اخر الاخبار

حين تتجسد مفردة التضحية بشخص حبس نفسه مدة ست سنوات، بعيدا عن أعين النظام الدكتاتوري البائد، تعني فقدانا لحريته الشخصية، واختيارا للطريق الأصعب عن طيب خاطر لا طمعا بمجد.

إنها حكاية ضمير لابد أن تروى لأجيال ولأجيال.

أبو نضال ، مهدي صالح ، يكفي أن يوصف بجيفارا العراق أسوة بالمناضلين الشرفاء، ينتمي لقرية قصية على ضفاف الفرات، حيث النخيل والأشجار الوارفة تغذي طيبة أهلها بالنقاء والوفاء والتسامح والرحمة.

في قرية الحصين جنوبي الحلة نشأ مهدي منتميا لعائلة (كاشف الغطاء ) الدينية المتنوّرة .. منذ بواكيره انتبه لحوار بين بعض أهالي القرية، يتحدثون فيه بفخر واعتزاز عن بطولة المناضل الشيوعي عبد الجبار وهبي ( أبو سعيد)، الذي فضل الاستشهاد تحت التعذيب على "الاعتراف"، حتى حين وضعوا رأسه بين فكي كماشة ماكنة "منكنة".

هزته تلك الصورة الشنيعة فقرر الانتماء لفكر المناضل نفسه، والإنضمام الى حزب وطن حر وشعب سعيد. فكان اصغر شيوعي في منطقته، بعمر ست عشر سنة لا اكثر.

واصل نشاطه بدأب وحرص حتى بدأ الحزب " الحليف" مطاردة كل شيوعي. فهرب من قريته وتخفى في أماكن عديدة، لكن الملاحقة لم تتوقف.

 فلجأ الى بستان أهله في العام 1981 وشرع بشق حفرة تحت شجرة رمان، واستغرق الحفر أياما وأياما حتى تمكن من توسيع المكان إلى نحو ثلاثة أمتار طولا و مترين ونصف عرضا، (وشتان بين حفرته تلك وحفرة العار لصدام حسين).

حفر في مخبئه أيضا رفوفا لكتبه وكتب الرفاق من أهالي المنطقة، وبعدها شق حفرا أخرى اصغر في إرجاء البستان.

وصارت البستان بعدها ملجأ لعدد آخر من الرفاق، بينهم كامل سعود الجبوري وأخوه الشهيد أنور الذي اعدم فيما بعد، إخوة المناضلة ماجدة الجبوري،  وعطا عباس ، وأبو رهيب – كاظم عبيد  الذي قاد التنظيم بعد إعدام الشهيد  طالب باقر – أبو رياض.

تمر الأيام والسنين، وهو ورفاقه يُمضون نهاراتهم بالقراءة وبإعداد منشورات الحزب ، ويتجرأ بعضهم على الخروج ليلا والذهاب الى الحلة وأبعد منها.

 وكانت لليل حكايات أخرى حين يُغطى بجناح عتمته على تركهم المخبأ لكسب قوتهم في جني التمور وتحطيب الأشجار والصيد في النهر القريب.

واحتوت التجربة الفريدة حكايا مدهشة، تصلح لتكوين رواية طويلة بإبطال أفذاذ ونساء من القرية بينهم والدة مهدي وأخواته ورفاقه، الذين كانوا يمدونهم بالطعام ويقومون بتوزيع منشورات الحزب. ومن بينها حكاية المناضلة أم حيدر التي سأتناولها لاحقا.

امضي أبو نضال ست سنوات في سجنه الاختياري، رغم تنقله بين حين وحين من مكان لآخر وتعرضه لمطاردة الشرطة والأمن، حتى تحرر من المخبأ نهائيا بعد ورود معلومات عن وصول قوة كبيرة لمحاصرة المكان. فهرب منه ليواجه متاهات دروب الاختفاء في شمال العراق وجنوبه، ولتمتد سنوات اختفائه الى 15 عاما، حتى استقر في النهاية لاجئا في هولندا.