في مثل هذه الايام من شباط قبل 28 عاما رحل (بأحد مستشفيات لندن) القائد الشيوعي، البلشفي، ابو حسان، ثابت حبيب العاني، تاركا إرثا وسيرة واوراقا لا تُقدر بثمن، وكان في سنواته الاخيرة قد قاتل الدكتاتورية مع حركة الانصار الشيوعيين في كردستان، ونزح عنها مع مليون نازح من سكان القرى الكردية امام جرافات الانفال وحملة الابادة الجماعية، وحمل معه ذكريات القتال وجرحا غائرا من شظايا القصف ووساما من غاز الخردل كان قد ضرب رئتيه، وفقد البصر لأيامٍ، قبل ان يستعيده بعلاجات ريفية بسيطة، وليضع اسمه، مع انصار كثيرين، على لائحة ضحايا الانفال الطويلة.
كنت قد سجلت ذكريات ابو حسان في جلسات امتدت شهورا. كان يتوقف، احيانا، في غمرة السرد المبكر عن حياته، ليصمت، إذ تداهمه صور الاحداث المروعة في تلك الوديان المنقطعة، فيروي، وكأنه يتحدث مع نفسه، بطولات ومآس لمقاتلات ومقاتلين ومثقفين وقرويين، وفي كل مرة اقول لابي حسان "لا تستعجل، سنأتي الى تسجيل واقعة الانفال". في المستشفى، سألني ابو حسان ما اذا سيأتي يومٌ تدفع فيه الدكتاتورية القصاص عن جرائمها، قلت أداهره: المهم هو خلاصنا من حكم كارثي جاءنا بالانفال والحروب والمهانة، والبقية تفاصيل. يصمتَ ابو حسان طويلا، ويقول: صحيح، لكن الفرحة ستكون ناقصة من دون ان يكونوا وراء القضبان، فاقول له: "انت تحلم يا ابا حسان اكثر مما يسمح به سقف احلامنا".
كان ابو حسان يرى ولم يكن يحلم.
*قالوا:
"معنى ان يحيى المرء، هو أنْ يناضل".
غرامشي