اخر الاخبار

إن المورد البشري هو الاساس في خلق القيم الاقتصادية وبعكسه فان أي نمو لا يخلق وظائف أكثر وقيم أفضل وأفضل مقترنة بالحماية الاجتماعية الكافية، قد يفشل في تلبية الحاجات الضرورية للناس في الإبقاء حياة أكثر استقرارا، ومن هنا فان طاقات بشرية عاملة متعلمة وماهرة تمثل إحدى المكونات الأساسية في عملية الإنتاج وأدائها، وهذا الموارد لا يمكن أن تبرر مفاعيلها دون أن توليها الدولة ما يكفي من الاهتمام بتطوير قدراتها التقنية والمعرفية.

إن تطوير مهارات الأفراد الذين يمثلون الركن الأهم في قوى الإنتاج، يتطلب جملة من الأنشطة والفعاليات من خلال مقاربة لأعمام برامج خاصة توطد العمل المشترك في المجالات الوطنية والإقليمية والدولية تهدف إلى مواجهة الأزمات الاقتصادية والهزات المالية التي تتعرض لها البلدان التي تعتمد بوجه خاص على الموارد النفطية وضعف القطاعات الاقتصادية الأخرى كما يجري في العراق حيث لم تتوفر الضمانات الكافية في وجود وضع مالي ثابت ومستقر بسبب تذبذب أسعار النفط في الساحة الدولية، وفي مثل هذه الأوضاع يمكن الاستفادة من تجارب منظمة العمل الدولية التي ثبت نجاحها في العديد من البلدان التي حققت فيها إنجازات ملموسة  في إطار وضع برامج خاصة لتدريب العاملين.

لقد تعرض العراق خلال العقود الأربعة الماضية إلى ظروف ممعنة في قسوتها قادت إلى  هجرة عشرات الألوف من العقول العلمية والمواهب إلى مختلف دول العالم وخاصة الدول الغربية المتطورة التي قدمت للمهاجرين أفضل أسباب التوطين والاستثمار وتبوأ الكثير منهم مواقع مهمة وأبدعوا في إنجازاتهم هناك في قطاعات الإدارة والاقتصاد والطب، فعل سبيل المثال لا الحصر نشر موقع Inside Arabia   الأمريكي في تقرير له قبل عشر سنوات حيث أجرت منظمة الهجرة الدولية (IOM) بالتعاون مع وزارة الخارجية البريطانية وقدرت أن نسب الشباب العراقيين الراغبين في  الهجرة تصل إلى 99 في المائة. ويتضح مما تقدم بجلاء تنصل البرنامج الحكومي عن الاهتمام بالطاقات البشرية المتاحة وخاصة الشباب وتوظيفها في إنجاز المشاريع التنموية التي تضمنتها الخطط التنموية الخمس التي خططتها الحكومات العراقية بعد عام 2003 وتركتها تبحث عن قدرها في دول الشتات التي أولتها الاهتمام الكافي ووظفتها في مشاريع متنوعة اقتصادية وخدمية وثقافية فأبدعوا فيها.

 لكن الأمم المتحدة قد وضعت مقاربة هي أقرب إلى معالجة طاقات الشباب ودورهم في عملية التنمية  ففي  تقرير صادر عن برنامج الأمم المتحدة حول تطوير قدرات الشباب من الجنسين من المزارعين ودور المرأة ومساعدة العوائل المتعففة وقضايا ذات صلة في البيئة، ويعكس هذا التقرير  تنوعا  في الأنشطة والفعاليات  بعضها يتعلق بأساليب الزراعة الحديثة وتسويق الإنتاج وإلى تشجيع الصناعة المحلية تحت شعار (صنع في العراق) وبعضها يتعلق بتطوير قدرات الشباب من الجنسين على صناعة وتحضير منتجات غذائية من فطائر وأجبان ومنتجات أخرى، كما تشمل هذه الأنشطة تدعيم النساء النازحات من خلال إعطاء الجمعيات النسائية منحا صغيرة ومعدات مع تنظيم دورات تدريبية لتنفيذ مشاريع اقتصادية صغيرة وتقديم الدعم للمرأة العاملة لتمكينها من مصدر اقتصادي معيشي طويل الأمد.

وإضافة إلى ما جاء في تقرير الأمم المتحدة في تطوير الطاقات الشبابية فإن تقرير البنك الدولي يرى أن أثمن مورد يمتلكه العراق ليس النفط، بل هو "شعبه والطبقة الشابة" فيه، لكن عقود الصراعات عطّلت بناء رأس المال البشري وهذا ما قلّص من فرص النمو الاقتصادي. ويشير التقرير إلى أن الصراعات السياسية والظروف المتقلبة وسوء الإدارة الحكومية في العراق تسببت بخسارة طبقة الشباب العراقي عشرات المليارات من الدولارات، كان يمكن تحقيقها كمدخول صافٍ لتلك الفئة طوال السنوات الماضية.

بناء على ما تقدم ومن أجل تطوير طاقات الموارد البشرية فإن الدولة مطالبة بضمان حرية التفكير والإبداع وإيجاد المناخ المناسب أمامها وتمكينها من أداء دورها في عمليات البناء الاقتصادي والعلمي والاسهام الفعال في معالجة المشاكل الاجتماعية المتراكمة.