اخر الاخبار

إذا كان ماركس أول من توصّل لنظرية علمية تنقُد الملكية كمصدر استعباد من يملكون وسائل الإنتاج لمن لا يملكون سوى قوة عملهم، فقد سبقه، على مرّ الأزمنة، كثيرون اهتدوا ببصيرتهم الآدمية إلى أن الملكية نقيضٌ للعدالة والحرية، وأساسٌ للجَور الطبقي. وهو ما

يوجب على اليساري، في ظنّي، أن يُعمِّد ماركسيته لا بالكتب الحمراء وحدها، على عذوبتها، بل أيضًا بتراث الإنسانية؛ ذاك الذي ما إن تصفّحته حتى وجدت فيه الكثير: من مقولة المتصوّف البصري عن أن "حبّ التملّك شكٌّ لا يقين فيه، استبدلته الشهوة بيقينٍ لا شكّ فيه"، حتى بات تعلّقًا واستعبادًا للذات والآخر، وأفضى إلى تشيُّؤ الإنسان والعالم؛ إلى رأي كونفوشيوس بأن التملّك بلا فضيلة إفقارٌ للروح؛ ومن سقراط، الذي رأى الغنيّ من يحتاج للقليل لا من يملك الكثير؛ وصولًا إلى حكمة شعوب الأنديز التي لم ترَ للأرض مالكًا، فنحن جميعًا ننتمي إليها.

ولهذا، لم يُفضِ انهيار اشتراكية القرن العشرين إلى تخلّي الناس عن هذا التوصيف الدقيق للعلاقات غير المتكافئة التي تخلقها الملكية الخاصة، وما تُنتجه من بشاعة الاستلاب الاجتماعي واللامساواة، ومن استقطابٍ تناحري بين الجوعى والمتخمين. وقد وقف هذا التمسّك بجوهر الفكرة وراء تشخيص ما لم يكن نافعًا منها عند التطبيق، وصار حافزًا لإيجاد بدائل ناجعة له. إذ تتبنّى بعض أطياف اليسار اليوم الملكية الاجتماعية الديمقراطية، حيث تصبح وسائل الإنتاج مملوكة للمجتمع، وتُدار الموارد الطبيعية والطاقة والمياه والإسكان إدارةً ديمقراطية من قبل العاملين والمجتمع المحلي والدولة، باعتبارها حقوقًا جماعية لا ينبغي أن تكون خاضعة لمنطق الربح الخاص.

كما يدعو هذا اليسار إلى الملكية التعاونية، التي يملكها ويديرها العاملون، فتُحرّرهم من الاستغلال، وتضمن حقهم في حصة عادلة من فائض القيمة، ولا تفصلهم عن أدوات إنتاجهم، ولا تختزلهم لمجرّد منفّذين، ولا تُرغمهم على التخلّي عن المبادرة الفردية والابتكار.

ومع بروز الاقتصاد الرقمي، والملكية الخاصة للبيانات الشخصية أو للذكاء الاصطناعي كنماذج جديدة للاستغلال، تطرح هذه الأطياف فكرة نقل الملكية الرقمية والمعرفية من أيدي شركات التكنولوجيا العملاقة والمنصّات الرقمية، التي تُراكم أرباحًا هائلة من تفاعل المستخدمين دون مقابل، ومن خوارزميات تتحكّم في السلوك الاجتماعي وتعيد إنتاج الفوارق، إلى يد المجتمع.

كما تسعى أطياف يسارية عديدة إلى توسيع مفهوم الكفاح ضد الملكية الخاصة ليشمل الاستغلال الرأسمالي البشع للبيئة، الذي يكاد يُدمِي كوكبنا، وأنماط الهيمنة الذكورية التي تستعبد النساء في سوق العمل أو داخل الأسرة، فضلًا عن الاحتكار العالمي لوسائل الإنتاج الذي يعيد فرض علاقات استعمارية قديمة بأشكال جديدة.

ولأن الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج تتجاوز كونها علاقةً بين رأس المال والعمل المأجور، لتغدو أيضًا آليةً لإعادة إنتاج الهيمنة الاجتماعية والثقافية، عبر خصخصة الإعلام والمؤسسات التعليمية والرقمية، وتوجيهها نحو تشكيل وعيٍ جمعي يخدم مصالح المالكين، يرى اليسار أن الخلاص منها سيصحح العلاقة بين الإنسان والنظام الاقتصادي والسياسي والثقافي، وصولًا إلى بناء مجتمع الحرية والعدالة.

وإذ يترك بعض اليساريين، في البدء، فسحةً للتسامح مع السوق، فإنهم يشترطون أن يكون للمجتمع والدولة دورٌ رئيسي في تنظيم الإنتاج والتوزيع، وأن يندرج ذلك كله بمجرى كفاح لا يهدف إلى إنهاء الاستغلال الاقتصادي فحسب، بل إلى إسقاط كل أنماط السلطة التي تُكرّس العبودية وتعيق إمكانيات التحرّر الفردي والجماعي، وتُنتج مواطنًا خاضعًا يستهلك أكثر مما يخلق، فضلًا عن ابتكار متواصل لأشكال جديدة من الملكية والإدارة تقوم على الديمقراطية الحقيقية، بعيدًا عن الهيمنة وعن فوضى السوق.