقال أن الحزب يؤكد أن حماية أرض العراق ووحدته وأمن شعبه تمثل أولوية قصوى. كما ان الحزب يدين العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران ويؤكد تضامنه المبدئي مع الشعب الإيراني.

وألقى الرفيق هيمن آميدي كلمة باسم الحزب الشيوعي الكردستاني، تحدث فيها عن نضال الحزب من أجل العدالة الاجتماعية، وحق الشعوب في تقرير مصيرها. ورأى أن المهمة الملحة تتطلب بناء حركة جماهيرية تتجاوز الاستقطابات الطائفية والإقليمية بما يمهد الطريق نحو مشروع تحرري ديمقراطي. بينما هنّأ النصير صفاء رفو، الذي ألقى كلمة باسم رابطة الأنصار الشيوعيين - فرع هولندا، الحزب بعيد ميلاده، مشيرا إلى مبدئيته وثباته في ميادين النضال وسعيه إلى دولة مدنية ديمقراطية.

وشهد الحفل اغنيات وطنية قدمها الفنانون شروق وهيوا وأحمد العاشق. كذلك تخللته قراءات شعرية للرفيق سعد عزيز.

وعلى هامش الحفل أقيم معرض تشكيلي للفنانة زينب الموسوي، وآخر للأزياء العراقية من تصميم السيدة مهاد إبراهيم.

********************************

الحزب

31 آذار 1934

مصطفى محمد غريب

يا أنت المشمول

بهتاف العصر

يا قيم القامات

يا زهو الحاضر والمستقبل

يا أنت المقبول

في عرف الناس

والقابع في الأنفاس

والرافع في الأفق إشارة

كالنجم الهادي في الصحراء

يا عرساً ولدته الأفراح

وجرحاً في الإعصار

رؤياك التاريخ الأسفار

والكدح الموروث

والطبقات

والفكر اللامع في الثورات

والشهداء الأبرار

يا سيفاً يلمع في الأضواء

وبريقاً تخطفه الأبصار

يا ثقة المستقبل

والحاضر يعمل

 في إصرار

كنت الزلزال

للعصر مثال

لروح الأجيال

يا أنت الباقي

والدرع الواقي

من كل الأنذال

يا صفه الصفحات

وسليل القبضات

أنت شعار

في الفكر مُنار

يا حزبا خط المشوار

****************************

في موسكو:  حفل خطابي في ذكرى التأسيس   

موسكو- طريق الشعب

أقامت منظمة الحزب الشيوعي العراقي في روسيا الاتحادية، يوم 31 آذار الفائت في العاصمة موسكو، حفلا خطابيا في مناسبة الذكرى 92 لتأسيس الحزب.

شارك في الحفل ممثلون عن الحزب الشيوعي اللبناني وحزب الإرادة الشعبية والحزب الشيوعي السوري الموحد والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. 

الرفيق حسن النداوي استهل الحفل بكلمة أشاد فيها بالحزب والرفاق الذين اجترحوا المآثر طيلة فترات النضال المختلفة الأشكال ضد الأنظمة الاستبدادية.

بعدها ألقى كلمة اللجنة المركزية في المناسبة. أعقبه الرفيق د. دكران يوسف بكلمة باسم منظمة الحزب في روسيا الاتحادية، تطرق فيها إلى الظروف التي هيّأت لظهور الحزب كثمرة طبيعية لنضال الشعب العراقي وحركته الوطنية والديمقراطية، وتجسيدا لمصالح الشغيلة على اختلاف أطيافهم.

بعد ذلك قدم الكاتب والصحفي فالح الحمراني مداخلة حول تاريخ تأسيس الحزب واختلاف بعض المؤرخين في تحديد سنة التأسيس. كما توقف عند العلاقة بين الحزب والكومنترن، وتأثير الحزب الشيوعي السوري في تأسيس الحزب الشيوعي العراقي.

وقد أغنت مداخلات عديدة هذه الموضوعة، خصوصا بما يتعلق بالفترة التاريخية التي أحاطت بتشكيل الحزب. ومن بين المداخلات مداخلة وافية للدكتور وليد شلتاغ، تناولت فترة التأسيس، فضلا عن موقف الحزب من الحرب الحالية بشكل عام ومن التطورات الجارية في المنطقة.

كما أشار إلى أهمية الموقف الشجاع لأعضاء الحزب في تحدي الأنظمة الاستبدادية واجتراحهم المآثر البطولية، بما فيها موقفهم الشجاع للحفاظ على وحدة الحزب وصموده شامخا في النضال.

وساهم رفاق من ممثلي منظمات الأحزاب العربية الشقيقة في هذا النقاش الحيوي، مشيرين إلى أهمية تجربة الحزب، خصوصا في شأن العلاقات بين الأحزاب الشيوعية العربية ودورها في تجاوز الظروف الصعبة التي مرت بها تلك الأحزاب.

وفي الختام، ألقى صديق الحزب زاهر شاهين قصيدة تتغنى بالحزب وتاريخه النضالي.

*********************************

في البصرة.. {جيكور} يحتفي بعيد الحزب الشيوعي العراقي

البصرة – طريق الشعب

في مناسبة الذكرى 92 لتأسيس الحزب الشيوعي العراقي، أقام "ملتقى جيكور" الثقافي في البصرة بالتنسيق مع المختصة الثقافية في اللجنة المحلية للحزب في المحافظة، أمسية ثقافية حضرها جمع من الشيوعيين وأصدقائهم.

أدار الأمسية التي أقيمت على "قاعة الشهيد هندال" في مقر المحلية، الإعلامي قاسم حنون. وقد تحدث فيها كل من الرفاق سواد العيبي، عبد الزهرة العبادة، عبد القادر العيداني، عباس الساعدي وهاشم الموسوي. حيث تناولوا محطات من تاريخ الحزب، وألقوا الضوء على سيرهم الحزبية.

وفي سياق الأمسية، عُرضت أفلام قصيرة، ووزع كتاب من تأليف عبد القادر العيداني، عنوانه "رجال تعانق عنان السماء".

وشهدت الأمسية مداخلات قدمها عدد من الحاضرين، وثمّنوا فيها مواقف الحزب ومسيرته النضالية من اجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

********************************

شيوعيو الحي يتفقدون الرفيق سالم العطار

الحي – طريق الشعب

زار وفد من منظمة الحزب الشيوعي العراقي في قضاء الحي، الشخصية الاجتماعية الرفيق سالم العطار في داره، وذلك للاطمئنان على صحته.

ونقل الوفد إلى الرفيق تحيات رفاقه. فيما رحّب هو من جانبه بالزائرين، وحمّلهم تحياته إلى جميع رفاقه. كما تبرّع بمبلغ من المال لحملة بناء مقر الحزب في بغداد.

*****************************

شيوعيو ديالى يستقبلون د. محمود الخياط

بعقوبة - محمد الخياط

استقبل سكرتير اللجنة المحلية للحزب الشيوعي العراقي في ديالى الرفيق صالح المصرفي ومعه عدد من رفاقه، أخيرا في مقر المحلية، الطبيب والأديب والشخصية المجتمعية د. محمود الخياط.

وخلال اللقاء جرى تبادل وجهات النظر حول الأوضاع الصحية والثقافية في البلاد، والدور الذي يمكن أن تضطلع به النخب الأكاديمية والثقافية في دعم المجتمع وتعزيز الوعي المدني، لا سيما في محافظة ديالى.

وشدد الطرفان على أهمية توطيد العلاقات بين الكفاءات العلمية والمؤسسات الوطنية، والعمل المشترك من أجل الارتقاء بالواقع الصحي والثقافي بما ينسجم مع تطلعات المواطنين.

*************************************

شيوعيو الكرخ يزورون الرفيق عبود هدب

بغداد – ماجد مصطفى عثمان 

زار وفد من اللجنة المحلية للحزب الشيوعي العراقي في الكرخ، الجمعة الماضية، الرفيق عبود هدب (أبو عبير) في منزله بمنطقة الغزالية.

وتفقد الوفد الوضع الصحي للرفيق. حيث تعرض إلى وعكة صحية ألزمته الفراش.

وقد أبدى الرفيق من جانبه سروره بالزيارة.

********************************

الصفحة السادسة

الشيوعي العراقي يستذكر سكرتيره السابق  القائد والمناضل حميد مجيد موسى (أبو داود)

بغداد – طريق الشعب

نظمت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي مجلسًا تأبينيًا كبيرًا للرفيق القائد حميد مجيد موسى، السكرتير السابق للحزب، يوم الجمعة 3 نيسان 2026 في قاعة فندق المنصور، وحضر الفعالية ممثلو القوى والأحزاب السياسية، وشخصيات سياسية وأكاديمية ومجتمعية، ووفد من عائلة الفقيد، بمشاركة واسعة من الشيوعيين وأصدقائهم.

وفي بداية الفعالية، عزف النشيد الوطني، ثم دعا عريفها، الرفيق ياسر السالم، عضو المكتب السياسي للحزب، الحاضرين إلى الوقوف دقيقة حداد استذكارًا للرفيق الراحل وتخليدًا له، ثم عرض فيلم قصير استعرض أهم محطات الرفيق أبي داود وسيرته النضالية. بعد ذلك قدم الرفيق رائد فهمي، كلمة اللجنة المركزية للحزب.

بعدها قرأ الرفيق السالم كلمة رئيس الجمهورية الدكتور عبد اللطيف جمال رشيد، بعدها قرأ الرفيق عبد الرحمن فارس أبو كاروان، سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الكردستاني، كلمته بالمناسبة.

بعد ذلك ألقى الشخصية السياسية الدكتور إبراهيم محمد بحر العلوم كلمته التي تحدث فيها عن دور الرفيق أبو داود في العمل السياسي أثناء معارضة النظام السابق وبعد التغيير، ثم ألقى الدكتور أحمد إبراهيم كلمة القوى المدنية والديمقراطية، حيث أشار إلى نضال الرفيق لبناء العراق المدني الديمقراطي.

ودعا عريف الحفل، الشخصية السياسية ميسون الدملوجي، إلى قراءة كلمة في المناسبة، أعقبها الرفيق مفيد الجزائري في قراءة كلمة العائلة نيابة عنها.

واختتمت الاستذكارية بقراءة شعرية للشاعرين المبدعين يحيى السماوي وحامد كعيد.

*******************************

الشيوعي الكردستاني: أبو داود قائد التحول وصوت الديمقراطية المتجدد

الحضور الكرام

الرفيقات العزيزات.. الرفاق الأعزاء

وداعًا لرجلٍ هادئٍ ومناضلٍ عنيد

قبل أربعين يومًا، فقدت الحركة الوطنية والحركة اليسارية أحدَ أركانها الأكثر ثباتًا وتماسكًا. لم يكن الرفيق حميد مجيد موسى شخصيةً سياسيةً فحسب، بل مثّل أيضًا جيلًا من الأشداء الذين كرسوا حياتهم النضالية، في حقبةٍ قاسية شهدها البلد بين نار الحروب وترسانة القمع، لإرساء قيم العدل والحرية والظفر بها.

منذ أن انتُخب سكرتيرًا للجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي في أحلك الظروف، استطاع أبو داود أن يقود سفينة الحزب في ظل دوامة القمع والحرب والتغيرات الكبرى، بحكمةٍ عميقةٍ ورؤيةٍ وطنيةٍ متعددة الأبعاد. لم يكن مجرد قائدٍ سياسي فذّ، ملهِمًا لرفاقه بتواضعه، بل كان أيضًا مفكرًا مبدئيًا استوعب بعمق المنهج الماركسي، وكيفية انتهاج أدواته الخلّاقة في فهم الواقع العراقي المعقد والعالم المتجدد، لتطوير فكر الحزب وسياساته.

فالرفيق (أبو داود)، إضافةً إلى خصاله الشخصية، هو أيضًا نتاجٌ للتطورات الفكرية التي شهدتها الحركة الشيوعية العالمية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي. فاختار الحزب في مؤتمره الخامس، الذي انتُخب فيه رفيقنا أبو داود سكرتيرًا له، خيار الديمقراطية والتجديد،

لا على النطاق الفكري فحسب، بل لاستيعابٍ أفضل للواقع العراقي والكردستاني.

وهنا تجلت شخصية الرفيق أبو داود النضالية، إذ أمضى جلّ حياته في ساحة المعركة، مدافعًا عن الحقوق المشروعة والعادلة للشعب العراقي في حياة

حرة كريمة، وللشعب الكردستاني في تقرير مصيره بنفسه، وجاءت مواقفه في انسجامٍ مع قرارات المؤتمر الخامس في تطوير منظمة إقليم كردستان للحزب الشيوعي العراقي إلى الحزب الشيوعي الكردستاني - العراق، كامتدادٍ لعمل شيوعيي كردستان، كردًا وعربًا وآشوريين وتركمانًا، في صفوف الحزب الشيوعي العراقي.

وبهذا كان للرفيق حميد مجيد موسى دورٌ محوري في تحديد الاتجاه الفكري للحزب، وهو الذي أغنت معارفه أيضًا دراسته للاقتصاد السياسي في معهد (كارل ماركس) في بلغاريا، ثم تمثيله للحزب في مجلة (السلم والاشتراكية) العالمية في براغ، ومن ثم انتقاله إلى كردستان في أواسط ثمانينيات القرن الماضي، للمشاركة في حركة الكفاح المسلح، الحركة الأنصارية للحزب،

وفي قيادة تنظيمات الحزب في مدن وسط وجنوب العراق.

ففي ظل الأزمة الفكرية العميقة التي عصفت بالحركة الشيوعية على أثر انهيار الاتحاد السوفيتي، لم يفقد أبو داود بوصلته، بل ظل متماسكًا متمسكًا بالماركسية منهجًا، فكانت إسهاماته واضحة في الدعوة إلى تجديد أدواتها، واستخلاص الدروس من تلك التجارب التي قامت باسم الاشتراكية، مركزًا على ضرورات تبني قيم الديمقراطية الحقيقية وحقوق الإنسان، ليس على صعيد المجتمع فحسب، بل أيضًا في حياة الحزب الداخلية.

كما قاد الرفيق أبو داود الحزب في مرحلة ما بعد سقوط نظام صدام في 2003، وهي من أعقد وأصعب مراحل عمل الحزب وخياراته. ففي الوقت الذي تمسك فيه الحزب برفض الحرب خيارًا لإسقاط نظام صدام، إلا أنه اختار المشاركة في العملية السياسية لما بعد عام 2003، لضرورات إعادة بناء الحزب وتحويله من تنظيم سري إلى حزب علني قانوني، ولتفعيل دوره وتأثيره في مجرى الأحداث والتطورات، ولإرساء حياة ديمقراطية حقيقية في العراق، وتأمين استقلاله وسيادته.

وفي الوقت الذي نستذكر فيه الفقيد أبو داود، تمر منطقة الشرق الأوسط بفترة بالغة التعقيد جراء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وإذ نرفض الحرب وندعو إلى وقفها، نؤكد ضرورة عدم انجرار العراق إليها، والتركيز على التحديات التي تواجه البلد، وتفعيل المؤسسات الرسمية، وانتخاب رئيس الجمهورية، وتشكيل الحكومة، وحصر السلاح بيد الدولة، وإعادة الحياة

إلى برلمان إقليم كردستان، وتشكيل الكابينة العاشرة، واعتماد آلية واضحة للعلاقة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم بالاستناد إلى الدستور، وبما يخدم مصالح المواطنين ومتطلباتهم الأساسية.

هكذا نستذكر مسيرة الرفيق حميد مجيد موسى، لا بوصفه

قائدًا سياسيًا فحسب، بل هو كذلك تجربة نضالية حية، ومسارًا فكريًا ترك أثره العميق في تاريخ الحركة اليسارية العراقية. لقد رحل الجسد، لكن ما زرعه من قيم النضال والإيمان بالإنسان، والسعي الدؤوب نحو العدالة الاجتماعية، سيبقى حيًا في وجدان رفاقه وكل من آمن بأن هذا الوطن يستحق حياة أفضل.

سيبقى اسم أبي داود مقترنًا بالصبر والعناد الجميل، وبالرهان الدائم على وعي الناس وقدرتهم على التغيير، مهما اشتدت المحن وتعاظمت التحديات.

نعاهدك أيها الرفيق أن يظل دربك سالكًا، وأن تبقى راية النضال

التي حملتها عالية، وأن نمضي قدمًا في سبيل عراق ديمقراطي اتحادي حر، ينعم شعبه بالعدالة.

المجد لذكراك، والخلود لقيمك، والعزاء لرفاقك ومحبيك.

وشكرًا.

ـــــــــــــــــــــــــ

كلمة الحزب الشيوعي الكردستاني

القاها الرفيق عبد الرحمن فارس (ابو كاروان)

**************************************

د. ابراهيم بحر العلوم في أربعينية أبو داود:

رجل الحوار والاعتدال وبناء الدولة

نلتقي اليوم في أربعينية فقيد العراق، المرحوم الاستاذ حميد مجيد موسى (أبو داود) لنستذكر سيرة رجلٍ كان له حضورٌ بارز في الحياة السياسية العراقية، ودورٌ وطنيٌ متميز في مراحل دقيقة من تاريخ العراق الحديث. لقد شكّل الفقيد نموذجاً في العمل السياسي المسؤول حيث تجاوز في أدائه الأطر الحزبية إلى فضاء العمل الوطني، وسعى بإخلاص إلى تعزيز الحوار بين مختلف القوى السياسية، إيماناً منه بأن بناء العراق لا يتحقق إلا عبر التلاقي على المشتركات الوطنية.

تميّز الراحل بشخصية حوارية متزنة، اتسمت بالشفافية والاعتدال، وبقدرةٍ عالية على إدارة النقاش بروحٍ مسؤولة، بعيداً عن التشنج والإقصاء، مع احترامٍ عميق للرأي الآخر، وهو ما أكسبه تقديراً في الأوساط السياسية والوطنية.

لقد جمعتنا بالفقيد علاقات عملٍ وتواصلٍ امتدت لعقود، سواء في أجواء المعارضة او أجواء الحكم. ففي أجواء المعارضة كان أبو داود من الداعمين بصدق لوحدة صفوفها، والساعين إلى نبذ الخلافات الثانوية، والتركيز على الهدف المركزي المتمثل في إسقاط الدكتاتورية، وإقامة نظام سياسي ديمقراطي يحقق للعراق كرامته.

ولمسنا حرصه الواضح في مرحلة تأسيس وبناء الدولة على العمل الجاد والمسؤول لوضع الأسس الصحيحة للعملية السياسية، بما يسهم في ترسيخ مؤسسات الدولة، وتعزيز سيادتها، وتكريس المسار الديمقراطي.

السيدات والسادة

لا تزال الذاكرة مشحونة بالعديد من الزيارات واللقاءات والاجتماعات مع الراحل، في شقلاوة وصلاح الدين ولندن ودمشق وأخيرا في بغداد والنجف. وما زالت تختزن الذاكرة شهادته في الحفل التأبيني للسيد بحر العلوم في ايار 2015، يقول في شهادته (عاش العلامة سيدنا العزيز السنوات الأخيرة من حياته وهو يعاني القلق على مصير الوطن مما آلت اليه أمور الإدارة السياسية للبلد من سوء تدبير، ومن جفاء وتوتر وتنافس بين قوى العملية السياسية، وما يسببه كل ذلك من تدهور في العلاقات السياسية، وشلل في الحياة الاقتصادية، وفوضى في الأوضاع الاجتماعية والثقافية).

نقول بعد عشر سنوات من تلك الشهادة وفي أربعينيته اليوم لدينا الكثير من الزيادة على شهادته. وهذا ليس مدعاة لليأس بل انها دعوةٌ صادقة للمراجعة، واستنهاضٌ للإرادة الوطنية، من أجل تصحيح المسار، واستكمال ما بدأه أولئك الرجال الذين آمنوا بالعراق وطناً جامعاً.

السيدات والسادة

في الختام اود استحضار لقاءٍ أخير جمعني بالفقيد أبي داود، في مجلس فاتحة على روح أحد الإخوة، في مقر الحزب ببغداد. جلست إلى جانبه، وكان واضحاً أنه يعيش آهات المرض بصبرٍ وهدوء، لكن روحه كانت لا تزال مشغولة بالعراق، وبهمومه، وبمستقبله، تحدثنا عن أوضاع البلد، عن تعقيداته وآماله، ثم همست في أذنه بسؤالٍ ظلّ يرافقني بعد ذلك :هل بدأت بكتابة مذكراتك؟ لم يجبني بوضوح، فأعدت السؤال بإلحاح:

فقال لي بهدوء العارف، وصدق الحريص (لا أريد أن أتعرض، وأخشى أن أمسّ أحداً بسوء… وإذا أردت الحديث، فليكن بصراحة) كانت تلك الكلمات القليلة كفيلة بأن تختصر مسيرة رجل؛ رجلٍ امتلك ما يُقال، لكنه اختار أن يبقى وفيّاً لأخلاقه، حريصاً على الآخرين، متجاوزاً ذاته حتى في لحظة كان يحق له فيها أن يروي.

رحل أبو داود وبقيت ابتسامته التي لم تفارقه وهدوئه المتزن معالم لا تنسى

وإنّا لله وإنّا إليه راجعون

***********************************

الصفحة السابعة

الشيوعي العراقي: أبو داود رمزٌ للنضال الوطني والديمقراطي

السيدات والسادة الأكارم مع حفظ الألقاب

الرفيقات والرفاق، الصديقات والأصدقاء الأعزاء

الحضور الكريم

أتوجه في البداية بالشكر والتقدير لممثلي الرئاسات والقوى والأحزاب التي تشاركنا هذا الحفل التأبيني، والشكر والتقدير موصولان إلى جميع الشخصيات، وأتقدم بخالص العزاء لرفيقة حياته العزيزة أم أسيل، ولابنته أسيل وابنه عزيز، ولجميع أفراد عائلته ومحبيه.

نلتقي اليوم في هذه الجلسة التأبينية، لنستذكر معًا الرفيق العزيز الراحل حميد مجيد موسى (أبو داود)، بصفته مناضلًا وقائدًا شيوعيًا صلبًا وجسورًا، وقامةً وطنيةً كبيرة، إذ يمتد السجل النضالي للرفيق أبو داود لأكثر من سبعة عقود، ابتدأ في خمسينيات القرن المنصرم في مدينة الحلة، بانخراطه المبكر في الحركة الطلابية ضمن اتحاد الطلبة العام، وفي الحركة الشبابية في إطار اتحاد الشبيبة الديمقراطي، ليواصل النضال في السنين اللاحقة في صفوف الحزب الشيوعي العراقي. وترك الرفيق أبو داود خلال مسيرته النضالية الحافلة بالتضحية والعطاء السياسي والفكري والتنظيمي إرثًا غنيًا وزادًا ثوريًا لحزبنا ولسائر المناضلين الوطنيين، كما كانت له بصمات واضحة على مسيرة النضال الوطني والديمقراطي.

فرحيله يشكل خسارة لا تعوض لحزبنا ولبلادنا وللحركة الوطنية والديمقراطية لشعبنا، خصوصًا في الظروف البالغة الخطورة والتعقيد التي تمر بها بلادنا والمنطقة اليوم، حيث أحوج ما يكون شعبنا والواقع السياسي إلى الموقف الوطني وصوت الحكمة ورجاحة العقل والثبات على المبدأ الذي كان يعبر عنه الرفيق حميد مجيد موسى.

لقد أحاطت مسار عمل رفيقنا الراحل الحزبي ظروفٌ بالغة القسوة في ظل الأنظمة الدكتاتورية التي تعاقبت على الحكم، تعرض خلالها للاعتقال، وواصل النضال متخفيًا في ظروف العمل السري، والعمل العلني عندما تسنح الظروف. وقد واصل الرفيق عمله السياسي والتنظيمي الحزبي بدون انقطاع وفي مختلف الظروف، رغم حملات القمع والمطاردة التي تعرض لها الحزب. وقد اضطرت ظروف عمل الحزب في مواجهة حملات القمع والإبادة التي تستهدف وجوده إلى اعتماد أشكال متنوعة من النضال السري والعلني، السلمي والمسلح. وخاض الرفيق أبو داود النضال في جميعها وتمرس فيها، ما راكم لديه معرفة نظرية وسياسية وتجربة نضالية وخبرة تنظيمية نادرة.

الحضور الكريم

انتُخب الرفيق أبو داود في المؤتمر الوطني الثالث عام 1976 عضوًا مرشحًا في اللجنة المركزية للحزب، وأصبح عضوًا في المكتب السياسي في المؤتمر الوطني الرابع عام 1985، وانتُخب سكرتيرًا للجنة المركزية للحزب في المؤتمر الوطني الخامس، مؤتمر الديمقراطية والتجديد عام 1993، حتى غادره في المؤتمر الوطني العاشر عام 2016.

لقد تولى الرفيق أبو داود قيادة الحزب في أصعب مرحلة، ليس بالنسبة للحزب الشيوعي العراقي وحسب، وإنما للحركة الشيوعية العالمية ككل، بعد انهيار تجارب البناء الاشتراكي في الاتحاد السوفيتي والبلدان الاشتراكية في أوروبا الشرقية. ومما زاد من تعقيدات الوضع بالنسبة لحزبنا مآل الحركة الأنصارية، والأوضاع الناشئة بعد احتلال النظام الدكتاتوري المقبور للكويت، وما طرحته من صعوبات وتحديات سياسية وفكرية وتنظيمية وإنسانية.

وكان للرفيق أبو داود دور أساسي في قيادة عملية المراجعة والتدقيق الفكري والتنظيمي داخل الحزب، وتطوير خطابه السياسي وتجديد آليات عمله تعزيزًا للديمقراطية في حياة الحزب الداخلية.

وشمل منهج تفكير الرفيق أبو داود وأسلوب عمله القيادي عاملًا رئيسيًا للتوصل إلى رسم السياسات المناسبة للظروف الملموسة، واتخاذ المواقف السليمة، وصياغة الشعارات التي تعبر عن الحلقة المركزية في النضال. واعتمد الرفيق المنهج المادي الجدلي في التحليل، وطبّقه بإبداع في صياغة الموقف، مقترنًا بتشجيع وتحفيز آليات النقاش والتشاور والتفكير الجماعي داخل الهيئات الحزبية، وخصوصًا القيادية.

وبعد التغيير عام 2003، وضع الرفيق أبو داود في مقدمة الأولويات إنهاء الاحتلال، وإقامة الحياة الدستورية الديمقراطية، وإعادة بناء الحزب ونشر تنظيماته في جميع محافظات العراق، والحرص على تأكيد هويته الفكرية الوطنية والطبقية، والدفاع عن مصالح الكادحين وقيم الحرية والعدالة الاجتماعية، ومشروعه الوطني الديمقراطي لبناء الدولة المدنية الديمقراطية وتحقيق العدالة الاجتماعية، وعلى أن يقدم الشيوعيون المثل في حماية المال العام والنزاهة والالتزام عند تبوّؤ مواقع المسؤولية، وكان سلوكه وأداؤه في مجلس النواب تجسيدًا لذلك.

لقد ارتبط اسم الفقيد بتاريخ الحزب في واحدة من أكثر مراحله تعقيدًا وصعوبة، فكان قائدًا تحمّل المسؤولية في ظروف قاسية، وقاد الحزب بحكمة وصبر، محافظًا على هويته، ومؤكدًا حضوره في الساحة الوطنية، ومدافعًا بثبات عن مصالح الكادحين، وعن قيم الحرية والعدالة الاجتماعية.

أيها الحضور الكريم…

لقد عرفنا الرفيق أبو داود رفيقًا ودودًا، قريبًا من الجميع، يتسم بالتواضع العفوي، ورحابة الصدر، والصبر والهدوء، والتركيز في الحديث والتفكير، وفي الاستماع للآخر، حريصًا على وحدة الحزب، مؤمنًا بالحوار، ومنفتحًا على القوى الوطنية، ساعيًا إلى بناء أوسع التحالفات من أجل عراق ديمقراطي اتحادي، تسوده العدالة الاجتماعية وتصان فيه كرامة الإنسان.

الرفاق والأصدقاء الأعزاء

إن إرث الرفيق حميد مجيد موسى سيبقى حيًّا في وجدان حزبنا، وفي ذاكرة الحركة الوطنية، وسيظل مثالًا لمناضل وقائد جمع بين الصلابة المبدئية والواقعية السياسية، وبين الانتماء الحزبي والانفتاح الوطني.

وإذ نودع رفيقنا الغالي في رقاده الأبدي، نعاهده بأن نظل أوفياء لقضايا الوطن والشعب والحزب التي نذر نفسه وكرس حياته من أجلها، وأن نستلهم مسيرته النضالية في مواصلة العمل بعزم وثبات من أجل تحقيق دولة المواطنة والعدالة الاجتماعية، ونحو الوطن الحر والشعب السعيد.

المجد لذكراه،

والخلود لرفاقنا الراحلين،

والسلام عليكم.

ــــــــــــــــــــ

كلمة اللجنة المركزية للحزب ألقاها الرفيق رائد فهمي

*********************************

رئيس الجمهورية:

حميد مجيد موسى تاريخ حافل بالنضال والثقافة والفكر

نستذكر اليوم تاريخا حافلا بالنضال والثقافة والفكر، ونستحضر شخصية آمنت بالديمقراطية والعدالة بوعي واتزان؛ هو حميد مجيد موسى أبو داود، الذي كان شريكا عبر عقود طويلة في مسيرة وتجربة سياسية مناهضة للدكتاتورية ونظام البعث المباد، وشريكا في مواقف ثابتة دفاعًا عن قيم الهوية الوطنية الجامعة، والدولة الوطنية، ومبدأ المواطنة.

وقد كان لدوره الفاعل في قيادة الحزب الشيوعي العراقي بصمة متميزة، ارتكزت على خلفيته العلمية في الاقتصاد والسياسة. كما كان حضوره في الفضاء الوطني السياسي مهما في الدفاع عن السيادة الوطنية، سواء في مجلس الحكم أو في دورة البرلماني. واتسمت شخصيته بالهدوء والاعتدال والنزاهة، إلى جانب وعيه بأهمية التكامل الجيلي، وهو ما حرص عليه من خلال إفساح المجال أمام القيادات الشابة الواعدة، وتشجيعها على تحمل مسؤولياتها الوطنية، وترسيخ مبدأ التداول الديمقراطي الحزبي، وتغليب المصلحة العامة.

لقد غادرنا أبو داود بعد أن ترك سجلا حافلا، وتاريخا ناصعًا، وأثرًا عميقا من المحبة في قلوب أبناء شعبه وأصدقائه ومحبيه وهكذا تكون سيرة من ينحاز لهموم الناس وقضايا الشعب.

الذكر الطيب والخلود للصديق حميد مجيد موسى والسلام لروحه، وخالص العزاء لرفاق دربه في النضال

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

د. عبد اللطيف جمال رشيد

رئيس الجمهورية

*****************************

ميسون الدملوجي: أبو داود داعم لحقوق المرأة ومثال للنزاهة

يسعدني ويشرفني أن أستذكر معكم اليوم شخصية وطنية تصدت بشجاعة للدكتاتورية، ودافعت عن القيم الوطنية الراقية، وكانت نموذجًا للخلق الرفيع والنزاهة، سواء في المجتمع أو في عالم السياسة. وهو عالم قاسٍ من الصعوبة أن يخرج الإنسان منه سالماً.

كان للراحل أبو داود مواقف مشهودة في دعم قضايا المرأة، ومنها دفاعه عن قانون الأحوال الشخصية منذ أول محاولات إلغائه أيام مجلس الحكم، ودفاعه عن كوتا النساء في المجالس التشريعية والتنفيذية، وكانت له مواقف لا تُنسى في هذا المجال.

وبمقدوري القول إنه كان متشبعًا بثقافة تمكين المرأة واحترام مكانتها، وكنت شاهدة على تقديره العالي لرفيقاتِه، وهنّ الراحلتان بشرى برتو ومبجل بابان.

ولمست سعادة الأخيرة حين طلب منها قص كعكة بمناسبة عيد تأسيس الحزب الخامس والسبعين عام 2009، ورأيت أجمل وأرق باقة ورد قدّمها إلى بشرى برتو حينما زارت بغداد، وكانت رفيقته في الحزب وحركة الأنصار.

وأنا شخصيًا كان لي نصيب من دعمه وتشجيعه، سواء حين عملت في وزارة الثقافة، أو في السنوات الأربع التي قضيناها في مجلس النواب، أو في ما بعد ذلك، وفي النشاطات الثقافية والنسوية والسياسية.

كان الراحل أبو داود محل احترام واعتزاز كل أعضاء مجلس الحكم ومجلس النواب في دورته الأولى، رغم اختلاف الانتماءات السياسية، لما يمتلكه من معرفة وحجة في إيصال الرأي.

بل واؤتُمن على تطبيق المادة 140 من الدستور، وهي المادة الأكثر خلافية ربما، الخاصة بالأراضي المتنازع عليها، وهي من أكثر المواد حساسية بين أبناء المكونات العراقية المختلفة.

كم نحن بحاجة اليوم إلى مثل حكمته في هذا الزمن العاصف بالنزاعات.

أتقدّم بأحر التعازي للحزب الشيوعي العراقي، ولأهل الفقيد ومحبيه، وستبقى ذكراه عطرة في النفوس.

***********************************

القوى المدنية: الراحل ضمير وطني ورمز طريق لا ينطفئ

ليس هناك شيء يثقل اللغة بقدر الغياب ولم نحضر لنقول وداعاً بل لنشهد أن بعض الرجال حين يرحلون يوسعون معنى البقاء، فسيرة الراحل حميد مجيد موسى لم تغلق صفحاتها لأنها تترك أثراً مفتوحاً في ضمير وطن وصوتاً سيظل يتردد كلما ضاقت الخيارات واتسع السؤال.

لم يكن أبو داود عابراً في زمن مضطرب بل كان معياراً يقاس به الاضطراب وحين تكسرت البوصلات كان اتجاهاً لا يضل فالحرية لا توهب ودونها تضحيات وآلام. لذا فهي تنتزع بصبر الذين يعرفون أن الطريق إلى الضوء يمر طويلاً في العتمة. لقد واجه الدكتاتورية حين كانت الكلمة تكلف الحياة ووقف في وجه القمع حين كان الصمت نجاة، وفي جبال كردستان كما في ساحات العمل السياسي كانت الحرية عنده لا تتجزأ والكرامة لا تؤجل، وكان ممن يدفعون كلفة الموقف كاملة في زمن يمتحن فيه الإيمان بالمبدأ فتتجلى صلابة الماس فيهم إرادة يقينية بالمستقبل الذي ترسمه الشعوب وان بدت احياناً غير ذلك. كان أبو داود في قلب الحدث بعد دخول العراق طورا جديدا في عام 2003 وحاول مع آخرين منح التحول معنى بالسعي لجعل الدولة تعبيراً عن إرادة الشعب لا ساحة لتقاسم المصالح وبفكر ثاقب يدرك ان ما يهدد الأوطان ليس ضعفها فحسب بل ارتهانها وان السيادة ليست شعاراً يرفع بل قرارا يصان.

ولم يكن النجاح حليف من يحمل الفكرة السامية فمفاعيل التاريخ الملتبس بالاستبداد التقت مع الإرادة الغاشمة للاحتلال لتعبث مرة أخرى بالصورة النقية التي حلم بها الوطنيون ولا يزالون يدفعون الثمن.

أيها الحضور الكريم....

نحن اليوم والعراق يقف على تخوم قلق جديد أحوج ما تكون إلى استعادة المعنى المفقود الذي ناضل أبا داود من أجله، فالحرب المشتعلة في المنطقة وهذا الاضطراب الذي يشبه الهياج يضع بلدا هشا او هجينا مثل بلدنا امام اختبارات صعبة حين تختلط الإرادات وتتقاطع المشاريع ويصبح الداخل مهدداً بما يجري خارج حدوده في مثل هذه اللحظات لا يكون وفاؤنا لأبي داود بكلمات تقال، بل بطريق يستأنف طريق نحو عراق سید نفسه، مستقل القرار، مستقر البنيان، عراق لا يكون ساحة للآخرين بل وطناً لأبنائه، عراق تحمى فيه الدولة لا بالشعارات بل بالمؤسسات ولا بالتوازنات الهشة بل بالإرادة الوطنية الجامعة ان السياسة ليست فن التكيف مع الخطأ بل شجاعة تصحيحه وان الوطنية ليست أداء بل موقف حين تتزاحم المصالح وتضيع البوصلة، وأن النضال لا ينتهي بتغيير الأنظمة بل يبدأ حين يصبح بناء الدولة مهمة شاقة تحتاج إلى صبر أطول من صبر المواجهة

أيها الحضور الكريم....

ما أحوجنا اليوم إلى وصية المؤسس الخالد - فهد - أن قووا تنظيم حزبكم قووا تنظيم الحركة الوطنية تلك الوصية التي حمل ثقلها قادة كبار من أمثال حميد مجيد، كانت مكلفة لكنها ظلت تشع بنورها على مسيرة حافلة بالتضحيات.

اليوم نحتفي بسيرة عبقة جسدت بسلوكها ومبادئها ذلك الإرث النضالي الخالد من العمل والصدق والمثابرة

فإلى روح ابي داود سليل التاريخ النضالي الممتد على ضفاف دجلة والفرات ابن التعب النبيل والحلم الذي لا ينكسر، سلاماً حيث يستقر في مقامه في القلوب قبل ان يستقر في الثرى.

فالأشخاص الذين يختارون الطريق الأصعب يتركون وراءهم ضوءاً لا ينطفئ

والسلام عليكم....

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

كلمة القوى المدنية والديمقراطية قدمها

د. أحمد علي إبراهيم

**************************************

عائلة الفقيد: أبو داود قلبنا النابض وإرثه لا يغيب

نقف اليوم أمام لحظة لا تشبه سواها .. لحظة نودع فيها إنساناً كان لنا عالماً كاملاً، أبا وزوجاً وسنداً وملاذاً. وكان في حياة سوانا من الأحبة رفيقاً ومناضلاً، حمل قضيته ومضى بها في دروب الكفاح، من أجل العراق وشعبه.

لم يكن أبو أسيل بالنسبة إلينا، واحدا من أفراد العائلة وحسب، بل كان قلبها النابض، وحضورها الذي لا يغيب عرفناه في تفاصيل حياتنا اليومية، في كلماته الهادئة، في صبره، في حنانه، وفي قدرته على إشاعة الطمأنينة حتى في أصعب اللحظات.

عرفتموه قائداً ومناضلاً، وعرفناه بجانب ذلك، إنساناً بسيطاً في عيشه، كبيرا في قلبه، تبهجه أفراحنا، وتحزنه آلامنا، ويمنحنا من اهتمامه ووقته، ما يجعلنا نشعر أننا مركز عالمه، رغم كثرة اهتماماته وانشغالاته.

كان طريقه في الحياة واصحا جليا، اختاره بإرادته الحرة، ومضى فيه بثبات لا يتزعزع دفع أثمانه بإيمان، وتحمل تبعاته بصبر. ولم نكن نحن بعيدين عن تلك الرحلة الوعرة، بل كنا جزءاً منها تشاركه الغياب كما تقاسمه الحضور، مدركين أن ما يقدمه كبير، تماما كحلمه بعراق مدني ديمقراطي، تتحقق فيه العدالة الاجتماعية والحريات المدنية والعامة، ويقال فيه المواطنون حقوقهم الثابتة.

واليوم، ونحن نودع أبا عزيز، نشعر بثقل الفقد الساحق. لكننا في الوقت نفسه نحمل ما لا يمكن أن يغيب ما زرعه فينا من قيم، وما تركه في قلوبنا من محبة، وما علمنا إياه من معنى أن يكون الإنسان وفيا لما يؤمن به.

إن عزاءنا الحقيقي هو ما نراه اليوم في وجوهكم... في هذا الحضور، في هذه المحبة، في هذا الوفاء، وندرك مجددا أن أبا داود لم يكن لنا وحدنا، بل كان لكم أيضاً، وكان جزءاً من حياة كثيرين منكم، كما كان جزءاً من حياتنا.

نود أن نقول لكم شكراً لأنكم كنتم معه، وشكراً لأنكم كنتم إلى جانبه، وشكراً لأنكم اليوم إلى جانبنا.

منذ هذه اللحظة سنمضي نحمل ذكراه، كما نحمل اسمه، ونسعى إلى أن تكون أوفياء، لما تركه فينا من أثر، لرب أسرتنا طيب الذكر دائما.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

كلمة عائلة الفقيد العزيز حميد مجيد موسى ( أبو داود) قدمها الرفيق مفيد الجزائري نيابة عن العائلة.

**************************************

الصفحة الثامنة

الصحة العالمية تدعو لدعم 5 دول متضررة من الصراع

جنيف – وكالات

صرّح مدير منظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسوس، بأن المنظمة تدعو إلى تقديم دعم عاجل للأنظمة الصحية المتضررة من النزاع في الشرق الأوسط، في 5 دول. وأشار غيبريسوس، عبر منصة "إكس"، إلى أن الدول هي لبنان وإيران والعراق وسوريا والأردن. وأكد أن "الأعمال العدائية تسببت في نزوح جماعي، أكثر من 4 ملايين شخص، وارتفاع عدد الضحايا 3300 قتيل و30000 جريح"، على حد قوله. وأوضح مدير منظمة الصحة العالمية أن "هذا النداء سيدعم الخدمات الصحية الأساسية ورعاية الإصابات، بالإضافة إلى أنظمة ترصد الأمراض والإنذار المبكر، وإدارة الإصابات الجماعية والتأهب الوطني لحالات الطوارئ الكيميائية والبيولوجية والإشعاعية والنووية". وكانت المنظمة حذّرت، أواخر آذار الماضي، من أن حرب الشرق الأوسط "دخلت مرحلة خطيرة في ظل الضربات عند مواقع نووية في إيران وإسرائيل"، داعية إلى الامتناع عن التصعيد العسكري. وكتب المدير العام للمنظمة، تيدروس أدهانوم غيبرييسوس، عبر منصة "إكس": "بلغت الحرب في الشرق الأوسط مرحلة خطيرة، حيث وردت أنباء عن هجمات استهدفت مجمع نطنز للتخصيب في إيران، ومدينة ديمونا الإسرائيلية، حيث يقع مرفق نووي".

**************************************

السودان.. قتلى بقصف {الدعم السريع} لمستشفى في الجبلين

الخرطوم – وكالات

أدانت السودان، استهداف مستشفى الجبلين في ولاية النيل الأبيض، متهمة قوات الدعم السريع بالوقوف وراء الهجوم الذي وصفته بـ "الجريمة البشعة"، في وقت تتفاقم فيه الأوضاع الإنسانية مع تصاعد النزوح نتيجة استمرار الاشتباكات في عدة مناطق.

وأفادت وزارة الخارجية السودانية بأن القصف، الذي نُفذ بطائرة مسيّرة، أسفر عن مقتل 7 أشخاص، بينهم اثنان من الكوادر الطبية، وإصابة 11 آخرين، إضافة إلى تدمير أجزاء من المستشفى ومعداته، وهو المرفق الصحي الوحيد في المنطقة. وأشارت إلى أن الهجوم تزامن مع حملة لتحصين الأطفال داخل المستشفى، معتبرة ذلك دليلاً على تعمد استهداف المدنيين والبنية الصحية. وأضافت أن الهجمات امتدت إلى مدينة ربك، حيث استُهدفت مخازن أدوية ومستودعات وقود، في ما وصفته بمحاولة لتعطيل الخدمات الأساسية، داعية الأمم المتحدة ومجلس الأمن إلى التحرك العاجل لإدانة الحادث ووقف الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها.

*************************************

مفاوضات أفغانية - باكستانية برعاية صينية

بكين – وكالات

تتواصل الجهود الدبلوماسية لإحياء مسار التهدئة بين باكستان وأفغانستان، في ظل رعاية صينية متصاعدة، وسط مؤشرات متباينة بين تفاؤل حذر بشأن المفاوضات وتصعيد ميداني يعكس عمق الخلافات بين الجانبين. وقالت وزارة الخارجية الصينية، إن المفاوضات بين كابول وإسلام آباد “تتقدم بخطى ثابتة”، في أعقاب تقارير عن استضافة بكين جولة محادثات جديدة بين البلدين في مدينة أورومتشي شمال غربي الصين، في محاولة لإنهاء أسوأ توتر بينهما منذ عودة حركة طالبان إلى الحكم في أفغانستان عام 2021. وأوضحت المتحدثة باسم الخارجية الصينية، ماو نينغ، خلال مؤتمر صحفي يومي، أن “كلا من باكستان وأفغانستان توليان أهمية لوساطة الصين وترحبان بها، وتبديان استعدادا للجلوس مجددا إلى طاولة المحادثات، وهو تطور إيجابي”.

 وأكدت أن بكين “تضطلع بدور الوسيط وتشجع الحوار بالتنسيق الوثيق مع الجانبين، لتهيئة الظروف المناسبة وتوفير منصة للحوار”، على أن يتم الكشف عن مزيد من التفاصيل في الوقت المناسب.

وكانت الصين قد كثفت تحركاتها الدبلوماسية خلال الأسابيع الماضية، حيث أجرت اتصالات هاتفية مع وزيري خارجية البلدين، وأرسلت مبعوثا خاصا في زيارات ميدانية خلال آذار الماضي، في محاولة لاحتواء التصعيد بين الجارتين.

******************************************

الحرب على إيران تدخل أسبوعها السادس المفاوضات بين واشنطن وطهران تصل طريقاً مسدوداً

طهران – وكالات

دخلت الحرب بين الولايات المتحدة وإيران أسبوعها السادس، وسط تصعيد في الخطاب السياسي والميدان، مع انتقال التركيز من تبادل الضربات الجوية إلى صراع أوسع على مضيق هرمز والبنية التحتية، حيث قالت إيران إن منطقة قريبة من منشأتها النووية في بوشهر تعرضت لهجوم مما أسفر عن مقتل حارس وتدمير مبنى.

يأتي هذا بعد أن تحطمت مقاتلتان أمريكيتان، الجمعة، في تطور نادر، إذ سقطت مقاتلة داخل الأراضي الإيرانية وبدأت إثرها عملية بحث وإنقاذ لأفراد طاقمها، بينما أفادت "نيويورك تايمز" بأن طائرة قتالية أمريكية ثانية من طراز "إيه-10 وورثوغ" تحطمت قرب مضيق هرمز، وأن طيارها أُنقذ.

فتح مضيق هرمز

وقال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إن بلاده قادرة، مع مزيد من الوقت، على فتح مضيق هرمز وأخذ النفط وتحقيق ثروة. وجاء كلامه بعد يوم من تلويحه بضرب الجسور ومحطات الطاقة الإيرانية، وقوله أيضاً إن الجيش الأمريكي لم يبدأ بعد تدمير ما تبقى في إيران.

وجاء ذلك قبل 48 ساعة من انتهاء مهلة ترامب بشأن فتح مضيق هرمز، وإلا مهاجمة محطات الطاقة الإيرانية، في وقت لوّح فيه أيضاً بتوسيع بنك الأهداف داخل إيران، ليشمل الجسور ومحطات الكهرباء، في حين كانت الحرب تواصل إرباك الأسواق ورفع الضغوط على إدارته.

لا مفاوضات!

في السياق نفسه، أوردت صحيفة "وول ستريت جورنال" أن الجولة الحالية من الجهود التي تقودها دول إقليمية، وفي مقدّمها باكستان، للتوصل إلى وقف لإطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، وصلت إلى طريق مسدود، بحسب ما أفاد به وسطاء.

ونقلت الصحيفة عن وسطاء، أن الجولة الحالية من الجهود التي تبذلها دول إقليمية بقيادة باكستان للتوصل إلى وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران قد وصلت إلى طريق مسدود.

وأضافت المصادر أن إيران أبلغت الوسطاء رسميا أنها غير مستعدة للقاء مسؤولين أميركيين في إسلام آباد خلال الأيام المقبلة، وأن المطالب الأميركية غير مقبولة.

وأشار الوسطاء إلى أن تركيا ومصر لا تزالان تسعيان جاهدتين لإيجاد مخرج، وتدرسان أماكن جديدة للمحادثات، بما في ذلك العاصمة القطرية الدوحة، أو إسطنبول، إلى جانب مقترحات جديدة لتجاوز هذا المأزق.

وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد صرّح في وقت سابق من هذا الأسبوع عبر وسائل التواصل الاجتماعي بأن إيران طلبت وقف إطلاق النار.

ونفت إيران ذلك، وقالت مصادر مطلعة على الأمر إن ترامب أشار بدلا من ذلك إلى أنه منفتح على وقف إطلاق النار إذا أعادت إيران فتح مضيق هرمز.

استهداف "بوشهر" النووية

في الاثناء، أفادت وكالة "فارس" الإيرانية، بمقتل أحد العاملين في محطة بوشهر النووية إثر هجوم استهدف محيط المنشأة صباح السبت. وذكرت الوكالة أن مقذوفاً أصاب للمرة الرابعة محيط محطة بوشهر النووية، حيث سقط بالقرب من السياج الخارجي للمنشأة، مشيرة إلى أن موجة الانفجار والشظايا الناتجة عن الهجوم سبّبتا أضراراً بأحد المباني الجانبية داخل المحطة، ما أدى إلى مقتل أحد العاملين في قسم الحماية الفيزيائية للمنشأة.

وأشار التقرير إلى أن الهجوم يأتي بعد ثلاثة اعتداءات سابقة استهدفت محيط محطة بوشهر النووية في تواريخ 16 و24 و27 مارس/آذار. وتقع محطة بوشهر الإيرانية النووية على بعد نحو 760 كيلومتراً جنوب طهران، ويزوّد مفاعلها الذي بنته روسيا البلاد بالكهرباء منذ عام 2011، بطاقة إنتاجية تقارب ألف ميغاواط.

موجات ضغط وشظايا

من جهتها، قالت الوكالة الدولية للطاقة الذرية، السبت، إنها تلقت تقارير من إيران تفيد بسقوط مقذوف بالقرب من محطة بوشهر النووية. وذكرت الوكالة عبر منصة إكس أن أحد أفراد طاقم الحماية في الموقع قُتل بشظية مقذوف، وأن مبنى في الموقع تعرض لموجات ضغط وشظايا. وأضافت الوكالة أنه "لم يتم الإبلاغ عن أي ارتفاع في مستويات الإشعاع".

وسبق أن حذر رئيس الوزراء القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني من أن أيّ هجوم على المنشآت النووية الإيرانية من شأنه أن "يلوث بالكامل" مياه الخليج ويهدد الحياة في قطر والإمارات والكويت.

موجة إجلاء اخيرة

ويأتي استهداف محطة بوشهر الجديد فيما نقلت وكالة الأنباء الحكومية الروسية "تاس" عن أليكسي ليخاتشوف، الرئيس التنفيذي لشركة "روسأتوم"، قوله، إن موسكو تستعد لـ "الموجة الأخيرة من عمليات الإجلاء" من بوشهر، والتي ستشمل أكثر من 200 شخص، وتخطط الشركة لترك عدد قليل من "المتطوعين" لإدارة المفاعل.

وقال ليخاتشوف إن روسيا ستطلب وقفاً لإطلاق النار من الأميركيين والإسرائيليين للسماح بعملية الإجلاء. وعلّق ليخاتشيف على وقوع ضربة أخرى قرب محطة بوشهر النووية قبل أسبوع قائلاً إنّ الوضع في الموقع يستمر في التدهور، مشيراً إلى أنّ الهجمات تشكّل تهديداً مباشراً للسلامة النووية.

**********************************

لبنان.. شهداء وعشرات المصابين وسط استمرار نسف المنازل جنوباً

بيروت - وكالات

يتصاعد العدوان الإسرائيلي على لبنان بوتيرة غير مسبوقة، مع انتقال الاستهداف من خطوط المواجهة التقليدية إلى البنية التحتية الحيوية، في محاولة لعزل المناطق وضرب مقومات الحياة اليومية، وسط تحذيرات من اتساع رقعة الحرب وتفاقم كلفتها الإنسانية.

وشنّ جيش الاحتلال الإسرائيلي، غارات مكثفة طاولت مناطق واسعة في جنوب لبنان والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت، مدمّراً جسوراً رئيسية على نهر الليطاني، في خطوة وصفها مراقبون بأنها تهدف إلى تقطيع أوصال البلدات ومنع أي تحركات ميدانية أو إمدادات.

في المقابل، أعلن "حزب الله" تنفيذ سلسلة عمليات استهدفت مواقع وتجمعات لجيش الاحتلال في شمال فلسطين المحتلة، إضافة إلى إطلاق مسيّرات وصواريخ نحو مستوطنات، في إطار الرد على التصعيد الإسرائيلي.

وعلى صعيد متصل، أعلنت قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) إصابة ثلاثة من جنودها من جراء انفجار داخل أحد مواقعها في جنوب البلاد، في حادثة جديدة تضاف إلى سلسلة استهدافات طاولت قوات حفظ السلام خلال الأيام الأخيرة. ومنذ اندلاع المواجهات، تجاوز عدد الشهداء في لبنان الألف، وفق بيانات رسمية، في وقت يواصل فيه الاحتلال توسيع عملياته الجوية والبرية، متوعداً بمزيد من التصعيد، ما ينذر بانزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع مفتوحة على سيناريوهات أكثر خطورة.

**********************************

تقرير للأمم المتحدة: التعذيب أصبح عقيدة لدولة الاحتلال الصهيوني

عادل محمد

في 23 آذار الفائت، قدمت المقررة الخاصة للأمم المتحدة، فرانشيسكا ألبانيز، أحدث تقاريرها إلى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف.

 وأدان التقرير تعذيب الفلسطينيين، لإنه يتجاوز جدران السجون الإسرائيلية. وانه: "لا ملجأ. لا مكان آمن يمكن العيش فيه". وأن العالم منح إسرائيل "صلاحية لتعذيب الفلسطينيين". وانتقد التقريرً الحكومات التي تسمح باستمرار هذه الانتهاكات لحقوق الإنسان دون عقاب. وتناول التقرير العلاقة المزدوجة بين التعذيب والإبادة الجماعية: التعذيب كفعل من أفعال الإبادة الجماعية، والإبادة الجماعية كشكل من أشكال التعذيب الذي يُلحق عمداً معاناة جسدية ونفسية شديدة بالجماعة بأكملها.

ويُستخدم التعذيب كاستراتيجية لكسر إرادة الفلسطينيين، جسديًا ونفسيًا، ولتقويض قدرتهم على الصمود الجماعي، مما يُضعف سلامتهم الجسدية ويُهدد توازنهم النفسي. ويهدف إلى تجريد الفلسطينيين من كرامتهم وهويتهم وإنسانيتهم، مُلحقًا بهم ضررًا طويل الأمد ويُهجّرهم من أرضهم.

ان التعذيب ليس عشوائيًا ولا مُتقطعًا، بل هو جزء لا يتجزأ من نظام أوسع للهيمنة والعقاب الجماعي والعنف المُدمّر المُوجّه ضد الفلسطينيين كشعب، مهيئ بيئةً مُرعبة للتعذيب. إنه جزء من بنية الاستعمار الاستيطاني، وأصبح سمةً هيكليةً للإبادة الجماعية المُستمرة. ويشترك جيش الاحتلال وجميع الأجهزة الأمنية في تنفيذه.

استخدام الموت كسلاح

في غزة، باتت الإبادة الجماعية بحد ذاتها "أبشع أشكال التعذيب"؛ فالقصف المتواصل، والموت والدمار الشامل، والتهجير الجماعي المتكرر، وانعدام الأمن التام، والهجمات على النظام الصحي، والحصار والتجويع، وغيرها من الإجراءات التي أدت إلى انهيار الأوضاع المعيشية، حوّلت قطاع غزة بأكمله إلى معسكر تعذيب.

وفي الضفة الغربية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، تُستخدم أساليب التهجير الاستعماري والإبادة الجماعية لإلحاق معاناة جماعية مستمرة وصدمات نفسية متوارثة عبر الأجيال. فالمراقبة المستمرة، والمداهمات، والاعتقالات التعسفية، والعنف المميت الذي يمارسه الجيش والمستوطنون، تخلق نظامًا إرهابيًا متفشيًا.

التعذيب وسيلة للإبادة الجماعية

استنادًا إلى أكثر من 300 شهادة، يُشير التقرير إلى أن التعذيب مُتجذر في جميع مراكز الاحتجاز وفي الحياة اليومية، بهدف "إضعاف" الفلسطينيين وتهجيرهم من أرضهم. لقد تم اعتقال أكثر من 18,500 فلسطيني، بينهم أطفال. ويتعرض المعتقلون للتجويع والضرب والعنف الجنسي والصعق بالكهرباء والحرمان من النوم والحرمان من الرعاية الطبية. ويتراوح عدد الوفيات في مراكز الاحتجاز بين 84 و94 حالة وفاة، مع التستر على العديد من الحالات. ويصف التقرير حالات الاغتصاب وغيرها من أشكال الاعتداء الجنسي على المعتقلين، والتي تُستخدم كوسيلة للإذلال والإكراه والسيطرة.

وكذلك يتم استهداف الأطباء والصحفيين وموظفي الأمم المتحدة والأكاديميين بشكل خاص، مما يُشير إلى محاولة لتدمير نسيج المجتمع الفلسطيني.

فقدان الأمن

ويشير التقرير إلى أن إسرائيل حوّلت كامل الأراضي الفلسطينية المحتلة إلى فضاءٍ لا مكان فيه آمن، وذلك من خلال الجمع بين القصف والتهجير والتجويع وتدمير المنازل والمستشفيات والمواقع الثقافية لإلحاق معاناة جماعية. وتُوصف إجراءات تقييد الغذاء والماء والوقود والإمدادات الإغاثية بأنها أدوات متعمدة للمعاناة الجماعية، حيث يموت المئات بالفعل بسبب سوء التغذية.

وتخلق المراقبة المستمرة والتهجير القسري لقرابة مليوني مواطن فلسطيني والهجمات المتكررة على "المناطق الآمنة" حالة دائمة من الخوف والإكراه.

ويتجاوز هذا الأمر مرافق الاحتجاز ليشمل التهجير على نطاق واسع وتدمير البنية التحتية ومنع الوصول إلى الخدمات الأساسية، بالإضافة إلى المساعدات الإنسانية والمراقبة الشاملة.

منذ تشرين الأول 2023، اعتُقل آلاف الفلسطينيين، كثير منهم دون توجيه تهمة، بينما اختُطف آخرون. وبين تشرين الأول 2023 وشباط 2026، اعتُقل 18,500 بينهم 1500 طفل على الأقل. وهناك 9 آلاف فلسطيني ما زالوا رهن الاحتجاز الإسرائيلي، غالباً دون توجيه تهمة أو محاكمة، وتعرض 4 آلاف آخرون للاختفاء القسري ولا يزالون في عداد المفقودين.

وتشمل ظروف الاحتجاز الموصوفة الضرب المبرح، وكسور العظام، والتقييد بالأصفاد لفترات طويلة، والجوع، والحرمان من النوم، والحرمان من الرعاية الطبية. كما يشير التقرير إلى ممارسات واسعة النطاق للعنف الجنسي، بما في ذلك الاغتصاب، ضد الأطفال والنساء والرجال.

وأن إسرائيل مسؤولة عن الزيادة الحادة في وفيات الأسرى الفلسطينيين منذ تشرين الأول 2023. وان 84-94 أسيرًا لقوا حتفهم في الحجز، وأن العدد الحقيقي غير معروف بسبب انعدام الشفافية، وعمليات النقل القسري، ورفض إسرائيل تقديم المعلومات.

وفي الختام، دعا التقرير، إلى إصدار مذكرات توقيف بحق وزير الأمن القومي إيتامار بن غفير، ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش، ووزير الحرب كاتس لمسؤوليتهم عن اعتماد "تعذيب ممنهج" يرقى إلى مستوى الإبادة الجماعية.

***********************************

الصفحة التاسعة

في الانتخابات المحلية الفرنسية الشيوعيون يوقفون تمدد اليمين المتطرف

إعداد: رشيد غويلب

غالبًا ما يُنظر إلى ناخبي الطبقة العاملة في شمال فرنسا على أنهم قاعدة طبيعية لزحف اليمين المتطرف، الذي حقق مكاسب كبيرة في هذه الأوساط، لكن الانتخابات المحلية شهدت مقاومة شيوعية. لقد كشفت الانتخابات عن نتائج متباينة: تقدم بطيء وثابت لليمين المتطرف، ولكن أيضاً مؤشرات على عودة حضور اليسار، الذي اثبت على قدرته على المواجهة.

بلدية ميريكور

كان مشروع التجديد الحضري أحد أبرز مشاريع رئيس البلدية السابق الشيوعي المخضرم برنارد بود، شغل بود، البالغ من العمر 54 عامًا، منصب رئيس البلدية بين عامي 2002-2026، خلفًا لرفيقه للياندري ليتوكارت، الذي ترأس البلدية لأكثر من ثلاثة عقود. ميريكور، التي يبلغ عدد سكانها حوالي 12ألف نسمة، صوتت للحزب الشيوعي في كل انتخابات بلدية منذ عام 1919، مما يجعلها واحدة من أقدم البلديات التي يديرها الحزب الشيوعي الفرنسي في جميع أنحاء البلاد.

حافظ الحزب الشيوعي على موقعه في جولة الانتخابات الأولى في 15 اذار.  فاز فابريس بلانك، نائب بود، بنسبة 57,15 في المائة. وعلى الرغم أن الفوز لم يكن ساحقًا كما كان عليه الحال في انتخابات بود السابقة عام 2020، حيث انتُخب بنحو ثلثي الأصوات، إلا أنه اثبت قدرة الشيوعيين على الاستمرار.

في بلديات مثل ميريكور، يُنظر إلى صعود حزب التجمع القومي اليميني المتطرف على أنه شبه حتمي. ولكن تمكنت القيادات المحلية اليسارية، في الغالب الحفاظ على مواقعها، وفي بعض الحالات حققت مكاسب جديدة. لم تُفضِ الانتخابات البلدية التي أُجريت في جميع أنحاء فرنسا يومي 15 و22 آذار إلى مسيرة النصر التي توقعها العديد من المحللين لحزب التجمع القومي.

جدار للحماية

في السنوات الأخيرة شكّل شمال فرنسا، الذي كان يوما منطقة صناعية ميدان انتخابياً رئيسياً لحزب التجمع القومي وطني. ففي الانتخابات البرلمانية لعام 2024، حقق التجمع القومي فوزاً ساحقاً في الدائرة التي تقع فيها ميريكور، متفوقاً بسهولة وبفارق 13 نقطة على مرشح الحزب الشيوعي الفرنسي.

في ميريكور هذا العام، لم يشارك اليمين التقليدي، مما مهد الطريق لمنافسة ثنائية بين بلانك من الحزب الشيوعي الفرنسي ولوران داسونفيل من حزب التجمع القومي، وهو عضو مجلس محلي معارض ومساعد برلماني لأحد المقربين من مارين لوبان. وقد انتاب الكثيرين قلق من أن تؤدي هذه العوامل مجتمعة إلى نهاية قرن من الإدارة الشيوعية للبلدية، لكن في النهاية خسر مرشح اليمين المتطرف.

شهدت بلديات المنطقة نتائج مماثلة. ففي روفروي فازت فاليري كوفيلييه مرشحة الحزب الشيوعي؛ وفي رو، فاز الشيوعيون بأكثر من 70 في المائة من الأصوات. أما في أفيون ولانس المجاورتين، فقد احتفظ كل من الحزب الشيوعي والاشتراكي بمواقعهما.

تتكرر هذه النتائج في أماكن عديدة من البلاد أيضاً. فازت القوائم الانتخابية التي يقودها الحزب الشيوعي الفرنسي في سبع وثلاثين بلدية في أنحاء فرنسا، من بلدة سانت إتيان أو مون الصغيرة في الشمال إلى مارتيغ في الجنوب. وفي نيم، جنوب فرنسا، تمكنت قائمة يقودها الشيوعيون من صد جوليان سانشيز من حزب التجمع القومي، لتصبح المدينة أكبر مدينة في فرنسا يديرها الحزب الشيوعي الفرنسي، وثاني أكبر بلدية شيوعية في أوروبا بعد غراتس في النمسا. بالإضافة الى ذلك شارك الحزب الشيوعي في قوائم اليسار التي تقودها أحزب حليفة، لكن الإعلام التقليدي يعمل على إهمال دور الشيوعيين، من خلال الإشارة الى هوية المرشح اليساري الحزبية، فيقول فاز المرشح الاشتراكي، او عضو حزب فرنسا الأبية، مرشح اليسار المستقل، في حين أن الفائزين هم مرشحون لتحالفات اليسار المختلفة، التي كان الشيوعيون قاسما مشتركا في أغلبها.  من جانبه، فاز حزب التجمع القومي في سبع وأربعين مدينة وبلدة في أنحاء فرنسا، بما في ذلك العديد من المدن في منطقة التعدين السابقة.

على الصعيد المحلي، أثبت الشيوعيون أنهم بمثابة جدار حماية غير متوقع في انتخابات توقع العديد من المراقبين تحولها بشكل حاد لصالح حزب التجمع القومي بزعامة لوبان. وأوضحت ماريون فونتين، أستاذة العلوم السياسية في معهد الدراسات السياسية بباريس، والتي بحثت دور أندية كرة القدم كمؤشرات على تضامن الطبقة العاملة في شمال فرنسا: "لا يسيطر التجمع القومي فعلياً على عدد كبير من المجالس البلدية. صحيح أن لديه أعضاء في البرلمان، لكن هذا ليس هو الحال في البلديات". وأضافت: "الناس يوزعون أصواتهم. فهم لا يصوتون بالضرورة بنفس الطريقة على المستوى الوطني كما يفعلون في الانتخابات البلدية".

لقد تراجع نفوذ الحزب الشيوعي الفرنسي، تدريجيا في جميع أنحاء فرنسا، بعد ان كان أحد أهم الأحزاب السياسية طيلة العقود التي سبقت الحرب العالمية الثانية، والعقود التي تلتها، لكن على المستوى المحلي، تمكنت العديد من المجالس البلدية ورؤساء البلديات الشيوعيون من الحفاظ على مواقعهم، على الرغم من أن الخوف، بلغ ذروته، من توسع نفوذ حزب التجمع القومي في الشمال، ففي هذه المنطقة، أدى التراجع الصناعي، وتزايد التفكك الاجتماعي، الى تنامي نفوذ حزب التجمع القومي، حتى في بعض من معاقل الحزب الشيوعي الفرنسي.

بالنسبة لبلديات مثل ميريكور، لم تكن الانتخابات البلدية مجرد استفتاء على من سيتولى منصب العمدة للسنوات الست المقبلة، بل كانت اختبارًا لمعرفة ما إذا كانت التوجهات القومية المتنامية منذ فترة طويلة قد امتدت بالفعل إلى سباقات رئاسة البلديات المحلية. قال بلانك، العمدة المنتخب حديثًا لميريكور "في مدينة كهذه، السياسة تدور حول المدرسة، والصالة الرياضية، والشوارع التي يسير فيها الناس كل يوم. هذه الانتخابات لا تتعلق فقط بتغيير العمدة، بل بنوع المدينة التي نريد أن نكونها". وقد سلطت حملة بلانك الناجحة في نهاية المطاف الضوء على سجل العمدة المنتهية ولايته، بود، بما في ذلك الاستثمارات في الأنشطة الثقافية، ومبادرات التعليم الشعبي، ومشاريع الإسكان العام. من جهة أخرى، انتقد مرشح اليمين المتطرف داسونفيل مؤسسة الثقافة الشعبية لما اعتبره إسرافاً في الإنفاق على البرامج الثقافية، وارتفاع الضرائب، وانعدام الأمن. وأشار إلى أنه لو انتُخب، لكان جمّد ميزانية الثقافة لضبط الإنفاق.

قال لو مازيل، أحد العاملين في المكتبة العامة: "السمة المميزة هنا هي أن كل شيء مجاني. تأتي إلى المكتبة، فتجدها مجانية. تشاهد فيلمًا، فتجده مجانيًا. تشاهد مسرحية، فتجدها مجانية". ويضيف أن هذا إرث مباشر لاستراتيجية الحزب: ان "الحزب الشيوعي الفرنسي، ليس مجرد حزب سياسي، بل هو منظومة متكاملة من المنظمات الثقافية والاجتماعية.

أثبت الاستثمار في الثقافة والرعاية الصحية والتعليم والإسكان فعاليته في مواجهة اليمين المتطرف. وقال فونتين، من معهد العلوم السياسية: "لقد نجح رؤساء البلديات هؤلاء، بواسطة الاستثمار في مجالات تقليدية للغاية، لا سيما الحياة والمنظمات الاجتماعية. لقد تمكنوا من الحفاظ على روح البلدية التقليدية، وبالإضافة الى مخاطبة قاعدتهم الشعبية القديمة، تمكنوا في الوقت نفسه من مخاطبة اوساط جديدة من الناخبين.

لم تكن استراتيجية اليسار ناجحة دائمًا. ففي بعض الحالات، كما هو الحال في مدينة هينين-بومون المجاورة، أدى سوء إدارة البلدية والمحسوبية إلى فتح الباب أمام اليمين المتطرف. في عام 2014، انتُخب ستيف بريوا، المرشح المدعوم من لوبان، رئيسًا لبلدية هينين-بومون، خلفًا لرئيس البلدية الاشتراكي السابق جيرار دالونجفيل، الذي سُجن لاحقًا لمدة أربع سنوات بتهمة الاختلاس. خلال فترة ولايته، كان قد قلّص الأموال المخصصة لدعم الثقافة ودفع بعض الجهات الفاعلة في المجتمع المدني إلى مغادرة المدينة، بينما كان في الوقت نفسه يُركّب كاميرات مراقبة ويعيد استثمار الأموال في شرطة البلدية.

تصدّع اجتماعي

في حملته للسيطرة على دوائر الشمال، سعى اليمين المتطرف إلى استغلال التحولات الديموغرافية والنسيج الاجتماعي المتصدع. أشارت فونتين، من معهد العلوم السياسية، إلى أن "آخر المناجم أُغلقت عام ١٩٨٦". وأضافت: "هذا يعني أننا اليوم في وضع يعود فيه إغلاق المناجم إلى أربعين عامًا مضت. ولا يمثل الناخبون اليوم إلا نسبة ضئيلة ممن كان لهم صلة مباشرة بالتعدين". وتابعت: "ليس الأمر كما لو أن عمال المناجم الشيوعيين قرروا فجأة التصويت لليمين المتطرف".

وأكدت أن شمال فرنسا شهد موجة أولى من التراجع الصناعي في ستينيات وسبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، حيث تم نقل أنشطة التعدين القائمة منذ زمن طويل إلى الخارج وإغلاق المناجم. ثم ضربت موجة ثانية في تسعينيات القرن العشرين والعقد الأول من الألفية الجديدة عندما تلاشت الصناعات الثقيلة التي أُدخلت لتحل محل المناجم، مما أجبر الحكومات المحلية على "إدارة التراجع الصناعي" مرة ثانية. ومع هجرة الصناعة، استقرت مجموعات سكانية جديدة بينما غادرت المجموعات العمالية القديمة. وكان السكان الجدد أقل ارتباطًا بالبنى المدنية التي أُرسيت على مدى عقود، وفي بعض الحالات لأكثر من قرن، من الإدارة الشيوعية وهوية عمال التعدين الخاصة.

قال بلانك: "يشعر الناس بأنهم مهجورون. عندما تغلق المصانع، وعندما تختفي الخدمات، يبحث الناس عن شخص يقول إنه يملك إجابات بسيطة". وتضيف فونتين أن تباين التصويت بين الانتخابات الوطنية والمحلية في أماكن مثل ميريكور هو جزء من اتجاه أوسع في معظم أنحاء شمال فرنسا.

ويرى لو مازيل أن "تراكم عوامل عديدة"، من بينها التغطية الإخبارية على مدار الساعة، والانقسامات داخل اليسار، وتغير ملامح حزب لوبان، قد أدى إلى تآكل هيمنة اليسار في شمال فرنسا. وبشكل عام، تحول الرأي العام بشكل جذري لصالح اليمين المتطرف، حيث أعرب ما يصل إلى 42 في المائة من الناخبين الفرنسيين عن استعدادهم للنظر بإيجابية إلى فوز حزب التجمع القومي في الانتخابات المحلية. لكن في بلدات مثل ميريكور، ما يزال حزب التجمع القومي غائباً إلى حد كبير، على حد قوله. وأضاف: "أعمل هنا منذ أكثر من عشر سنوات. أرى مئات الأشخاص يمرون. ولم أرَ مرشحي حزب التجمع القومي قط".

وتضيف فونتين أن انفصال أنماط التصويت الوطنية والمحلية في أماكن مثل ميريكور جزء من اتجاه أوسع ينتشر في معظم أنحاء شمال فرنسا. و "في حوض التعدين، ثمة ديناميكية متناقضة بين تأكيد الهوية، التي غالبًا ما يُعاد ابتكارها أو تُضفى عليها هالة أسطورية، وبين الشعور بالإذلال والتهميش على المستوى الوطني. فإذا ساد شعور بالفخر، يستطيع رؤساء البلديات اليساريون الاحتفاظ بمناصبهم. أما إذا سيطر شعور بالإذلال، فإن حزب التجمع الوطني هو الذي يستفاد". وستكون الانتخابات الرئاسية لعام 2027 الاختبار الحقيقي التالي لهذه النظرية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

*- باختصار عن مقالة بقلم فينياس روكيرت، نشرت في 24 آذار الماضي في موقع مجلة جاكوبين.

*******************************

وجهة نظر.. في الذكرى الـ92: نريد حزباً للماضي والحاضر والمستقبل

هيوا عمر*

نحتفي في 31 آذار بذكرى تأسيس أحد أكبر الأحزاب السياسية وأكثرها تأثيرًا في تاريخ العراق والمنطقة، قديمًا وحديثًا؛ حزبٌ حافلٌ مساره بالصعود والهبوط، وبالنضال والتضحية، وبالإنجازات التي أسهمت في تعزيز السيادة لشعبي العراق وكردستان، ودفعِ عجلة التاريخ إلى الأمام.

إذا تأملنا الظروف التاريخية والسياسية التي أحاطت بتأسيس الحزب الشيوعي عام 1934، تتبدّى لنا الضرورات التاريخية التي أملت نشأته، وكيف جرى دمج النظرية بالتطبيق ضمن وحدة فكرية وسياسية متماسكة. فقد نمت بذور هذا الحزب في مرحلة كان فيها العراق يرزح تحت وطأة النظام الملكي ذي الطابع الرجعي، إلى جانب الهيمنة البريطانية. وفي الوقت ذاته، كان المجتمع يعاني من ركود البنية الإقطاعية، مع بدايات تبلور الطبقة العاملة. أما اقتصاديًا، فقد ألقت الأزمة العالمية في ثلاثينيات القرن العشرين بظلالها الثقيلة على البلاد، فانتشر الفقر المدقع على نطاق واسع.

إن تلاقي هذه العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية، مقرونًا بتأثير المدّ الفكري والأيديولوجي للحركة الشيوعية عالميًا-حيث تشكّلت أولى الحلقات الماركسية بين المثقفين منذ عشرينيات القرن الماضي- شكّل الأساس الموضوعي لولادة الحزب، الذي نحيي اليوم ذكراه الثانية والتسعين.

وقد أضفى انخراط الحزب في مقاومة الاحتلال البريطاني، ضمن مشروع التحرر الوطني، ورفعه شعار «الخبز والحرية»، ومطالبته بتوزيع الأراضي على الفلاحين، بُعدًا عميقًا يجمع بين النضال الوطني والطبقي، وأسهم في بلورة هويته السياسية.

وكان الحزب الشيوعي أول قوة سياسية في تاريخ العراق تعمل على ترسيخ مفهوم حديث للمواطنة، إذ نجح في استقطاب آلاف الأفراد من مختلف المكونات - الأكراد والعرب والتركمان، والكلدان الآشوريين، والمسلمين والمسيحيين واليهود والصابئة - ضمن برنامج فكري وسياسي واقتصادي، تمحور حول الإنسان بوصفه القيمة العليا، بمعزل عن الانتماءات الفرعية.

تأثير الحزب الشيوعي: من القاعدة الشعبية إلى قمة هرم السلطة

على الرغم من أن الحزب الشيوعي لم يتولَّ السلطة في معظم مراحل تاريخه، أو لم يُتح له ذلك، فإنه استطاع تحقيق جملة من الإنجازات المؤثرة لشعبي العراق وكردستان، امتد أثرها من القاعدة الشعبية إلى قمة هرم السلطة، ومن أبرزها:

1. مقاومة الهيمنة الأجنبية: اضطلع الحزب بدور ريادي في مواجهة النفوذ الأجنبي، وناضل من أجل إلغاء المعاهدات المجحفة، مثل معاهدة بورتسموث.

2. تغيير نظام الحكم: أسهم في إنجاح ثورة 14 تموز/يوليو 1958، التي أنهت النظام الملكي وأعلنت قيام الجمهورية.

3.القضية الكردية كان من أوائل الأحزاب التي تناولت هذه القضية بوضوح؛ ففي عام 1935 كان (استقلال كردستان) شعاراََ لصحيفته كفاح الشعب، كما أصدر عام 1944 أول صحيفة سياسية باللغة الكردية («آزادي»). وفي كونفرانسه الثاني عام 1956، أعتبر الكرد أُمة لها الحق في تقرير مصيرها.

4. الإصلاح الزراعي: واصل الحزب نضاله حتى صدور قانون الإصلاح الزراعي عام 1958، الذي حدّ من نفوذ الإقطاع ووزّع الأراضي على الفلاحين، واضعًا حدًا لأسس النظام الإقطاعي.

5. حقوق العمال: أسهم في تأسيس النقابات العمالية والدفاع عن الحقوق الأساسية، مثل تحديد ساعات العمل، والتأمين الصحي، وتحسين الأجور.

6. تأميم النفط: كان من أبرز الداعين إلى تشريع القانون رقم 80، للحد من سيطرة الشركات الأجنبية واستعادة السيادة الوطنية على الموارد النفطية.

7. قانون الأحوال الشخصية (1959): دعم إصدار قانون تقدمي منح المرأة حقوقًا متقدمة في قضايا الزواج والطلاق والميراث.

8. محو الأمية: نظّم حملات واسعة لتعليم القراءة والكتابة، خصوصًا في الأرياف ومواقع العمل.

9. الحراك الجماهيري: قاد ونظّم مئات التظاهرات والفعاليات الشعبية المناهضة للديكتاتوريات والانقلابات.

10. الحركة النسوية: أسهم في تأسيس رابطة المرأة العراقية عام 1952، وقدّم أول وزيرة في تاريخ العراق والعالم العربي، الدكتورة نزيهة الدليمي، ضمن حكومة عبد الكريم قاسم.

11. تأهيل الشباب: شارك في تأسيس منظمات طلابية وشبابية، مثل الاتحاد العام لطلبة الجمهورية العراقية واتحاد الشبيبة الديمقراطي، التي أصبحت فضاءات لتأهيل كوادر سياسية وفكرية.

12. الحضور الثقافي: شكّل الحزب فضاءً جامعًا لعدد كبير من المثقفين والشعراء والفنانين، عربًا وكردًا، وأسهم في إثراء المشهد الثقافي عبر منابره الإعلامية المتعددة.

13. الكفاح المسلح: شارك في العمل المسلح ضمن الحركة الثورية، وأسهم في تشكيل قوات الأنصار في جبال كردستان منذ ستينيات القرن العشرين، ولاحقًا في مواجهة نظام البعث.

وعلى الرغم من هذا الإرث الحافل، لم تخلُ مسيرة الحزب من الأخطاء والنواقص. وفي ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها عالمنا اليوم، يواجه الحزب تحديات ومسؤوليات تاريخية متجددة. "ومن ثمّ، تبرز الحاجة إلى إعادة صياغة العلاقة الجدلية بين النظرية والواقع؛ بحيث لا تُعامل الماركسية بوصفها عقيدةً جامدة، بل كمنهجٍ تحليليٍ علميٍ يُسهم في فهم الواقع واستشراف مهام اليسار في الحاضر، والعمل على تغييره؛ ليكون الحزبُ حزباً للماضي والحاضر والمستقبل."

ــــــــــــــــــــــــــــــ

*عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي الكردستاني

*********************************

الصفحة العاشرة

في نقد النقد: المنهج الجدلي في فلسفة هيجل

ماجد الياسري

يُعد الجدل (الديالكتيك) من أبرز المفاهيم الفلسفية التي أثارت الكثير من النقاش والتأويل، إذ اتخذ لدى فلاسفة اليونان مثل أفلاطون وأرسطو طابعًا حواريًا يُستخدم كأداة لكشف التناقضات في وجهات النظر، بهدف الوصول إلى الحقيقة عبر الحوار والسؤال والإجابة. وقد ظل هذا التصور للجدل سائدًا عبر القرون، حتى جاء التحول في القرن التاسع عشر مع الفيلسوف الألماني فيلهلم فردريك هيجل (1770-1831) الذي أضفى على الجدل بعدًا جديدًا وجعله منهجًا نقديًا معرفيًا، تجاوز فيه الشكل الحواري إلى بنية منهجية تركز على كشف التناقضات الداخلية للفكرة ودفعها نحو التطور والارتقاء.

وقد تميزت مؤلفات هيجل بدرجة عالية من الغموض والتعقيد في صياغة المفاهيم، مما جعل فهم فلسفته تحديًا للكثيرين، ومع ذلك كان لها أثر واسع وعميق في تطور الفلسفة الأوروبية. وقد تأثر بفكره العديد من الفلاسفة والمفكرين، من بينهم كارل ماركس (1818-1883) الذي نافسه في التأثير الفلسفي والسياسي، وأبرز ناقد لفلسفة هيجل بتوظيف الجدل الهيجلي في سياق مادي تاريخي متحفظا على تصور هيجل للعقل والروح ووصفه بالواقف على راسه.

وقد اعتمد هيجل في نقده الفلسفي على تحليل الفرضيات والبُنى الفكرية من داخلها، كاشفاً عن تناقضاتها الجوهرية، ويقودها نحو تجاوز ذاتها والوصول إلى مستوى أعلى من الحرية. فلم يقتصر النقد عنده على تفكيك المفاهيم، بل تجاوز ذلك إلى دفعها نحو التحرر من قيودها، عبر تحليل موسوعي للنصوص والأفكار، في إطار منهجي يدمج بين النقد والتطور المستمر للفكر.

 وقد اعتمد هيجل الجدل كتعبير هيجل عن حركة الوجود ذاته. فالتناقض يوجد في كل شيء وهوما يدفع الفكرة او الظاهرة الى التطور والارتقاء الى مستوى اعلي فيتحرك كلا من الفكر والواقع على أساس بنية تتكون من ثلاثة مراحل مترابطة تبدأ بمرحلة الطرح (الثيسيس)، وهي الفكرة الأولية التي تُعد نقطة انطلاق التطور، لكنها تظل بدائية وغير مكتملة وتحمل في ذاتها نقيضها، تليها مرحلة النقض (أنتيثيسيس)، حيث تظهر الفكرة المضادة التي تتعارض مع الطرح أو تنفيه. وأخيرًا تأتي مرحلة التركيب (سينثيسيس)، حيث يتم تجاوز التناقض بين الطرح والنقض لتولد فكرة أرقى وأكثر تطورًا تجمع بينهما. ومن بالجدير هنا الإشارة الى ان هيجل يستخدم مفهوما جديدا يطلق عليه " الرفع" (اوف هي بونغ) ذو ثلاث دلالات مترابطة ومتزامنة وهي النفي (الغاء الفكرة القديمة) والحفظ (تحتفظ بجوهرها) والتجاوز (دمج الفكرة القديمة بأخرى أكثر شمولا وعمقا) في أن واحد. ويعني كل هذا ان الفكرة الجديدة لا تلغي سابقتها، بل تحتويها وترتقي بها. ويستخدم هيجل "الوجود" كفكرة ونفيها " العدم “ليخرج بفكرة "الصيرورة" التي ترفعهما معا لان كليهما لا يمثلون الحقيقة، ولكن تتجاوزهما في وحدة اعلى. مثل اخر يرتبط بمفهوم التاريخ هوان الثورة تنفي في النظام البائد كل ما هو معيق، ولكن تبقي على بعض مؤسساته التي تتمتع بإصالة القيم وتتجاوزه في إقامة نظام جديد بهوية جديدة.

 وبذلك تمثل البنية الجدلية الهيجلية فطيعة مع الثنائية التقليدية مثل الصواب والخطأ أو الخير والشر الني سادت في المدارس الفلسفية السابقة، من خلال تحليل الظواهر في علاقاتها الداخلية وفهم العمليات الجارية والتناقضات الكامنة فيها. فإذا كان الجدل عند أفلاطون يعني الحوار للوصول إلى الحقيقة من خلال طرح السؤال والإجابة عليه، فإن هيجل حوله إلى أداة للكشف عن الحقيقة عبر توضيح التناقضات الداخلية التي تحكم تطور الأفكار والمجتمعات والتاريخ.

 ولم يعرض هيجل “البنية الثلاثية كنظرية جاهزة في كتاب محدد، بل توزعت في ثنايا اعماله الفلسفية الكبرى وان كان أوضح عرضا منهجي لها في كتابه الرئيسي " علم المنطق" ومن خلال التقسيم الثلاثي الشهير لحركة مستويات المنطق (الوجود-الماهية–المفهوم).

بينما عرض كتابه "موسوعة العلوم الفلسفية " صورة مختصرة وتدريسية للبنية الثلاثية (المنطق – الطبيعة-الروح). ومن الجدير الإشارة هنا ان هيغل لم يستخدم صيغة البنية الثلاثية (طرح-نقيض-تركيب) بل ظهرت في كتابات شراح فلسفة هيجل بعده لتوضيح مفاهيمه مثل يوهان جوتليب فيخته (1762-1814) وفريدريك شيلنغ (1775-1854) الذي كان صديق هيجل في شبابه ثم خصمه لاحقا.

وفي منظومة هيجل الفلسفية تمثل الحركة الجدلية داخل الوجود عن حركة الفكرة وتقدمها نحو ذاتها خلال مراحل تطورها من الوجود (بينج) وهي مرحلة بداية الفكر يشبهها هيجل بسطح ممتد فارغ تماما بلا معنى وخارج ذاته وفي تلك اللحظة ينبثق نبض الفكرة كصيرورة وتستيقظ لأول مرة كماهية تتحد مع الظهور ليولد الواقع. هذا الواقع الذي قد يكون مرئيا او مختبئا، ولكن منقسم بين الداخل والخارج، ولكن عندما تصبح الفكرة ذاتا تلك هي لحظة الحرية التي يتحول فيها الفكر من البحث عن المعنى في الأشياء الى منح المعنى ويصبح العقل، والواقع، وجهين لحقيقة واحدة. فتكتمل الرحلة من الوجود الذي لا يعرف نفسه الى الماهية التي تبحث عن نفسها وتسعى الى الظهور فتشكل باتحادها مع ظهورها الواقع وهي اللحظة التي يعود الفكر فيها الى ذاته حرا تنتج الظواهر. وتستمر عملية الجدل والارتقاء اللامتناهية وصولا الى المفهوم الأخير والمطلق والشامل لما قبل الموضوع قيد الجدل.

 وقد استخدم هيجل الجدل لرسم حركة تطور الأفكار والمفاهيم والوعي (يطلق عليه مفهوم ظاهرتيه الروح) حيث ينتقل الوعي من مستوى الى اخر اعلى من خلال الكشف عن التناقضات الداخلية في مختلف مراحله لترتقي بشكل تطوري (الوعي الحسي، الأدراك، الفهم، الوعي الذاتي، العقل، الروح، الدين، المعرفة المطلقة). أما على صعيد فلسفة التاريخ فيفسر هيجل مفهومي التقدم والتطور للسياسية والمجتمع عبر صراع الأفكار خلال حركة الروح نحو الحرية. في هذا السياق ينظر هيجل الى التاريخ كحركة عقلانية نتاج العقل الكلي الذي يعمل من خلال الشعوب والدول والافراد بعيدة عن الفوضى ويتجلى في المؤسسات والقوانين والدولة  وماكينة هذه الحركة هي صراع التناقضات (فكرة – نفي - حفظ وتجاوز) الذي يجري على صعيد الفكر والواقع لان جوهر التاريخ هو في كونه ليس مجرد سلسلة من احداث بل تطور الوعي نحو الحرية ومسار الروح تحو ادراك ان الانسان حر ويتحقق عبر الصراع بين أنظمة سياسية او رؤى أخلاقية او طبقات اجتماعية او شعوب اوبين مؤسسات حيث تكمن في كل نظام تاريخي تناقضات نؤدي الى سقوطه وصعود نظام جديد . في هذا المفهوم الهيجلي يصبح التاريخ هو المسرح والروح هي الفاعل والجدل هو المكنة التي تحرك الروح والتاريخ باتجاه الحقيقة المطلقة.

 ويميز هيجل بين نوعين من الشعوب تاريخية التي تظهر لتجسيد مرحلة من تطور الروح مثل اليونان وروما وأوروبا وشعوب أخرى خارج التاريخ ليست ذا قيمة ولا تدخل في حركة الروح العالمية مثل شعوب الشرق.

 في هذا النموذج الهيجلي للتاريخ تتحرك الروح في ثلاثة مراحل مترابطة وهي الروح الطبيعية في بدايات الشعوب عندما تكون الروح مندمجة بالطبيعة ولأتملك وعيا ذاتيا مثل شعوب بلدان الشرق الأدنى القديم والهند والصين تليها مرحلة الروح الذاتية عند ظهور الاخلاق والقانون والدولة وبعدها مرحلة الروح المطلقة حيث تعود الروح الى ذاتها عبر الفن الذي يكشف عنها حسيا والدين الذي يكشف عنها رمزيا والفلسفة الذي يكشف عنها كأعلى اشكال الوعي.

 أما الروح لدى هيجل فلا تمثل “نفسا " فردية، بل وعي جمعي – حضاري تتطور عبر مراحل بين ما تعرفه الروح عن نفسها (وعي الذات) الذي يجعلها قادرة على تجاوز التناقضات وعلى إعادة تشكيل العالم وجوهرها الحرية. وللروح ثلاثة مستويات بنشأ كل منها من تناقضات المستوى الذي قبله وهي الروح الذاتية (الوعي الفردي ويشمل الادراك والوعي والعقل) والروح الموضوعية (القانون والاخلاق والعائلة والمجتمع المدني والدولة) والروح المطلقة (الفن والدين والفلسفة) وهي اعلى اشكال وعي الروح بذاتها فالفن هو تجسيدها الحسي ويعطيها شكلا مرئيا ملموسا والدين هي الروح في صورة رمزية تمنحه تلامس غاية الوجود والفلسفة التي هي اعلى تجليات الروح وقد أصبحت وعيا كاملا بذاتها. في هذا النسق الفلسفي لا تمثل الدولة جهازا للقمع والسيطرة، بل تمثل الوعي الذاتي للشعب وتعكس الواقع الفعلي للفكرة الأخلاقية كتركيب جدلي بين القانون (الحرية المجردة) والاخلاق (الحرية الذاتية) والمؤسسات (الحرية الموضوعية) وتمثل الدولة العقلانية اعلى تجليات الروح الموضوعية ومرحلة من مراحل تطورها ويطلق هيجل مصطلح" تشيؤ" الروح عندما تصبح الدولة جسدا بلا روح.

 وقد تم تطبيق استخدام المنهج والنسق الفلسفي الهيجلي في مجالات عديدة مثل الفلسفة والاقتصاد والسياسة والاجتماع والثقافة والعلاج النفسي على الرغم من عدم وجود نظرية تربوية لدى هيجل الان اعماله حملت رؤية عميقة حول بناء الوعي استخدمها التربويين.

عربيا أعيد انتاج فلسفة هيجل في الثقافة العربية والإسلامية (زكي نجيب محمود وامام عبد الفتاح امام وعبد الرحمن بدوي) للبحث عن مسارات جديدة في مناقشة تحديات النهضة والتراث والحداثة، والمجتمع، والدولة، والهوية.

************************************

النظرية الفرنسية في الحرب الباردة الفكرية: قراءة نقدية / جون بيلامي فوستر

ترجمة وإعداد: قاسيون

في خضم التحولات الفكرية التي شهدها النصف الثاني من القرن العشرين، تبرز ظاهرة «النظرية الفرنسية» كواحدة من أكثر الفصول إثارة للجدل في تاريخ الفكر الغربي المعاصر. وفي مقالته الاستهلالية لكتاب «قداس النظرية الفرنسية: مرثية أطلسية بنغمة ماركسية»، يقدم جون بيلامي فوستر، محرِّر دورية «مونثلي ريفيو» وأستاذ علم الاجتماع الفخري في جامعة أوريغون، قراءةً رصينةً تكشف الأبعاد السياسية الخفية التي رافقت صعود هذا التيار الفلسفي عبر الأطلسي.

مؤتمر جونز هوبكنز: البوابة الاستراتيجية

يبدأ فوستر تحليله بالإشارة إلى أن مؤتمر جونز هوبكنز لعام 1966، الذي يُصوَّر غالباً في السرديات الأكاديمية السائدة باعتباره لقاءً علمياً رفيع المستوى، كان في حقيقته مشروعاً سياسياً مدروساً يهدف إلى إنشاء موطئ قدم للبنيوية الفرنسية في الولايات المتحدة، وذلك لمواجهة موجة الجذرية المتصاعدة آنذاك. فقد برز في الستينيات جيلٌ من المفكرين الفرنسيين، تاركين وراءهم هيمنة جان بول سارتر الوجودية، ليعتنقوا فلسفات «ما بعد الإنسانية» المستمدة من فريدريك نيتشه ومارتن هايدغر، الأخير الذي ظلَّ أيديولوجياً نازياً غير نادم على قناعاته.

وقد امتزج هذا التحول نحو نيتشه وهايدغر مع التقليد الفرنسي للبنيوية، الذي يستند إلى اللسانيات والأنثروبولوجيا والنظرية التحليلية الفرويدية. وكانت البنيوية، بحكم تعريفها، مناهضةً لكل أشكال البحث التقليدية التي تعتمد أساساً على التحليل التاريخي، والذات الإنسانية، والديالكتيك. وقد أوضح منظِّما المؤتمر، ريتشارد ماكسي ويوجينيو دوناتو، نيتهما في جمع مفكرين ينتمون إلى تقليدي نيتشه والبنيوية، مما منح المؤتمر طابعاً محافظاً ومعادياً للماركسية منذ بدايته.

التمويل والأيديولوجيا: دور مؤسسة فورد

في إطار الهجوم العام للحرب الباردة، وبهدف تعزيز الأفكار التي تشكل سداً منيعاً ضد المد الماركسي، وافقت مؤسسة فورد على رعاية مؤتمر جونز هوبكنز لعام 1966، جالبةً مجموعة من المنظرين البنيويين الفرنسيين إلى الولايات المتحدة. وكان يرأس المؤسسة آنذاك ماكجورج بندي، المستشار السابق للأمن القومي في عهد ليندون جونسون، الذي كان على اتصال وثيق بمجموعة واسعة من أجهزة الاستخبارات الأمريكية، وكان واحداً من «الحكماء» الأربعة عشر الذين نصحوا جونسون بشأن حرب فيتنام.

هذا السياق المؤسسي والاستخباراتي لا يُقلِّل من قيمة المساهمات الفلسفية لهؤلاء المفكرين، لكنه يضعها في إطارها التاريخي والسياسي الصحيح، مُظهراً كيف يمكن للأفكار المجردة أن تُستثمر في صراعات أيديولوجية كبرى. وكما توثق فرانسيس ستونور سوندرز في دراستها الرائدة «من دفع للزَمّار؟»، كانت وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) تنظر إلى «المنطق الداخلي» للنظرية الفرنسية باعتباره «هدماً نقدياً» للماركسية في فرنسا والولايات المتحدة على حدٍّ سواء.

استهداف العقل المادي والديالكتيكي

عندما سعى ماكسي ودوناتو إلى تلخيص وقائع مؤتمر 1966 في مقدمتهما لطبعة 1971 من أعمال المؤتمر، المعنونة «الجدلية البنيوية: لغات النقد وعلوم الإنسان»، لم يلجأ إلى جاك دريدا أو أي مفكر آخر حضر المؤتمر. بل استشهدا بمقال لجيل دولوز عن ميشيل فوكو، كتب فيه دولوز إن فلسفة فوكو ما بعد الحداثية تمثل «تدميراً بارداً ومتآمراً للذات [الإنسانية]، وازدراءً حياً لمفاهيم الأصل، والأصل الضائع، والأصل المستعاد، وتفكيكاً للتوليفات الزائفة الموحِّدة للوعي، وتنديداً بكل تمويهات التاريخ المُشكَّلة مسبقاً باسم التقدم، والوعي، ومستقبل العقل».

من الواضح أن ما كان يُستهدف هنا هو كل أشكال العقل التاريخي والمادي والديالكتيكي الذي يركز على الفاعلية الإنسانية، ولا سيما التقاليد المنبثقة عن هيغل وماركس. وقد عبَّر لوسين غولدمان، المدافع عن الإنسانية الاشتراكية، عن قلقه إزاء هذا التحول، محذراً من أن «إلغاء الذات» قد يؤدي إلى إفراغ النقد الاجتماعي من مضمونه التحرري.

من البنيوية إلى ما بعد الحداثة: مسار التحول

يتتبع فوستر، مستنداً إلى الفترة الزمنية التي يقترحها فريدريك جيمسون في كتابه الأخير «سنوات النظرية»، مسار تطور النظرية الفرنسية عبر مراحل متميزة. فقد بدأت في الخمسينيات والستينيات كبنيوية لغوية وأنثروبولوجية، ثم تحولت في السبعينيات إلى ما بعد بنيوية تركز على التفكيك والاختلاف، لتصل في الثمانينيات والتسعينيات إلى مرحلة «ما بعد الحداثة» التي أعلنت، كما في نص جان فرانسوا ليوتار الشهير، «عدم الثقة في السرديات الكبرى».

غير أن هذا التطور لم يكن بريئاً من السياقات السياسية. فبينما كانت الحركات الاجتماعية في أوروبا وأمريكا اللاتينية تسعى إلى بناء بدائل اشتراكية، كانت النظرية الفرنسية، في نسختها المصدَّرة عبر الأطلسي، تقدم نقداً جذرياً لمفاهيم التقدم والعقل والتاريخ، مما أضعف، عن قصد أو غير قصد، الأسس النظرية لأي مشروع تحرري جماعي. وقد لاحظ هنري لوفيفر، في تحليله المبكر لأحداث مايو 1968، كيف يمكن للفكر الراديكالي أن يتحول إلى أداة لـ«ثورة دون ثورة» حين ينفصل عن الممارسة السياسية الملموسة.

النقد لماركسي الداخلي: استثناء مونفيل وروكهيل

يشير فوستر إلى أن محاولات نقد النظرية الفرنسية من منظور ماركسي كانت غالباً سطحية وغير ناضجة، لأن عدداً قليلاً نسبياً من المنظرين الماركسيين الحقيقيين حظي بدخول كافٍ إلى الدوائر النخبوية للنظرية الفرنسية ما بعد الحداثية لتطوير «نقد داخلي» متين. وفي هذا السياق، يُعَدُّ أيْمريك مونفيل وغابرييل روكهيل استثناءً بارزاً؛ إذ يأتيان من ضفتي الأطلسي، ويتمتعان بمعرفة حميمة ومباشرة بالبنيوية وما بعد الحداثة الفرنسية.

ويتفق مونفيل وروكهيل مع التقييم الذي قدمته وكالة الاستخبارات المركزية بأن المنطق الداخلي للنظرية الفرنسية كان يتمثل في «الهدم النقدي» للماركسية، لكنهما يختلفان مع الاستنتاج المتفائل للوكالة بأن هذا الهدم سيكون «دائماً». فبالنسبة لهما، إن فشل النظرية الفرنسية في تقديم بديل متماسك للمشروع التحرري، وانكفاءها على نقد لا نهائي للذات والتاريخ، قد فتح الباب أمام عودة الأسئلة الماركسية الكلاسيكية حول الرأسمالية والطبقة والصراع، خاصة في ظل الأزمات المتتالية للنظام العالمي.

إرث متناقض: بين التأثير والنقد

رغم تراجع هيمنة النظرية الفرنسية في موطنها الأصلي منذ الثمانينيات، كما يوثق غابرييل روكهيل في تحليله النقدي، إلا أن تأثيرها ظل ممتداً في الأوساط الأكاديمية الأمريكية، ولا سيما في مجالات الدراسات الثقافية وما بعد الكولونيالية. وقد ظهر هذا التأثير في أعمال مفكرين من الجنوب العالمي، الذين تبنوا أدوات التفكيك والنقد ما بعد البنيوي لمواجهة خطابات الهيمنة الغربية.

غير أن هذا التبني لم يخلُ من إشكاليات. فكما يشير دومينيكو لوسوردو في كتابه «الماركسية الغربية»، فإن التركيز الحصري تقريباً على التقليد الماركسي الغربي الضيق، مع إغفال المساهمات الثرية للماركسيين في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، قد أدى إلى اتهام الماركسية زوراً بـ«المركزية الأوروبية». وفي هذا السياق، تبرز أهمية استعادة المنظور الماركسي الأممي، الذي يضع في مركز تحليله الصراع الطبقي العالمي وحركات التحرر في الجنوب العالمي.

خاتمة: نحو نقد تاريخي مادي متجدد

يختتم فوستر مقالته بالتأكيد على أن «موت النظرية الفرنسية»، الذي أصبح موضوعاً شائعاً في النقاشات المعاصرة، لا يعني نهاية النقد الفلسفي، بل يدعو إلى إعادة تأسيس نقد تاريخي مادي قادر على مواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين. فبينما تقدم نظريات مثل «واقعية الشبكات» لبرونو لاتور أو «المادية الجديدة» بدائل تبدو مبتكرة، فإنها غالباً ما تكرر، وفقاً لفوستر، خطأ الفصل بين الطبيعة والمجتمع، وتهميش دور الفاعلية الإنسانية في صنع التاريخ.

إن الدرس الأهم الذي يمكن استخلاصه من تجربة النظرية الفرنسية هو أن أي مشروع نقدي يطمح إلى التحرر الإنساني لا بد أن يستند إلى فهم ديالكتيكي للتاريخ، يعترف بتعقيد البنى الاجتماعية دون أن يلغي إمكانية التغيير الجماعي. وفي هذا الإطار، تظل الماركسية، ليس كمذهب جامد، بل كمنهج للتحليل النقدي، أداةً لا غنى عنها لفك شفرات النظام الرأسمالي المعولم وبناء بدائل حقيقية للعدالة الاجتماعية.

ـــــــــــــــــــــــــ

"قاسيون" – 15 آذار 2026

*****************************

الصفحة الحادية عشر

جديد د. رعد محمود البرهاوي

اصدر الاكاديمي والدبلوماسي العراقي السابق د. رعد محمود البرهاوي، عدداً من الكتب المهمة هي:

* الفقهاء والسلطة وصناعة الحياة/ ط2/ اصدار مكتب التفسير/ اربيل.

* الغناء والموسيقى بين الحلال والحرام/ اصدار مركز البحوث والدراسات الاسلامية/ بغداد.

* دراسة في اوضاع القبائل العربية في العراق والسام والسعودية من القرن الثامن عشر الى ثلاثينيات القرن العشرين. اصدار مكتب التفسير/ اربيل.

* خدمات الاوقاف في الحضارة العربية الاسلامية الى نهاية القرن العاشر الهجري. اصدار المجمع العلمي العراقي- بغداد.

* سنوات الألم والامل/ السيرة الذاتية/ ط2/ اصدار مكتب التفسير/ اربيل.

**********************************

عندما يلتحق الشاعر بركب الكبار

علي سعدون*

بمجلدين كبيرين وبواقع 950 صفحة، صدرت الأعمال الشعرية للشاعر المغترب زاهر الجيزاني، وهي من إصدارات العام 2026 لدار الشؤون الثقافية العامة في وزارة الثقافة والسياحة والآثار العراقية.. والجيزاني من أبرز الأسماء الفاعلة في الشعر العراقي – جيل السبعينيات- الذي ترسّخت على يديه أنماط كتابة مغايرة وجديدة تمثّلت بكتابة قصيدة التفعيلة بالتعارض مع النموذج السيّابي إذا جاز التعبير، وباستلهام فكرة القصيدة الجديدة بضغط معرفي وثقافي من تنظيرات غربية في معظمها من خلال جماعة شعر اللبنانية وأدونيس وتنظيرات سوزان بيرنار. وقد توّج ذلك الجيل وبمقدمته زاهر الجيزاني موضوعة القطيعة مع التراث على أسس معرفية بتنقيته والاستفادة من العوامل المشرقة والساطعة فيه. 

احتوت الأعمال الشعرية على المجموعات الشعرية التي صدرت للشاعر في فترات متباعدة منذ نهاية السبعينيات. ومن هذه المجموعات: "تعالي نذهب إلى البريّة" و "من أجل توضيح التباس القصد" و "قدّاس بلغة الناي" ومجموعته المعروفة والمهمّة "الأب في مسائه الشخصي" التي أرّخت للوقائع العراقية بما فيها ضنك العيش والضياع والموت الذي رزح تحت وطأته العراقيون على مدى أكثر من أربعين عاماً. إضافة إلى مجموعات وقصائد جديدة كتبها الشاعر في أيام إقامته بكردستان العراق، أيام عمله في صحافة المعارضة العراقية آنذاك. فضلاً عن عشرات القصائد التي كتبها في منفاه بأميركا. وأعتقد جازماً أنّ تلك الرحلة الطويلة التي خلّصته من ربقة النظام الشمولي – بالهجرة والمنفى- ساهمت إلى حدٍ كبير في جعله يكتب بحرية مطلقة.   

كتب الجيزاني هذه القصائد بنمطين من الكتابة وهما: قصيدة التفعيلة – الشعر الحرّ -، وقصيدة النثر بصورتها المعاصرة. إذ يغلب على قصائد التفعيلة اشتغالات الغنائية والوجدانية والرومانسية التي تطرّقت إلى هموم وتطلعات الإنسان العراقي والعربي. فيما ذهبت قصائده النثرية إلى استثمار الأسطورة والرموز التاريخية التي شكّلت وعياً مختلفاً في القصيدة، فضلاً عن انشغاله ذي الطابع الفلسفي بمعظم هذه القصائد. والفلسفة لديه في هذه الأعمال لا تأتي من باب ضخ التفاصيل الفلسفية التي تجري في مباحث الفلسفة المعروفة أكاديمياً، إنما يأتي اهتمامه من باب توظيفها في موضوعات شعرية لا تقلّ جدلاً عمّا يجري في تلك الفلسفة، فتنصهر لديه وتصبح موضوعاً شعرياً خالصاً. وبالتالي، يمكننا أن ننعت قصيدة الجيزاني بالقصيدة التي تفكّر كثيراً في طريقة إنتاجها ومقصدياتها ومدى تعالقها مع القارئ.

سيتنبّه قارئ هذه الأعمال إلى اعتماد الشاعر هوامش كثيرة للغاية تمثل شروحات لمنعطفات تاريخية مرّت بالبشرية، إلى جانب إضاءات تتعلق بـموضوعات دينية تخص الأديان كلها وعلاقتها بالإنسان وطرق عباداته تاريخياً، بل وما قبل التاريخ، فيما أفرد هوامش عديدة لإيضاح علاقة قصيدة النثر بالتصوف الإسلامي ولغة العرفان.. الجيزاني في أعماله الشعرية هذه، برهن على أهمية وجود الشاعر المثقّف الذي يعمل على بلورة كل ما في أسئلة الوجود من قدرة على الخلق والإبداع والإضافة في الشعر.

كتب تظهير الغلاف الأخير لهذه الأعمال الشاعر الكبير خزعل الماجدي منوّهاً إلى أهمية وتأثير تجربة الجيزاني على أجيال ما بعده: "كان محفّزاً لطاقة أجيالٍ من الشعراء، وكان قاموساً لأرواحٍ شاردةٍ عبّرت، في أزمانٍ كسيرةٍ، ولم يكن بإمكانها البوحُ إلاّ من خلال لسانه وقلبهِ.

نحن في حضرةِ معلّمٍ شعريّ من الطراز الرفيع، حزين بقلبه لكنه يبتسمُ رغم جرحه العميق الذي لم يكن بسبب ما صادفه، من عذابٍ وأسىً في حياته الشخصيّة، بل بسبب ما فعلته البلادُ التي بين نهرين بنفسها وما تركته من ندوبٍ في روحهِ.

لقد التقط زاهر ما استطاعهُ من شظايا كارثتنا ووضعها في هذا الكتاب، وكذلك غنّى لذاته قصائدَ حبٍّ ساحرةٍ تعتني بجمرِ وماءِ الجسدِ بقدرةٍ فذّةٍ وببوحٍ عميق الأوتار.".

لقد ظلّت النقدية العراقية والعربية لعقود خلت تشير على وجه التحديد لعتباتٍ وظواهر وتجارب من قبيل: السيّاب ونازك الملائكة وعبدالوهاب البياتي والحيدري وفوزي كريم وسعدي يوسف وآخرين. أقول، ظلّت النقدية العراقية والعربية تفعل ذلك على الدوام، ولم تنفتح على تجارب مميّزة وكبيرة أخرى لها أهميتها على مستوى اللغة الشعرية وتقانات القصيدة الجديدة مثل تجربة الجيزاني وخزعل الماجدي وعدد قليل آخر. وعليه فثمة تحولات في بناء القصيدة وتركيبها يكاد يتفوق على كثيرٍ من ظواهر الشعر العراقي. تقانات جديدة تعبر بالقصيدة إلى جادّة أخرى هي غاية في الأهمية والتجريب وقد حفلت بالتماعاتٍ لا حصر لها. هذه القضية إذا ما أصرَّ النقد على ثباتها ستحجب عنّا الالتفات إلى تجارب فاعلة ومهمّة وجديرة بالمعاينة والوقوف عندها طويلاً. تجري هذه الرؤية بتحريض من صدور أعمال شاعر عراقي كبير يقف بكامل عدّته الإبداعية لتأكيد مشروعه الشعري بالغ الأهمية. ومن صيغ هذه الأهمية هو قدرة الشاعر على إشراك القارئ في عملية التثاقف من خلال الشعر، عند زاهر الجيزاني بإمكان القصيدة أن تفعل ذلك وبقوة لافتة.

"إذا سمعتَ "صوتَها" / واهتززتَ وسقطَ كوبُ القهوةِ على ثيابكَ / وتبقّع جلدُ السماء الصافية/ إذا كلَّمَكَ نيزكٌ، أو تخيّلتَ نيزكاً كلَّمَكَ،/ إذا ارتجفتَ مثل امرأةٍ تلدُ أمام شباكٍ مفتوح / مثل نسيانٍ يتذكرُكَ / عندما تنظر إليه في وجوه المارّة / مثل هَمْسِ الجالسة خلفكَ، / تنبهُكَ أنّ شيئًا ما سقطَ منكَ

إذا مررتَ بهذه الحالة، فأنتَ عاشقٌ / يقول ابن سينا في  "رسالة في العشق، " / على العاشقِ أن يغتسلَ بماءٍ باردٍ إذا اضطربَ نبضُهُ/ وأن يُطبقَ شفتيه على اسمها/ تضيف للاسم حرفَ ميم، وتحبسه بفمِك/ كما فعل موسى حين أضاف ميماً/ ومرّر اسم أللّوهيم على شفتيه .... "

إنَّ مَنْ لم يطّلع على الأعمال الكاملة للجيزاني سيظن أنَّ هذه المقالة تذهب إلى المبالغة في الاحتفاء بشاعرٍ عراقي لا يختلف كثيراً – على وفق التصور النقدي الشائع -، عن مجايليه، لكنَّ واقع الحال الذي تتركه القراءة الأولى لهذه الأعمال إنها ستضع الجيزاني بمكانة مرموقة وستجعله يلتحق بركْب التجارب الكبيرة في الشعر العراقي. تملؤني الدهشة وتدفعني إلى مساحاتٍ هائلة من الجمال والمعرفة وأنا انتهي من قراءة هذه الأعمال الشعرية بالغة الأهمية والخطورة.

صدور الأعمال الشعرية لزاهر الجيزاني يُعد استحقاقاً وإنصافاً لتجربته الكبيرة التي شكّلت علامة فارقة في الشعر العراقي والعربي. لغةٌ مُبتكَرة وموضوعات عمدت إلى كسر التابوات التي لم يتخطاها الشعر كثيراً.. بل ولم يجرؤ من قبله شاعرٌ عراقي على الخوض في تفاصيل مثلها: الدين والأيروس والأعراف والتقاليد البالية بالانتصار إلى قيم العقل والأنسنة، وهو جوهر ما يحتاجه قارئ الأدب اليوم لتصحيح مسارات بوصلة الشعر بعد عقود من الركون والاستسلام والتراكم الّلفظي الذي لا يُغني ولا يسمن من جوع.

ـــــــــــــــــــــــ

*ناقد عراقي/ رئيس تحرير مجلة "الاقلام".

************************************

قصة قصيرة.. اللفافة السوداء

كاظم حميد الزيدي

لا تدري هي منذ متى قائمة في هذا العمق الخرافي المستطيل، الممتد عميقًا في جرح التاريخ، منذ الغزو الذي أحدثه الرجل لكي يسترقّ النساء اللواتي يحصل عليهن حتى اللحظة الراهنة. وهي تقف في القاووش، قصدها هذه الزنزانة المستطيلة الضيقة، التي تتحرك على أرضها بقايا نسوةٍ فقدن كل شيء: البيت، والزوج، والأطفال، والمستقبل؛ لا لشيء إلا لأن القائمين على أمن الدولة شعروا بأنهن يشكّلن خطرًا على استمرار الدولة. منذ سنوات عدّة توقّف أهلها عن الزيارة، فلم يَفُتْها الأمر؛ فهي تعرف جيدًا أن أهلها قد أُبلغوا بأنهم أعدموها، وأنها لم تعد موجودة على قيد الحياة، ولا على قيد السجلات التي تُحصي أسماء الأحياء عليها. بلى… لم تعد تلك الفتاة الجامعية الممتلئة حبًّا بالحياة، والمحلّقة بالأمل عاليًا فوق ذوائب الأشجار والأشياء. فجأةً — هكذا — نزلت إلى الحضيض بلا أجنحة، بلا أشجار، بلا حياة. قُبِض عليها وجُرَّت من كليتها، ووجِّهت إليها تهمةٌ ظالمة: العمل في الأحزاب المناهضة للسلطة. بكت… نفت تلك التهمة، وأقسمت بالله، وبالرسول، وبالأئمة الأطهار، لكن لم  يصدّقها احد. قالوا لها: اعترفي… اعطينا أسماء خليتك التي تجتمعين بها. قالت: لا أعرف. لكنهم خلعوا أظافرها. قالت: لا أعرف. فأوصلوا إلى جسدها تيارًا كهربائيًا لا يرحم. قالت: لا أعرف. فسَكَبوا عليها الماء الحار. قالت: لا أعرف. لكنهم جرّدوها من ملابسها، وعلّقوها ورأسها نحو الأسفل في مروحة غرفة التعذيب. وقالت… لا أعرف. هي الآن لا تشبه تلك الفتاة التي أخذوها ذات صباح من كليتها؛ فقدت وجهها الأبيض وطمأنينتها المستمرة، وتاريخها العائلي والمدرسي، وضاعت في دهاليز السجون الحكومية، وهي لا تعرف شيئًا مما اتُّهمت به. الآن، في هذا الصباح، تشعر بألمٍ شديد في أحشائها، الألم الصادر من انتفاخ بطنها الناتج عن الاعتداءات المستمرة عليها من أولئك الوحوش الذين زرعوا هذه الثمرة النجسة في أحشائها. الآن تزحف نحو فتحة الضوء المنتشر في صباح هذا اليوم الجديد، متجهةً إلى قضبان باب الزنزانة، زحفًا على ركبتيها ويديها، حتى إذا وصلت الزنزانة تشبّثت بالقضبان ورفعت نفسها، ثم جمعت ما بها من قوة لتصرخ بصوتٍ واهنٍ وضعيف: «أيها الجرذان… أيها البشر المنسلخون من بشريتكم وإنسانيتكم… أيها الأعداء الذين خرجتم بي ذات يوم من الكتب التي قرأتها، ومن الأمان الذي كان يجلّلني من زوايا البيت الدافئة التي كنت أحيا بها، ومن أحلامي الكبيرة، ومن أمنياتي المتفرّدة… خرجتم بي لتحوّلوني إلى شبحٍ يحتوي قذارتكم… لا… لن أكون جزءًا من تاريخكم الأسود.

أيتها السجّانة… يا أمَّ عبدِ الله… يا أمَّ عبدِ الله…»

وصرخت… وصرخت… حتى أقبلت أم عبد الله، وقالت لها بصوتٍ أجشّ مستنكِر:

«ماذا تريدين أيتها…؟»

ولم تُجب. نعم… لقد تحولت إلى ذلك المسمّى منذ أن دخلت هذه السجون وفقدت كل شيء جميل كان أهلها والقريبون منها يتغزّلون به.

قالت لها متوسلة:

«إني أشعر أن موعد ولادتي قد اقترب… افعلي شيئًا… انقلوني إلى المستشفى… أو إلى أي مكان يخلّصني من هذا الألم المريع…»

فقالت السجّانة — دون أي تعاطف —:

«اذهبي إلى عمق الزنزانة، واجعلي زميلاتك يقمن بهذا العمل… ليخرجن هذه القذارة منك… أو تموتين.»

سقطت السجينة سقوط دمعةٍ كبيرة من عينٍ حزينة، ونزلت وهي تتشبث بقضبان الباب، حتى تكوّمت في أرض الزنزانة مثل تاريخٍ من الحقيقة مُهان، وصرخت صرخة استنجاد… صرخة مظلومٍ منفردٍ ضعيف. تجمّعت السجينات حولها، وأخذنها بعيدًا إلى الظلام في عمق الزنزانة، ومن هناك — من عمق الزنزانة البعيدة المظلمة — اختلطت الأصوات النسوية؛ هي تستنجد بكل شيء: بالله، وبالرسول، وبالأئمة الأطهار، وبأمها وأبيها، وبالحجر والمدر، وبأصوات النسوة اللواتي يشجّعنها على أن تدفع ما في بطنها. وتبقى تلك السمفونية القديمة تشقّ عباب التاريخ لتسجّل تلك اللطخة السوداء في جبين تلك التي تسمي نفسها دولةً تحمي المواطن، وتوفر له أسباب معيشته، وحرّيته، وكرامته… لكن هنا — في هذا الدهليز المظلم المتوغّل عميقًا في جدار الزمن — يشهد بأن لا شيء من مقوّمات هذه الدولة يجري الآن… أو بعد الآن. وبعد أن خمد الصياح، وانتهت المعركة عن امرأةٍ ميتة، أنجبت كتلةً من اللحم الأسود الممزوج بالأحمر، الذي لا يتبيّن له شكلٌ أو مظهر؛ لم يكن فتاةً، ولم يكن صبيًّا… بل كان كتلةً مشوّهة من اللحم الأحمر والأسود. وضعتها إحداهن ملفوفةً في خرقةٍ سوداء، ثم تقدّمت نحو الضياء الذي بدأ يدخل من الباب الرئيسي للزنزانة، ومن خلال القضبان الحديدية السوداء، صرخت مرةً أخرى بألمٍ مفرط وصوتٍ يائس:

«أم عبد الله… أم عبد الله…»

فأتتها السجّانة، قالت لها:

«خذي هذه الثمرة النجسة اليابسة… وألقيها في النفايات… أو احفري لها مكانًا في الأرض… واستُري بها تاريخكم النجس…»

ثم نظرت إلى السجينة قالت:

«والأم؟»

قالت لها:

«ارتاحت منكم أخيرًا… لقد ماتت.»

أخذت السجّانة ذلك اللحم الملفوف بقطعة السواد، ومضت نحو حديقةٍ جرداء صغيرةٍ في آخر السجن، وهي تنوء بجسدها الضخم.

************************************

إنهم يحرقون الكتب أليس كذلك؟

علي حسن الفواز

هل يمكن لنا أن نستعيد قراءة رواية "انهم يقتلون الجياد أليس كذلك؟" للروائي هوراس ماكاوي، التي تحكي عن مأزق الأنسان في الأزمات الاقتصادية، وعن الاغراء بالموت الذي تصنعه " قوة الرعب الرأسمالية" لنستعيد معها جريمة الحرب التي تصنعها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني في المنطقة، وفي بيروت بشكل خاص، حيث تحولت حربهما الملعونة الى حفل للقتل العمومي، وحرائق مجنونة طالت الانسان والكتاب، حتى بدت وكأنها ارهاب علني يقصد محو ذاكرة الثقافات ودور النشر ومراكز البحوث، عبر الغاء زمنها ثقافي، وحذف علاماتها التي جعلت من بيروت مدينة خالصة ل"الكتاب".

جريمة هذه الحرب ليست بعيدة عن سياسات الشركات الرأسمالية، ولا عن وزارات الدفاع، ولا عن الرعب المعمداني" حيث تحولت الى  حلقات مفتوحة للقتل الجماعي، مثلما اضحت جحيما لحرق الكتب الوثائق التي دوّن فيها الانسان سردياته وحكاياته ولحظاته الحميمة، وسيرة نضاله من اجل عالم خال من الكراهية والاستغلال والاستبداد..

حروب الامبريالية هي ذاتها "صالات الرقص المميت" في الرواية، فالذي يتحكم بعبثية الصواريخ، هو نفسه الذي يتحكم بالجسد المُنتهك، والمكان المنتهك، فهو يكره الحرية، ويجعل من سياسة حرق الجسد نظيرا لسياسة حرق المكتبات، بوصفها شهادات على الاستبداد الرأسمالي، وأحسب أن جريمة الكيان الصهيوني بحرق جنوب بيروت هي الشهادة الأكثر سطوعا على هذا القتل العلني، حيث تحولت حربه التدميرية الى جنون فاضح، اختلط فيه حرق العقل بحرق البيوت والبشر والكتب.

الحرق بهذه الطريقة الاحتفائية العبثية، يشبه الاحتفاء بمذابح "الهنود الحمر" ومذابح الفيتناميين" ومذابح الغزاويين"  حيث يتحول "القتل العلني" الى اشهار بالقوة الغاشمة، والى الاستهانة بالإنسان، وبقيم الجمال والمعرفة التي يصنعها، ومنها الكتاب الذي هو "ايقونة الانسان ذاته" فهذا القتل هو اكثر أنواع الموت بشاعة، لأنه يعني قطع الدم المعرفي عن الكون، وتحويل الجسد الى خرقة لا تصلح حتى لمسح الطاولات..

دمار المكتبات وحرق كتب في بيروت الجنوبية هو فضح لقبح هذه الحرب، وفضحا للآخر الامبريالي والصهيوني المهووس بحرق المدن، وحرق ذاكراتها، حيث تكون كراهية الكتاب تمثيلا وجوديا لكراهية الوعي، وكراهية النقد والحب والفنون.

تدمير مؤسسة " المركز الثقافي للكتاب" ومؤسسة "مؤمنون بلا حدود" و"مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي"  و"مكتبة فيلوسوفيا" ومكتبة " كتاب خانه" في حارة حريك البيروتية يكشف لنا نحن ابناء الكتب عن خطورة تلك الجريمة، وعن حمولتها الرمزية، فهي تقتل البنوة والأبوة، مثلما تقتل التاريخ، وتعمل على محو الذاكرة، بوصف الكتاب ذاكرة وسيرة وزمنا وتاريخا..

هذه الخسارات/ الحرائق لا تقل توحشا عن خسارة "الشهداء" الذين تطحهنم حرب "العقل الرمادي" وكأن هناك مجانين يحملون علب الكبريت والصواريخ، يتوهمون أن حرق المدن ستُعيدهم الى اسطورة الامبراطور "نيرون" حيث حرق الذاكرة والزمن والعمران، وحيث يتحول "الحرق الثقافي" الى عنوان للطغيان والاستبداد، وأدلجة قتل الآخر، والترويج لأوهام الوعي الزائف، والرهانات السود التي تربط العنف والحرق بالفاشيات التي يُراد اعادة انتاجها من خلال "الليبراليات الجديدة" ومركزيات الشركات العابرة للقارات، تلك التي لا تنفصل عن ذاكرة "المركزية الهيغلية" التي جعلت من الامبراطور عنوانا للقوة، ومن طرد الآخر وحذفه من التاريخ جزاء من فكرة "العقل النقي" ومن المثال الذي يمارس فرضية الانتقاء والتطهير والاقصاء..

حرق مكتبات بيروت هو حرق ذاكرة الشعر، وخرس صوت فيروز، وحذف سيرة الارز، وحرق بيانات الوعي والمعرفة، هذه جرائم اخلاقية وانسانية، مثلما هي فضائح تفضح الطغاة الجدد، الحالمين ب" بنهاية التاريخ" و "الانسان الأخير" الذي يتجسد في أنموذج الطاغية والقاتل والجنرال والرئيس الشعبوي والمعتوه الصهيوني..

ما تذكره الأرقام عن حرائق بيروت يفضح تلك الحروب الملعونة، حيث يكون حرق المكتبات هو حرق لزمن المدينة، ولفضح هوية العدو الذي يكره الشرق وذاكرته، مثلما يكره لياليه وسيرة شعرائه واصحاب حكاياته وقصصه ومقاماته، حتى بات الأمر وكأن "مغولا" جدد يحضرون، يستهدفون كل شيء، الآثار والمتاحف والمكتبات وقيم التراث، وعمران المنشآت الثقافية، وهو ما يقاطع مع  قيم المجتمع الدولي، واتفاقية لاهاي لعام 1954 التي تؤكد على حماية تلك المعالم الانسانية في وقت الحروب.

***********************************

الصفحة الثانية عشر

معاً لبناء بيت الحزب.. بيت الشعب

دعماً للحملة الوطنية لبناء مقر الحزب الشيوعي العراقي، تبرع الرفاق والأصدقاء:

• إشراق السامرائي (100) جنية استرليني

• عبد الامير العبادي ابو شفق  (500) الف دينار

الشكر والتقدير للرفاق والأصدقاء على دعمهم واسنادهم حملة الحزب لبناء مقره المركزي في بغداد.

معاً حتى يكتمل بناء بيت الشيوعيين.. بيت العراقيين.

*************************************

حاليا في المكتبات

العدد (458) آذار 2026

من مجلة {الثقافة الجديدة}

************************************

ميلانو تُطلق اسم زها حديد على أحد شوارعها

متابعة – طريق الشعب

أطلقت مدينة ميلانو الإيطالية اسم المهندسة المعمارية العراقية – البريطانية الراحلة، زها حديد، على أحد شوارعها المخصصة للمشاة، وذلك في مناسبة الذكرى العاشرة لوفاتها.

 ويقع الشارع ضمن مشروع تطوير "مدينة الحياة" في ميلانو، ويمر بالقرب من "برج جينيرالي"، وهو ناطحة سحاب ذات 44 طابقًا كانت قد صممتها زها حديد.

وخلال حفل الكشف عن لافتة الشارع، قال عضو المجلس البلدي لشؤون الثقافة في ميلانو توماسو ساكي، أن "تسمية شارع باسم زها حديد اليوم هو اعتراف بقيمة عملها والتأثير الذي تركته على ميلانو"، مضيفا أنه "بعد مرور عشر سنوات على رحيلها، لا تزال مساهمتها واضحة ليس فقط في أعمالها المنجزة، لكن أيضاً في الطريقة التي أثرت بها على التصميم المعماري المعاصر".

وتابع قائلا: "لقد ساعد نهجها في إعادة تعريف العلاقة بين الفضاء الحضري والناس، مع التركيز على جودة البيئات ووظيفتها في الحياة اليومية."

*************************************

في اتحاد الادباء.. تأبين الراحل د. مالك المطلبي

متابعة – طريق الشعب

عقد الاتحاد العام للأدباء والكتّاب في العراق الأربعاء الماضي جلسةً تأبين للناقد الكبير الراحل أخيرا د. مالك المطلبي، تضمّنت شهادات واستذكارات وقراءات نقدية في منجزه.

الجلسة التي احتضنتها باحة مقر الاتحاد، حضرها جمعٍ غفير من الأدباء والمثقفين، وأدارها د. خالد هويدي. حيث استهلها بالإشارة إلى أن "المطلبي كان شاعراً وناقداً ولسانياً، كتب عن صورة الحياة بمزيج من الحب والعفوية والسخرية والصدق"، مضيفا أن "الراحل ينتمي إلى عائلة علمية وأدبية عريقة تضم عددًا من الشعراء والنقاد والمترجمين والقاصين، وهو نجل الشاعر والفقيه اللغوي يوسف المطلبي.

وبيّن هويدي أن "المطلبي لم يكتفِ بكونه كاتبًا منتجًا للنصوص، بل انخرط في العمل الثقافي المؤسسي، وساهم عام 1969 في تأسيس وإدارة (دار ثقافة الأطفال)، التي تُعد تجربة عربية رائدة في مجال ثقافة الطفل".

وكان أول المتحدثين في الجلسة، رئيس الاتحاد د. عارف الساعدي، الذي ذكر في كلمة له أن المطلبي تفرغ إلى السيناريو والنقد الادبي، وحقق اسماً كبيرا في عالم النقد والأكاديمية الرصينة، وبقي على هذا المنوال لأكثر من ستين عاما شاعرا وناقدا وأستاذا جامعيا قديرا وكاتبا للأعمال الدرامية، فضلاً عن مشروعه في مجلتي الأطفال "مجلتي" و"المزمار".

من جانبه، استعاد أستاذ اللغة العربية د. طارق الجنابي، في مداخلة له، ذكرياته مع المطلبي منذ أيام الدراسة في كلية الآداب، وصولًا إلى إشرافه على أطروحته للدكتوراه، مؤكداً أنه كان نداً علمياً للجنة المشرفة بما يمتلكه من معرفة واقتدار.

أما د.علي حاتم الحسن، فقد ذكر في مداخلته أن "المطلبي كان ناقداً من الطراز الأول، ومثقفاً شاملاً ذا رؤية واقعية، يقرأ كل شيء بعين نقدية، وتميّز بثنائياته الفكرية العميقة".

وكانت للناقد فاضل ثامر مداخلة أشار فيها إلى ان "المطلبي كان شخصية مركبة وعفوية، ومثقفًا موسوعيًا نادر النظير في الثقافة العراقية والعربية، يمتلك لغة ثرية مشبعة بالفكر والصورة مكّنته من الانتقال بسلاسة من الشعر إلى النقد".

وفي كلمة مؤثرة، عبّر د. عزيز المطلبي، ممثلًا عن أسرة الفقيد، عن عمق مصابهم بفقدان المطلبي، ملقيا الضوء على علاقته اليومية به، ونقاشاتهما المستمرة حول اللغة والثقافة والمعرفة، ومؤكدًا شغف الفقيد الدائم بالبحث الأكاديمي وحرصه على خدمة ثقافة وطنه وحضارته.

فيما تحدث د. غالب المطلبي عن اهتمام الراحل بلغة الطفل، وتشديده على ضرورة خلوها من التزييف، مبينا أن الراحل كان يدعو إلى النظر للعالم بعين الطفل، وهو ما وثّقه في كتابه "حفريات في اللاوعي المهمل".

واستعرض د. محمد عبد مشكور في مداخلة له، جانباً من مساهمات المطلبي النقدية، وما تركه من أثرٍ عميق في تلامذته وقرائه. فيما أكد الناقد د. مؤيد صوينت أن الدور الذي لعبه المطلبي كان وما زال وسيبقى مرجعاً لغوياً وثقافياً له أسسه المتينة والراسخة في روح الثقافة العراقية والعربية.

واختُتمت الجلسة بكلمةٍ للناقد د.علي الفواز، بيّن فيها أن "المطلبي كان جامعاً بين النص والأشياء، لاتصاله العميق بكل التفاصيل التي أُشير إليها، فضلًا عن كونه شاهدًا حيًا على تحولات المشهد النقدي العراقي بكل تعقيداته".

*****************************

قف.. حيتان الحروب 

 عبد المنعم الأعسم

في الحروب، والاضطرابات، ينتعش نشاط الحيتان. إنها فرصتهم الذهبية. يمشون في الجنائز حتى آخر إجراءات الدفن. يبكون بدموع مغشوشة، ثم يسبقون طبول التجييش إلى حفلات الموت والجثث، فيما أعينهم على ما هو أهم: المال الحرام، حيث يتشاغل الناس بفواجعهم، ومخاوفهم وغفلاتهم، وهم بذلك يمثلون طبع الحيتان التي قال فيها  عالم الحيوان المعروف كمال الدين الدميري:  "لا يهمها الجود ومكارم الاخلاق" بل "عظم فخد فريسة تُرك ليتعفن ويفسد" وعلى ذلك نصح الجاحظ بتجنب الحيتان المنفلتة التي تعودت أكل العنبر، وهو نوع من السمك اللؤلؤي، وأحسب إن الحوت الذي قطع رجل بطل رواية هيرمان ملفيل الشهيرة "موبي ديك" ينتسب إلى هذا النوع الغادر من الحيتان.

والحال، لا تختلف حيتان الحروب، في طبعتها وطباعها عن تلك الحيتان التي "تتنفس من منخرها الموجودة في أعلى الرأس" وتتخاطب في ما بينها بواسطة الصفير، ولدى الصيادين ورواد البحار قصص مروعة عن تلك الحيتان الغادرة، وأشك بالرواية القائلة بأن الحيتان لم تكن لتهاجم البواخر الأمريكية التي كانت تقل في القرن الثامن عشر نساء سجينات يجري نقلهن إلى جزر نائية لزجهن في أعمال السخرة الهمجية.

*قالوا:

" لكي تخلق التناغم في المعزوفات الموسيقية يجب أن تدرس النشاز".

بلوتارخ- مؤرخ اغريقي

**********************************

من ارتدادات الحرب  على آثار العراق توقف عمليات تنقيب ومغادرة فرق أجنبية

متابعة – طريق الشعب

وصلت ارتدادات الحرب الدائرة الآن في المنطقة، إلى قطاع الآثار في العراق. إذ أعلن عدد من البعثات الأجنبية إيقاف أعماله ومغادرة مواقع التنقيب، في وقت كان فيه العراق يسعى إلى استعادة موقعه بوصفه أهم ميادين البحث والتنقيب في حضارات بلاد ما بين النهرين.

وبدأ بعض البعثات الأجنبية بالمغادرة مع تصاعد الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة. ومن أبرز الفرق المتأثرة فريق عالمة الآثار الألمانية أيدلهايد أوتو، الذي كان ينقّب في موقع "تل فارة/ شوروباك" بالتعاون مع جامعة القادسية. وكان الفريق، الذي يضم 18 خبيراً ألمانيّاً إلى جانب 7 علماء آثار عراقيين، يستعدّ في 28 شباط الماضي لبدء مرحلة جديدة من العمل في الموقع السومري القديم. وقد سبق له ان عثر على ألواح مسمارية قبل مغادرته.

ومن بين المغادرين أيضاً أستاذة علم آثار بلاد ما بين النهرين في جامعة شيكاغو أوغوستا ماكماهون. حيث غادرت موقع نيبور الأثري جنوبي البلاد. وكان العمل في هذا الموقع قد استؤنف عام 2019 بعد انقطاع دام قرابة ثلاثة عقود، ما يعكس حجم الانتكاسة التي أصابت مشاريع الحفر الأجنبية، والتي كانت قد بدأت العودة تدريجياً إلى العراق بعد سنوات طويلة من التوقف.

كذلك من البعثات المغادرة، بعثة المتحف البريطاني، التي أعلنت ضمن برنامج يمتد بين عامي 2024 و2026 تنفيذ أعمال في موقع "كرسو/ تلو"، الذي يعود تاريخه إلى 5300 عام قبل الميلاد. وكان مقرراً أن يترافق المشروع مع ورش تدريبية يقدمها خبراء لشركاء عراقيين، إضافة إلى خطة لصون "جسر جيرسو"، الذي يعود إلى الألفية الثالثة قبل الميلاد، ويُوصف بأنه من أقدم الجسور المعروفة في العالم.

ولم تقتصر التداعيات على أعمال التنقيب، بل امتدت إلى الفعاليات العلمية المرتبطة بهذا الحقل. إذ كانت جامعة بغداد قد أعلنت عن استضافتها مؤتمر الآشوريات الدولي الـ71 بين 29 آذار و2 نيسان، قبل أن تعلن الرابطة الدولية للآشوريات إلغاء المؤتمر بسبب الوضع الأمني.

وفي مؤشر إلى تصاعد القلق على التراث العراقي، أعلنت منظمة اليونسكو في 30 آذار الفائت، بدء تثبيت شارات "الدرع الأزرق" على مواقع أثرية وتراثية في العراق.