المؤشرات الدالة على انخفاض أسعار البترول تضع متطلبات الموازنة السنوية أو التنمية المستدامة في دائرة الخطر، وتشير إلى صورة قاتمة ومتشائمة لمستقبل الاقتصاد العراقي ولا تخفف من وطأة هذه الملامح التصريحات الحكومية بتوافر القدرة المالية على توزيع رواتب موظفي الدولة والمتقاعدين والرعاية الاجتماعية، وهذه المؤشرات يظهرها خام البصرة الثقيل او خام البصرة المتوسط فضلا عن خام تكساس الوسيط الأمريكي و خام برنت القياسي، وكلها تعكس ضغوطا متزايدة على سوق النفط العالمية وتبرهن أن المنحنى يستمر في الانخفاض في المستقبل القريب والمتوسط ونتائجها إجمالا ستؤدي إلى تعطل مشاريع التنمية وتآكل القدرة المالية للدولة في ظل انخفاض مريب للإيرادات غير النفطية والمبالغة في الإنفاق على مجالات غير منتجة وسوء الإدارة المالية.
ويجمع خبراء الاقتصاد في بلادنا أن أرقاما ضخمة لا تصرف على مشاريع جديدة ولا تسجل كاستثمارات بل تتحرك يوميا تحت عناوين تشغيلية تبدو لأول وهلة ضرورية لكنها في الواقع تمثل واحدة من أوسع أبواب الهدر المالي وتظهر في الموازنات السنوية مختفية في المنطقة الرمادية بين صيانات ونثريات وإفادات وإعانات خارج المؤسسات.فهناك تقديرات تقارب 21 تريليون دينار تدرج تحت البنود أعلاه وتحول كأعباء ثابتة على الموازنات من دون أثر في قطاعات الإنتاج مفيد للمجتمع وموزعة عل كافة المؤسسات الحكومية، ولا أحد في الحكومة او مجلس النواب يتوقف عندها للمناقشة، وهي عبارة عن بنود فضفاضة تحت تصرف معتلي الدرجات العليا، وهي بطبيعتها غير قابلة للقياس في ظل غياب حسابات ختامية تكشف عن مجال انفاقها. فعلى سبيل المثال في إحدى الدوائر أدرجت 5 مليارات دينا تحت عناوين صيانة موجودات وشراء سلع وخدمات نثرية وأثاث كلها على الورق، وهذه المبالغ دخلت على حسابات تلك الدائرة في ليلة واحدة وفي صباح اليوم التالي صرفت بالكامل وعند إثارة هذه الحالة تم تشكيل لجان تحقيقية وأخرى للتضمين المالي وفي نهاية المطاف خفض حجم المبلغ الذي جرى تضمينه إلى مليار دينار، فيما صنف الجزء الأكبر من القيمة على انه استخدام غير مقصود او سوء تصرف في إطار موازنة البنود، وفي مثال آخر 661 مليار دينا أنفقت كإعانات خارجية موجهة إلى جهات خارجية.
ومن جهة أخرى وعلى الرغم من تأكيد المستشار المالي لرئيس الحكومة ان الرواتب ومدفوعات الرعاية الاجتماعية تعد التزامات سيادية منتظمة لا يمكن تأجيلها حتى مع انخفاض أسعار النفط عن المستوى الذي اعتمدته الموازنة العامة بما يعادل 5-9 في المائة غير أن الأزمة المالية التي يحققها انخفاض أسعار النفط موضوع بحثنا ولجوء الحكومة إلى بعض التدابير ومنها رفع أسعار التعرفة الكمركية او زيادة سعر صرف الدولار، وهذا ما حصل في السوق الموازية والذي اقترب من 1500 دينار للدولار ،فان نتائجها ستدور بالضرورة على ارتفاع سعر المستهلك فإن الرواتب والاعانات الحكومية التي تسمى بالرعاية الاجتماعية ستؤدي إلى تآكل قيمتها حتى وأن سلمت في أوانها و ستعاظم حجم عبء التكاليف على المواطن.
وفي التحليل النهائي فإن الأزمة المالية هي تعبير عن جملة من التحديات الاقتصادية التي يمر بها الاقتصاد العراقي واستمرت لازمة له منذ عام 2003 وانعكست آثارها على ضعف مرونة الاقتصاد وتداعي بنيته التحتية، الأمر الذي يتطلب مراجعة السياسة الاقتصادية بصورة عامة وبضمنها السياسة المالية عبر تصميم المبادرات التمويلية على أسس أكثر دقة ووضوحا وبالدرجة الأساس اختيار الكفاءات المالية التي تمتلك خبرة مالية واسعة، ونزاهة لا يشوبها الشك من خلال اعتماد الأسلوب الذرائعي في تعليل الازمات المالية، والقدرة على توجيه التمويل نحو قطاعات إنتاجية مثمرة وتمكينها من توسيع القدرة الإنتاجية والتصديرية مثل القطاع الصناعي والقطاع الزراعي وقطاعات السياحة والخدمة والتخلص من المجالات الشبحية التي تندرج في بنود الموازنة كالنثرية والإيفادات غير المنتجة وما شابهها التي تنتشر بينها فايروسات الفساد والهدر المالي والنفقات المشبوهة وعند ذاك يتخلص الاقتصاد من طابعه الريعي.