على حين غرة تصاعدت أصوات تنادي باحترام السيادة العراقية والقرار الوطني المستقل، في حين ان اصحابها هم من أسهموا، بهذا الشكل او ذاك، في تعويمهما وثلمهما. فمعروف ان التدخلات الخارجية يصعب ان تجد مساحة للتحرك في دول قوية ومتماسكة، بينما تستثمر عادةً في هشاشة الدول وضعف بنائها الداخلي.
والهشاشة هنا ليست فقط في القدرات العسكرية والأمنية، بل كذلك عندما تضعف الدولة في ممارسة حقها الطبيعي في حدود اقليمها، وتعجز مؤسساتها عن أداء وظائفها، وتفتقد السلطة فيها للشرعية الشعبية، وترهن قرارها باجندات خارجية لا يجمعها جامع مع المصالح الوطنية.
فمن اضعف هيبة الدولة وقدرتها على اتخاذ القرار وإنفاذ القانون على الجميع ، واوجد هذا الشرخ في العلاقة بين المواطن ومؤسسات الدولة ، وتسبب بممارساته ونهجه في تشظي المجتمع الى عناوين وهويات فرعية ، وفي تشكل اقلية متغطرسة مترفهة متنفذة على حساب جوع وفقر ومرض ملايين العراقيين، واسهم في تحويل بلدنا الى ساحة لصراعات المصالح الخارجية وتصفية الحسابات ، وسكت على اختراقات متعددة واعتداءات متكررة ، وانكفأ الى مصالح انية برغماتية ضيقة على حساب القضايا الوطنية الكبرى، وفقدان القدرة على احتكار أدوات العنف ، وغير ذلك من مظاهر ضعف الدولة وشللها ، هو من يتحمل كامل المسؤولية عن املاءات اليوم والتدخلات الخارجية الفجة المدانة في شؤون الوطن، من اية جهة جاءت!
ومعروف ان هيبة الدولة وقدرتها على فرض القانون ، وانسيابية عمل مؤسسات الدولة ووحدة القرار فيها، وقدرة السلطات على ممارسة صلاحياتها الدستورية والقانونية ، وعلى قول ما تفعل وفعل ما تقول ، هو الوجه الظاهر للسيادة. وحين تكون الدولة كذلك، يتردد الغرباء كثيرا في اختبار قوتها والتحرش بحدودها والتدخل في شؤونها. ومقابل هذا فان أية دولة تعجز عن التعبير عن إرادة شعبها، وضبط السلاح او تنفيذ قرارات القضاء او حماية المال العام، وكذلك حماية حدودها ، تكون سيادتها منقوصة مهما علت الأصوات متغنيةّ بالسيادة. وهي في حالات كهذه لا تكون اكثر من شعارات تردد في المناسبات، وحين الطلب والحاجة.
انه العبث بعينه حين تختزل السيادة الى تقديم رضا دولة اجنبية، وبالذات الولايات المتحدة الامريكية، بوصفه علامة إيجابية او ضمانة لأي منصب سيادي في العراق. فهذا يعكس خللا بنيويا في مفهوم الشرعية السياسية، حيث انها في الدول المستقرة تستمد من الشرعية الشعبية وإرادة المواطنين، ومن القدرة على إدارة الدولة وتحقيق مصالح مواطنيها. وفي راهن الحال في بلادنا يضاف اليه تبني برنامج متكامل بجوانبه المتعددة، لوقف التدهور وإخراج بلدنا من ازماته المتفاقمة، والسير على طريق معافاة الوطن وتخفيف معاناة الشعب.
إن الركض وراء كسب رضا دولة اجنبية، والتفاخر بامتلاك علاقات قوية معها، لا يعكس الا خطابا مزدوجا على نحو جليّ، لاسيما عندما يصدر من قوى عقائدية ترفع شعارات تقول بغير ذلك. فهي والحال كذلك لا تجد حرجا في استجداء رضا أمريكا، عندما يخدم ذلك صراعها من اجل السلطة. وهذا ما يكرس القناعة الشعبية بان البعض لا يرى في الشعارات الا أدوات للاستهلاك الداخلي، والا وسيلة لبلوغ الغايات. وفي نهاية المطاف يبدو الموقع السيادي وصفة لتوافقات وصفقات خارجية، لا تعبيرا عن إرادة وطنية وحاجة تفرضها الظروف الراهنة.
ان ما يجري اليوم، ورغم الرفض العلني للتدخلات الامريكية، يضعنا امام منظومة حكم فقدت قدرتها على انتاج شرعيتها عبر الإرادة الوطنية، وتتطلع الى الخارج والاستعانة به للحصول على شرعية مستوردة، ولكنها مُكلفة سياسيا ووطنيا، وراهنة القرار الوطني العراقي لمن اضفى تلك الشرعية الزائفة.
لذلك نخلص الى انه لا سيادة وطنية من دون الخلاص من منظومة المحاصصة، ولا قرار مستقلاً من دون استعادة هيبة الدولة. ولا سبيل الى هذا وذاك، الا بتغيير جذري في نهج المنظومة الحاكمة المتنفذة.