في الوقت الذي يُفترض فيه أن تكون الجامعات فضاءاتٍ للعلم، والفكر الحر، والنقد البنّاء، يبرز في بعض الجامعات العراقية مسارٌ يثير القلق، يتمثل في استضافة شخصيات وشعراء معروفين بخطابهم الطائفي وعدم احترامهم لمعتقدات الآخرين. وقد جرت مثل هذه الاستضافات ضمن مهرجاناتٍ وفعالياتٍ تُدرَج شكلياً تحت عنوان "الثقافة"، في حين تفتقر في مضمونها وروحها إلى أي قيمة ثقافية حقيقية.
المشكلة ليست في المهرجانات أو الفعاليات بحد ذاتها، بل في طبيعة الضيوف الذين يتم اختيارهم، وفي الرسائل الفكرية الضمنية التي تُمرَّر من خلالهم داخل مؤسسات أكاديمية يُفترض أن تكون محايدة، جامعة، ومنفتحة على جميع مكوّنات المجتمع دون تمييز أو إقصاء. الجامعة ليست منصةً لأي خطابٍ إيديولوجي ضيق، ولا فضاءً لتكريس الانقسامات، بل هي مكان لتكوين العقل النقدي، وتعزيز قيم المواطنة، والاحترام المتبادل، والتعددية الفكرية. استضافة شخصيات اشتهرت بخطاب طائفي أو بإساءات رمزية لمقدسات الآخرين، يضع علامة استفهام كبرى حول المعايير التي تعتمدها الإدارات الجامعية في اختيار ضيوفها، وحول حدود المسؤولية الأخلاقية والثقافية للمؤسسات الجامعية. الطلبة، وهم في مرحلة حساسة من التشكّل الفكري، يتأثرون بما يُقدَّم لهم داخل الحرم الجامعي، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. وعندما يُمنَح الخطاب الطائفي مساحة أكاديمية، فإن ذلك يفتح الباب أمام ترسيخ الانحياز، وتطبيع الإقصاء، بدل ترسيخ الحوار العقلاني والتفكير المستقل. فالعلم والبحث الأكاديمي لا يمكن أن يزدهرا في بيئةٍ تُغلَّب فيها الاعتبارات الطائفية أو الولاءات الضيقة.
الجامعات العراقية مطالَبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بحماية استقلالها الفكري، والابتعاد عن أي ممارسات قد تُفسَّر بوصفها انحيازاً أو تبنّياً لخطابٍ يقوّض السلم المجتمعي. وإذا كانت الجامعات حريصة على سمعتها الأكاديمية ودورها التنويري، فإن مراجعة سياسات الاستضافة والفعاليات باتت ضرورة ملحّة، على أن يكون الاحترام، والتنوّع، والنقد العلمي الرصين هي المعايير الحاكمة. فالمسؤولية هنا لا تقع على الإدارات وحدها، بل على الجسم الأكاديمي بأكمله، دفاعاً عن الجامعة بوصفها بيتاً للعلم، لا ساحةً للصراع الطائفي، وحصناً لمستقبل الطلبة، لا عبئاً عليه.