اخر الاخبار

في صميم العلاقة بين الدولة والمجتمع تقع موضوعة الحريات بعناوينها المتعددة، ووجودها مؤشر هام على طبيعة النظام السياسي القائم، وعمق وعي المواطنين. 

تضمن الدستور المقر عام ٢٠٠٥ والنافذ العديد من تلك الحريات ، خاصة في المواد: ٣٨ و٣٩ و٤٢ التي  اشرت الى كفالة الدولة لحرية التعبير عن الراي بكل الوسائل، والصحافة والطباعة والاعلان والاعلام والنشر، كذلك حرية تأسيس الجمعيات والأحزاب السياسية والاجتماع والتظاهر السلمي، فيما راحت المادة٣٧ تشدد على ان حرية الانسان وكرامته مصونة، وان الدولة تكفل حماية الفرد من الاكراه الفكري والسياسي والديني.

وهذه النصوص لم تُثبت اعتباطا قدر ما هي انعكاس لدرس مستخلص مما مر به بلدنا وخاصة في العهد الدكتاتوري المقبور، فيما هي ليست بمعزل عن التجربة العالمية وما حققته الشعوب في نضالها. وكان يراد لها ان تؤسس لمرحلة جديدة في تاريخ العراق تقوم على احترام التعددية في المجتمع، ومنها السياسية والفكرية، وكفالة حق الاختلاف والراي الاخر، وان تصان الحريات العامة والشخصية.

بعد تجربة ٢٣ سنة يمكن القول ان المسافة بين النص الدستوري والواقع ما زالت واسعة، على الرغم من وجود الهامش الديمقراطي والإطار الدستوري الذي هو متقدم نسبيا بنصوصه ومواده على الواقع السياسي العراقي.

وواضح للمتابع بان التطبيق واجه ويواجه اليوم أيضا مجموعة من العقبات والعوائق في المقدمة ضعف تكوين مؤسسات الدولة وهشاشتها وعدم قدرتها على أداء مهامها على الوجه السليم ارتباطا بماهية البناء وصولا الى تضارب وتداخل الصلاحيات، وكذلك انتشار السلاح خارج اطر الدولة الدستورية، وتأثير ذلك على المواقف والقرارات، وما يجعله سيفا مسلطا على الرقاب، وعدم توفر البيئة المناسبة لإنفاذ القانون بسلاسة على الجميع.

والشيء الواجب الذكر ان العديد من الكتل والقوى السياسية محكومة مواقفه بارتباطات لا علاقة لها باي مسعى جدي لترسيخ الممارسة الديمقراطية الحقة وما يترتب على ذلك من التزامات دستورية إزاء المواطنين وحقوقهم، ومن تلك القوى ما زحفت اليه الديمقراطية زحفا ولما يهضمها   بعد وعنده لا تتعدي اجراء الانتخابات على ما يشوبها من ثغرات جدية في بلدنا وهو ما دللت عليه انتخابات مجلس النواب الأخيرة.

وتتوجب الإشارة أيضا الى ان هناك قوانين نافذة موروثة من حقب حكم سابقة، أحيانا تستل متى كانت لها حاجة للتضييق على الرأي ومصادرته وأحيانا تحت عناوين مفتوحة بلا ضفاف مثل " العادات والتقاليد" "و " الآداب العامة " و" خصوصية   هذه المنطقة او تلك" و " النظام العام " و " إهانة السلطات الرسمية “وغير ذلك.

ومن دون شك فان الواقع الراهن شديد الارتباط بطبيعة المنظومة المتحكمة، والمنهج المتبع الذي اوجد تداخلا كبيرا بين الدولة والكتل المتنفذة وخضوع المؤسسات الرسمية وقراراتها لاعتبارات سياسية صرفه مرتبطة بهذه الجهة او تلك ولذا نجد المواقف الانتقائية التي يصعب تطبيق أي من المعايير المهنية عليها، وهنا تغيب الدولة كمؤسسات وقانون. فعندما تدار مؤسسات الدولة على وفق الاجتهادات السياسية، فمن الطبيعي ان تتأرجح قضية الحريات وتحسب بمعيار الربح والخسارة، لا بروح الدستور وجوهره وإمكانية القضاء على ممارسة دوره كاملا في حماية الحقوق والحريات.

ومن دون شك ان معالجة هذه الفجوة الكبيرة بين روح الدستور والواقع المعاش يتطلب وجود إرادة سياسية حقيقية، وقوى تقبل بالراي الاخر المختلف، ولا تضيق ذرعا به. وهذا مشروع نضالي يحتاج الى عمل صبور، وتنمية وعي، تتشارك فيه قوى تؤمن حقا بالحريات واهميتها على استقرار البلد وسيره الى امام نحو التنمية والرقي والازدهار.